الرئيسية / التصوف / قونية في أغاني بزي

قونية في أغاني بزي

image_pdfimage_print

aghani-Konia

حوارات نت — بقلم: إيمان شمس الدين — قونية تلك المدينة الوادعة في وسط الأناضول في تركيا، تحمل في جوفها قلبا نابضا بالعشق الإلهي هو قلب جلال الدين الرومي ذلك الإنسان المتأله الذي أذابه عشق الله وذاب به كل عاشق لله،

هي موطن حوى حياة جلال الرومي الروحية، كما حوى مرقده الذي جسد خاتمته في لقائه لمعشوقه في رحيل أبدي خالد.

غنى الدكتور محمد حسين بزي قونية في أشعاره التي ضمنها ديوانه الأخير ” أغاني قونية” ، فاختصر مساحة قونية الجغرافية وأهميتها التاريخية بنبض قلمه الذي غرد يترجم نبض قلب الرومي .

أنشد قائلا :

مَنْ لَيْس َ لَهُ عَيْنٌ يَسْتَبْصِرُ عَنْ غَيْبٍ

فَلْيَأْتِ على شَوْقٍ في خِدْمَةِ مَوْلانا

ثم نصح :

مَنْ كانَ لَهُ هَمٌّ يُفْنيهِ ويُرْديهِ

فلْيَشْرَبْ ولَيَسْكَرْ مِنْ قَهْوَةِ مَوْلانا

وسبح قائلا في ترنيماته الجمالية الذائبة عشقا :

فَدَيْتُكَ يا ذَا الوَحْيِ آيتُه تَتْرى

تُفَسِّرُها سُرًّا وتُكَنٍّي به جهراً

وأَنْشَرْتَ أَمْواتًا وَ أَحْيَيْتُهُمْ بها

فَدَيْتُكَ ما أَدْراكَ بالأمرِ ما أَدْرى

فعادوا سُكارى في صِفاتِكَ كُلُّهم

وما طَعِموا إثمًا ولا شَرِبوا خَمْرًا

ولكنَّ بريقَ القربِ أَفنى عُقولُهم

فسُبْحان من أَرْسى وسُبْحان من أَسْرى

وكأنه يحاكي بها كلمات مولانا حين قال :

نسكَرَ،

لا الآلاتِ وقصفِ الغناءِ حتى ننتهي مجاذيبَ.

لا مُنشدينَ، لا مُرشدينَ، لا شدوَ،

بل نثبُ حول بعضٍ جامحينَ تمامَ الجّموحِ.

وكأن بزي في أغانيه يرد على مولانا قائلا:

سلامٌ على قَوْمٍ تنادي قُلوبُهُمْ

بأَلْسِنَةِ الأَسْرارِ شْكْرًا لَهُ شُكْرًا

لقد رسم بزي بريشته الشعرية في أغاني قونية، أسرار العاشقين التي طالما أرقت مولانا، حيث جَسّر بشعره بين زمانين ، زمان مولانا الرومي وزماننا الراهن ، فطاف كعاشق حول أستاذه ، ثم نهض من أعماقه العقلية المعتقدة بالإشراق كفلسفة، إلى أعماقه القلبية المتعلقة بتلابيب صوفية مولانا.

وفي وَجْدٍ صدح بصوت جَلْجلَ بيروت في عام ٢٠٠٧ حيث أقر معترفا :

أَحْرَقَ الوَجْدُ العُطاشى كَاحتراقِ الياسمينْ

عِنْدَما فاضَتْ مَرايا بِدماء العاشقينْ

وطالما انتظر بزي الحلاج ذاك الملهم العارف لكل المتطلعين للقاء فخاطبه في انتظار الحلاج :

أَنْتَظِرُ حَلاّجاً كان أخبَرَني

أَنْ يَصْحَبَني

مِنْ موتي وَعْداً

شِعْراً

حُبّاً

حَيّاً

مِنْ بعدِ موتِ الأَيّامْ

ورغم موت الأيام استطاع الدكتور بزي أن يحييها بشعره الذي بث الروح مجددا في صوفية الرومي وعرفان الحلاج ، كأنه سكرٌ ينشد سلاماً في زمن غارق بالدم حتى الثمالة. فاختياره للجغرافيا ” قونية” اختيار أعاد به الماضي للحاضر، وربط بينهما بأغانيه الشعرية التي رقصت على ألحان صوفية الرومي وإشراقية بزي ، مازجا بين العقل والقلب مزجة فلسفية بروح صوفية لإنسان سعى للتأله.

لا أدعي أنني شاعرة، فأنا مجرد عابرة سبيل تتذوق جمال الشعر، خاصة ذلك الغارق في العشق ، وحينما رست سفينتي على شاطيء أغاني قونية ورشفت من قهوتها وشرابها، ما لبثت أتمتم من شعرها الذي يقول :

أُناشِدُكُم بِاللهِ تَعْفونَ إِنني

لقدْ ذُبْتُ بالأشْواقِ وَالحُبِّ والوَلا

لِمَوْلَى ترى في حُسْنِهِ و جَمالِهِ

أَماناً مِنَ الآفاتِ والمَوْتِ والبلا

سَقَى الله أرْضًا شَمْسُ دينٍ يَدوسُها

كَلا الله تَبْريزاً بأحْسَنِ ما كَلا

في إشارة واضحة لشمس التبريزي الأستاذ الذي تتلمذ على يديه جلال الدين الرومي.

في أغاني قونية اعترف شاعرها أنها بدء أساطيرُ نشوره، حيث رماده صفوة خلقه القادم، الذي ننتظر صفوته القادمة من رماده أن تجود علينا شعرا يلهب القلوب المتعطشة للعشق، ويروي ظمأ عابري السبيل من واحة الأحدية الزلال.

أغاني قونية محطة شعرية تجذب إليها الباحثين في ذاتهم عن الله، والهاربين من صخب العنف وصراخ الدم، ليجدوا في بحرها وعلى شواطئها حروفا نابضة بالسكر في عشق الله، وتائهة في صحراء قلبها تبحث عنه.

(Visited 126 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

 عندما يكُون التّرَاث الإنسانيّ عامّة والصُّوفيّ تحديدًا، مَبْحثا فكريّا يَسْتثِيرُ العُقول، وحينمَا تكُون الطّرُق الصُوفيّة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification