الرئيسية / التعددية / الحوار الديني عربياً وشروط فعاليته

الحوار الديني عربياً وشروط فعاليته

image_pdfimage_print
الحوار الديني في المجتمع العربي
الحوار الديني في المجتمع العربي

حوارات.نت ـ  انطوان مسرّة

توصل الحوار الديني في المنطقة العربية، وبخاصة في لبنان، الى درجة عالية نسبيا من الثبات والتواصل، ولكنه في حاجة الى مزيد من التصويب والتركيز والفعالية. اذا اقتصر هذا الحوار على الشؤون الدينية وما يرتبط بها مباشرة فهو يتجاهل البعد العلائقي الذي لا ينحصر في المعرفة والادراك، بل يطاول السلوك والتعامل مع المعرفة الدينية وادراكاتها وتصوراتها.

حوار في ثلاثة ابعاد
تتضمن اشكاليات العلاقة بين الاديان ثلاثة ابعاد:
1-  البعد الديني – الثقافي: يشمل قضايا لاهوتية وفقهية وتربوية وصورا ذهنية متبادلة. لكن التراث الديني في المنطقة العربية قد يتحول الى عبء اذا انزوى في عقيدية مغلقة وحقيقة احادية، في حين ان الحاجة هي الى تحرير الايمان من بعض اشكال التدين والحؤول دون تحوله وعاء للنزاعات وكيانا سلطويا.
2- البعد الدستوري والحقوقي: يشمل شؤونا حقوقية اساسية في سبيل الادارة الديموقراطية للتنوع الديني في الانظمة العربية اليوم. اذا اقتصر الحوار على الايمان وعلى ابعاده الثقافية وعلى المنمطات الذهنية والصور الايجابية او المشوهة، وعلى الاختلاط في حوار الحياة فان هذه المكتسبات، التي هي ثمرة قرون من الجهد المشترك، قد تنهار اذا تنامى ادراك بالغبن والعزل وعدم المشاركة.

هناك اربع قضايا جوهرية في حقوق الانسان مرتبطة بالاديان، وتشكل عنصر خلاف في الشرعات العربية لحقوق الانسان وهي: حقوق المرأة، الاحوال الشخصية، الحريات الدينية، المشاركة السياسية. تشكل هذه القضايا عنصر خلاف بالنسبة لكل المجموعات الدينية، مع ما يرتبط بذلك من حقوق ثقافية وتعليم ديني ومشاركة سياسية. لكن التراث العثماني والعربي عامة طوال اكثر من اربعة قرون يوفر نماذج معيارية وقابلة للتطبيق في الكثير من المجتمعات اليوم، شرط العمل على تطويرها وعصرنتها.
3- البعد السياسي: يشمل هذا البعد تطييف (من طائفة) التباينات الدينية في التنافس السياسي والتعبئة السياسية. ينتشر في العالم خبراء واختصاصيون في المناورات والتعبئة النزاعية من خلال استغلال التباينات الدينية. يتطلب بناء السلام، تالياً، تنمية ثقافة المناعة والمقاومة حيال استغلال الدين في التنافس السياسي.
ان للهيئات الدينية، مسيحية واسلامية، في المجتمعات العربية مؤسسات منظمة واسعة الانتشار. هذه المؤسسات هي جزء واسع من تكوينات المجتمع الاهلي العربي، وتتمتع تالياً بالقدرة على التأثير الايجابي في التفاعل بين الاديان والسلام العالمي وثقافة حقوق الانسان. لكن دور الاديان اصبح اكثر ارتباطاً، ليس بمجرد لقاءات وندوات ومؤتمرات، مفيدة ولا شك، ولكن ذات فاعلية محدودة، بل بدور الفاعلين انفسهم في هذه الاديان. الشكوى من صورة نمطية للاسلام وللعرب عامة في العقل الغربي لا يقابلها سعي جدي من الفاعلين لتصحيح منابع الشكوى.
يعني ذلك اعتماد نهج متجدد في دراسة العلاقات بين الاديان من خلال امثلة نموذجية واقعية وايجابية، ومن خلال طرح القضايا ليس بشمولية (علمانية، طائفية، دين ودولة…)، بل حالة بحالة من خلال رصد المظالم ومعالجة حالات هذه المظالم. يسمح هذا المسار بتفكيك منمطات وتصورات واطلاقيات، وبمباشرة حوار جدي فعال حول قضايا معاشة هي غالباً مصدر ظلم يطاول افراداً وجماعات. وعندما يطرح السؤال: لماذا تهتم الدوائر الغربية الرسمية بالحريات الدينية بشكل خاص؟ الجواب ان الحريات الدينية هي، بمنظور تاريخي وعملاني، ام الحريات وحقوق الانسان عامة.

اولويات الحوار الديني عربياً
ابرز اولويات الحوار الديني عربياً اليوم الشؤون الاربعة الآتية:
1- التزام الهيئات الدينية قضايا حقوق الانسان: المؤسسات الدينية والمؤمنون مدعوون لمزيد من الالتزام في سبيل العدالة والسلام في عالم تجتاحه مخاطر حروب غير تقليدية، وتفاوت متزايد بين شمال وجنوب، وانتشار خبراء سياسيين في استغلال الدين في التنافس السياسي.
ابرز مضامين هذا الالتزام النبذ العلني والصريح لكل اشكال العنف “باسم الله” او الدين. يجوز في حالات عديدة او حصرية اللجوء الى المقاومة دفاعاً عن السيادة والاستقلال ودفاعاً عن النفس، ولكن باسم القانون والحقوق او غيرها من الاعتبارات الحقوقية او الانسانية التي اجمعت عليها البشرية في شرعات دولية. اما اللجوء الى العنف باسم الله او الدين فهو نيابة عن الله وممارسة الدينونة على البشر قبل الدينونة ودون ضمانة ان البشري الذي يمارس القصاص هو الناطق الرسمي باسم الله ويحمل صكاً رسمياً بذلك، ولا يتخطى حدود توكيله المفترض وانه مطلق الطهارة والتجرد والعدل.
2- حماية التنوع الديني من خلال مسارات ديموقراطية: ما يثير الاستغراب الخطاب العربي بتحفظ او تردد حول القواعد الدولية لحقوق الانسان من هيئات دينية بينما الشعوب العربية هي الضحية الكبرى للظلم في السياسات الدولية منذ نشوء اسرائيل. الحاجة في الدول العربية هي الى بناء علاقة تكامل وانسجام بين الاديان وحقوق الانسان.
3- القدس: ان مستقبل القدس محوري للأديان الثلاثة ذات المنبع الابراهيمي، ليس كمساحة جغرافية، بل كرمز للالتقاء الروحي الجامع والقائم على احترام متبادل وقبول وتواصل خلاق انسجاما مع تجربة تاريخية طويلة في ادارة التنوع الديني والمذهبي في المنطقة العربية.
4- استخلاص نموذج عربي مشترك في العلاقة بين الدين والسلطة: الحاجة الى ترشيد “السياسات الدينية” بخاصة ان عبارتي “الفصل بين الدين والدولة” وعبارة “الاسلام دين ودولة” فيهما اختزال وتبسيط وتمويه لعلاقة معقدة وغالباً مأساوية بين الدين والسياسة.

نحو نموذج عربي في تنظيم علاقة
تمارس كل دولة ديموقراطية ثلاث وظائف دينية:
1- ادارة التنوع الديني من خلال التشريع.
2- حماية الحريات الدينية من خلال قضاء مستقل ومجال عام محايد حيث يستطيع كل فرد ان يؤمن او لا يؤمن، او يؤمن على طريقته دون المساس بالنظام العام. والنظام العام هذا ليس نظام الدين السائد – كما في اكثر البلدان العربية – بل النظام الذي يحافظ على قواعد العيش معا وعلى الحقوق الاساسية للجميع دون استثناء.
3- صفة الدولة كمحور تفاوض وتقرير لاحتواء النزاعات التي تتعلق بالاديان او تتخذ طابعا دينيا في حال انتقال النزاعات من المجال الخاص الى المجال العام.
يفتقر العالم العربي الى نموذج في تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة ورسم الحدود بينهما رغم غنى التجربة العربية التاريخية والمعاصرة. يظهر هذا الفراغ في تأرجح المنظرين ضمن العموميات المعروفة في الدين والدولة والشريعة والطائفية والعلمانية… تسمح الدراسة الميدانية، وخصوصا دراسة حالات، باستخلاص نموذج يشكل اطارا في التنظير كما في الممارسة.
ان بيان علماء المسلمين الذي القاه في 2 كانون الثاني (يناير) 1989 الشيخ احمد متولي الشعراوي يشدد على ثلاثة مفاهيم تشكل اطارا في بناء نظرية العلاقة بين الدين والدولة وهي: اولياء الامور، وحدود الولاية، والضوابط. جاء في البيان: “اتفق العلماء ان تغيير المنكر باليد واجب على ولي الامر وعلى كل انسان في حدود ولايته وان تغيير المنكر اذا ادى الى مفسدة اشد كان التوفق واجبا لأن اباحة تغيير المنكر بغير ضوابط يؤدي الى شيوع الفوضى في المجتمع ويضر بمصلحة الدين والوطن. (…) الثابت في كل العصور ان الذي يقوم بتنفيذ الحدود وتغيير المنكر باليد هم اولياء الأمور وحدهم”.
تفترض المفاهيم الاساسية الواردة في هذا البيان اختصاصا سياسيا متميزا، اي فصلا وظيفيا بين السلطة السياسية والهيئات الدينية.

ان الحوار الديني عربيا، الذي حقق انجازات عدة وفي ظروف صعبة، هو في حاجة في آن الى مزيد من التركيز والتصويب والتأصيل، بخاصة في الشؤون الآتية: الادارة الديموقراطية للتنوع الديني، والتمايز بين الشريعة والتشريع وصولا الى “علمنتنا نحن” حسب تعبير للسيد هاني فحص، وبناء ثقافة مناعة حيال الاستغلال السياسي للدين والتعبئة السياسية الدينية، وتنقية الاديان عربيا من التلوث الايديولوجي والعقيدي مع ممارسة نقد ذاتي دون خوف على الدين بل حرصا عليه.
المصدر: النهار

(Visited 19 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

TRUMP-PRAY

صورة لقساوسة يصلون من أجل “هداية” ترامب تثير جدلاً في أميركا

صورة لقساوسة يصلون من أجل “هداية” ترامب تثير جدلاً في أميركا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification