الرئيسية / الإسلام السياسي / الحركات الإسلامية تحديات الخطاب والواقع وفقا لرؤية المرجع السيد محمد حسين فضل الله

الحركات الإسلامية تحديات الخطاب والواقع وفقا لرؤية المرجع السيد محمد حسين فضل الله

image_pdfimage_print
الحركات الإسلامية وتحديات الواقع
الحركات الإسلامية وتحديات الواقع
  •  حوارات — بقلم: محمد عبد الله فضل الله

 

الإسلام كباقي الأديان رسالة من الله للإنسان يحوي كما غيره على منظومة عقيدية وأخلاقية في غاياتها النهائية تهدف إلى بناء الإنسان والحياة وعندما يكون الدين رسالة لا بد لها من أن تتساوق مع لغة العصر وتتفاعل مع المرحلة ، وأن تنفتح هذه الرسالة بما تحوي على كل إنتاجات الفكر والوعي البشري ومساهمتهما كي تكون القناعة بالدين مرتكزة على وعي ناضج وتكون حركة الشعور الديني متحركة على أساس النضج الخطابي الديني الذي يحرك الكوامن في مواكبته لحركة التغيير والإصلاح بعيداً عن الجمود والموات ، وإن لم يكن هناك من من خطاب متوازن يعني ذلك أنه يوجد خللٌ ما في الشخصية في تواصلها عبر الزمن مع ما تحمل منن تراث يعبّر مع أصالة هويتها ، هذا الخلل الذي نجده اليوم في واقعنا الصاخب بالأزمات والمشاكل على أنواعها في ظل سيطرة خطاب اجتراري تبريري وذرائعي بعيداً عن توصيف الداء ووضع الأصبع على الجرح والعمل على المداواة الفعلية.

والحركة الإسلامية ليست بدعاً من الحركات ولكنها قد تتحول إلى بدع حقيقية عندما تلغي وجودها الفعلي عبر إلغاء دورها في التعبير الأصيل عن الحقيقة الحيوية للإسلام التي تضع قبل كل شيء نصب أعينها السعي وفق الظروف وضمن الإمكانات في حسن توجيه الإنسان وربطه بعنوان رسالته وقيمها ليجيد التصرف مع محيطه ، لا أن تتحول الحركة الإسلامية إلى مجرد شعارات وعناوين فارغة همها كيف تثير الغرائز المذهبية وكيف تحرك العصبيات خدمة لتكتيكات مرحلية على حساب المصلحة العامة في إيجاد مجتمع إنساني متصالح مع نفسه كي نصل إلى مرحلة التعارف.

من هنا لا بد من إعادة قراءة الخطاب الإسلامي وتحديث آلياته كي يصبح عنصر دفع وحركة نحو الآخر لا عنصر انكفاء على الذات وتأطيرها بأطر ضيقة فالإسلام كرسالة يحتاج إلى الشمس المشرقة لا الاختباء في كهوف الظلمات. ويوضح المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله الأساس الذي يقوم عليه الاسلام لنحدد بعدها مدى قرب أو بعد الحركة الاسلامية عن محاكاة الرسالة وتطبيقها بوعي وجدارة إذ يقول :” ثمة حقيقة حيوية في الاسلام هي أنه رسالة الله إلى الإنسان الذي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرجه من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة وهدى ينقذه من الضياع وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة” ( كتاب الحركة الاسلامية ما لها وما عليها ص 291).

ثم يأتي التعارف كقاعدة إسلامية عامة تؤكد على أهمية التنوع في دفع دفة الحياة ، لا استغلال هذا التنوع في تكريس الفواصل والحواجز بين البشر أو استغلالهم تبعاً للجنس والعرق واللغة والدين. يقول السيد فضل الله تعليقاً على الآية القرآنية”( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) وهذه قاعدة إسلامية في النظرة العامة إلى الناس على اختلاف ألوانهم وقومياتهم وخصوصياتهم العائلية والجغرافية، فهي في الوقت الذي تؤكد فيه على جانب التنوع في الخصوصيات العرقية واللغوية والنسبية والجغرافية ونحوها فإنها لا تمنح أي نوع قيمة خاصة ترسم الفواصل بين الإنسان والآخرين ، وتقوده إلى استعدائهم أو محاولة السيطرة عليهم بأي عنوان عرقي أو قومي”. ( تفسير من وحي القرآن ج21 ص 159).

فما دام الدين كذلك فإن أفعال البعض المرتكبة باسم الإسلام والتي تستعدي هذا التنوع وتجعل منه مطية لطموحاتها أو تنفيذاً لأجندات معلنة وخفية لا تندرج سوى المخططات الهادفه إلى تطويع الناس لحساب من يملك القوة والسطوة في الضاهر ، نقول في الضاهر لأن منطق الحق والزمان يقولان بأن هذه اللعبة الخبيثة من البعض ستصيبهم بنارها فهي خطة شيطانية متلونه بشعارات دينية فضفاضة.

وربطاًبما تقدم فقد ظلمت الحركة الإسلامية في صحوتها مرتين ولا تزال ، مرة من قبل من يدعي الانتماء لها ولكنه لم يتابع مسيرتها بوعي وبالتالي لا يؤثر في حركة الواقع كما يجب ، وبين تيار آخر يرى فيها مجرد صحوة تريد في الحقيقة إعادة الوضع إلى زمن الرجعية والتخلف ، فالحركة الإسلامية تحتاج إلى جيل يعيش الصحوة فعلاً ويرى في صحوته انطلاقة إنسانية تدفع نحو الأصالة في خط الحرية، وحول هذه النقطة يصرح فضل الله ” لا يزال العالم كله يعيش هاجس الصحوة الاسلامية الجديدة بين تيار يرى فيها انطلاقة إنسانية روحية جديدة تدفع الإنسان إلى الأصالة الروحية في خط الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعمق إنسانيته وتؤكد حريته وتفتح الحياة كلها لثورة عميقة ممتدة في رحاب الله وبين تيار يرى فيها عودة إلى الخلف والرجعية والتعصب وحركة إرهابية تعمل على تهديم الحضارة والرجوع إلى عهد البداوة وذلك من خلال فكرة الحكم الديني المطلق الذي لا يسمح بأي لون من ألوان الحرية الإنسانية”.( الحركة الاسلامية ص 13).

وبقدر ما تكون الصحوة الاسلامية حالة واعية وراسخة ونابعة من عمق إيماني ورسالي هادف بقدر ما تصبح المصطلحات التي ربما يخاف منها البعض (إسلاميون – جماعات مسلمة) أو غير ذلك مجرد كلمات عادية لا ينسحب الذهن معها إلى ما يحاول البعض وصمه بالاسلام من عناوين الارهاب والتطرف والعنف.

حتى لو سلمنا بوجود صحوة اسلامية متوازنة في وقت من الاوقات فاليوم نجد تراجعاً في الفهم والتطبيق وسذاجه ربما ينفذ البعض ليستغلها في تحقيق مشاريعه ومآربه ، فبات تسييس الدين  وتديين السياسة أمراً مختلطاً لا يمكن ضبط حركتهما إذ أصبحنا الجهة التي تحدد انتماء الفرد وحتى سلامة علاقته بالله وكأنه حساب إلهي يجري بأيدي البشر باسم الله حيث تجري المبايعات والصفقات باسمه كسيف مسلط على رقاب خلقه وبالتالي غابت الصحوة الاسلامية الفاعلة المطلوب منها أن تكون حالة حركية تهز العقل والعاطفة والواقع في انطلاقة الاسلام في الحياة كرسالة تستوعب كل تطلعات الإنسان في الإيمان والحرية والعدالة كي لا يستغرق الإنسان في الغيب وينسج واقعه على أساسه اللامحدود والمشوش وعندها تغيب عملية التكامل الانساني لجهة بناء الاجتماع الانساني فيما المطلوب إحياء قيم الاجتماع الانساني على قاعدة البر والتقوى في تحمل الفرد والجماعة لمسؤولياتهم .

ما يحصل وباسم الدين اليوم هو هجران هموم الواقع والانجراف نحو عوالم وهمية يصطنعها البعض لأنفسهم ويعطونها ما يتلبسها من نص شرعي لإضفاء القدسية عليها وهذا زيادة في الجهل ويعطي السيد فضل الله التوصيف الملائم لحقيقة الصحوة وما يجب أن تكون عليه بقوله:”ليست الصحوة الإسلامية تعبيراً عن حالة شعورية تعيش في إحساس الإنسان المسلم بأنه يعيش حالة يقظة بعد نوم طويل أو بعد سكرة مطبقة بل هي تعبير عن حالة حركية تهز العقل والعاطفة والواقع في انطلاقة الاسلام في الحياة كرسالة تستوعب كل تطلعات الانسان في الإيمان والحرية والعدالة ليبتعد عن الهامش الذي يقف به خارج نطاق الواقع فيدخل في العمق ويتحرك في الامتداد ليصل إلى التكامل الفكري والعملي”.(كتاب الحركة الاسلامية ص 97).

وعندما تنغلق التنظيمات التي تعتبرنفسها إسلامية على عصبيتها الحزبية أو الجهوية وبالتالي تصبح منفصلة عن القضايا الجوهرية للأمة تصبح هذه التنظيمات غريبة على الأمة وتسيء إليها وتعيش بالتالي على جهالة البعض منها وتحاول أن تستحضر وتحشد كل الشعارات والعناوين لتأكيد روحها وحيويتها ولكنها في الواقع ميتة لأنها لا تعبر عن تطلعات الأمة الحقيقية.

يقول السيد فضل الله (رض):” وربما كان من الضروري أن نلفت الأنظار إلى ضرورة العمل على إبعاد التنظيمات الاسلامية عن العصبية الحزبية المنغلقة في الدائرة الصغيرة التي تؤكد فيها الانفصال عن الجماهير الواسعة للأمة في الساحات الأخرى أو المجالات الأخرى”. ( كتاب الحركة الاسلامية ص 114).

بعدما تقدم علينا أن نفكر كمسلمين وبحجم الاسلام في رسالته لا كسنّة ولا كشيعة منغلقين على مذهبيتهم الضيقة فعندما نفكر بحجم الاسلام ونتوحد حول قضايانا الكبرى ونتناسى بعض الخلافات التاريخية التي لا ثمار لها اليوم سوى بقاء حالة التشرذم والتنازع نستطيع أن نخرج من المذهبية إلى فضاء الأمة في حفظ مصالحها ووجودها.

ونقطة أخرى هامة وهي ضرورة العمل على تنمية الإنسان من النواحي كافة كي نرفع من مستوى وعيه وحضوره ويكون أكثر فهماً لما يحصل ويحدث من حوله فالتنمية الإنسانية أضحت من القضايا الهامة التي علينا جميعاً العمل من أجلها تخفيفاً لمآسي الواقع التي لا تنتهي.

  • كاتب اسلامي من مؤسسة السيد فضل الله
(Visited 51 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

سيد قطب

جاهلية سيد قطب وتكفير المجتمعات

جاهلية سيد قطب وتكفير المجتمعات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification