الرئيسية / علم الكلام الجديد / نقد الفهم الرسمي للدين – قراءة نقدية لأفكار محمد مجتهد شبستري

نقد الفهم الرسمي للدين – قراءة نقدية لأفكار محمد مجتهد شبستري

image_pdfimage_print
نقد القراءة الرسمية للدين
نقد القراءة الرسمية للدين

 

حوارات.نت ـ إعداد: د. عبدالله نصري

يقع كتاب نقد الفهم الرسمي للدين، من تأليف الشيخ محمد مجتهد شبستري، في أربعة أبواب، وهي: 1. أزمة الفهم الرسمي للدين؛ 2. المفاهيم السياسية الحديثة والتراث الإسلامي؛ 3. حقوق الإنسان؛ 4. الفهم الإنساني للدين.

يتألّف كلّ من الأبواب المذكورة من عدّة فصول، عبّر المؤلف خلالها عن آرائه، ولديّ ملاحظات على كثير ممّا ورد في الكتاب، أتطرّق لبعضٍ منها في مراجعة أفكار المؤلّف حول: إمكانية تعدّد القراءات الدينية، لا جدوائية الفقه وعدم فاعليّته (الفصل الأول من الباب الأول)، وحقوق الإنسان (الفصل الثالث).

تعدّد القراءات الدينيّة، الإمكانية والمنطقيّة ـــــــ

أمّا فيما يخصّ بحث القراءات، وإمكانية تعدّدها، فيعتقد شبستري بتنوّعها؛ لكنّه يشرع في نقد مخالفيه، قبل تنقيح أسسه الفكرية؛ كما يتبنّى تفسيراً خاصّاً لنظرية وحدة القراءة؛ إذ يرى عدم تمسّك مؤيديها بقراءة النصوص الدينية، بل يرون ضرورة ترك قراءة النصوص (ص367).

لا علاقة لأسسهم الفكرية والفلسفية، بقراءة النصوص الدينية، إذ يشكّل التحليل المعرفي، الذي يقوم على ميتافيزيقيا أفلاطون وأرسطو ــ وهي معرفة أنطولوجية ــ أساسهم الفكري، ويقولون: إنّ النبي كان يؤكّد على تلك المعرفة العلم وجودية في رسالته. وهذا هو التفكير السائد في الفلسفة الإسلامية، فمثلاً، من المفاهيم المطروحة، أنّ الله علّة العلل، أو واجب الوجود من جميع الجهات والحيثيات، والدين مظهر لله، ويعتبرون الوحي، اتصال النبي بالعقل الفعّال، ولا علاقة لأيّ من هذه المفاهيم بفكرة القراءة المطروحة اليوم (ص367).

وهنا ملاحظات عديدة على هذا الكلام:

أولاً: مصطلح علم وجودية، مصطلح خاطئ، فلم يأت به أيّ مفكّر؛ إذ يحمل معنى المعرفة في طيّاته، ولا تتصف المعرفة بأنّها علم وجودية.

ثانياً: لا علاقة بين بناء الأسس الفلسفية لمفكّرٍ ما على آراء أفلاطون أو أرسطو، وبين تأييده لوحدة القراءة أو تعدّدها.

ثالثاً: لو كان المراد من القراءة، فهم النصوص الدينية، فوصف الله بعلّة العلل، أو واجب الوجود، أو اعتبار الوحي اتصالَ نفس النبي بالعقل الفعّال، هو نوع من قراءة الدين، وليس الأمر كما يقول الكاتب: لا علاقة لأيّ من هذه المفاهيم بفكرة القراءة المطروحة اليومn، وكلّ تفسير يأتي به المفكّرون ــ في الماضي أو الحاضر ــ للمفاهيم الدينية، هو نوع من القراءة، حسب اعتقاد الشيخ شبستري نفسه.

تعارض الميتافيزيقيا وقراءة النصوص ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بوجود تعارض بين الميتافيزيقيا ــ سواء انتسبت إلى أفلاطون، أو أرسطو، أو الملاصدرا ــ وقراءة النصوص؛ فحتى لو اعتبرنا قراءة النصوص أمراً عرفيّاً سائداً، لكنّها اليوم توجّه فلسفي جديد، غير التوجّه الفلسفي الأنطولوجي، كما كان في متافيزيقيا أفلاطون وأرسطو، وقد اتّبع بعد إدخال تعديلات عليه، حيث ظهر في آراء صدر المتألهين باسم الحكمة المتعالية، أي الميتافيزيقيا، بحلّة جديدة (ص367).

وخلافاً لما يراه الشيخ شبستري، لم تتعارض قراءة النصوص والميتافيزيقيا؛ فلو واجه أحد أتباع أفلاطون، أو أرسطو، أو ابن سينا، أو الملا صدرا، نصّاً ما ــ دينياً كان أو غير ديني ــ لحاول فهمه، وقد تؤثر آراؤه الفلسفية في فهمه هذا، ولم يقصد أيّ من المفكّرين الإسلاميين لزوم ترك قراءة النصوصn، حتى من قال منهم بعدم إمكان تعدّد القراءات الدينية، أفهل يمكن ذلك؟! كما لا يمكن تجاوز الأصول الميتافيزيقية في فهم أيّ نص وقراءته، وكما يقول مؤيدو الهرمنوطيقا: ينبغي القبول بمجموعة من المقدّمات الميتافيزيقية؛ لفهم نصٍّ ما.

يعتبر الشيخ شبستري فهم الفلاسفة المسلمين بأنه فهمٌ علم وجودي، ويستعمل تعبير الإسلام العلم وجودي، في الإشارة إليهم: في الحقيقة، الإيمان في الإسلام العلم وجودي، هو المعرفة الفلسفية الأنطولوجية للكون (ص367)، وقد كان استعمال الشيخ شبستري للمصطلحات الفلسفية خاطئاً؛ فمثلاً، من معاني الأنطولوجية، العلم وجودية؛ وعلى هذا، تصبح عبارة الشيخ شبستري على النحو التالي: المعرفة الفلسفية الأنطولوجية العلم وجودية للكون؛ وهو ما يكشف ــ بقليل من التأمل ــ وقوع خطأ في هذا التعبير، ويقول بعد عدّة أسطر: لكنّ الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ ليس أنطولوجيا فلسفية(ص368).

بما أنّكم تعتقدون بتعدّد القراءات، وتعتبرون آراء أشخاص كالملا صدرا أنطولوجيةً، فلم تقولون بأنّ الإسلام ــ بصفته قراءة ــ ليس أنطولوجيا فلسفية؟! لو أمكن تعدّد القراءات الدينية، لم لا يكون للبعض قراءة أنطولوجية وفلسفية؟ نعم يمكن لمن شرح منهج فهم النص وقواعده، ادعاء ذلك، لكن لم يقم الشيخ شبستري بذلك إطلاقاً.

لم يدّع صدر المتألهين، وكثير من فلاسفتنا، تقديم تفسير فلسفي لكلّ أركان الدين، كلّ ما هنالك، أنّهم ادّعوا ــ محقّين ــ أنّ القضايا الدينية التي تمتلك صبغةً فلسفية، يمكن فهمها من خلال الفلسفة؛ فهل يمكننا الوصول إلى فهم عميق من الآية التالية، دون القبول بالأسس الفلسفية؟! قال تعالى: >وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزّله إلا بقدر معلوم< (الحجر: 21).

لم يعارض أمثال الملا صدرا المعاني الظاهرية للآيات، لكنهم اعتبروا تفاسيرهم الفلسفية معاني باطنية لها، كذلك، لم يعارض بعض العرفاء الذين قدّموا تفاسير عرفانية للقرآن الكريم، الفهمَ الظاهري للآيات، فتفاسيرهم ترجع إلى باطن القرآن ليس إلا، ويتطلّب الخوض في هذا الموضوع بحثاً واسعاً؛ لذا نتركه إلى حينه.

لا أدّعي إمكانية تقديم تفسير فلسفي أو عرفاني لجميع الآيات، دون الأخذ بنظر الاعتبار المعنى الظاهري لها، وإن تمتّع بعضها بصبغة فلسفية أو عرفانية، إذ لا يتيسر فهمها العميق إلا من خلال الفلسفة أو العرفان.

علم الهرمنوطيقا وإسقاطات الأحكام المسبقة ـــــــ

كثيراً ما يشير الشيخ شبستري إلى الهرمنوطيقا، ويستعين بها لشرح آرائه، إذ تقول مسلّمات الهرمنوطيقا وعلم التاريخ ــ استحسن السادة ذلك أم استقبحوه ــ أنّ من غير الممكن فهم نصّ ديني وتفسيره، أو إعادة صياغة حدث تأريخي، دون تأثير الأحكام المسبقة، والرغبات، والنوازع (ص247).

ويشكّك شبستري في مسلّمات الإسلام وضروريّاته بحجّة تعدّد القراءات، فيما يعتقد بوجود مسلّمات هرمنوطيقية؛ فكيف يعتقد بوجود مسلّمات للهرمنوطيقا والتاريخ، من يقول: هل يوجد دليل عقلي أو فقهي غير قابل للنقض أو الإبرام، تحت هذه السماء؟n (ص243)، وهل يتعدّى الأمر وجود مناهج مختلفة في الهرمنوطيقا، وعدم وجود وجهة نظر واحدة تحظى بتأييد جميع الفلاسفة في ما يخصّ تفسير النصوص؟

يتحدّث الشيخ شبستري عن الأحكام المسبقة، والرغبات، والنوازع، دون الإجابة عن الأسئلة الأساسية التالية: هل لدينا أحكام مسبقة ثابتة أم لا؟ هل يجيب النص إيجاباً على كافّة رغبات القارئ أو المفسّر ونوازعه أم لا؟ هل لدينا معيار نحتكم إليه في تقييم فهمنا المختلف أم لا؟ ألا يشمل التعدّد نظريّةَ تعدّد القراءات نفسها؟ أيّ قراءة تعدّ منهجية؟ كيف لنا معرفة تمتّع قراءةٍ ما بسمة المنهجية؟ ألا توجد أيّ قراءة ثابتة ونهائية لأيّ من القضايا الدينية؟

يجيب الشيخ شبستري على هذا السؤال بالإيجاب؛ فحيث لا وجود في عالم الإنسان لقراءة قطعية الانطباق، وكل القراءات ظنية و اجتهادية، فعلينا دائماً توقّع ظهور قراءات جديدة، ولا مانع منطقي من ذلك (ص247).

ألا يؤدّي رأي كهذا إلى فوضى في المعرفة، وفي المعرفة الدينية؟ وبناءً عليه، هل نحظى بفرصة للردّ على من يقول: يجب كمّ أفواه من يتكلّمون عن تعدّد القراءاتn؟ فإذا لم يكن لدينا فهم يتصف بالقطعية، فبإمكان هذا الفريق أيضاً أن يدّعي أنّ هذا هو فهمي للدين.

لغة الدين عند شبستري ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بوجوب الاهتمام بلغة الدين في فهمه، ويرى أنّ لغة الدين رمزية، كما يقول: علم الأديان الحديث، هو معرفة رموز الدين؛ إذ لغة الدين في المعرفة الدينية الحديثة لغةٌ رمزية، وتتمّ معرفة كلّ دين عبر معرفة رموزه اللغوية.

يستخدم الإسلام ــ بصفته قراءة ــ الهرمنوطيقا بالدرجة الأولى، والتي تعنى بفهم النصّ وتفسيره؛ وعلى هذا الأساس، تفسّر النصوص الدينية بوصفها وحدات رمزية، كسائر النصوص، سواء كان ذلك النصّ كتاباً، أو فناً إسلامياً، أو أموراً أخرى (ص368).

لغة الدين من المسائل المهمّة المطروحة في فلسفة الدين، وقد تعدّدت النظريات حولها: أحدها رمزية هذه اللغة؛ إلا أنّ هذا التعدّد لا يتيح لنا ادعاء أنّ لغة الدين في المعرفة الدينية الحديثة لغةٌ رمزيةn، للتوصّل إلى أنّ لغة الإسلام رمزية أيضاً، ومن هذه النظريات: 1 ــ شرح القضايا الدينية للحقائق الوجودية الواقعية. 2 ــ لا تعكس القضايا الدينية إلا الأحاسيس. 3 ــ القضايا الدينية رمزية ومثالية. 4 ــ القضايا الدينية طقوس وتقاليد. 5 ــ القضايا الدينية أسطورية.

لكن، كيف لنا القول بأنّ لغة النصوص الدينية في الإسلام لغةٌ رمزية؟ كيف يمكننا اعتبار لغة القرآن كذلك؟ لقد قصد بعض من تحدّث عن رمزية لغة القرآن، أنّ في بعض آياته رموزاً، لا صيرورته نصاً رمزياً علينا تحليله. يمكن لأثر فنّي أن يكون رمزياً، لكن لا يمكن لنصّ ديني ــ كالقرآن، بأركانه الثلاثة: العقائد، والأخلاق، والأحكام، وبما جاء به من هداية البشر ــ أن يكون رمزياً؛ فلا ينبغي اعتباره لوحةً، أو مقطوعةً شعرية، أو قصّة، تتألّف من مجموعة رموز.

ولا يقدّم لنا الشيخ شبستري أيّ دليل على قوله: يعطينا الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ بياناً رمزياً للنصوص الدينيةn (ص368)، إضافةً إلى أنّ قراءة النص وفهمه يعودان إلى القارئ والمفسّر، لا إلى الإسلام نفسه؛ فالإسلام هو النصّ، ولا يمكن اعتباره قراءة، وحتى في الهرمنوطيقا أيضاً، القارئ أو المفسّر هو ــ فقط ــ الذي يقدّم قراءته لنصّ ما، سواء طابقت الواقع، أو لم تطابقه.

رسالة الدين والبُعد المعنوي ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ المفسّر الديني يدرك بقراءة النص الديني ــ وهو الكتاب والسنّة ــ أنّ رسالة الدين الأساسية، هي الدعوة إلى الله، وخلق البُعد المعنوي، والأمل، وهدفية الحياة. وقد ظهرت هذه القراءة منذ صدر الإسلام، وبمجيء الإسلام الفلسفي، طرحت قراءة موحّدة وميتافيزيقية للدين.

يعطينا الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ بياناً رمزياً للنصوص الدينية؛ وفي هذه القراءة الإيمانية، يجد المفسّر المؤمن رسالةً في عمق هذا النص (الكتاب والسنّة)، تدعوه إلى الروحانية والأمل والهدفية في الحياة.. (ص368).

لمَ تتمحور رسالة القرآن حول الروحانية والأمل وهدفية الحياة؟ هل يمكننا أخذ هذه الرسالة من خارج الدين، أو علينا الرجوع إلى الدين نفسه؟! في الهرمنوطيقا، تستبان رسالة كلّ نص بالرجوع إليه، وتفسيره، لكن لم يأت الشيخ شبستري بمصادر من النص، إنّ الدعوة إلى الروحانية والمعنويات تقع ضمن نطاق التوحيد، لكن التوحيد الذي يدعو إليه القرآن أوسع بكثير من الدعوة إلى الروحانية، كما أنّ تحقيق العدالة الاجتماعية من أهمّ محاور دعوة هذا النصّ؛ ولهذا النص دعوات أخرى، يجدر تناولها في محلّها، إنّ الشيخ شبستري يذعن في مقالات أخرى ــ على الرغم من قوله هذا ــ أنّ الدعوة الأولى للدين لم تكن عرفانيّةً بحتة.

لم تكن الدعوة الأولى في الكتاب والسنّة دعوةً عرفانية بحتة؛ إذ احتملت الجوانب العرفانية، والسياسية، والاجتماعية معاً، كما تطرّقت إلى العدالة الاجتماعية حين الحديث عن التوحيد، وبالطبع بوصفها نتيجةً له (ص378).

ومع دخول الفلسفة العالمَ الإسلامي، لم يسعَ الفلاسفة المسلمون لتقديم تفسير فلسفي لكلّ ما جاء في الكتاب والسنّة، والخروج بإسلام فلسفي، بل دأبوا على القيام بدفاع عقلاني عن الدين، وذلك حين دخلوا دائرة علم الكلام، وكان رأيهم الصائب، أنّنا لن نحظى بإدراك عميق لبعض مفاهيم الدين دون الاستعانة بالبحوث الفلسفية.

القراءة الإيمانية للدين ـــــــ

يقدم الشيخ شبستري قراءةً إيمانية للدين؛ فيعتبر الإيمان تحوّلاً في أعماق الإنسان، وولادةً جديدة له، وأرضيّةً لظهور علاقات جديدة لديه، وقد خلط شبستري هنا بين آثار الإيمان وتعريفه؛ إذ ما يظهر من أمارات على الإنسان، كأن تدمع عينه حين سماع آيات القرآن، أو الخشوع والتأمل حين النظر إلى السماء، إنّما هو من آثار الإيمان، وليس تعريفاً له، كما أنّها تعود إلى الحالات الروحية للإنسان، وشدّة اعتقاده، لا إلى قبول الفلسفة أو عدم قبولها، وليس من الصحيح القول بأنّ الفلاسفة والمتكلّمين لم يولوا هذه الأمور اهتماماً، فقد تمتّع بعضهم بنصيبٍ كبير منها، كالغزالي، والسهروردي، وصدر المتألهين، لكنّهم لم يدخلوها في تعريف الإيمان؛ إذ كانوا يعتقدون أنّ تعريف الإيمان شيء، والحالات الناتجة عنه شيء آخر، ويشاطر عددٌ من المتكلّمين المسيحيين الشيخَ شبستري رأيه، وهم ممّن تأثروا بالجوهرية، وخاصة بأفكار كيركجارد.

لكن، أليست القراءة الإيمانية إحدى القراءات الممكنة؟ ألا ينبغي قبول القراءات الأخرى، كالفلسفية، والكلامية، والعرفانية؟ وهو ــ أي شبستري ــ ممّن يرى أنّ المتمسّكين بالقراءة الواحدة لا اعتقاد لهم بقراءة النصوص، فكيف يجادلون في وحدة القراءة أو تعدّدها؛ إنّه يقول: لدينا تياران مختلفان تماماً؛ إذ ليس الأمر كما لو اعتقدت جماعة بقراءة واحدة للإسلام، واعتقدت الأخرى بتعدّدها؛ فلو صدق من تمسّك بقراءة واحدة في اعتقاده بأصل القراءة، لما استطاع ادعاء وجود قراءة واحدة فقط.. لأنّ قبول القراءة دخولٌ في مفاهيم خاصة، والالتزام بقواعد الهرمنوطيقا، ومن قبل بهذه الأسس، لا يمكنه ادعاء وجود قراءة واحدة فقط، فتعدّد القراءات أمرٌ واضح في علم الهرمنوطيقا (ص369).

يطرح الشيخ شبستري سلسلة أسس للهرمنوطيقا وهي: 1 ــ الصورة الأولية والفهم المسبق للمفسر؛ 2 ــ توقّعات المفسر ورغباته؛ 3 ــ أسئلة المفسّر للتأريخ؛ 4 ــ استبيان المعنى المحوري للنص؛ 5 ــ ترجمة النصّ في الأفق التأريخي للمفسّر([1]).

هل يعتقد المتمسّكون بالقراءة الواحدة، بعدم وجود أيّ حكم مسبق لفهم الكتاب والسنّة؟ أضف إلى ذلك، أنّ الهرمنوطيقا ــ بوصفها منهجاً للتفسير والتأويل ــ ليست وليدة العصر الحديث؛ فكلّ تفاسيرنا العرفانية هرمنوطيقيةٌ، بشكل أو آخر؛ والجديد اليوم، هو ظهور الهرمنوطيقا بوصفها نظاماً معرفيّاً مستقلاً، له اتجاهاته المختلفة.

ينبغي القبول بالأسس الثابتة التالية؛ لفهم القرآن، وهي: 1 ــ القرآن مصان من التحريف؛ 2 ــ القرآن بيّن ومبيّن؛ 3 ــ القرآن كتاب خالد لهداية البشر؛ 4 ــ القرآن مستقلّ في دلالاته، أي أنّه ليس صامتاً عن بيان مراده؛ 5 ــ يجب ــ لفهم القرآن ــ القبول بحجيّة العقل وحجية الظهور([2]).

التباس الظاهر والباطن ـــــــ

وقع الشيخ شبستري وبعض الباحثين المعاصرين في خطأ كبير؛ إذ سقط أنصار وحدة وتعدّد القراءات على السواء في التباس بين الظاهر والباطن؛ أي أنّهم غفلوا عن أنّ للدين ثلاثة أركان: العقائد، والأخلاق، والأحكام. ويتشعّب كلّ منها إلى قضايا متعدّدة. بعبارة أخرى: الدين مجموعة من آلاف القضايا، ولا يمكن لأحد ادّعاء تعدّد القراءات في جميعها، وعدم تمتّع أي منها بقراءة واحدة فقط؛ فلا تعدّد فيما يخصّ: إنّ الله واحد، وصلاة الصبح ركعتان نعم، هناك اختلاف في بعض القضايا الدينية، خاصّة ما يتعلّق ببعض الأحكام الفقهية، ولنقل: تتعدّد القراءات في شأنها.

من ناحية أخرى، لم يميّز بعض الباحثين في مجال الدين، بين الفهم الطولي والعرضي؛ إذ يختصّ تعدّد القراءات أحياناً بالفهم الطولي، أي هناك فهم طولي لقضية: إنّ الله واحدn؛ فمثلاً، يتصوّرها شخصٌ عادي وحدةً عددية، فيما يفهمها فيلسوفٌ صدرائي بوصفها أصدق الحقائق، ويعود هذان الفهمان ــ أو القراءتان ــ لهذه القضية، إلى مديات قدرة الإدراك.

وتعود المغالطة التي تثار حول الباطن والظاهر إلى هذا الأمر، وهو أن نعمم مواصفات صورة خاصة على الجميع، فإذا تعرّض الدين كلّه إلى تعدّد في القراءات، فلم لا نتوقّع ظهور أديان متعددة؟ لقد أدّت الغفلة عن هذا الأمر إلى خطأ آخر من قبل الشيخ شبستري. فحين يُسأل: كيف يمكن ضمان وحدة المتدينين، إذا ما أذعنّا بالقراءات المختلفة للدين؟ يقول: من المعقول أن يعتبر الجميع أنفسهم منتمين إلى دين واحد، على الرغم من تعدّد قراءاتهم له ما دامت محصورةً في إطار دين واحد، وضمن وحدة النص، فحين يجتمع أصحاب القراءات المتعدّدة في إيران حول الكتاب والسنّة، ويعتقدون بوجوب اتباعهما، فإن ذلك يوحّدهم تحت اسم الإسلام (ص371).

لكن هل يعني رجوع أصحاب القراءات المختلفة إلى الكتاب والسنّة، انتماءهم إلى الإسلام؟ هل التمسّك بمصدر مشترك، هو معيار انتماء الأفراد إلى دين واحد، أو فهمهم المشترك لذلك المصدر؟ إنّنا نرى أنّه لا تقبل جميع أمور الدين تعدّد القراءات، أي لا تتعدّد القراءات في جميع أجزائه.

شرط القراءة المنهجية في تعدّد القراءات الدينية ـــــــ

يفصح الشيخ شبستري عن عدم صحّة بعض القراءات، على الرغم من تماديه في بعض الادعاءات، أي أنّه يعتبر بعض القراءات غير صائب، يقول: لم تدّع نظرية تعدّد القراءة صحّة جميع القراءات، بل ترى قيام كلّ قراءة على أحكام مسبقة وتصوّرات أولية، فعلينا ــ أولاً ــ إمعان النظر فيها، ووضعها على محكّ النقد، ومن ثمّ النظر في الشرح الذي يقدّمه صاحب القراءة؛ أي لا تكفي معرفة التصوّرات الأولية لتقييم صحّة القراءة، بل يجب الاستماع إلى الأدلّة الداخل ــ دينية، والخارج ــ دينية، التي أدّت إلى حصول تلك القراءة، كما يجدر بصاحب القراءة مناقشة النقد المقدّم على قراءته من قبل الباحثين، وإثبات صحّة موقفه؛ حينذاك يمكننا القول: إنّ لديه قراءة، وهي من القراءات الممكنة، لأنّها تتسم بالمنهجية (ص373).

إنّ وجوب تمتّع القراءة بالمنهجية أمر صائب لا اختلاف فيه، لكنّ المشكلة تكمن في تحديد معايير القراءة المنهجية، ومع الأسف، لم يقم الشيخ شبستري بذلك،بل كلّ ما يشير إليه، هو لزوم التوجّه إلى أرضية (Context) النصّ (Text)، كما أنّ التأكيد على نقد افتراضات القارئ وتصوّراته الأولية أمرٌ صائب أيضاً، لكن ذلك لا يحلّ عقدة القراءات؛ إذ لا يعتبر الشيخ شبستري المنهجية معياراً لصحّة القراءة أو سقمها، وكل ما نستفيده من هذه المنهجية، أنّها تجعلها إحدى القراءات ممكنة، لكن هل من الممكن أن تتعدّد القراءات الصحيحة؟ يمكن ذلك في حالة واحدة، وهي أن تكون القراءات طوليةً لا عرضية؛ فمن غير الممكن أن تتمتّع القراءات العرضية المختلفة بالصحّة.

حديث الشيخ شبستري عن منهجية القراءة، والقراءات الصحيحة، واعتباره القراءة المنهجية إحدى القراءات الممكنة، وعدم تمكّنه من الدفاع عن قراءة منهجية صحيحة واحدة، يدلّ على عدم اعتقاده بافتراضات ثابتة، يقول: تتحوّل الأحكام المسبقة، والتصوّرات الأولية مع الأحداث التأريخية، والتحولات التي تشهدها المعرفة الإنسانية والتأريخ الاجتماعي للإنسان، الأمر الذي يستدعي تبنّي نظرية تعدّد القراءات والدفاع عنها (ص373)، ويقول: إذا تعرّضت الأحكام المسبقة والتصوّرات الأولية للتغيير، لم تبق أحكام مسبقة ثابتة لفهم نصّ ما، أي لو تغيّرت الأحكام المسبقة والتصوّرات الأولية مع تحوّلات التأريخ، فلا تبقى قراءة صحيحة وثابتة، وقيمة الهرمنوطيقا منوطة بعدم وجود أيّ معيار مطلق مقبول لدى الجميع (ص432).

ويشير الشيخ شبستري في حديثه عن القراءات إلى أنّ قراءة النصوص الدينية، ليست من شأن الجميع، أي لا يتمكّن الجميع من تفسير النصوص الدينية، ويستوجب ذلك تمتّع المفسّر بصلاحيات علمية وفكرية، ولتفسير النصوص الدينية أهميّة بالغة، ويستلزم شأناً عالياًn(ص375)، وبالطبع، نتجه بالسؤال إليه: ما هي السمات العلمية التي يجب أن يتمتّع بها المفسّر؟

مساءلة النصّ ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ فهم النص متوقّف على الأسئلة التي تُطرح عليه في كلّ زمان؛ فتمام الآراء التي أبداها الفقهاء القدامى تقوم على تصورات أولية، وتوقّعات وأسئلة كانت مطروحةً آنذاك، وقد راجع الفقهاء الكتاب والسنّة على ضوء الأسئلة التي كانت مطروحةً في عصرهم، وقدّموا أجوبةً تلبّي متطلّبات زمانهم؛ فمثلاً، طرح في الماضي هذا السؤال: لمن الحكم؟ وقد جاء الفقهاء بالجواب من الكتاب والسنّة: أن الحكم لله، فقد طرح هذا السؤال في سياق تحديد الحاكم، وكان الفقيه يسأل الكتاب والسنّة: من الذي يجب أن يحكم؟ فيأتيه الجواب: الله هو الذي يجب أن يحكم، فلو اختلف السؤال في زمن آخر حول قضايا الحكم وتدبير أمور المجتمع، وصار: كيف ينبغي أن يكون الحكم؟ في مثل هذه الحالة، سيختلف الجواب دون شك (ص101 ــ 102).

ويمكننا تسجيل الملاحظات التالية على إفادات الشيخ شبستري:

أولاً: لم تقم جميع الآراء الفقهية في الماضي على أحكام مسبقة وافتراضات وأسئلة قائمة في عصرها، فكثيرٌ منها دائمي، لا يختصّ بزمن معيّن.

ثانياً: لا ضير في طرح أسئلة جديدة على النص ــ الكتاب والسنّة ــ في كلّ حقبة زمنية، وبالطبع لا يعني مساءلة النص، إجابته عليه؛ فإن كان للنص ما يقوله، أخذنا الإجابة منه، وإلا سيكون تفسيراً بالرأي، وتطويعاً للنصّ نفسه.

ثالثاً:لمن الحكم؟ وكيف يجب أن يكون؟ سؤالان مستقلان، يتطلّبان إجابتين مستقلّتين، والشيخ شبستري نفسه يقول حول السؤال الثاني: بعد أن جرّب الإنسان أصناف الحكومات، واجتاز أنواع الأسئلة المرتبطة بها، جاء الدور لهذا السؤال؛ أي بعد حدوث تغييرات اجتماعية، ودخول التقنية مجال الحياة، وتقسيم العمل، وتعقيد الحياة، وتحولات أخرى، فتحوّل السؤال من صفات الحاكم، إلى نظام الحكم.. والآن، بعد ما طرح السؤال عن كيفية الحكم، يجب أن نرى أولاً، هل يمكن عرضه على الكتاب والسنّة؟ وإذا كان الجواب إيجابياً، كيف لنا ذلك؟ (ص102).

لا علاقة لظروف طرح السؤال وأسبابه بالنصّ، فمن الطبيعي أن ترد أسئلة جديدة في كلّ عصر، ويمكن الإجابة عنها بالرجوع إلى النصّ، ولا يخلق أيّ سؤال أية مشكلة، فليس صحيحاً أن نسأل: هل يجوز عرض الأسئلة على النصّ؟ بل ما يجدر بنا معرفته، هو إجابة النصّ على السؤال أو عدم إجابته، كما ينبغي لنا الاحتراس عن فرض رأي خاطئ على النصّ، نتيجة افتراضات خاطئة؛ ولعلّنا نستوضح الأمر بمثال؛ فلم يطرح سؤال عن ماهية فلسفة التأريخ على مفكّرينا في الماضي، لكنّه اليوم مطروح، ويحاول المفكّرون تحديد موقف القرآن منه، فمن كانت لديه خلفيات ماركسية، جاء إلى القرآن، بناء على افتراضات المادية التأريخية، وبحث فيه عمّا يدعم آراءه، ولمّا كانت افتراضاته خاطئة، فمن الطبيعي أن تكون استنتاجاته مخالفة للنصّ أيضاً، وبعبارة أخرى: أدّت افتراضاته الخاطئة إلى فرض رأيه على القرآن، وتكشف مراجعة استدلالاته عن ضعف استنتاجاته هذه، وهكذا فهناك أمور كثيرة في الكتاب والسنّة تبيّن الموقف من كيفية الحكم.

يقول الشيخ شبستري حول طرح السؤال على النصّ: يجدر بالسائل أن يكون على وضوح في رؤيته للكتاب والسنّة، وإمكان طرح السؤال عليهما؛ فهل من الممكن طرح أيّ سؤال على أيّ شخص؟ هل يمكننا توجيه أسئلة طبّية إلى مهندس في المكانيك؟ أو أن نسأل طبيباً عن الحاسوب؟ يسأل الإنسان من يظنّ أنّ لديه إجابة، فمن يوجّه أسئلةً كهذه إلى الكتاب والسنّة، يكون قد افترض مسبقاً أنّ لديهما إجابةً عنها (ص103).

كيف يمكن لنا مسبقاً التحقّق من إجابة النصّ على جميع الأسئلة؟ هل لنا تحديد ذلك من خارج الدين، أو من داخله؟ تعود هذه المسألة إلى توقّعات الإنسان من الدين، وتتطلّب بحثاً مبسوطاً تناولناه في مكان آخر([3])، وأساساً لماذا نتصوّر أنّ على النصّ الإجابة فقط؟ فالنصّ بنفسه يثير أسئلةً، ويجيب عنها، كما ينبّهنا إلى أمور لم نلتفت إليها لولاه؛ إذ لا يمكن للنصّ أن يتبع أسئلتنا على الدوام.

ينبغي هنا الالتفات إلى أنّ بوسعنا تحديد أهداف الدين من خارجه، وبما أنّ هدف الدين ونزول القرآن الكريم، هو هداية البشر، إذاً يجب أن تكون توقعاتنا من الدين في هذا الإطار، لكنّ الأمر لم ينته هنا، بل يبقى الحديث عن الأمور التي ترتبط بهداية البشر، وآليات الدين لتحقيقها، وما يتكفّله الوحي، وحدود تدخل العقل البشري.. قائماً، وكلّها أمور لا يمكن الإجابة عنها مسبقاً.

من المهم أن يطرح السائل على النصّ أسئلةً ترتبط بهداية البشر، لكنّه قد لا يعلم بوجود صلة بين الأمور الصحّية والدين مثلاً، يسبب تعقيد مسألة هداية البشر، والعجز عن معرفة جميع العوامل المؤثرة فيها، وعدم معرفة الأسئلة الخاطئة! فالنصّ والأمور المرتبطة به، ليست من قبيل الطب والهندسة، لنقول: كما لا يجوز لنا سؤال مهندس عن الأمور الطبية، كذلك لا يجوز لنا طرح أيّ سؤال على النص! لا أقصد هنا أنّ علينا مراجعة النص للإجابة على أيّ سؤال، بل ما أريد قوله، هو أنّ النص بنفسه يحدّد الأسئلة التي يجيب عنها، لا أنّنا نحن من يحدّدها مسبقاً.

الافتراضات المسبقة وتوقعات البشر من الدين ـــــــ

لا شكّ أنّ للإنسان أحكاماً مسبقة وتصورات أولية، لكنّ المهم، هو الإجابة على الأسئلة التالية: 1 ــ ما هو مصدر الأحكام المسبقة لدى المفسّر؟ 2 ــ هل جميع الأحكام المسبقة مقبولة؟ 3 ــ هل يمكن نقد الأحكام المسبقة أو لا يمكننا ذلك؟ 4 ــ هل لدينا أحكام مسبقة ثابتة أم لا؟ 5 ــ هل جميع الأحكام المسبقة خارج ــ دينية، أم هناك أحكام مسبقة داخل ــ دينية؟

في مجال توقّعات الإنسان من الدين، يرى الشيخ شبستري أنّ لدينا نوعين من الأحكام المسبقة:

النوع الأوّل: بناء الحضارات، والمجتمعات، وحلّ مشاكل الحياة، وتفسير معنى العدالة والأخلاق، وتأسيس المؤسّسات الراعية لهما، والتي ترتبط بمشاكل حياة الإنسان في هذه الدنيا، فهذه جميعها من واجب الإنسان، وليس على الربّ أن يحدّد له كيف يبني حضارته، أو كيف يبني مؤسّساته الاجتماعية، أو أيّ الآليات يتّبعها لحلّ مشاكل حياته؛ فمن لديه أحكام مسبقة كهذه، لا محالة، يرى الكتاب والسنّة مصدرين لإضفاء المعنى على حياة الإنسان، الذي يبني مدنيته بنفسه؛ إذ يمنحان الحياة معناها، دون أن يحلا محلّها، فدور الكتاب والسنّة والمصادر الدينية الأخرى، صون الإنسان من الضياع في المتاهات، والعبثية (ص103 ــ 104).

وبناءً على هذا الافتراض، على الإنسان أن يسلك طرقاً وعرة للوصول إلى الهدف، وإن رافقه الخطأ خلال الطريق، لكن لا مفرّ له من استخدام العلم والفلسفة؛ لاستيعاب أخطائه، وتقويم مسيرته. وعلى الكتاب والسنّة، دفع العبثية عن الحياة، وإضفاء المعنى عليها!

النوع الثاني: يجب أن يحظى الإنسان بإرشادات من عالم الغيب لحلّ مشاكله في هذا العالم وبناء حضارته، فيجب أن يؤسّس الله ــ عبر أنبيائه ــ سنناً دينية، تشمل الأطر العامة للحياة الإنسانية وآليّاتها في هذا العالم؛ أي أنّ ما نعتبره اليوم من مسؤولية الفلسفة، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، وأمثالها، صار مطلوباً من الكتاب والسنّة (ص105).

ويختار شبستري النوع الأول، ويذكر ثلاث أدلّة على رفض الثاني، هي:

1 ــ لا علاقة لكثير من أمور الحياة الدنيوية، كالصناعة، والعلم، والفنّ، والفلسفة، والأدب، بالإرشادات الغيبية، وقد أنشأها الإنسان وطوّرها على مدى التأريخ.

2 ــ المجتمعات الإنسانية بطبيعتها متغيّرة ومتقلبة، ولا يمكن صياغة شكل محدّد للمجتمع، وتبليغه بواسطة النبي.

3 ــ تكشف الفينومينولوجيا عن أنّ ذاتيات الدين غير عرضيّاته، والأمور التي ترتبط بالتطوّر الاجتماعي له خارجة عن ذاتيات الدين.

ويواجه موقف الشيخ شبستري في تبنّيه للنوع الأول ورفضه الثاني عدّة إشكالات، من أهمّها:

1 ــ بناء الحضارات والمجتمعات، وتأسيس المؤسّسات الاجتماعية، وحلّ مشاكل الحياة، من مسؤولية الإنسان، قولٌ لا غبار عليه، لكن، لم لا يجوز للدين تقديم إرشادات حول منهج الحياة ومعايير المجتمع السالم، ومعنى العدالة والأخلاق؟!

2 ــ ما هو الدليل على أنّ دور الكتاب والسنّة هو إعطاء معنى للحياة؟ هل الدين نفسه حدّد هذا الدور أم نحن الذين حدّدناه له؟ فلا يؤيّد مضمون الكتاب والسنّة، تحديده بهذا الدور، بل يرى الدين لنفسه دوراً اجتماعياً أيضاً، أي أنّ الدين جاء بمخطّطات للقضايا الاجتماعية، ولم يترك الناس على حالهم.

يقول شبستري: لا ترشد يد الغيب الإنسان إلى بناء هذه الحياة، لا نظرياً ولا عملياً، ولا تتعلّق الهداية بالطرق العلمية، والفلسفية، والصناعية، لبناء هذه الدنيا، بل تعني الهداية الغيبية بالشجاعة وإضفاء المعنى على حياة الناس الذين يسعون ــ بحكم إنسانيّتهم ــ لبناء حياتهم (ص483).

لو قلنا بأنّ لدى الدين تشريعات لإدارة المجتمع، هل يدلّ ذلك على حضور الغيب في هداية البشر؟ وما المانع من أن يقدّم لنا الغيب توجيهات نظرية، وإن كان لا يتدخل عملياً؟

3 ــ كون الصناعة، والعلم، والفنّ، والفلسفة، والأدب من مسؤوليات الإنسان، ولا تتنزّل عليه بالوحي، أمرٌ مقبول، لكن لا يمكن اعتباره دليلاً لقبول النوع الأول.

4 ــ مسألة الشجاعة من تعاليم اللاهوتي المسيحي ، ولا معنى لها إلا في إطار التعاليم المسيحية، ذلك أنّها تفتقد التعاليم المرتبطة بالحياة الاجتماعية للإنسان، فيما يتمتّع الإسلام بمضمون اجتماعي غني، ولا تقتصر رسالته على إعطاء الشجاعة والمعنى للحياة.

5 ــ ما الدليل على أنّ جميع مقتضيات الحياة الاجتماعية متغيّرة، وليس فيها عنصر ثابت؟ فقطعاً لا تتغيّر بعض مقتضيات حياة البشر، ولا نذعن لكلّ تغيير يحدث عبر الزمن؛ إذ تنجم بعض التغييرات عن تطوّر البشر، وأخرى عن سقوطه.

6 ــ لو لم تشتمل الحياة الاجتماعية على بعض العناصر الثابتة، لما طرح الدين تشريعات للحياة الفردية والاجتماعية؛ ولكي ينفي أبدية الأحكام الإسلامية، تحدّث شبستري عن الأمور الذاتية والعرضية للدين، دون أن يقدّم معياراً دقيقاً للتمييز بينهما، معتبراً الأحكام الدينية الأبدية من الأمور العرضية (ص106).

الفهم التأريخي للدين ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ المنهج الصحيح في تفسير الكتاب والسنّة، هو أن نفهمهما فهماً تأريخياً؛ لكنّ الفقهاء لم يلتفتوا إلى هذه المسألة، فكان فهمهم للنصوص الدينية غير تأريخي، والمراد بالفهم غير التأريخي، أن لا ندخل الظروف التأريخية ــ الاجتماعية لنزول الوحي وصدور الروايات في فهمهما والاعتبار الشرعي لهما، ونتصوّر أنّ الآيات والروايات تبيّن أحكاماً مطلقة، دون أن تكون ناظرةً إلى ظروف تأريخية واجتماعية خاصّة؛ لهذا ينبغي العمل بها في أيّ ظرف كان؛ فهي ما فوق التأريخ.

وخلافاً لما يدّعيه الشيخ شبستري، التفت أغلب المفسّرين والفقهاء إلى الظروف التأريخية والاجتماعية لنزول الوحي، فهدف مباحث شأن النزول في علوم القرآن هو فهمه بشكل دقيق، وقد عُقدت أبواب حول آيات كثيرة، وبُحثت عموميّتها أو اختصاصها بمورد معين؛ إذ لا يدلّ نزول الآيات في ظرف معيّن على عدم وجود أحكام خارج حدود التأريخ، وقد استنبط فقهاؤنا ومفسّرونا الأحكام التأريخية والخارجة عن حدود التأريخ، على ضوء نظريّاتهم اللسانيّة، واللاهوتية، والفلسفية؛ فما يُبحث في مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه من مسائل علم اللسانيات، لا نتوصّل إلى فهم صحيح للكتاب والسنّة دون اعتمادها، وقد جاء الفقهاء والمفسّرون بأحكام كلية وخارجة عن حدود التأريخ، على أساس الإطلاق والعموم.

أضف إلى ذلك، القاعدة الكلامية القائلة بأنّ الإسلام دين خالد، والدين الخالد يجب أن يتضمّن أحكاماً خالدة، هي التي ساقت الفقهاء والمفسّرين للأخذ بالأحكام التي تتعدّى حدود التأريخ.

إنّ علم المعرفة، وفلسفة اللغة، والأسس الكلامية، والأنثروبولوجيا كلّها من خلفيات فهم أيّ نص ديني. وينشأ اختلافنا مع الشيخ شبستري من هذه الافتراضات، لكنّه مع الأسف، لا يعطي صورةً دقيقة عنها، ناهيك عن الدفاع العقلاني.

يدلّ ما يدور اليوم من حديث عن تأثير بُعدي الزمان والمكان في عملية الاستنباط، على الالتفات إلى الظروف وتأثيرها على عملية استنباط الأحكام الإلهية، كما أنّ النظرة التأريخية للنصوص لا تستلزم نفي الأحكام الأبدية، أمّا الذين أرادوا نفي الأحكام الأبدية، كالشيخ شبستري، فقد كانت لديهم افتراضات أخرى، غير المنهج التأريخي، منها:

القيم الذاتية والعرضية في الدين ـــــــ

طرح الشيخ شبستري افتراضاً يقضي بالتمييز بين القيم الذاتية والقيم العرضية؛ بهدف إثبات تاريخانية الأحكام الإلهية، أو بعبارة أخرى: لا أبدية الأحكام الإسلامية، ويرى شبستري أنّ في الدين أموراً ذاتية وأخرى عرضية، وما يشكّل القيم النهائية هو ذاتيات الرسالة الإسلامية، أمّا القيم الفرعية فهي تمثل الأمور العرضية فيها، والعرضيات وسائل تحقّق الذاتيات والقيم النهائية للدين، فيما تعدّ بنفسها هامشيةً، وتكسب قيمتها من كونها وسيلةً للذاتيات، وقد تطلّبت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصر الرسالة قيماً فرعية خاصّة بها.

الهدف الأساس للرسول هو التوحيد وإصلاح علاقة الإنسان بربه؛ لهذا كان الرسول مضطراً لاتباع الواقع الاجتماعي في عصره، وصياغة أحكام تنسجم والسلوك التوحيدي، وأن يقصي بعض القيم التي تتعارض مع هدفه الأساس، كالرهبانية.

ويعود كثير من الأحكام في العهد النبوي، سواءً ما ورد في القرآن أو في الأحاديث، إلى الأهداف والقيم الثانوية، والعرضية، والمقطعية. هذه الثنائية في الأهداف والقيم، والأحكام التي تتمخض عنها، لم تكن واضحةً لدى مخاطبي الرسول آنذاك، ولم يلاحظوا هذا التمايز بينهما (ص268).

لو سألنا الشيخ شبستري: ما هو معيار التمييز بين الذاتي والعرضي؟ أو بعبارة أخرى: كيف لنا معرفة أنّ كثيراً من الأحكام كانت مقطعية، وتختصّ بالعهد النبوي فقط؟ ستكون إجابته: لا يمكننا تحديد هذا الأمر بمراجعة الكتاب والسنّة؛ إذ لا يمكن تمييز المقاصد والقيم الأولية عن الثانوية من خلال دراسات داخل ــ دينية، بل ينبغي التفكيك بين الذاتيات والعرضيات بدراسة ظاهراتية تأريخية، مع ملاحظة أنّ القيم الأولية من مقوّمات التوحيد، وأينما ظهر اصطحبها معه، في حين لم تكن القيم الثانوية إلا وسائل لتحقيق القيم الأولية، والمعيار الذي يحدد كيفية تحقق السلوك التوحيدي في كل عصر، هو نفسه معيار اعتبار الحكم الشرعي في ذلك العصر (ص271).

وعلى الرغم من كلّ الجهود التي بذلها الشيخ شبستري لإثبات رأيه، ما استطاع أن يقدّم معياراً محدّداً للتمييز بين الأمور الذاتية والعرضية؛ حتى أنّه ادّعى أنّ الوحي تجربةٌ باطنية للنبي، أخذت طابع واقعيات مجتمعه في الحجاز، كما لا يخفف من حجم المشكلة أخذُ مقوّمات التوحيد، على أنّها القيم الأولية وذاتيات الدين؛ إذ سيعترضنا السؤال التالي: ما هي مقوّمات التوحيد؟ وكيف يمكن تمييزها؟ ثمّ إذا أقررنا بوجود ذاتيات وعرضيات للدين، لم لا يحدّد الدين هذه الذاتيات، أو على الأقل، لو وضع معياراً لتحديدها وتمييزها عن غيرها؟

يقول شبستري: لعلّ الحوادث التأريخية كانت تسير بشكل آخر، وتنزل أحكام أخرى، ويصبح تأريخ الإسلام والإيمان غير ما هو عليه، لو لم يعارض المشركون دعوة الرسول، ولم يضطرّ إلى الهجرة، ولم يتصدّ للشأن السياسي، وهذا ما أقصده بقولي: إنّ كثيراً من الأحكام جاء من باب الصدفة؛ لأنّ الأحكام ناظرة إلى حوادث تأريخية، وجدت نتيجة صدفة (ص278).

هل تختصّ جميع الأحكام بحوادث تأريخية خاصّة؟ وهل جاءت آيات في ما يخصّ جميع الحوادث في عهد الرسول؟ يوصلنا الإذعان بعدم نزول آيات في كثير من الحوادث، إلى عدم اتباع الأحكام النازلة بالضرورة لمسار الأحداث؛ ألم يكن الله ليشير إلى اختصاص الأحكام بظروف معينة، لو كان جميعها مرحلي، ومتوقّف على الظروف، وأنّ على الناس الإتيان بأحكام جديدة، إذا ما تغيّرت الظروف، على أساس سلوكهم التوحيدي؟!

الخطأ الأساس الذي وقع فيه الشيخ شبستري، هو تصوّره عدم جواز صدور أحكام أبدية، ليتسنّى تطبيق السلوك التوحيدي والحفاظ على الأرضية الإيمانية، التي تشكّل المحتوى الرئيس لرسالة الرسول.

شبستري وعقم الفقه الإسلامي ـــــــ

بحث الشيخ شبستري بعض القضايا الفقهية في فصول من الكتاب، لا سيما في الباب الأول، تحت عنوان: أزمة الفهم الرسمي للدينn، وقد تحدّث في الفصل الأول منه عن التغيّرات الأساسية في المجتمعات الإسلامية إثر التنميةn، إذ يقول حول أسباب أزمة الفهم الرسمي للدين في إيران المعاصرة: السبب الأول: الإصرار على المدّعى الخاطئ والفاقد للدليل، وهو أنّ الإسلام بصفته ديناً، يضمّ أنظمة سياسية، واقتصادية، وحقوقية نابعة من علم الفقه، وعلى الناس الخضوع لها في كلّ زمان، وذلك بأمر من الله، والسبب الآخر: الإصرار على التصوّر الخاطئ حول مسؤولية الحكومة عن تنفيذ الأحكام الإسلامية بين المسلمين (ص11).

تحدّث الشيخ شبستري عن مسألتين أساسيتين، هما: دائرة الدين ومسؤولية الحكومة الإسلامية، إنّه يرى أنّه من غير الممكن بناء أنظمة سياسية، واقتصادية، وحقوقية، بعلم الفقه، وللأسف لم يذكر أدلّته على مدّعاه، وكالمعتاد يكتفي بطرح العموميات، بينما هناك مسائل كثيرة، لا يمكن مناقشة ما ادعاه، دون تبيينها، ومن أهمّ هذه المسائل: 1 ــ ما المراد بالنظام؟ 2 ــ هل يتكوّن النظام الاجتماعي ــ الحقوقي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي ــ من عناصر ثابتة فقط، أم يحتوي عناصر متغيّرة أيضاً؟ 3 ــ هل النظام الاجتماعي الإسلامي مغلق أم منفتح ومرن؟ 4 ــ ما هي مقتضيات العصر؟ وهل جميعها متغيّر أم بعضها ثابت؟ 5 ــ هل مقتضيات العصر إلزاميّة أم تتدخل إرادة الإنسان فيها أيضاً؟ 6 ــ أمِنَ المفروض أن يكون الدين على شاكلة العصر أم على الناس تطبيق حياتهم مع الدين؟ 7 ــ هل يتكفّل الفقه حلّ جميع عقد الحياة البشرية أم لديه حلّ لبعضها؟

لا يسع المقام تناول هذه الأسئلة المهمّة هنا، وقد أشبعناها بحثاً في كتاب توقعات البشر من الدين، ونكتفي هنا بالقول: إنّ النصوص الإسلامية بيّنت الأصول العامّة، وثوابت الأنظمة الحقوقية، والسياسية، والاقتصادية، وتركت بيان المتغيّرات للعقل البشري ــ وهو من مصادر الشريعة ــ وقد طرحت آليات لضمان حضور الدين في شتّى مجالات الحياة الاجتماعية، والتي تضمن انسجامه مع العصر، كما لا يضع الإسلام حلّ جميع عقد الحياة على عاتق الفقه، بل اهتمّ بالنتاجات العلمية والفنية أيضاً؛ لحلّ المسائل الاجتماعية.

مسؤوليات الحكومة الإسلامية ـــــــ

الموضوع الثاني الذي طرحه الشيخ شبستري، هو أنّ تطبيق الأحكام الإسلامية مسؤوليةُ الحكومة الإسلامية، وواضح أنّ تنفيذ الأحكام ليس هدف الحكومة الوحيد، لكن من البديهي أن يكون من أهدافها، أي هناك مسؤوليات عديدة على عاتق الحكومة، أحدها تطبيق الأحكام، وتنفيذ الحدود الإلهية، كما ذكرت الأمور التالية أهدافاً للحكومة في القرآن الكريم ونهج البلاغة: 1 ــ إقامة الفرائض الإلهية، كالصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. 2 ــ إعمار البلاد، وتحقيق الأمن. 3 ــ تنفيذ الحدود الإلهية. 4 ــ إحياء السنن الإلهية، والقضاء على البدع. 5 ــ الاهتمام بالتعليم والتربية. 6 ــ ضمان حقوق الناس. 7 ــ تحقيق العدل الاجتماعي([4]).

من الواضح أنّ هذه الأهداف جميعها مرحليّة وتمهيدية، والهدف النهائي هو إحقاق التوحيد؛ أي على الحكومة الإسلامية اتّباع هذه الأهداف؛ لتحقّق المجتمع التوحيدي والإنسان الكامل.

الدليل الوحيد الذي يقدّمه شبستري، هو أنّ الادّعائين المطروحين لا يتلائمان مع واقع الإسلام، وواقع حياة المسلمين في العصر الحاضرn، لكن، لا تنفي الأدلة الدينية ــ أو على حدّ تعبيره: الواقع الإسلامي ــ مقدرة الدين على بناء أنظمة اجتماعية، ومسؤولية الحكومة في تنفيذ الأحكام، ويستدلّ بأنّ الحضارة الجديدة والتنمية، كانتا السبب في تغيير نمط حياة المسلمين، فحين كانت الحياة زراعيةً، ورعوية، وتجارية شبه إقطاعية، كان علم الفقه يحدّد أحكام معاملات الناس، ويؤمّن الحاكم النظام الاجتماعي على أساس العمل بهذه الأحكام، فكلّما أراد إدخال عرف، أو منهج جديد على حياة المسلمين الاجتماعية، قيّمه بمعايير الحرمة والحلية الفقهية، كي لا يكون معارضاً لحكم الله، وقد ألّفت كتب من قبيل الأحكام السلطانيةn، المختصّة بالفقه السياسي، على هذا النهج (ص12).

ليته ذكر لنا أنموذجاً من الحكّام العادلين، الذين تصرّفوا وفق الأحكام الإسلامية، فلا يدلّ تأليف كتب تحت عنوان الأحكام السلطانيةn على تدوين أنظمة اجتماعية من قبل علماء المسلمين، فلم يتطوّر فقهنا السياسي، لعدم قيام حكومة عادلة في العالم الإسلامي؛ إذ لا تنشأ ولا تتطوّر بعض مسائل الفقه السياسي، إلا من خلال تأسيس مجتمع إسلامي، ولم تتولّ يوماً حكومة إسلامية عادلة مقاليد الحكم في العالم الإسلامي، لا سيما الشيعي؛ لذلك، لم يطبّق الفقه يوماً في حياة الأمة؛ فإذا حكم بنو أمية، أو العباسيون، أو الصفويون باسم الإسلام، فلا يدلّ ذلك على وجود حكم ديني أو إدارة اجتماعية على ضوء الدين.

الفقه وتعقيدات الحياة ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ فاعلية الفقه تقتصر على فترة ما قبل العصر الصناعي، ولا دور له في الحياة الجديدة؛ إذ يبحث الإنسان المعاصر عن آفاق جديدة في الحياة، فعلى المسلمين اليوم، تدبير أمورهم على أساس المقتضيات الجديدة، كي لا يتخلّفوا عن ركب الحضارة، وهم مجبرون على قبول ما يحدث في النصف الآخر من الكرة الأرضية، والظروف الجديدة، والواقع القائم المسمى بالتنميةn.

وأهمّ ما يميز هذا النمط الجديد من الحياة، هو: 1 ــ الحياة الجديدة تنبثق عن إرادة التطوّر والحياة الأفضل لدى الإنسانn. 2 ــ الحياة الجديدة متوقفة على تطوّر العلوم التجريبية والاجتماعية الجديدةn. 3 ــ حياة الإنسان المعاصر صناعية مائة بالمائةn. 4 ــ الحياة الحديثة لا تتحقّق إلا بخطط طويلة الأمدn. 5 ــ المشاركة السياسية والحكومة الديمقراطية من مستلزمات الحياة الحديثة. 6 ــ تهيئ الحقوق والقوانين الحديثة، الأرضيةَ المطلوبة للتطوّر والتنمية، ولا يقتصر دورها على حلّ الخلافات بين الأفراد، وإحلال النظم في المجتمع. 7 ــ أهمّ واجب يقع على عاتق الحكومة اليوم هو إعمار البلاد وتطويرها. 8 ــ لا علاقة للنمط الجديد من الحياة بالتنمية والتطوّر الدينيّينn، وإن لم يستلزم هذا النمط نفي التدين. 9 ــ لا يمكن التنبؤ بمستقبل الحياة الحديثة؛ إذ تستبطن التنمية تغييرات ثقافية كثيرة، لا يمكن التنبؤ بها. 10 ــ مفهوم العدالة في هذه الحياة الاجتماعية، مفهومٌ فلسفي في غاية التعقيدn.

لا تواجه الحكومات ومراكز القرار في إدارة المجتمعات الحديثة، تعقيدات التنمية المادية والمعنوية وتبعاتها فحسب، بل لقد استعصى عليها تحديد مفهوم العدالة نفسه، وهي القيمة الأساسية في جميع المخطّطات والخطوات. هذه حقيقة تواجههم في السلوك السياسي، وقد أدّت إلى إبعاد عالم السياسة عن الجزميات ومقولات الدوغمة (ص17).

يسعى الشيخ شبستري إلى إثبات عدم فاعلية الفقه في حلّ عقد الحياة الجديدة، من خلال بيان ميزات العصر الحديث، وبالطبع لا مفرّ من قبول الحياة الجديدة؛ فالحياة الاجتماعية الحديثة، التي تشكّل التنمية الإنسانية الشاملةn محورها الأساس، واتّبعها المسلمون مضطرّين منذ بداية القرن العشرين، لا يمكن إدارتها بالحلال والحرام الفقهيين؛ إذ لا تسير أمورها إلا بإدارة علمية، وخطط طويلة الأمد، كما اتّضح من بيان ميزاتها، كما أنّ الديمقراطية من مستلزمات هذه الحياة، ومن نتاجاتها أيضاً، ولا يسع الحلال والحرام الفقهيين سوى موافاة حيّز ضئيل من هذه الحياة (ص18).

ويمكننا عدّ أمور أدقّ وأعمق، من خصائص الحياة الحديثة، لكن نكتفي بذكر بعض ما يرد على رأي الشيخ شبستري:

أولاً: لم الاضطرار لقبول جميع ما يرشح عن الحياة الجديدة؟ وهل علينا اتّباع كل ما في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ممّا يسمّى تنميةً وتطوّراًn؟ لو كان بعض من ذلك مرفوضاً، فلم لا يشير الشيخ إليه؟ كيف يمكننا تمييز الأبعاد الإيجابية عن السلبية في حياة الإنسان الغربي؟ ألا يستطيع المسلمون تأسيس منهج جديد للحياة على ضوء قيمهم الدينية، وحلّ مشاكلهم من خلاله؟

ثانياً: ما هو تعريف الشيخ للتنمية؟ ولم اعتبر التنمية الغربية أنموذجاً للمسلمين؟ بما أنّ كلّ نمط من التنمية يبتني على قيم محددة، لم لا يسعى لتقديم نمط يعتمد على القيم الدينية؟

ثالثاً: لا تختصّ أصول مهمة: كالمشاركة السياسية، والمنافسة السياسية السليمة، ونفي العنف في المجتمع، بالديمقراطية الغربية، ولا تتعارض مع الفقه السياسي.

رابعاً: أيّ من الخصائص العشر التي ذكرها الشيخ تتعارض مع الفقه الإسلامي؟ ومن قال بأنّ جميعها مرتبط بالفقه، ويجب حلّها من خلاله؟ هل يتعارض قبول الأحكام الفقهية مع تحسّن حياة الناس، أو صياغة مخطّطات طويلة الأمد، أو استخدام نتائج العلوم التجريبية والاجتماعية، أو حركة المجتمع نحو التقنية والصناعة؟

خامساً: متى عارض الفقه الإسلامي القوانين التي تنظّم التطوّر الوطنيn؟ فكثير من قوانين التنمية قوانين مرحلية ومتغيرة، ولا يعارضها الإسلام، ما دامت لا تتعارض مع ثوابت الدين، وقد سنّ الإسلام قوانين تخصّ العلاقة بين أفراد المجتمع، وتنتج نظاماً اجتماعياً، فهل يتعارض ذلك مع التنمية؟ ألا يخلق ذلك مناخاً مناسباً للتنمية والتطوّر؟

لقد طرحت تعقيدات مسألة العدالة منذ القدم، فهي لا تعود إلى الحياة الحديثة، وقد كان شبستري محقّاً في قوله: إنّ كلاً من المدارس الليبرالية والاشتراكية، طرح رؤيته الخاصة. وقد دعى إعلان حقوق الإنسان العالمي إلى احترام العدالة الاجتماعية أيضاً، كما اقترحت الديمقراطية ــ التي ادّعى شبستري أنّها أقرب للعدالة من أيّ نهج حكومي آخر ــ بعض السبل لنيل العدالة، لكنّ اختلاف الآراء بين العلماء حول هذا الموضوع مازال قائماً، وبغضّ النظر عن ذلك كلّه، كيف يعرّف الشيخ العدالة؟ ما هي خطّته لتحقيقها؟

للأسف، هنا أيضاً يتجاوز شبستري الموضوع دون تحديد موقفه، والأنكى من ذلك، أنّه يقرّر الموضوع بصورة، وكأنّ الفقه الإسلامي لا صلة له بالعدالة، ويتناسى الأفكار الإسلامية حول العدالة، بذريعة أنّ كلّ ما في الإسلام والفقه الإسلامي لا يصلح لما بعد الحداثة.

الفقه الإسلامي والتنمية ـــــــ

يقول الشيخ شبستري دفاعاً عن الحياة الحديثة ــ التي تعرّضت للانتقادات من قبل أكبر مفكّري الغرب ــ : في ظروف كهذه، على مؤيدي أيّ نظام للحكم وأيّ برنامج سياسي وأي قانون، أن يبرهنوا على عدالته (ص17 ــ 18).

ألم يؤكّد الإسلام على نقد المتصدّين للشأن السياسي؟ أليس من واجب المتصدين للحكم الإسلامي، تبيين طابع العدل في برامجهم؟ لمَ يتمكّن المتدينون من نقد التنمية على أساس المفاهيم الدينية، لكن لا يمكنهم تقديم خطّة للتنمية والتطوّر الديني، إن اشتمال عملية التنمية على بعض البرامج الدينية، لا يجعلها دينية برمّتها، أو منقادةً للأغراض الدينية، فليس في مقدور التديّن هضم التنمية وإعطائها صبغةً دينيةn (ص18).

لم يحدّد شبستري مرادَه من التنمية، ولم يبيّن المواصفات التي تجعل ظاهرةً ما دينية، فلو استخرجنا جميع قضايا التنمية من الفقه الإسلامي، هل تكون التنمية دينية؟ وهل ادّعى الدين هذا الأمر؟ أليس بإمكان الدين تقديم أسس ثابتة وأهداف مثالية للتنمية؟ ألا ينبغي استخدام نتاجات العلوم فيها؟ وإذا ما أقررنا بوجوب ذلك، هل يمكننا اعتبارها غير دينية، بمجرّد استخدام العلوم التجريبية والإنسانية فيها؟ لم لا نستخدم التنمية لتلبية أغراض الدين؟ وبعبارة أدق: لمَ لا يكون أحد أهداف التنمية بناء مجتمع ديني؟ أين تتعارض الإدارة العلمية مع الحلال والحرام الفقهيين؟ ومن قال بأنّ من الممكن حلّ جميع العقد بالفقه وحلاله وحرامه؟ أيّ حكم ديني يتعارض مع الإدارة العلمية والخطط بعيدة الأمد؟

يرى الشيخ شبستري أن ليس في استطاعة علم الفقه تحليل واقع المجتمع، ولا يمكنه التخطيط لتفسير ذلك الواقع لنيل أهداف معيّنة، ولا يمتلك القيم السياسية والإنسانية الحديثة. إذ لم يؤسس لهذه الأهداف أصلاً، بل يتكفّل بإدارة الحياة الاجتماعية الحديثة، في الدرجة الأولى، علم الفلسفة، والسياسة، والإدارة، والاقتصاد، والقانون. من ناحية أخرى يلعب الاعتراف بالقيم السياسية والإنسانية الحديثة، كالحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية ــ بمعناها الحديث، أي حقوق الإنسان ــ دوراً مهمّاً في ذلك (ص18 ــ 19).

من حصر تحليل الواقع الاجتماعي بالفقه؟ لا نتطرّق هنا إلى إمكان الاستفادة من الفقه في تحليل الواقع الاجتماعي أو عدمه، لكن نريد التأكيد على أنّ لا وجود لمفكر يدّعي إمكان تحليل الواقع الاجتماعي بالفقه وحده، فإنّ هذه العملية من قبيل تشخيص الموضوعات الخارجية، فلا علاقة للفقه بهذا الأمر، كما لم يدّع أيّ فقيه ممارسة التخطيط الاجتماعي بالفقه وحده، ولا يتنافى اعتماد الفقه مع الاستعانة بالفلسفة والسياسة وعلوم الإدارة، والاقتصاد، والقانون. كما تقوم هذه العلوم بمعرفة الموضوعات، وبإمكانها خدمة الفقه لتبيين حكم تلك الأمور في الظروف المختلفة، شريطة أن لا نلغي ثوابت الدين تحت ذريعة الاستفادة من هذه العلوم.

أمّا فيما يخصّ قبول قيم، كالحرية، والمساواة، والعدالة، فلا داعي لتبنّي المعنى الحديث لها؛ إذ تقدّم كلّ مدرسة تفسيراً لهذه المفاهيم على أساس مبانيها الكلامية والفلسفية، وقد يختلف معناها من مدرسة إلى أخرى، وللإسلام أيضاً، موقفه الخاص من هذه القضية، على ضوء أسسه المعرفية، ونظرته للإنسان، وعلى المفكّرين المسلمين التزام هذا الموقف.

لا يعني هذا الكلام أنّ نظرة الإسلام لهذه الأمور تختلف تماماً عن نظرة المدارس الأخرى، فللإسلام مشتركات مع المدارس الحديثة، كما أنّ هناك نقاط افتراق، تُباعد ما بينهما، ولا يمكن الغضّ عنها بحجّة حقوق الإنسان.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها الشيخ شبستري، هي توقّعاته من الدين؛ إذ يتصوّر أنّ من غير الممكن إدارة المجتمع على أساس القيم والأحكام الدينية، وهذا ادّعاء لا دليل عليه، وهو يتوقع أن يضفي الدين روحانيةً على الحياة فقط؛ لهذا نراه يقول: بثّ الروحانية في الحياة الاجتماعية الحديثة، مهمّة لا يقوم بها سوى الدين، وعليه القيام بهذا الدور (ص19).

حقوق الإنسان الإسلامية والغربية ـــــــ

سعى المؤلف المحترم للدفاع عن حقوق الإنسان الغربية، والردّ على آراء المفكّرين المسلمين في نقد الموقف الغربي، من خلال الفصول السبعة للباب الثالث. وقد سمّى أفكار عظماء، كالعلامة الجعفري، وآية الله جوادي الآملي بـحقوق الإنسان الميتافيزيقيةn، منتقداً آراءهم بقوله: بنى عبد الله جوادي الآملي جميع أبحاثه حول حقوق الإنسان في كتاب فلسفة حقوق الإنسان، على أسس ميتافيزيقية، وقد كتب هذا الكتاب لرفض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتأسيس حقوق ميتافيزيقية له، وانتهج الشيخ محمد تقي الجعفري الراحل المنهج عينه في كتاب حقوق الإنسان العالميةn.. وأقدّم هنا نقداً لآراءهم ومن يؤيّدهم فيها (ص230).

ينعت الشيخ شبستري رأي آية الله جوادي الآملي، بالحقوق الميتافيزيقية للإنسان؛ لأنّ الأخير يرى أنّ حقوق الإنسان يجب أن تصدر عن ماهيّته المشتركة، وهي فطرته، وبما أنّ الله هو الذي يعرف هذه الماهية المشتركة بين البشر، فهو الوحيد الذي يمكنه تحديد حقوق الإنسان، وقد ذكرها في الكتاب والسنّة.

وخلافاً لما يدّعيه الشيخ شبستري، لم يؤلّف الشيخ الجعفري كتابه للردّ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل لكي يؤيّد طرح الحقوق الإسلامية للإنسان، وقد قام بمقارنتهما في كتابه، وحدّد نقاط الاشتراك والافتراق بينهما؛ ولمزيد من الإيضاح، نستعرض أفكار الشيخ الجعفري بإيجاز.

يفكك الشيخ الجعفري في بادئ الأمر بين مسألتين، هما: 1 ــ ضرورة تدوين حقوق الإنسان، والهدف منها. 2 ــ تطبيق حقوق الإنسان.

ويرى في مجال تدوين حقوق الإنسان، وجوب مراجعة افتراضات الموضوع، وبعبارة أدق: الأسس الأنثروبولوجية التي ابتنت عليها، أمّا في مجال التطبيق، فعلينا تناول جميع الآليات الفكرية والعملية التي تساعد على تطبيقها، ويعتقد جعفري أنّ من الضروري في تدوين حقوق الإنسان، ملاحظة الأمور التالية:

1 ــ يتحدّث إعلان حقوق الإنسان العالمي عن الإنسان وقيمه؛ فأيّ تفسير للإنسان نتبنّى حتى نعدّ له حقوقاً ثابتة؟ هل نعتبر الإنسان وجوداً ذا كرامة ذاتية أو نعتبره ذئباً؟ هل يمكننا الحديث عن حقوق الإنسان في ظلّ أفكار بعض الفلاسفة الغربيين الذين يدافعون عن أصالة القدرة، ويعتبرون التنازع من أجل البقاء محور الحياة؟

2 ــ المعاشرة السليمة، في جوّ مفعم بالصفاء، والحرية، والعدالة، أساس حقوق الإنسان، وهو في غاية الأهمية، لكن ما زال السؤال قائماً: كيف تكون نظرة الإنسان لحياته، ليرى الناس أعضاء أسرةٍ واحدة؟

3 ــ من وجهة نظر الإسلام، تعادل حياة إنسان واحد حياةَ جميع الناس، أي يطرح الإسلام الإنسان على مستوى الكيفية، لا الكمية.

4 ــ أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للآخرين؛ إذاً، تقوم علاقة الإنسان مع الله على ضوء علاقته بسائر الناس.

5 ــ يحدّد الإسلام هدفاً سامياً لحياة الإنسان، وهو القرب الإلهي، وهو ما يوفّر مناخاً للوحدة بين الناس، الخلق كلّهم عيال الله.

أسس تطبيق حقوق الإنسان ـــــــ

لا يستلزم تدوين حقوق الإنسان بالضرورة تطبيقها، فليست مشكلة الإنسان اليوم في عدم وجود قوانين جيّدة، بل مشكلته في عدم تطبيق هذه القوانين، وهنا يعتقد الشيخ جعفري بوجود نوعين من الآليات لتطبيق النظام القانوني: 1 ــ الآليات الخارجية التي تتكفّلها المؤسّسات الاجتماعية. 2 ــ الآليات الداخلية التي يتكفّلها عقل الإنسان ونوازعه.

يجب توفّر أرضية ثقافية مناسبة لتطبيق حقوق الإنسان، إضافة إلى المؤسّسات المدنية والتنفيذية اللازمة، كما على الناس تأمين هذه الحقوق بالضرورة، وينبغي أن يتمتعوا بتربية، تنمّي فيهم الحالة النفسية والأخلاقية اللازمة لتطبيق هذه الحقوق.

وقد قارن الشيخ جعفري بين نظامي حقوق الإنسان الغربي والإسلامي في أسسهما، وسبل تنفيذهما، وذكر الميزات التالية للنظام الإسلامي على الغربي:

1 ــ تعتمد حقوق الإنسان في الإسلام على الإرادة الإلهية، وقد اعتبر الله سبحانه وتعالى، الالتزام بهذه الحقوق من تكاليف عباده؛ فيكون التزام الناس بها لوجه الله، لا على أساس مصالح ذاتية.

2 ــ حوافز الإنسان في طلب الكمال هي الضمان الأكيد في تطبيق هذه الحقوق، حيث يرى تكامله وسموّه في ذلك.

3 ــ الإسلام دين إبراهيمي، تمتدّ جذوره في فطرة الإنسان، وكذلك هي جميع الأديان الإلهية، وهذا ما يسهّل إثبات عالمية حقوق الإنسان، أو على الأقل، هذا ما يدفع لتمسّك متديّني العالم جميعهم بها.

4 ــ يهتمّ الدين بكمال البشر، ولا تقتصر تعاليمه على الحياة الطبيعية للناس، بل تشمل حقوق أرواحهم أيضاً، وهذا ما يضمن حياةً طبيعية رغيدة لهم.

5 ــ استخدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصطلح أعضاء الأسرة البشرية، وهو مصطلح في غاية الأهمية، وقد وثق الإسلام من قَبل العلاقة بين الناس بتأكيده على أنّ الجميع عيال اللهn، معطياً بذلك أكبر ضمان لتطبيق حقوق الإنسان.

6 ــ من أهمّ سبل تطبيق حقوق الإنسان العالمية، ضبط أنانية الإنسان نفسه، وقد صرّح الفكر الإسلامي بذلك، فما دامت أنانية البشر مطلقة العنان، لا يمكن الحدّ من احتقار حقوق الناس، الذي يؤدّي إلى الأعمال العدائية والوحشية.

7 ــ عُدّت حرية العقيدة، والخلاص من الفقر والخوف، من أهمّ أمنيات البشر في تحليل دوافع حقوقهم، بينما هي ــ في الحقيقة ــ وسائل وآليات، لا أهدافاً وغايات، وقد اعتبرها الإسلام أهدافاً مرحلية وجزئية، لا أهدافاً نهائية، وبصياغته أهدافاً عليا للحياة، سبق غيره في تمهيد الأرضية المعرفية لتطبيق حقوق الإنسان.

دراسة المبادئ الفلسفية لحقوق الإنسان ـــــــ

درس الشيخ جعفري مفاد إعلان حقوق الإنسان بشكل مفصّل، وقارنها بالنظام الفكري والحقوقي الإسلامي، محدّداً نقاط الاشتراك والافتراق بينهما، وقد تطرّق للأسس المعرفية والانثروبولوجية في كلا النظامين، وبيّن نقاط الضعف الأساسية في حقوق الإنسان الغربية، ونأتي هنا بأهمّ ما ذكره فيما يخصّ الاختلاف بين هذين النظامين؛ لتتضح نقاط الضعف في أفكار الشيخ شبستري في دفاعه عن إعلان حقوق الإنسان الغربي:

1 ــ لا نقرّ بكرامة الإنسان دون معيار أفضلية التقوى، وتشجيع الناس على اكتسابها، وللأسف لم يلتفت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لهذا الأمر.

2 ــ أكّد الإعلان على الحريات الطبيعية، لكنّه لم يول حرية الإنسان الروحية اهتماماً.

3 ــ لم يتطرّق الإعلان لبعض الحقوق الجماعية للإنسان، كحقّ دفع الاستضعاف.

4 ــ لا يشير الإعلان إلى منطلق العدالة، كما أغفل استحالة تحقّقها دون التخلّق بالأخلاق الإنسانية المتعالية.

5 ــ عدّت حرية العقيدة، ودفع الخوف والفقر، أسمى أهداف الإنسان، لكنّها لا تصلح أن تكون الهدف النهائي له، وإن حازت قدراً كبيراً من الأهمية.

6 ــ يعتبر الإسلام الحياةَ منحةً إلهية، فيما لم يذكر الإعلان ذلك.

7 ــ صرّحت حقوق الإنسان الإسلامية بعدم جواز استخدام أي وسيلة تؤدي إلى القضاء على حياة الناس، وهو ما لم يصرّح به الإعلان الغربي([5]).

8 ــ لم يميّز نظام حقوق الإنسان الغربي بين الكرامة الذاتية والكرامة القيمية للإنسان، فيما صرّح الإسلام بذلك.

9 ــ تعتبر الكرامة الذاتية في الفكر الإسلامي من ألطاف الله على العباد، فيما لا يوجد في الفكر الغربي تفسير منطقي لذلك.

10 ــ حقّ الحياة في بيئة سليمة، وبعيدة عن المفاسد الأخلاقية، من الأصول المؤكّدة في حقوق الإنسان الإسلامية، لكنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يتطرّق له.

11 ــ لم يهتمّ الإعلان العالمي بالجوانب الروحية للإنسان، خلافاً لحقوق الإنسان الإسلامية.

12 ــ يعدّ الإسلام الدعوة إلى الكمال والخير من حقوق الإنسان المهمّة، لكننا لا نرى أيّ التفات لذلك في الإعلان العالمي.

13 ــ يرى الإسلام وجوب تحديد الإعلام وأجهزته، في إطار ما يخدم تطوّر البشرية، فيما لا يشير الإعلان العالمي إلى ذلك، بل لا يرى إشاعة الانحراف الأخلاقي منافياً لحقوق الإنسان.

14 ــ تقول الحقوق الإسلامية: لا سلطة لأحد على الآخر، وقد غفلت الحقوق الغربية عن هذا الأصل.

15 ــ لا يرى الإسلام حدود الحرية في عدم الإضرار بالآخرين، بل لا يريد للإنسان أن يضرّ نفسه بالابتعاد عن سبل الكمال والهداية.

حقوق الإنسان الميتافيزيقية ـــــــ

ما ذكرناه من الأسس الكلامية والفلسفية، أو على حدّ تعبير الشيخ شبستري: الميتافيزيقية، لحقوق الإنسان، هو ما أدّت الغفلة عنه إلى مشاكل نظرية عديدة في القبول المنطقي لحقوق الإنسان، فيجدر بكلّ من يريد خوض النقاش النظري في هذا المجال، تحديد موقفه من هذه الأسس أولاً، ومناقشتها إذا ما كانت لديه ملاحظات على حقوق الإنسان الإسلامية ثانياً، وليس له إنكار آراء بعض علماء الدين في حقوق الإنسان، لمجرّد أنّها تبتني على أصول ميتافيزيقيّة.

ومع شديد الأسف، لم يبحث الشيخ شبستري أيّاً من هذه الأصول، وكلّ ما قام به هو إنكار المدّعيات الثلاثة التي طرحها آية الله جوادي الآملي، بذريعة أنّها ميتافيزيقية (ص237)، وفي الوقت عينه طرح آراءه في الدفاع عن حقوق الإنسان الغربية، ونقد حقوق الإنسان الإسلامية.

نتناول هنا بعضاً من هذه الآراء بالدراسة والتمحيص، حيث يقول الشيخ شبستري: لا يمكن اليوم لكثير من الناس، وحتى الفلاسفة ــ اتفقنا معهم، أو اختلفنا ــ التفكير بطريقة ميتافيزيقيّة.. بمقدورنا أن نجزم بعدم خوض نصف العالم في مجال الأخلاق والحقوق والسياسة، على أساس الميتافيزيقيا، وإنّما تبتني آراؤهم على قيم المذهب الإنساني (ص241).

من لوازم البحث العلمي، تحديد المراد من المصطلحات أولاً؛ فلمَ يعتبر الذين خاضوا في حقوق الإنسان الإسلامية أبداً الإسلامَ معادلاً للميتافيزيقيا، وإذا كان شبستري يقصد أنّ الميتافيزيقيا هي الاعتقاد بماوراء الطبيعة، فهذا خطأ تماماً؛ لأنّ معناها ما بعد الطبيعة، وهي نهج فكري خاص، بينما ماوراء الطبيعة، عالم أسمى من المادة، أماّ استخدامه مصطلح المذهب الإنساني، فهو قرينة على أنّه يقصد بالميتافيزيقي، الإلهي، أو محورية الله في الأمر، أي لم يعد الناس اليوم يفهمون الأخلاق والحقوق والسياسة على أساس نظام محوره الله، بل يريدون ما محوره الإنسان نفسه.

هذا تمايز مقبول، لكن لا يعني مصطلح الميتافيزيقيا أبداً، محوريةَ الله، ولم تكن الميتافيزيقيا يوماً نقيضاً للمذهب الإنساني؛ إذ للمذهب الإنساني أسس ميتافيزيقيّة أيضاً، ولهذا لا يرفض الميتافيزيقيا من الأساس.

يتساءل الشيخ شبستري عن السبيل الذي يريد أنصار حقوق الإنسان الإسلامية اتّباعه، لدعوة الفلاسفة والمثقفين والسياسيين في العالم، للالتزام بحقوق الإنسان الميتافيزيقية، ثمّ يجيب نيابةً عنهم: إنّنا ندعو الناس إلى هذه الحقوق وإن رفضوها، لو كانت لنا القدرة، لأرغمناهم على قبولها، ولجعلناها أساساً في المعاملات والعلاقات، في جميع أرجاء العالم، لا شكّ في أنّ معنى هذا الكلام في العالم المعاصر، هو أنّ جماعة تريد إشعال حروب جديدة، وإراقة دماء، بذريعة حقوق الإنسانn (ص242).

لا أعرف مفكّراً قال ذلك، ثمّ أين أشار العلامة جعفري، والأستاذ جوادي الآملي إليه، حتى ينتقدهم الشيخ شبستري، وينسبه إليهم؟ متى قال هذان الحكيمان بوجوب إجبار الناس على قبول حقوق الإنسان الإسلامية؟ لمَ يتكلّم الشيخ شبستري دون سند، وينسب تصوّراته وافتراضاته إلى الآخرين؟ أليس منع الحروب، وإراقة الدماء، أحد أهداف دعاة حقوق الإنسان الإسلامية؟! فكيف لهم إشاعة الفساد في الأرض تحت غطاء تطبيق حقوق الإنسان؟ يستخدم دعاة حقوق الإنسان الغربية شتى الطرق والوسائل لفرض آرائهم على الناس، واللطيف في الأمر، أنّ الشيخ شبستري لا ينتقد سوء تصرّف الغربيين في هذا المجال.

يقول بعض العلماء، منهم الشيخ جوادي الآملي: إنّ تحديد حقوق الإنسان لله وحدهn، وذلك استناداً إلى أسسهم المعرفية، وتعريفهم للإنسان.

وأسس هذه النظرية ــ بإيجاز ــ هي: 1 ــ تبتني حقوق الإنسان على فطرته. 2 ــ لا يمكن تدوين حقوق الإنسان على أساس التوافق فقط. 3 ــ لا يمكن للإنسان تحديد حقوقه. 4 ــ التقنين حقّ لله وحده([6]).

يقول الشيخ شبستري في ردّ هذه النظرية: أكرّر سؤالي الدائم حول هذا الادعاء: إذا كنتم تستنبطون حقوق الإنسان من الكتاب والسنّة، فأيّ قراءة للنصوص الدينية كانت مرجعكم في ذلك؟

في الواقع، هناك آراء متعدّدة حول حقوق الإنسان لدى العلماء والمفكّرين الإسلاميين؛ فبعضهم يعتبرها خارج ــ دينيّة، على المسلمين الالتزام بها، فيما يسعى آخرون لاستخراج منظومة يسمّيها: حقوق الإنسان الإسلامية، يختلفون في ما بينهم في تحديد أركانها ومواصفاتها.

ما طرح في القاهرة وأماكن أخرى تحت عنوان حقوق الإنسان الإسلامية، لا يمثّل سوى رأي جماعة خاصة، والمسلمون غير ملزمين باتّباعه؛ فليس هناك رأي محدّد، يكون الفصل والحكم؛ إذ لا دليل فلسفي أو ديني يقضي بأنّ قراءة من تقمّصوا السلطة معتبرة، وواجبة الاتّباع (ص242 ــ 243).

كان لزاماً على الشيخ شبستري أن يردّ ــ أولاً ــ الأسس المعرفية للأستاذ جوادي الآملي وتصوّراته عن الإنسان، ومن ثم يتناول القراءات المختلفة للأسس والقواعد المذكورة، ليتّضح الاختلاف بينها، وكان حرياً به أن يشير إلى القراءات المختلفة لحقوق الإنسان الإسلامية؛ فلا ينكر أحد اختلاف الرأي بين الفقهاء والعلماء في المسائل الجزئية، لكن حين نريد تدوين نظام حقوقي، من الضروري أن يجتمع العلماء، ويصادقوا على النظام الحقوقي الذي يجمعون عليه، ويلتزموا به، وحتى لو اختلفوا في بعض أصوله، لكنهم ملتزمون به قهراً ــ عمليّاً ــ انطلاقاً من مصادقتهم عليه، كما حدث في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو إعلان القاهرة لحقوق الإنسان.

ولا يقتصر الأمر على حقوق الإنسان؛ فأغلب أصوله ثابتة ومحلّ اتفاق علماء الإسلام، بل في تدوين أيّ نظام حقوقي، لا يمكن تلبية جميع وجهات النظر، ولأن يصبح نظام ما مؤهلاً لإدارة المجتمع والعلاقات بين الأفراد والشعوب، يجب أن يحظى بتأييد الأغلبية من أهل الخبرة، وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمد عام 1948م، صادقت عليه ثمان وأربعون دولة من مجموع دول العالم آنذاك؛ فهل اختلاف القراءات والأفهام يخصّ النصوص الدينية فقط؟ ألا يوجد اختلاف في الأحكام العقلية أيضاً؟ لو رضينا باتفاق المختصّين ملاكاً لقبول حقوق الإنسان الغربية، فما المانع من أن يكون اتفاق آراء علماء المسلمين ملاكاً لقبول حقوق الإنسان الإسلامية؟

لقد أكّد مفكّرون كالعلامة جعفري، الذي قام بدراسة مقارنة بين حقوق الإنسان الإسلامية والغربية، على أنّ أغلب مفاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، محلّ قبول الإسلام، وقلّما تناقش نقاط الاختلاف من قبل علماء الإسلام؛ وحتى لو حصل خلاف بينهم، فإنّ ما يحصل على إجماع نسبي سيكون نافذاً ولازم الاتّباع.

شبستري ونقد حقوق الإنسان الإسلامية ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بعدم إمكان دعوة العالم للالتزام بحقوق الإنسان الإسلامية، حتى لو كانت مستنبطةً من الكتاب والسنّة، وبما أنّ غير المسلمين لا يعتقدون بالمصادر الإسلامية، فلا يمكن صياغة نظام حقوقي مشترك للجميع!

إذا أقررنا بتفوّق حقوق الإنسان الإسلامية على حقوق الإنسان القائمة، ولا ريب في ذلك، فمن واجبنا الدفاع عنها بشتّى السبل العلمية، وتبيين نقاط ضعف النظام القائم، كما بإمكان الدول الإسلامية إنهاء بعض ملفات العداء، على أساس حقوق الإنسان الإسلامية. فعدم إيمان أغلب الناس في العالم بالمصادر الإسلامية، لا يمنع من طرح حقوق الإنسان الإسلامية، والدفاع عنها.

يقول شبستري: لا ريب أنّ حقوق الإنسان الميتافيزيقية المطروحة في كتب مثل فلسفة حقوق الإنسان، أو الحقوق العالمية للإنسانn، لا يمكن تنفيذها في العالم المعاصر، ولا يمكننا أبداً طرحها على المفكّرين والسياسيين وشعوب العالم، بديلاً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (ص257).

وللأسف لم يلتفت الشيخ شبستري إلى أنّ هذين الكتابين قد تناولا فلسفة حقوق الإنسان والأسس المعرفية والأنثروبولوجية لها، ولم يتطرّقا لسبل تنفيذها وتطبيقها، ثمّ هل جميع من وقّعوا على الإعلان ملزمون بتطبيق تمام بنوده؟ يدلّ عدم التزام أعضاء الأمم المتحدة ببعض البنود، على جواز مخالفة ما يتعارض مع معتقدات دولةٍ ما وثقافتها؛ فلابد من مخرج لحلّ التعارض بين الإعلان وثقافة الشعوب المختلفة، فمن نقاط ضعف الإعلان وجود تعارض بين بنوده، حيث لا يمكن الالتزام بجميعها، وينبغي إصلاح ذلك.

من الإشكالات التي يوردها الشيخ شبستري على حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة، أنّها تجرّنا إلى الحروب وإراقة الدماء؛ لأنّها لا تبالي بواقع المجتمع؛ فعملياً، سوف تؤدي هذه الحقوق الميتافيزيقية إلى آلاف الحروب، لأنّها بعيدة كلّ البعد عن واقع الحياة الاجتماعية والتأريخية؛ فلا علاقة لها بالمجتمعات والناس الذين يعيشون على هذه الكرة الأرضية، متأثرين بالعناصر الاجتماعية والتأريخية، وتتعامل هذه الحقوق مع الروح المجرّدة للبشر، فكما أنّ العلوم الطبيعية الميتافيزيقيّة عجزت عن حلّ مشاكل الأرض، كالصحّة، والسكن، والطعام، كذلك حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة عاجزة عن حلّ مشاكل الإنسان السياسية على هذه الكرة الأرضية؛ بسبب النزعة التجريدية الانتزاعية فيها (ص245).

من قال بأنّ حقوق الإنسان الإسلامية لا علاقة لها بالناس والمجتمعات التي يعيشون فيها؟ هل يمكن صياغة نظام حقوقي لا علاقة له بالناس؟ ما المقصود من أنّ حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة تتفاعل مع الروح المجرّدة؟ أي خطأ فكري اقترفه آية الله جوادي الآملي بتناوله الروح المجرّدة، في حديثه عن الانثروبولوجية؟ تبحث الحقوق عن العلاقة المقنّنة بين الناس، فما الضرر الذي تلحقه الروح المجرّدة بهذه العلاقة؟ لا يدلّ قيام حقوق الإنسان الإسلامية على فطرة الإنسان، وانطلاقها من حاجاته الروحية الواقعية، وأبعادها المختلفة، على انقطاعها عن واقع المجتمع والتأريخ، أو على تجريديّتها وانتزاعيّتها.

ليته طرح حقوق الإنسان الإسلامية، التي صودق عليها في القاهرة، وحدّد موادها الانتزاعية؛ فهل نتوصّل من الرأي القاضي بوجوب خضوع علاقات الناس والمجتمعات لقوانين نابعة من الفطرة الإنسانية، إلى النتيجة التالية: يجب الإقدام بحزم لصياغة نظام اجتماعي وسياسي ودولي على أساس هذه الحقوق، ورفع أيّ مانع في طريق هذا العمل، ولو بالعنف، وبما أنّ الحقوق الميتافيزيقيّة النابعة من نظام الكون، والمنسوبة للكتاب والسنّة، لا تتفق مع القراءات المختلفة للنصوص الدينية، يجب كمّ أفواه الذين يتكلّمون عن القراءات المختلفة! (ص246).

ومع شديد الأسف، يصل الشيخ شبستري أحياناً إلى أمثال هذه النتائج غير المنطقية، ويسوم جميع معارضيه بحكم واحد، ويعتبرهم عنيفين.

حقّ الحرية المطلقة ـــــــ

ينقل الشيخ شبستري رأياً عن العلامة الطباطبائي حول الحرية، وينتقده؛ إذ يرى العلامة الطباطبائي أنّ الإسلام قائم على التوحيد من ناحية تشريعية، فلم يسمح الله بالشرك؛ فالتوحيد هو أساس جميع القوانين والأحكام الإسلامية؛ فكيف يمكن أن يشرّع الإسلام حريّة العقيدة؟([7])، كيف يمكن للإسلام أن يسمح للناس بمخالفة أصل التوحيد، فيما كلّ بنائه قائمٌ على أساس التوحيد ونفي الشرك؟ إنّ هذا تناقض صريح، كذلك القول بحريّة الناس في مخالفة القوانين، فهو مناف لعملية التقنين نفسها (ص254).

يقول شبستري في ردّه على ذلك: إنّ الله يبلّغ الناس قوانينه بواسطة الأنبياء، وفي الوقت نفسه لا يسمح لأحد أن يُرغم الناس على إطاعة قوانينه؛ فالإنسان مخير بين اختيار التوحيد وعدم اختياره، لِمَ لا يمكن لله أن يهب الإنسان حقاً كهذا حتى مع سنّه قوانين معينة، لأنّه حقّ أخلاقي، ويختلف عن الحرية التكوينية للإنسان في اختيار الخير أو الشر، أين التناقض في الأمر؟ أي خلل يسبب ذلك لربوبية الربّ، أو عبودية العبد؟ ونستنتج من ذلك أنّ فرض التوحيد، بصفته فرضاً أساسياً على الإنسان، وسنّ التشريعات من قبل الله، لا ينافي ــ منطقياً ــ حقّ حرية الإنسانn، في اختيار أو عدم اختيار التوحيد، والالتزام أو عدم الالتزام بتلك التشريعات، ولا تناقض في الأمر؛ فلا يمكن اعتبار أصل التوحيدn منافياً للحرية الدينية، التي تشكّل حقاً سياسياً ــ اجتماعياً (ص255).

للأسف، لم يفهم شبستري رأي العلامة الطباطبائي بشكل صحيح؛ حيث يعتقد العلامة أنّ الإنسان ــ من ناحية تكوينية ــ حرّ في اختيار التوحيد أو عدم اختياره، وليس لأحد إرغام الناس على قبوله، لكن من ناحية تشريعية، بما أنّ الله قرّر التوحيد، فلا يمكن أن يقرّر نقيضه، وهو عدم التوحيد؛ اختيار الخير أو الشر يعود إلى الإنسان، وهو عمل تكويني، وليس بتشريعي.

إذا كان التوحيد حقّاً، والشرك باطلاً، فعلى الله إثبات التوحيد، ونفي الشرك، ولو لم يميّز الله بين هذين الاثنين، لانتفت الحكمة منه؛ فكيف يشرّع الربّ الحكيم أمراً باطلاً؟ تتحقق إنسانية الإنسان وعبوديته بالتزامه بالتوحيد، لا بعدم التوحيد، إنّ الإنسان من ناحية تكوينية حرّ في اختيار التوحيد، أو عدم اختياره، لكن بما أنّهما متناقضان، فلا يمكن أن يشرّع الله كليهما.

كذلك يعتقد العلامة الطباطبائي ــ طبقاً لأسسه المعرفية والانثروبولوجية ــ أنّ الله لم يعط حقّ حرية الشرك للناس، وإن كان باستطاعتهم ــ من الناحية التكوينية ــ اختياره، وهذه الأسس هي: 1 ــ إنّ الله حكيم، ولا يقوم الحكيم بعمل عبثي، ولا يأمر به. 2 ــ خلق الله الإنسان لنيل الكمال. 3 ــ جعل الله للإنسان حقوقاً تنتهي به إلى الكمال، ولا تسلبه الكمال إطلاقاً. 4 ــ خلق الله الإنسان حراً، وله اختيار ما يشاء في مقام العمل. 5 ــ لكلّ عمل تبعاته التكوينية، فكلّ ما أمر به الله ينتهي إلى الكمال، وكل ما نهى عنه ينتهي بالإنسان إلى السقوط. 6 ــ مَنحُ الله الإنسان حقاً ينتهي به إلى السقوط، في مقام التشريع، أمرٌ ينافي حكمته.

ويمكننا إثارة الموضوع بشكل آخر: هل من اللائق أن يعطي الله الإنسان حقّين متناقضين: حق بلوغ الكمال، وحق الحرية المطلقةn؟

إذا كان نفي الحرية المطلقة من مستلزمات الكمال، فينبغي أن يكون أحد الحقّين تابعاً للآخر، ومن غير المنطقي أن يجعل الله للإنسان حقّ بلوغ الكمال من جهة، فيما يجعل له ــ من جهة أخرى ــ حقوقاً مناقضة له، فذلك هو التناقض بعينه.

بما أنّ التوحيد من لوازم بلوغ الكمال، والشرك نقيض له، فمن غير المنطقي أن يشرّع الله كلا الحقين، لكن في مقام التشريع والعمل ــ كما أشرت ــ الإنسان حرّ في اختيار طريق الكمال، أو طريق السقوط، ويتحمّل العواقب الخارجية والتكوينية لاختياره، هذا هو أحد الفوارق المهمّة بين حقوق الإنسان الإسلامية، وحقوق الإنسان الغربية، وهو ناشئ عن أسسهما المعرفية والانثروبولوجية.

يطرح الشيخ شبستري احتمالاً آخر لتفسير عدم حرية الإنسان من الناحية التشريعية، وهو أيضاً موضع تأمّل، وهو <أنّ المراد من عدم حرية الإنسان من الناحية التشريعية، أن يكون لشخص، أو جماعة، أو دولة، الحقّ في فرض دين معيّن على الناس، أو منعهم من تغيير دينهم، فإذا كان الأمر كذلك ــ كما يظهر من مفهوم الجهاد الابتدائي ــ فهو مناف لحقوق الإنسان، لا محالة. وهنا تتقابل النظريتان المتناقضتانn (ص455).

يتطلّب المنهج العلمي نقل الكلام نصّاً، إذا ما أردنا تفسيره، ومن ثمّ تناوله بالنقد والتحليل، فلم تتّضح لنا القرينة التي أدّت بالشيخ شبستري إلى تصوّر أنّ أمثال آية الله جوادي الآملي يعتقدون بصلاحية شخص، أو جماعة، أو دولة، في فرض دين ما على الناس، ومن أيّة مادة من مواد حقوق الإنسان الإسلامية، استنتج أنّ رسالة هذه الدعوة، هي وجود دين حقّ واحد في العالم، وعلى الجميع اتّباعه، وإذا لم يؤمنوا به، فإنّ لأتباع ذلك الدين إرغامهم على ذلك بالقوّةn (ص255 ــ 256).

منطلق حقوق الإنسان ـــــــ

يعتقد المفكّرون الإسلاميون أنّ من الممكن تبيين حقوق الإنسان على أساس الفطرة الإنسانية، وهم لا يتجاهلون دور العقائد والأفكار والأحاسيس وتأريخ البشر، لكن للأسف، في هذا المجال أيضاً، نسب الشيخ شبستري أموراً غير لائقة لأشخاص، كالأستاذ جعفري وآية الله جوادي الآملي، حيث قال: يدور الحديث في كتب السادة عن أناس لا يعيشون على هذه الكرة الأرضية، وليس لهم أيّ تأريخ أو تجربة، وكأنّهم الملائكة، لا ينظرون إلا لفطرتهم وطبيعتهم، ويمكنهم الغضّ عن جميع عقائدهم وأفكارهم وأحاسيسهم وعواطفهم وتأريخهم، وأخذ قاسم مشترك بينهم، هو الفطرة والطبيعة الإنسانية، ثمّ تقديم حقوق لهذه الفطرة أو الطبيعة المشتركة، وبطبيعة الحال، على الجميع الرضا بهذه النتيجة! (ص257).

كلّ من يتحدّث عن الإنسان وحقوقه، يواجه هذا السؤال الأساس: هل يعتقد بالفطرة أو لا يعتقد بها؟ فالذين تحدّثوا عن الفطرة أيضاً، لا يتصوّرون الناس كالملائكة، أو يحسبون أن لا تأريخ لهم، بل يقولون: يمكن تأويل حقوق الإنسان بشكل منطقي، على أساس الاعتراف بالفطرة، ولو لم نعترف بوجود طبيعة وفطرة مشتركة بين الناس، لأصبح الحديث عن حقوقهم فاقداً لأيّ أساس عقلاني، بل تصبح حقوق الإنسان مجموعة من المواضعات، يقبلها بعض، ويرفضها آخرون، ولا داعي لقبول الجميع لها، أو بقائها معتبرةً إلى الأبد.

ويشير الشيخ شبستري في دفاعه عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى أنّ هذه الحقوق تنظر للإنسان بما هو إنسان.

يقول: بما أنّ هذه الفلسفة وهذه الحقوق أرضية، وتنظر إلى الإنسان بما هو إنسان، إذاً يمكنها أن تصبح ــ عملاً ــ موضع إجماع جميع الناس على الكرة الأرضية، لبناء حياة سلميّة.. (ص259).

هل يسعنا الحديث عن الإنسان بما هو إنسان، دون أخذ فطرته بنظر الاعتبار؟ ألا تنظر حقوق الإنسان الإسلامية للإنسان بما هو إنسان؟ وأساساً، على ضوء أيّة أسس أنثروبولوجية يمكن الحديث عن الإنسان بما هو إنسان؟ أليست حقوق البشر الإسلامية أرضية مناسبة؟ ما الدليل على ذلك؟

*   *     *

الهوامش

(*) عضو الهيئة العلمية لجامعة العلامة الطباطبائي، قسم الفلسفة، له مؤلفات عدّة حول نقد رجال الإصلاح في إيران.

[1] ــــ مجتهد شبستري، محمد، هرمنوتيك، كتاب وسنت (هرمنوطيقا الكتاب والسنّة): 15.

[2] ــــ للتوسع في الموضوع، راجع: نصري، عبدالله، mانتظار بشر از دينn (توقعات البشر من الدين): 198 ـ 202، [الكتاب نشرته دار الغدير ـ مترجماً إلى العربية من جانب أحمد العبيدي ــ تحت عنوان: <الدِّين بين الحدود والتوقّع>؛ وذلك في طبعته الأولى الصادرة في بيروت عام 2004م. <التحرير>].

[3] ــــ انتظار بشر از دين: 27 ـ 36.

[4] ــــ لملاحظة المصادر القرآنية والروائية لأهداف الحكومة، راجع: انتظار بشر از دين: 312 ـ 314.

[5] ــــ جعفري، محمد تقي، تحقيق در دو نظام جهانى حقوق بشر (دراسة في نظامي حقوق الإنسان العالميين): 97 ـ 163.

[6] ــــ جوادي آملي، عبدالله، فلسفه حقوق بشر (فلسفة حقوق الإنسان): 89 ـ 93.

[7] ــــ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان 4: 184.

 

المصدر: نصوص معاصرة

(Visited 57 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

soroush

رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification