النص الديني في الإسلام من التفسير إلى التلقي: قراءة في كتاب وجيه قانصو

wagih

حوارات — بقلم: محمد عبدالفتاح السروري — قراءة النص الدينى ليس نشاطاً علمياً فحسب بل هو إضاءة لبعض الزوايا المُعتمة فى ثنايا المعانى, وإن البحث الذى بين أيدينا للمفكرالدكتور (وجيه قانصوه), يركز على إعادة بناء مشهد تكوين النص وإعادة صياغة فهمهِ وتأويله, لا لغرض القطيعة مع مقولاتِ منظومة التفسير القائمة, بل لغرض إعادة الأعتبار لأصالة الحاضر فى بناء تجربة فهمٍ جديدٍ للنص, وتراعى المُقتضيات المنطقية والموضوعية لتلقى النص الدينى في هذا الحاضر الآنى, وهذا لايكون إلا بالإنطلاقِ من إعادة تركيبٍ للذاكرة المعرفية والدينية فى مجرى وعينا وفكرنا الراهنين, وذلك من خلال استحضار رصيد الخبرات التاريخية فى فهم النص الدينى وتفسيره, بالأستفادة من منجزاتها – أى منجزات الخبرات التاريخية – حيناً, وتفحص كلياتها وبناءتها والتدقيق فى صلاحيتها التاريخية حيناً آخر, ليتسنى لنا إيجاد حيزٍ تأويلىّ راهِن قادر على التعامل مع مفارقة الإلتقاء الجدلية بين أفق النص الدينى القادم من زمنٍ بعيد وبين أفق الحاضر الذى لايملك المُفسِر أو المؤوِل الإ الإنتماء إليه.
ترسخ فى الفقه الإسلامى ما يمكن تسميته بالمنظومة النصية الدينية, التى لا تقتصر على النص القرآنى فحسب بل تشمل كل مادُوِّن عن النبى من قولٍ وفعل, وكان انهماك علم التفسير التقليدى فى وضع القواعد الصحيحة لفهم النص والكشف عن معناه تجلٍ واضح لعملية الفهم والقراءة وميلٍ الى التقليل من أهميتها فى تحصيل معنى النص وغياب للعديد من عناصرها فى مبادئ التفسير المعتمدة, والتى أهمها دور المفسر والقارئ فى عملية الفهم, وأيضاً الأفق الثقافى والتاريخى لعملية التفسير
فالتفسير(الممدوح), وفقَ منهج التفسير المتبع يتطلب تحييد الذات المفسرة ويتجاهلها – أى الذات/ العقلية المُفسرة – كـ كينونة تنتمى الى سياقٍ تاريخى وأفق ثقافى خاصين, ومحملة بأسئلةٍ وهواجس ورهانات ذاتية, فيكون التفسير بذلك عملية آلية يتحكم فيها مأثور السلف, وتضبط إيقاعها قواعد اللغة العربية اللازمنية, ليصبح المعنى الدينىّ لازماً منطقياً وضرورياَ لقواعدٍ مقررة مسبقاً تفترض معنى موضوعياً أو واقعياً واحداً للنص, يجهد المفسر أو المؤول أو المجتهد فى الكشف عنه, فلا يعود للمعنى الدينى نتاجاً للتفاعل بين النص والمفسر, الذى يستدعى بطبيعته تنوعاً وتعدداً صفىّ الدلالة والمعنى, بل يقتصر دور المفسر على تلبس دور ٍذى قواعد مقررة مسبقاً ومجمع عليها, لامكان فى داخلها للشخصى أو الذاتى أو الزمنى و أصبح الأساس فى المفسر المستقيم, هو تخلى المفسر عن ذاته, وتلبس الفهم العام المُسيطر أو السائد وتقمص وعى المجتمع الذى ينتمى اليه والتقيد بقوانينهِ وشروط الإنتماء إليه, والإنصياع الى مؤسسة التفسير والإجتهاد فى داخلها التى لاتكتفى بضبط ورصد التفسير الصحيح والخاطئ بل تتعقب وتلاحق وتعاقب التفسير المذموم , أى التفسير الخارج عن حياض سلطة المؤسسة (مؤسسة التفسير الموروث), وما يحتاج اليه العقل الجمعى اليوم هو الكشف عن وهم التطابقات المزعومة فى التراث التفسيرى كـ وهمِ التطابق – الحتمى – بين فهم القارئ للنص وقصد النص نفسه, و وهم التطابق بين زمن التلقى الأول للنص الدينى وبين زمن التلقى الراهن له وهى تطابقات أغلقت دلالات النص وحصرتها فى فهم سلفى شبه أحادى يحكم ويضّيق الخناق على أى جهدٍ استكشافىّ جديد للنص, كما أنها عطلّت فاعليات الأزمنة اللاحقة وأهملت أصالة الحاضر فى بناء تجربةٍ جديدة مع النص, الأمر الذى أقام جداراً عازلاً بين النص والمتلقى .
ورغم إعتراف الفقهاء والمفسرين بتعدد المعانى المُفسرة للنص أو المستنبطة منه فإن هذا التعدد ليس نابعاً عندهم من قابلية النص الدينى فى توليد معانٍ شتى أو من صلاحية التفسير فى إنتاج تعددٍ دلالىّ, بل من العجز البشرى عن الوصول الى المعنى الواقعى أو الموضوعى للنص المُفسر, ومن تفاوت قرائح المفسرين العلمية وقدراتهم الذهنية فى تلبس الدور المقرر للتفسير فى إصابة الواقع . أى أن تعدد المعانى المُستنبطة أو المفهومة ليس بسبب أن النص يحتملها ويسوّغها, أو لأن التفسير المعتمد وفق قواعدٍ محددةٍ يقتضيها , بل لأنه ُ نابعٌ من مسبباتٍ خارجة عن دلالة النص وقواعد التفسير, فالتفسير الصحيح يفترض مع مراعاة كامل شروطه حصول المعنى نفسه الذى هو موضوعى وواقعى بنظر المفسرين, كلما تكررت عملية التفسير فالمعنى الواقعى هو بمثابة مدلول ذاتى للنص, ولازمٍ منطقىّ لقواعد التفسير (الصحيحة) ولايمكن لأى شخص استيفاء شروطه التامة لأهلية الكشف عنه , وهذا ما يفسر اشتراط مصنفات التفسير السُنية بالإلتزام والتقيد بالتفسير المأثور عن السلف, حرصاُ على البقاء – من وجهة نظرهم – فى منطقة الفهم الآمن لغرض النص.
إن حِرص التراث التفسيرى على التقيد بالتفسير بالمأثور, أدى الى جمود عملية التفسير عند أفق التلقى الأول للنص الذى هو أفق المتلقين الآوائل فى فهمهم للنص, والى إيقاف صيرورة النشاط التفسيرى اللاحق, وتحويله الى فعلِ نقل ٍ أمينٍ ومراقَب, وليس تجربة قراءة جديدة أو فعل إنتاج أو تفاعل دائم بين النص ومتلقيه. ويمكن القول أن تنبيه المفسرين الى ضرورة تجنب ابداء الرأى وتجنب الأهواء والميول الشخصية فى التفسير, يدل بشكلٍ ضمنىّ على إدراكهم لخطورة دور المفسر فى عملية التفسير كما نجد فى إدانه القرآن للذين (يحرفون الكلِم عن مواضعه) حذراً قرآنياً من تفرد القارئ بالنص وإمكانية التلاعب بدلالته وتوجيهه وجهات ٍ غير مقصودة , كذلك يستفاد من الآية ( فأما الذين فى قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) تنبيهاً قرآنياً من قدرات القارئ فى التماس الصحيح مع النص .
تتبدى فاعلية المتلقى من فكرة أن النص لايتكلم إلا من خلال المُتلقى, بل يتكلم ويفصح عن نفسه داخل ذات المتلقى وليس خارجها, الأمر الذى يلعب فيه الوعى عند المتلقى دوراً محورياً فى فهم النص, من هنا فإن معنى النص فى بدايات تكونه الأولى هو فعل من أفعال الذات المتلقيه له وتحقق المعنى يرتبط بالضرورة بخبرة المتلقى وطريقته فى فهم العمل وتأويله, لأن كل قارئ سوف يستمد من محتويات تجربته السابقة ويجعل المعنى يأخذ صيغاً مختلفة ومتعددة بحسب تنوع خبراته, ورغم أنه من البديهىّ وجود علاقاتٍ دلالية ممتدة مثل الشبكة بين مجموع عناصر النص التكوينية .
المدار فى فهم النص هو التعرف الى دلالته , أى تحصيل المعنى الكامن, لهذا نجد بعض علماء القرآن يربطون بين دلالة اللفظ وفهم القارئ والسامع له, ويمكن تلمس فاعلية قارئ النص الدينى من القرآن نفسه, حيث نجد أن القرآن لايُلقى معناه بنحوٍ مستقل ٍ عن المتلقى له, بل يعول على التفاعل الذى يحدثه النص فى المستمع لحظة تلقيه له, ليكون معنى النص حصيلة هذا التفاعل وأثر من آثاره ففى الآية (إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد), حيث نرى أن الأيه تشير الى أن معانى وعِبر القَصَص الوقائع الواردة فى القرآن لاتتحصل إلا بعد أن يستحضر متلقى هذه الأيات قراءة أو سماعاً, كامل أجهزة وعيه الحسّية (السمع) والعقلية وكان حاضراً (شهيد), حضورَ وعى التفكير وعلم بما يلقى اليه, وقد وردَ أن الفرق بين الشهيد والحاضر, هو أن الشهيد عالم بما يحضُر أمامه وكنه ما فيه , فى حين أن الحاضر يقتصر فقط على الحضور الفيزيائى دون إشتراط العلم بالمحضور, ما يعنى أن كلمة شهيد فى الآية, إشارة الى اشتراط وجود فاعلية خاصة فى المتلقى لإدراك واستخراج دلالات النص ومغازيه وليس مجرد التلقى السلبى الذى ينطبق على الحضور الجسدى .
يُعد النص التفسيرى بمثابة النص الثانوى الذى يُعيد فى صورة شرح أو تعليق ما أقره النص الدينى الأصلى من معطياتٍ ثابتة ويترجم محتوياته الدلالية, إلا أنه فى اللحظة التى يُعيد فيها النص الثانوى ما قاله النص الأصلى فإنه يعبرعن الذى لم يقله , فالنصوص الثانوية هى كتابة عن الكتابة ووظيفتها تجلية الجوانب الأكثر بروزاً فى النص والأكثر غموضاً على المتلقى العادى, وتوضيح المعانى التى يرى المفسر أنها ذات قيمة كبيرة, كما أن التفسير يساعد على بناء نصوصٍ جديدة الى مالانهاية ومهمة التفسير أن يقول ما كان قد قيل بصوتٍ خفى فى النص الأصلىّ, ليكون التفسير بذلك شكلاً من أشكال توضيح النص وإبراز غوامضه.
فـ قواعد التفسير المُهيمنة, هى نتاج سوسيوثقافى, يُشّكِل ويُقولِب قراءتنا من بُعدين إثنين, بُعد مُعاصر نشهده ونعيشه ونساهم فى بنائهِ, وبعد آخر موروث عن الماضى إذ ثمة تاريخٍ مؤسسٍ ومؤسطرٍ لم نشهده ولم نعاصره ولابد من بنائهِ والبحث عنه فى مختلف لحظات التاريخ الثقافى الإسلامى للتعرف على العوامل التى تتحكم فى قراءتنا للنص , لذلك نجد أن كل قراءة حالية تؤثر عليها القراءات السابقة – التفسيرات السابقة – كما هناك مكتبة تفاسيرلا تقتصر على مجرد مجموعة من نصوص التفسير والتأويل, بل هى أيضاً نسق أو نظام كامل من طرائق الفهم والتقييم تُغذى القارئ المُعاصر وتوجه فهمه وقراءته للنص, فلا وجود لأى قراءة معزولة, هى وضع الفهم فى علاقة مع فهم وتفسيرٍ آخر, ومن المؤكد أنه يوجد تحاور وتناص بين التفاسير .
إن تحرير النص لايكون بسلخهِ عن ماضيه واغترابه عنه, ولاسيما أن الماضى هو بمثابة سمة ذاتية لنشأة النص الدينى وتكوّنه وتشكلِه الوجودى والتوثيقى, بل يكون بتتبع حركة انتقاله عبر الأجيال عبر صيرورات التلقى المختلفة التى واكبته, والتموج مع تموجاته الأولى والتفيؤ فى ظلال المعانى التى ألقاها فى الأزمنة المتعاقبة, ما يعنى أن راهنية النص أو تحرره ليست فى القطيعة مع تراكمات المعنى التى التصقت به من الماضى, بل الوقوف عليها بإعتبارها خبراتٍ سابقة للعبور الى خبرة جديدة تحوى معانى ونسقاً دلالياً مختلفين, أى أن راهنية النص لاتكون بالتغاضى عن ماضيه بل بوضع حركة معانيه وصيرورات تلقيه داخل سياق تاريخى تتواصل جميع أجزائه وتتوالد من بعضها البعض وأن كل ما قيل فيه وعنه هو أشكال تاريخية وتمظهراتٍ بشرية, يبقى النص فيها قادراً على اختراق دوائرها وتصديع أسوار تلك التمظهرات, والخروج عن الصمت المُطبق الذى تفرضه سلطة المعنى الثابت حوله, تلك السلطة التى تفرض أن يطابق قوله مع ماتقرره مؤسسة التفسير الموكلة بتحديد معناه.
أى أن الحلقة المفقودة أننا توقفنا عند كل ماقيل لزمنٍ خاص ولم نعمَل على التعَرُف الى ما يمكن أن يقال لزماننا. وهو تعرُف لايكون بالتلقى السلبى لما يقوله النص أو الإنصات لمداليله , إذ أن متغيرات التلقى بين زمن الصدور الأول للنص والزمن الراهن تمنع النص أن ينطق بذاته كما كان يحدث فى زمن نزول الوحى, لأنه يحتاج الى قراءة معاصرة تتحقق من خلال قارئٍ معاصرٍ, لاتكتفى بالكشف عن معانى النص اللغوية أو مقاصد الكلام بعد إضافة قرائن تاريخية لظروف إلقاء الكلام وتلقيه زمن الصدور الأول, بل تتقدم خطوة الى الأمام للكشف عمّا نحن مخاطبون به وعما هو موجهٍ إلينا. توليد الخطاب المُعاصر لايتحقق إلا بالإنتقال من الإنصات التام لما يُمليه النص من معانٍ لغوية وملازمات ٍ عقلية الى الدخول فى وضعية حوارٍ معه, يحتفظ فيها كلاً من النص والقارئ بفاعليته وحضورة .. أى النص بقداسته وتنزيهه والمتلقى بإجتهاداته ووعيه, وهو مايجعل الخطاب الدينى المعاصر ثمرة تفاعل متبادل بين القارئ المعاصر والنص, ونتاجاً مشتركاً ساهم فيه الطرفان.
والقول بأن كل ما خاطب به النص الدينى إبان صدوره فى زمن الوحى هو موجهٍ بشكلٍ مباشر الى كل اللذين يتلقوه فى الأزمنة اللاحقة, مع قطع النظر عن طريقة التلقى وكيفيته لهوّ أمر يحتاج الى عنايةٍ زائدة على ما يُستدل به من النصوص الدينية الموحية بإطلاق الخطاب المباشر لكل الأزمنة, فالخطاب المباشر هو خطاب شفاهى ينحصر مجال المخاطبين فيه بمجال الخطاب, الخطاب نفسه ومداه الزمنى الذى لايتعدى دائرة الإشتغال التاريخية التى يتحرك فيها, حيث يمكن ضم الموجودين ضمن المدى الزمنى للخطاب, رغم عدم حضورهم بذواتهم إثناء تبليغ الخطاب ولكنهم مندرجون ضمن المخاطبين نظراً لحضورهم الزمنى والمكانى فى مجاله ومداه, أما مَن هم خارج هذا المدى فهم خارجون عن دائرة المخاطبين ما يعنى أن العلاقة بينهم وبين النص ستتخذ وضعية مختلفة بالكامل, فى طبيعة المعنى المفهوم من النص ومرامه.
وقد أنتج المسلمون عدداً لا يحصى من التفاسير وعلم القرآن وعلوم السنة ونصوص أئمة المذاهب, وهى نصوص نُسجَت حول النصوص الدينية الأصلية, ولأن أى قراءة للنص الأصلى أو أى مسعى لتحصيل معناه لابد أن يمر عبرَ التفاسير والشروحات والتعليقات لذا لم نَعُد فى معرض قراءتنا للنص قراءةً مستقلة بل عبر تفاسير وكتب أستنباطٍ وشروحاتٍ عديدة, تُبين ما خَفِىِّ علينا من معانٍ وترشدنا الى أصول فهمه وتفسيره, إلا أن مقولاتها – مقولات التفاسير- الخاصة تفرض نفسها بالمقابل وتحجم فضاءات النص الأصلى بتحكماتها الأستدلالية الأمر الذى يعيق عملية التلقى المباشر بين القارئ والنص, ويحجب التفاعل المباشر والإيحاء الخالص الذى يتدفق من النص بإتجاه المتلقى .ويعطل قدرته على التموضع داخل النص ويشوش عليه التقبل الشفاف والمباشر لما يبثه النص – المتن- فى وعيه وما يمكن أن يفتح عليه من آفاق ٍ ورؤى .