الرئيسية / علم الكلام الجديد / خصائص الخطاب النبوي*

خصائص الخطاب النبوي*

image_pdfimage_print
خصائص الخطاب النبوي
خصائص الخطاب النبوي

حوارات.نت ـ محمد مجتهد شبستري

إحدى الآفات المتفشية في العالم الإسلامي، وفي بلدنا أيضا، ما يتعرض له خطاب الدين من تشويه، هذا الخطاب الذي ورثنا منه في العصر الحاضر مجموعة من الأحاديث نطق بها الأنبياء طيلة التاريخ. وإذا تصفحنا أوراق التاريخ سوف نشاهد أحاديث مماثلة عديدة تشبه أحاديث الأنبياء، فمثلا هناك مجموعة من الأقوال تخص الفلاسفة وأخرى تخص علماء الطبيعة ومجموعة من الأقوال تخص أهل السياسة وهكذا..

ولكن هناك مجموعة من الأحاديث والأقوال تخص الأنبياء، وقد ورثنا نحن اليوم خطبا دينية تخص خاتم الأنبياء محمد (ص) تتميز بخصائص إذا لم نلتفت إليها فإنها ستتعرض للتشويه بفعل التغييرات الاجتماعية المختلفة، أي إن ثقافة الدين ورسالته الموجهة إلى قلوب مستمعيه لا تتعرّضان للتشويه فقط بل إن أقوالاً وأحاديث أخرى بدأت تتعرض للتشويه والانحراف أيضاً.

ففي مجتمع له طابع ديني فإنه يخيّم على ثقافته القيم والمعتقدات الدينية أكثر من أي شيء آخر. في مثل هذا المجتمع لو كان خطاب الدين مشوه فإن الثقافة كلها بما فيها السياسية والفلسفية والعلمية ستصبح مشوهة. وبالتالي ستشكل تلك الثقافة مجموعة من الأمور الغامضة والرسائل غير الواضحة والخطوط المتشابكة فيما بينها.

إن تنقية الثقافة السياسية وغير السياسية في مجتمعنا يجب أن تنطلق من تنقية خطاب الدين أولاً. ففي المجتمعات الغربية غيرالدينية لا توجد مثل هذه المشاكل، ذلك لأن القيم التي تشكل الثقافة أو معظم هذه القيم تستند إلى منطق العقل. فرغم أن الدين موجود في تلك المجتمعات، لكنه لا يُعد من أبرز مظاهر الثقافة فيها بل يأتي على هامش الثقافة غير الدينية التي تتعرض إلى النقد الذاتي رغم استنادها إلى منطق العقل.

نسمع كثيراً عن مصطلح “نقد العقل المتطور” أو “نقد العقل ذاتي التأسيس”.. إن هذا النقد الموجود في المجتمعات الغربية يعتبر الجانب البارز في ثقافة تلك المجتمعات. فالمفكرون فيها يعتقدون بأن السبيل لإزالة الغموض الموجود في الفكر والحياة وتشخيص الأخطاء يأتي من خلال نقد العقل ذاتي التأسيس.

إن هذا التشخيص صائب تماماً، إنهم يسيرون في هذا الطريق ويقتحمون أعماق وأجواف كل شيء ويجرّدون الأصنام المختلفة من قداستها.. هذه الأصنام قد تكون العلوم أو الفلسفة أو الصناعة أو فنوناً أو أي شيء آخر، إنهم يُزيلون الحُجب الموجودة بينهم وبين الحقائق بقدر ما يستطيعون.

ولكن في مجتمعنا فإن نقطة الانطلاق تبدأ من تحديث الثقافة الدينية أولاً. فعندما نريد أن نقوم بتحديث تلك الثقافة فعلينا أن نبدأ بتحديث الخطاب الديني وأن نشخص الخصائص الصحيحة لهذا الخطاب، كي يتبين أي خطاب، وبأي خصائص يمكن أن يسمى خطاباً دينياً، وأي خطاب بإمكانه أن يكون خطاباً سياسياً، وأي خطاب بإمكانه أن يكون فلسفة وإلى آخره..

إن الذين يسعون لتنصيب كل الخطب والأقوال بمجاميعها المختلفة في خانة الأقوال الدينية لا يقدمون أي دعم للثقافة، بل هم يزيدون الثقافة غموضاً وشوائب.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى اقتحام أسس ثقافتنا الدينية الموجودة لتفكيكها إلى عناصرها المختلفة لكي نجدا رداً على السؤال القائل: ما هي النواة والعناصر الأصلية لخطاب الدين؟
العقــل
إن البحث في خصائص وميزات خطاب الدين يحتم البحث في خطاب نبي الإسلام. فأول ميزة من ميزات خطاب الرسول هي استناده إلى منطق العقل، أي إن أهم دعوة من دعوات الرسول هي دعوته إلى التوحيد ورفض الشرك بالله. فالتوحيد الذي كان يشكل أساس الدعوة النبوية يعتبر بحثاً منطقياً. فالشرك كان منتشراً في الحجاز قبل الدعوة، وكان التوحيد بحثاً تتقبله عقول الناس في تلك الفترة، أي من خلال “عقل الزمان” نود أن نؤكد بأننا نواجه عقولاً وأفكاراً منطقية مختلفة تتناسب مع كل زمان من الأزمنة وكل عصر من العصور المختلفة. فالعقل السائد في زمن الرسول كان يتقبل التوحيد ويرفض الشرك. إن ذلك لا يعني تثبيت مبدأ التوحيد بواسطة الأدلة العقلية رغم أن دعوة نبي الإسلام إلى التوحيد كانت دعوة إلى التوجه نحو أمر منطقي، مثلما أن الدعوة إلى التوحيد في هذا اليوم أيضاً تعتبر موضوعاً منطقياً.

إن رسول الإسلام دعا إلى التوحيد وإلى عبادة رب الكون كله والتخلي عن بقية الآلهة، فتقبّله عقلاء ذلك الزمان ولم يشعروا بوجود أي تعارض بين عقل الزمان أوالمنطق السائد في ذلك الزمان وبين دعوة الرسول. بمعنى أن النبي كان يدعو إلى الإعراض عن جهل الزمان والتوجه إلى عقل الزمان. فلهذا نستنتج أن كلام الدين في عصرنا وفي مجتمعنا يجب أن لا يتعارض مع عقل زماننا وإلا فسوف تتشوه إحدى الخصائص الهامة لخطاب الدين.

لايمكن أن نقول بأننا يجب أن نطرح خطاب الدين سواء تماشى مع عقل الزمان أو لم يتماش فهذا خطأ كبير. علينا أن نفكر كيف نتحدث وماذا نتحدث وهل حديثنا يتناسب مع منطق الزمان والعصر، وهل أن كل ما يُطلب باسم الدين ويُعلن بأنه من أوامر ونواهي رب العالمين يتطابق مع المنطق والعقل السائدين في المجتمع الذي نعيش فيه أم لا يتطابق؟

هل يمكن أن نطرح كلاماً باسم الدين دون التفكير بأن هذا الكلام المطروح يتناسب مع المنطق والعقل السائد في المجتمع؟

فإذا كان هناك تعارض فإن الطرح يجب أن يتوقف ويُستبدل بطرح آخر حر يستند إلى المنطق، وأن ننتظر نتائج ذلك الطرح. إن التعامل بطريقة الجزم والاتجاه الواحد يُفقد خطاب الدين صفته العقلانية، إذ يجب أن نطوّر كلام الدين إلى الأفضل بوسائل العقل والمنطق كي تبقى روح الرسالة الدينية محفوظة. كما يجب الحفاظ على جسر الحوار القائم مع الفلسفة والعلوم سالماً، فإذا انهدم هذا الجسر فلربما تنقطع علاقة الدين مع ثقافة العقل والمنطق السائدة في المجتمعات، ففي هذه الحالة كيف يمكن التحدث مع جيل لم نبنِ معه علاقة وفق المنطق الذي يتبناه؟ وهل من الممكن أن يتحدث شخص مع مخاطبه دون أن يكون هناك جسر بينهما فيوجه حديثه له؟..

بأي دليل وبأي منطق يلخص البعض جميع أبعاد حياة الإنسان في البعد الديني فقط ويشطب جميع أبعاد الإنسان الأخرى ويقول: يجب أن تكون جميع الأمور تحت راية الدين وتابعة له ويجب ألا نعترف بأي أطراف الحوار الأخرى؟!

إن الدين يحتل موقعه المرموق ولكن الأدب غيرالديني، مثلاً، هو جزء لا يمكن تجاهله من حياة الإنسان طيلة التاريخ كله. فالفن غيرالديني كان جزءاً من حياة الإنسان، والفلسفة غير الدينية كذلك، والعلوم غير الدينية أيضاً. كل هذه الأشياء لا يمكن تجاهلها، كما لا يمكن أن نُظهر الفنون والآداب غير الدينية على أنها ضد الدين ونشطبها شطباً لا رجعة فيه ونقول ليس لدينا أي ارتباط مع أصحاب هذه الفنون والآداب. إن رسالة الدين يجب أن تكون منطقية وعقلانية، بمعنى أن هذه الرسالة يجب أن تتمكن من بناء العلاقات مع جميع أبعاد الأنشطة الإنسانية المحسوبة على الإنسان طيلة التاريخ بحيث لا تجعل الإنسان أحادي البُعد ولا تحذف الجزء الأعظم من تاريخ البشرية.

إن خطاب الرب موجه للإنسان.. ذلك الإنسان الذي طرح نفسه طيلة التاريخ وليس الإنسان الذي يتصوره الفلاسفة في مخيلتهم. فنحن لدينا نوعين من الإنسان: الإنسان الذي يعيش في أدمغة الفلاسفة، والإنسان الآخر الذي عاش بصورة واقعية وحقيقية طيلة آلاف السنين الماضية. هذا الإنسان (الأخير) بإمكاننا أن نراه في التاريخ وفي المجتمع. هذا الإنسان الحقيقي له أبعاد مختلفة، له صفات حسنة وقبيحة، له تصرفات صائبة وضعيفة. هذا الإنسان لا يمكن أن يكون له تعريفاً نهائياً، ولهذا يقول البعض إن الإنسان يتقدم على طبيعته.

إن السؤال المهم هنا هو أن خطاب الدين موجه إلى أي إنسان؟ هل إلى الإنسان الذي عرّفه الفلاسفة أم إلى الإنسان الذي يعيش في التاريخ والمجتمع؟.. بالتأكيد أن خطاب رب العالمين موجه إلى الإنسان الذي يعيش في المجتمع والتاريخ، فرسول الإسلام كان يدعو الإنسان إلى التوجه نحو الله، ولكن هذه الدعوة كانت تطبق في إطار الواقع الاجتماعي والسياسي للإنسان.. كان يدعو إلى الروحانية والمعنوية ولكن ليس في الأديرة والصوامع بل في عمق المجتمع.

إذا قال أحد أن الرسول كان رجلاً سياسياً فقد أخطأ، وإذا قال إنه كان رسولاً لم يعمل من أجل تغيير واقع حياة المجتمع نحو العدالة فقد أخطأ أيضاً. إن الآيات القرآنية التي تبدأ بـ ﴿ يا أيها الناس ﴾ موجهة إلى الإنسان الذي يعيش في التاريخ والمجتمع، هذا الإنسان هو نفسه الذي يمتلك الآداب الدينية وغيرالدينية والفنون الدينية وغير الدينية وكذلك الإيمان والفلسفة والعلم والصناعة وأشياء أخرى.

إن رسالة الدين لو أرادت أن تكون منطقية وعقلانية، لا يمكن أن تقوم بحذف وشطب أبعاد معينة من حياة الإنسان. فشمولية الدين لا تعني أن الدين يغطي جميع الجوانب والأبعاد ويرفض كثرة الأبعاد الثقافية، بل الشمولية (طبعاً لو كنا نتوقع ذلك) تعني أن الدين له رسالة في مختلف جوانب حياة الإنسان وله خطاب موجه إلى جميع الناس، سواء كان الإنسان فيلسوفا أم عالماً أم فناناً غير ديني أم مخترعاً، ويعترف ويقرّ بوجودهم أيضاً.
العدالــة
الميزة الثانية لخطاب رسول الإسلام هي العدالة. ولقد كان للعدالة تعريف خاص في ذلك العصر، حيث كانت تتجسد في بعض الأمور على أرض الواقع. فعندما كان الظلم يظهر كان نبي الإسلام يأمر بالنهي عن أمور يتجسد فيها الظلم في المجتمع، كما أنه لم يطرح أبداً أموراً للناس غير قابلة للفهم. فكانت دعوته تتسم بالعدول عن ظلم ذلك العصر والتوجه نحو عدله، وكان الناس يفهمون معنى الظلم والعدل في ظل ذلك الزمان. فمثلاًعندما نهى الرسول الناس عن إلحاق الظلم بالعبيد وأسرى الحرب، فهم الناس جيداً معنى هذا النهي. كذلك حدّد الرسول واجبات للناس تجاه أزواجهم وفق ما كان يفهم الناس ويستوعبون معنى العدل في ذلك العصر والزمان. وقد حدد نبي الإسلام هذه الواجبات بما يتناسب وتجسيد العدل في ذلك العصر والزمان. فالناس فهموا جميع هذه الأمور وعرفوا بأن النبي يدعو إلى العدالة. وقد نقل عن نبي الإسلام قوله: “خياركم خياركم في الجاهلية وشراركم شراركم في الجاهلية”، بمعنى أنني أدعوكم إلى نفس الأمور الحسنة التي لا يفهمها الناس العقلاء قبل أن اظهر بينكم وكانت متروكة لا يبحث عنها عامة الناس ولم تكن من القيم المفضلة لديكم، أما الآن وبعد أن بعثت أُعلن بأنها قيم مفضلة، وفي الواقع إنني رفعت من مستوى أخلاق الزمان وعملت نفس الشيء بالنسبة للعدالة.

كما قال رسول الإسلام: “بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” أي لم أُبعث حتى أمنحكم البدع بل مكارم الأخلاق التي يعرفها الناس فأُكمّلها. أي أنه يدعو إلى نفس تلك العدالة التي كانت موجودة قبله وإلى إتمام وإكمال تلك العدالة.

هذا البحث لا يمكن فهمه إلا بالانتباه لأسلوب التحري والتحقيق من خلال دراسة ومتابعة العمل والجهد الذي كان يبذله نبي الإسلام في الظروف التاريخية والإجتماعية للعصر الذي كان يعيش فيه. إن هذه المواضيع لا تتعرض لمثل هذا الأسلوب من البحث والدراسة. فالكلام يطرح غالباً بطريقة توحي بأن رسول الإسلام كان “إنساناً غير عادي”، وأنه عمل في ظروف اجتماعية وتاريخية غير عادية، وتحدث بلغة غير عادية. هذه التصورات باطلة، إذ أن النبي كان في الواقع إنساناً وعمل في ظروف تاريخية واجتماعية معينة وذات إمكانيات محدودة، وأن الأعمال الحسنة التي كان يدعو الناس إليها كانت ذات إمكانيات محدودة، فكان يعمل وفق متطلبات الظروف. فإذا كانت الإمكانيات اللغوية محدودة، فإنه لا يمكن لأي أحد كان حتى لشخص الرسول أن يطرح كل ما هو ممكن طرحه في جميع العصور خلال عصر واحد فقط. أي لا يمكن أن يكون لدينا مصلحاً لجميع العصور وللتاريخ كله. لذلك يجب دراسة حياة رسول الإسلام ورسالته ضمن إطار ظروفه التاريخية والاجتماعية.

إذاً، إحدى خصائص خطاب النبي هي دعوته إلى العدالة. فأحاديثه التي كان يطرحها، وسلوكه في مجتمعه، كلها كانت تدعو إلى العدالة. فهو قد سعى لمحو ظلم الزمان والدعوة إلى عدل الزمان بشكله الأكثر تكاملاً. لكن في عصرنا الراهن فإنه يجب أن نفهم العدالة بمعنى آخر ونتساءل حول كيفية تفسيرها. فتفسير الإنسان الحالي للعدالة تفسير متعدد ومختلف، لذلك يجب أن يتم اختيار تفسير واحد من هذه التفاسير ومن ثم ربط هذا التفسير برسالة الدين. فخطاب الدين ورسالته لا يمكن أن يكونا غير عادلين. فمثلاً لو كانت مسألة حقوق الإنسان في عالم اليوم تعرف على أنها مظهر للعدالة فإن رسالة الدين لا يمكن أن تكون بعيدة عنها. إننا كمسلمين نستطيع بل ويجب علينا أن نقبل بحقوق الإنسان كأساس لتنظيماتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فعندما نقوم بدراسة السنة والسيرة النبوية في ظروفها الاجتماعية سوف نرى كيف تزول أمام أعيننا تلك الموانع التي يُعتقد على أنها تحول دون قبولنا لحقوق الإنسان، وعندها سوف تعبر أذهاننا السنن والسير النبوية فتتوجه نحو طبيعة الكرامة الإنسانية في الرسالة النبوية، وسوف نرى الرابطة التي تقام بين كرامة الإنسان وحقوق إنسان هذا العصر.

إن البعض يريد أن يستخرج جميع بنود المفهوم الراهن لحقوق الإنسان من كتب السنة. إننا لا نعتقد بصواب هذا الأسلوب. فالنظريات اللغوية لا تسمح بزج المعاني والتعابير المعينة والمختصة بعصرنا الحاضر في الترتيب اللغوي الذي كان سائداً في العصر الماضي، ولهذا السبب فإننا يجب أن نتحدث عن رسالة الخطاب والسلوك النبويين لهذا العصر وليس من منطلق ما يستند إليه هؤلاء.

نقول، لو نزيل الموانع فإن الرسالة ستظهر نفسها. لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: ماذا لو كان رسول الرحمة، الذي كان يحذر من ظلم الزمان وهو في تلك الظروف التاريخية والاجتماعية وكان يدعو إلى عدل الزمان، ماذا لو كان يعيش في هذا العصر.. هل كان يوافق على المفهوم الراهن لحقوق الإنسان أو يعارضه؟!

إن السؤال الفائت ليس له إلا جواب واحد وهو أن الرسول كان يوافق على ذلك. إن الجواب يكون بالإيجاب عندما تكون معالم حقوق الإنسان واضحة تماماً وإذا عرفنا إن مفهوم حقوق الإنسان ينظّم علاقات الناس فيما بينهم وليس علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

إن الحريات المطروحة في مبادئ حقوق الإنسان الراهنة تعكس حرية الإنسان أمام الإنسان الآخر، ولا تعني أن إقرار الرب أو تخليه عن إنسانية الإنسان له عند الله نتيجة متساوية.

إن شكل أي عصر من العصور سيذهب إلى مزبلة التاريخ! ولكن الخطب الخالدة لا ترمي في مزبلة التاريخ أبداً. فالرسائل تتشعشع من على أفق التاريخ دوماً، ورسائل الأنبياء والأولياء هي كذلك أيضاً.
الواقعية
الميزة الثالثة لخطاب رسول الإسلام (والأنبياء) هي الواقعية، فخطبهم عادة ما تتصف بالواقعية. بمعنى أنها غير خيالية. فتلك الخطب كانت تنظر للوقائع الموجودة في ذلك العصر. وما قام به رسول الإسلام طيلة 22 عاماً كان عملاً يستند إلى الواقعية، ولهذا السبب فإنه كان موفقا في عمله. ففي اليوم الأول لدعوته وافق عليها عدد بسيط من الناس مثل زوجته خديجة وابن عمه علي، ولكن في اليوم الآخر الذي ارتحل خلاله عن الدنيا كان قد نشأ واقعاً اجتماعياً عظيماً ومغايرا. كانت الجزيرة العربية قد اعتنقت الوحدانية، وتشكلت حكومة مركزية. ونحن إذ نمر بكل بساطة من أمام هذا الموضوع لكن هذا الموضوع يعد مهماً، فكيف يتمكن مغيّرو التاريخ من إنجاز مثل هذا العمل؟. إن مما لا شك فيه أن الشخصيات المتميزة التي تبني السنن تستفيد من سلوك معيّن من أجل أن تقوم بإنجاز مثل هذا العمل الجبّار.

فرسول الإسلام قاوم لفترة 13 عاماً في مكة أنواع الاعتراضات والإيذاءات وصبر على ذلك ومن ثم هاجر إلى المدينة، وعندما كانت الظروف هناك مناسبة شكّل الحكومة وقادها بكل دراية. في ذلك العصر لم يكن الدين والدولة منفصلان عن بعضهما.

إن العمل الذي يتسم بالواقعية هو أن النبي ومن أجل تعزيز دعوته الدينية وافق على اقتراح لتشكيل هذه الحكومة، وقام في إطار ذلك بترسيخ دينه وتثبيته. إن انفصال الدين عن الدولة قد تحقق عقب ظهور التطورات الثقافية والاجتماعية الهائلة وظهور المجتمعات والدول الجديدة، أي أن واقع الحال اليوم يتطلب فصل هذين عن بعضهما، ولكن في عصر نبي الإسلام كان واقع الحال يدعو إلى قيام النبي بتشكيل الحكومة. كما أن نظرة الرسول الواقعية كانت تدعو إلى النظر للإنسان باعتباره كائناً شمولياً من خلال تشريعاته المختلفة بحيث يكون لهذا الإنسان أبعاداً مادية وروحانية، بمعنى أن الإنسان من شأنه أن يكون “فرداً ” وفي الوقت نفسه يكون “كائناً اجتماعياً”. فقد تم الاعتراف بتشريعات الرسول بغرائز ورغبات الإنسان في ظل منع الرهبانية والاعتزال عن الدنيا. كما أن الحروب واستخدام العنف قد أجيز بصورة استثنائية مع رفض أي نوع من الإفراط والإسراف. ويمكن الإشارة إلى أمثلة كثيرة حول نظرة الرسول الواقعية للأمور.
الرحمـــة
الميزة الرابعة لخطاب النبي هي دعوته إلى الرحمة بدلاً من اللجوء إلى العنف والانتقاء. وبإمكاننا الإشارة هنا إلى قانون القصاص كمثال يُنظر إليه البعض على أنه دلالة على وجود العنف في الإسلام، في الوقت الذي يتعارض هذا مع الواقع، ذلك لأن هذا القانون كان مظهراً للرأفة والرحمة في عصر رسول الإسلام وليس مظهراً للعنف. لقد طرح القرآن الكريم القصاص من أجل السيطرة على موجة الانتقام التي كانت منتشرة في تلك المجتمعات بصورة مكثفة. فعندما كان يقتل شخص في ذلك العصر من قبل قبيلة ما كان يقتل مكانه أعداداً من البشر. وقد أشار القرآن إلى ذلك بالقول إذا أردتم أن تنفذوا القصاص فلكم الحق في إنزال القصاص بحق شخص واحد فقط وهوالقاتل ولا أكثر. ثم قال في الآية ﴿ وإن عُفي له من أخيه شيء ﴾ أي إذا لم تقتلوا القاتل وعفوتم عنه، فإنه أفضل كثيراً. بمعنى أن هناك شيء أرفع من العدل وهو العفو والرحمة. فإذا لم تقتلوا وعفوتم فإن الله سيرضى أكثر. إن منطق الخطاب والكلام النبوي لم يكن منطق الانتقام والعنف فحسب بل بالإضافة إلى التزامه بتنفيذ العدالة، كان يدعو إلى الرحمة أيضاً. إن خطاب الدين اليوم يجب أن لا يقتصر على الدعوة نحو تحقيق عدالة العصر، بل يجب أن يكون داعياً إلى الرحمة ورأفة العصر الحاضر كذلك، أي أن يأخذ بنظر الاعتبار عواطف البشر المتحولة.

هذه الخصائص والميزات الأربع التي جرى ذكرها، وهي منطق العقل والعدل والواقعية والرحمة، تعتبر ساحة حياة الإنسان في هذا العالم. فالإنسان مثل ما يطرح نفسه في التاريخ والمجتمع يمتلك ساحات العقل والعدل والواقعية والرحمة.

ولكن خطاب النبي عندما يهتم بجميع هذه الساحات في نفس الوقت، لا يحصر نفسه في أي من الساحات الأربع المذكورة. ومع اهتمامه بهذه الساحات يطرح النبي خطاباً يعد أوسع وأشمل، وهذا الخطاب هو رسالة الرب للإنسان ورسالة السماء للأرض، وهدفه هو فتح آفاق الطبيعة والتوجه نحو متطلبات الإنسان اليومية.

ومن الطبيعي أن يتسم خطاب الرسول بالعقلانية والعدالة والرحمة والواقعية كي يتمكن الإنسان من سماع رسالة الرسول بشكلها الصحيح. ولكن إذا ما بذلت هذه الرسالة كل توجهاتها نحو الساحات الأربع فإنها ستنتهي. وإذا لم تبق هذه الرسالة ضمن طبيعتها الذاتية الداعية إلى تعامل الإنسان ضمن الأطر الأربعة الضيقة، وهي التاريخ والمجتمع واللغة والجسم، فإنها لن تكون عندئذ رسالة رب العالمين. فمن الممكن أن تفقد تلك الرسالة صلاحيتها إذا ما نصبت الفلسفة والعلم والسياسة والقانون وغيرها من العلوم مكانها ولونتها بلون الدين.

إن رسالة الرب يجب أن تتسم بالشفافية دوماً كي تُسمع. وبقاء هذه الشفافية مرتبط بعدم زج أي فيلسوف أو عالم أو سياسي خطابه بخطاب رب العالمين، وعدم ربط أوامره بأوامر الله سبحانه وتعالى، وأن لا يعلن أي مفسر عن أن تفسيراً ما يُعد التفسير النهائي لخطاب رب العالمين، وأن يكون باب نقد التفاسير الدينية وقراءة النصوص الدينية بمختلف التوجهات مفتوحاً على مصراعيه دائماً، وأن يقتنع الجميع بأن علمنا محدود، وكَشْفنا للحقائق ما هو إلاّ عمل نسبي، وأن طرق الوصول إلى الله سبحانه وتعالى هي بعدد أنفس الخلق، وأن رسالة الرب هي رسالة الأمل، ورسالة التشجيع لاستمرار حياة الإنسان، ورسالة الإبتعاد عن اليأس والفراغ وإنشاء صرح راسخ لحياة الإنسان الداخلية والخارجية كي يتمكن من تحمل العذاب.

إن الله سبحانه وتعالى يُظهر ذاته المقدسة من خلال رسالته إذ يقول: أنا موجود وأنت أيها الإنسان لست وحيداً في هذه الحياة، فإذا توصل الإنسان إلى هذه النقطة واعتقد أنه وحيد فعلاً في هذه الحياة لربما يتعرض إلى وحشة ليست بعدها وحشة. إن مسلسل الانتحار الذي تشهده الطبقة المثقفة في المجتمعات ما هو إلا حالة من العزلة التي يصل إليها بعض الناس رغم أن نوعاً من هذا الانتحار الذي تدعو إليه بعض المذاهب يُعَدّ السلوك الديني الأرقى لدى الإنسان.

فالرسالة النبوية تريد أن تعالج هذا المرض كي يكون مع الإنسان في عالم الوجود صاحباً يتحدث معه. فإذا أرادت هذه الرسالة أن تبقى بمستوى الرسالة السماوية فعليها أن لا تهبط إلى حد انشغالات الإنسان اليومية.

وحسب تعبير قس القرن العشرين المسيحي المعروف (كارل بارث) فإن الرسالة السماوية يجب أن يتلقاها الناس بوصفها تختلف تماماً عن أية رسالة أخرى. إن تعبير “شيء مختلف” الذي يستخدمه مولوي (مولانا جلال الدين الرومي الشاعر الفارسي المعروف) في أشعاره هو نفس التعبير الذي استخدمه كارل بارث. مولوي يقول: “لقد أتاني شيء آخر”. ويقصد في هذا أن كلام الله سبحانه وتعالى هو “الشيء الآخر” وليس الخبز والماء والسياسة والفلسفة والعلم ونظائرها.

يقول كارل بارث إن كلام الله يختلف عن أي كلام نحن نعرفه، بل إن هذا الكلام يختلف تماماً عن أي كلام آخر. هذا العالم الألماني يعتبر إنساناً مهماً.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى غطت سحب اليأس جميع أنحاء أوروبا. إن هذه الحرب أوردت صدمة عنيفة بالإنسان الغربي الذي كان يتصور حتى أوائل القرن العشرين، وهو يعتمد على مبادئ راسيوناليسم(Rationalism) المستوحاة من حركة التثقيف التي انتشرت آنذاك، بأنه ومن خلال سيره في جادة العقلانية يستطيع أن يحل جميع مشاكل حياة الإنسان.. كان يتصور بأن الإنسان بإمكانه وله القدرة على حل مشاكل البشر التاريخية، وكان يقول بأن الإنسان يتمكن من تغيير تاريخه ويستطيع حل مشاكله وأن يصل في هذه الدنيا إلى المدينة الفاضلة. ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى وقُتل عشرات الملايين من البشر، كان فلاسفة الغرب يجلسون في مكاتب عملهم داخل الجامعات المرموقة وكان العلماء منشغلين في المختبرات وهم منهمكون في التجارب العلمية الدقيقة، وقد انهارت على رؤوسهم القنابل فاندفعوا إلى انتشال جثث زملائهم وأقربائهم وقاموا بأيديهم بدفن الجثث. هذه الأحداث ألحقت صدمة رهيبة بالإنسان الغربي، إذ قال الغربيون: إننا إذاً لم نحقق أي تقدم وأن الإنسان ما زال كائناً وحشياً، وهو ما كان سبباً في أن يخيّم يأس ديني شديد على الإنسان الغربي.

في القرن التاسع عشر عندما كان الفلاسفة يتوقعون بأن عقل الإنسان سيواصل تطوره ونموه، استفاد القساوسة المسيحيون من هذا بشكل جيد فأعلنوا بأن رب العالمين أسس تاريخ الإنسان بصورة تكاملية، وكانوا قد احتسبوا هذه الظاهرة على أنها إحدى علائم الحكمة وعلم الله سبحانه. فقد ظهرت فلسفة متفائلة للتاريخ استفاد منها القساوسة، ومفاد هذه الفلسفة أن الله تعالى أوجد تاريخ الإنسان بالنحو الذي يتقدم باتجاه الأمام وقادر على أن يحل مشاكله.

عندما وقعت الحرب العالمية الأولى لحقت صدمة عقائدية أيضاً بالناس، فراودتهم الشكوك في تكامل التاريخ، وقالوا إن التاريخ كله ليس له أي معنى. في هذا الظرف دخل كارل بارث الساحة وطرح رأيه الديني بهذا الخصوص والذي بُني على أساس أن فضل الله على الإنسان ووصول رسالته إلى الإنسان لا ينحصر في أية ساحة من ساحات الإنسان بما فيها ساحة التاريخ. إن تلك الرسالة تختلف تماماً عن سائر الرسائل الأخرى. فقد قاوم كارل بارث من خلال طرحه لمثل هذه النظرية الدينية تلك الأمواج العاتية المتمثلة باليأس وفقدان الأمل، واستعادت الديانة المسيحية حياة جديدة.

إن خطاب نبي الإسلام ينطلق من الوحي، والوحي يعني الإشارة الإلهية. أي إنه يتلقى الوحي، وأن الله كان يتحدث معه (بالإشارة). فالنبي وحتى آخر حياته كان يتلقى الوحي، وكان يصف “النبوة” بأنها من أهم أبعاد شخصيته الإنسانية، وخلال كلماته وأحاديثه لم ينزل إلى مستوى الحكام والفلاسفة والحكماء والساسة أبداً. إن القرآن لم يستشهد بالأدلة الفلسفية لإثبات ادعاءات النبي. فعندما كان الحديث يتمحور حول الوحي فإن الكلام كان يستند فقط إلى سلطة الوحي نفسه، وكان الوحي لا يتنزل إلى مستوى الفلسفة، ولهذا السبب فإن النبي بقي نبياً إلى آخر عمره، رغم أن الجزيرة العربية كلها تقريباً كانت تحت سلطته السياسية، ولكن معالم حياته كانت في أغلب الأحيان وإلى آخر عمره هي معالم الأنبياء.

إننا نستطيع أن نصف هذه الميزة الخامسة لخطاب النبي بأنها الميزة “النبوية”. إن هذه الميزة كانت تخاطب قلوب المؤمنين وأعتبرت الأرضية اللازمة لظهور الإيمان. وفي وقتنا الحاضر أيضاً يجب أن يتمكن الخطاب الديني من خلق الإيمان لدى الإنسان. إن هذا الشيء يتحقق عندما يتمكن هذا الخطاب من الاستيلاء على أفئدة مستمعيه ومخاطبيه، وهذا الاستيلاء يتحقق عندما يبتعد علماء الدين في خطاباتهم وسلوكياتهم عن نزاعات عالم السياسة، كي يتمكنوا من نقل الخطاب الرباني الذي يختلف تماماً عن سائر الخطابات الأخرى.

إذا استُعمل الدين كأداة للسياسة، وإذا وصف حاملو رسالة الدين حديثهم للناس بأنه حديث نهائي لا نقاش حوله ولم يسمحوا لأي أحد بتوجيه النقد إليهم، وإذا وصفوا أوامرهم ووصاياهم التي قد تتضمن أخطاء ونواقص بأي حال من الأحوال على أنها أوامر ونواهي صادرة من رب العالمين، وإذا أوجدوا لأنفسهم قدسية، فإنهم لن يتمكنوا أبداً من طرح خطابهم الديني. إن خطاب الدين في عصرنا الحاضر يجب أن يستند إلى منطق العقل والعدل والرحمة والواقعية وأن يتمكن من إيصال رسالته.

يمكن لأشخاص أن يوجدوا خطاباً دينياً إذا استطاعوا أن يفهموا عقلية وعدالة ورحمة وواقعية عصرنا الحاضر، وأن يتمتعوا بنزاهة الكلام والسلوك كي يتمكن الخطاب الرباني، الذي يختلف تماماً عن الخطابات الأخرى، من الانتقال إلى الآخرين.

 

*محاضرة ألقيت في جامعة أصفهان في ايران عام 1999م وتم اختيارها كأحد موضوعات كتاب المفكر الايراني محمد مجتهد شبستري “نقد الخطاب الرسمي للدين” الصادر عام 2000م عن دار “طرح نو” للنشر في إيران. وقد قام مركز “الحوار” للثقافة والنشر بترجمة المحاضرة من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية.

 

(Visited 42 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

soroush

رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification