الرئيسية / مقالات / خير أمة أم شرّ أمة؟

خير أمة أم شرّ أمة؟

image_pdfimage_print
ظلم الأمة متعدد الوجوه
ظلم الأمة متعدد الوجوه

طارق قبلان* ـ خاصّ بالموقع

مشهد الجثث المتناثرة والقتل فوق الأرض العربيّة، من المحيط إلى الخليج، يستدعي الخجل، لا بل أكثر من ذلك بكثير، إذ يؤكّد مرّة بعد أخرى أنّ المستوى الأخلاقيّ، فضلاً عن باقي المستويات، متدّنٍ جدّاً، فيما أعداء هذه الأمّة، وليسوا بأعدائها حقاً، إذ هي عدوّة نفسها، لديهم من الرفعة الأخلاقيّة ما لا يُمكن أن يُقاس به كثيرٌ من قيادات السوء والخزي هذه.

في حروب هذه الأمّة التي ترفل بالأحقاد لا يُحترم الحيّ، ولا يُكرّم الإنسان؛ وإن مات لا يظفر بشيء من الاحترام، فيلهو بجثته الأطفال، ويحتقر موته الكبار، وقد يأكل كبده رجل من أولاد هند، ينتسب إلى هذه الأمّة حقّاً وزوراً، فيما الأنكى من ذلك أن يأتي رجل يزعم عقلاً وحريّة وديمقراطيّة، فيُبرّر لتلك الأحقاد ما تفعل، بمقارنةٍ يعقدها ما بين توحّشين، بدل أن يُدين الفعل الوحشيّ البربريّ، ويدعو إلى كريم الأخلاق.

في بلاد “الأعداء”، كان كثيرٌ من هؤلاء المنفلتين من عقالهم يمرحون، ويجنون الثروات من حلٍّ أو من حرامٍ، ولا يملّون المطالبة بحقوقٍ أعطاها إيّاهم قانون “البلاد الكافرة”، ثمّ يزعمون جهاداً لأهل الكفر، فلا يفعلون سوى التخريب، بل يرتدّون على أبناء جلدتهم ومجتمعهم ودينهم ومذهبهم فيقتلون منهم ما شاءوا، كما لم يفعل ذلك أعداء الأمة في ظاهر الأمر. فأولئك الأعداء في الظاهر كانوا يلتزمون للأسير والمعتقل سجناً وطعاماً وحقوقاً، وللقتيل قبراً ومكاناً وسجّلاً، يُعرف به إذا حان موعد العودة إلى الأهل والديار. لكنّ الأمر خلاف ذلك في “أرض الإيمان”، حيث لا قانون سوى قانون الغلبة والإمرة، وحيث التشدّق “بالخلافة” في أوجه، وحيث الوعد المؤجّل بالنعيم الدنيويّ لا يفتر عن ترداده خطيب ذو لسان منشعب، أطول من طرق التيه والصحراء.

في ربوع هذه الأمّة الخالية من الإيمان تبجّحٌ كثير، حين يتعلّق الأمر بمناظرة المختلف والمخالف، وانهيار حين تخلو الأمة مع ذاتها، فهي تأكل أكباد أبنائها وتُبدي “احتراماً” مرضيّاً لأعدائها، فتستجدي منهم مديحاً لنفوسها المضطربة. في هذه الأمّة لا حقوق للناس، ولا لمقدّسات، وهم يدعون لبعضهم البعض بالأجر حين ينتهكون محرّماً. ألم يدنّسوا قبر حجر الصحابي، ثمّ هتكوا حرمة قبره وجسده، وقد أخرجوه إلى حيث لا يعلم إلا الله، بعد أن قتله ـ في العصر الذهبي ـ أشباههم. أم كيف يمكن لهؤلاء أن يخرجوا ليُنكروا على الغربيين تدنيس قبور رجالٍ ونساء قضوا في البلاد البعيدة، فيعتذر وزيرٌ ورئيسٌ وجماعاتٌ من أبناء المدن المتحضّرة؟ فهل يستقيم القياس والعدل؟!

في هذه الظروف الأخلاقية والتاريخيّة الشديدة في سوئها، ستبقى هذه الأمة صاغرة إلى أن يقيّض الله سبحانه لها طريقاً إلى التغيير الذاتي قبل تغيير العالم، إذ لا تغيير يُرجى من قوم لا يزالون يأكلون الأكباد، وقد قضى الله ألا يكون هذا الكون إلا بالحق، وجعله عماد الدين، وقد قال تعالى: “مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ” [الأحقاف:3]. وقد قضى بتكريم بني آدم، إذ قال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً” [الإسراء:70]…

أليس من حقنا أن نتساءل: هل تكون أمة مجرمة بحق نفسها وغيرها خير أمّة، وهي أشنع أفعالاً من أمم الأرض وأنعامها، ولقد خابت أن تركت تزكية إنسانها إلى ما يُخالف وحي الله وفطرته، وانساقت وراء جبابرة الأرض وطغاتها، وانحنت لهم بدل انحنائها لربّها، فلم تجنِ غير الهوان؟

وقد يذهب قائل إلى استحضار مشاهد تاريخية أو أقوال، ثم يزعم لنفسه الحجّة على غيره، إذ يساوي بين الأفعال البربرية في التاريخ وأفعال المجرمين من المسلمين، وينسى في المقابل التفاوت الزمني بين الحالين وحيثيات الوقائع المختلفة، كما ينسى قروناً من التطور والتفاعل والرقي، ويعتبر ـ وهو غير واعٍ أو مدرك ـ أن جريمة لو حصلت ـ ولها ظروفها ـ يمكن أن تبيح لأي إنسان القتل والإجرام والإفساد في الأرض.

إن الله هو الرحمن الرحيم، وقد بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم رحمة للعالمين، وهداه إلى مكارم الأخلاق، ولن يكون المجرم والمفسد من أتباع محمد (ص)، بل من أتباع كلّ جبار ظالم، ولن تكون الأمة الظالمة لنفسها وللعالمين خير أمة إلا أن تشهد بالحق، وبما أنزل الله وجاهد عليه محمد وآل بيته الطاهرين.

  • رئيس تحرير موقع حوارات.نت كاتب وإعلامي لبناني
(Visited 17 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Interfaith_india

الحوار ضرورة لتفاعل الحضارات

الحوار ضرورة لتفاعل الحضارات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification