الرئيسية / حوارات / جوسلين دخليّة: السلطة والأهواء في ديار الإسلام

جوسلين دخليّة: السلطة والأهواء في ديار الإسلام

image_pdfimage_print

المؤرخة الفرنسية -التونسية جوسلين دخليّة
المؤرخة الفرنسية -التونسية جوسلين دخليّة

السلطة والأهواء في ديار الإسلام

حول الصور السلبيّة العنيدة بخصوص الاستبداد الشرقي أو عدم توافق الإسلام مع الديمقراطيّة، تجيب جوسلين دخليّة من خلال التحقيق التاريخي حول أشكال السلطة في المجتمعات الإسلاميّة والمنطق الذي ينتظمها مبيّنة مدى شطط هذه الرؤية الفقيرة معرفيّاً وغير المتوائمة مع حقائق التاريخ، وهي تقوم من خلال عملها الغزير، الممتدّ من البلاطات السلطانيّة في العصور الوسطى إلى تونس الحديثة، بإعادة تحديد معالم منطقة البحر الأبيض المتوّسط، داعية من خلال ذلك إلى التفكير بشكل مختلف في تاريخ أوروبّا نفسه. وتعمل جوسلين دخليّة حاليّاً مديرة للبحوث في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعيّة بباريس، وهي مختصّة في تاريخ العالم الإسلامي ومنطقة البحر المتوسّط، ولها عديد الأعمال المهمّة المنشورة في هذا الصدد. ونحن ننقل لها هذا الحوار إلى اللغة العربيّة اعترافاً منّا بفضلها العلمي ومجهوداتها في نفض الغبار عن تاريخنا، وتبديد بعض الصور النمطيّة السائدة عنه في الدوائر الأكاديميّة الغربيّة.

– تُغطّي أعمالك حقلاً هائلاً من تاريخ العالم الإسلامي والمتوسّطي، من العصور الوسطى حتّى وقتنا الحاضر. وقد قمتِ بتسليط الضوء، في أعمال أضحت مرجعيّة، على تقليد سلطاني في ممارسة السلطة مناقض تماماً للصورة السلبيّة – التي ما تزال للأسف سائدة – حول وجود سلطة استبداديّة و/أو ثيوقراطيّة في ديار الإسلام. كما درست كذلك التبادلات الثقافيّة بين الضفّتين الشماليّة والجنوبيّة للبحر الأبيض المتوسّط وصولاً إلى تناول قضايا الاندماج في المجتمع الفرنسي المعاصر. بين التاريخ والإناسة وعلم الاجتماع، أين تقفين؟

نُشرت بعض أعمالي ضمن سلسلة مختصّة بالإناسة، وأخرى ضمن سلسلة مختصّة بعلم الاجتماع. ولكن هذا الأمر مجرّد تصنيف من قبل الناشرين. حين بدأت الاشتغال بالتاريخ في الثمانينيات، كانت الإناسة التاريخيّة في أوجها، وكنتُ أتعامل آنذاك سواء في منطقة بريطانيا (Bretagne) أو منطقة البورغون (Bourgogne) مع الراهن، في تقاطع مع البحث في محفوظات الأرشيف. بدأت العمل على النصوص الإسلاميّة في القرون الوسطى دون الإحساس بأيّ تناقض بين المنهج التاريخي والمنهج الإناسي. وقد كان علماء الإناسةٍ في تلك الفترة – بمن فيهم إرنست غيلنر (Ernest Gellner) وكليفورد غيرتز (Clifford Geertz) وجميع الذين اهتمّوا بشمال أفريقيا وبشكل عامّ بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والعالم الإسلامي – جزءاً من قراءاتنا ومرجعيّاتنا وأدوات أبحاثنا حول العالم العربي.

وفي وقت لاحق، بدأت أعرّف نفسي أكثر فأكثر بوصفي مؤرّخة. مؤرّخة بأدوات ربّما أكثر تنّوعاً ممّا عند زملاء آخرين، حيث أخذت مسافة أكبر، لا من الإناسة، بل من النياسة (الإثنولوجيا). وقد بدأ البحث الميداني – وهو بالنسبة لي شيء أساسي وخلاّق جدّاً – يبدو لي تدريجيّاً كممارسة عنيفة. فأن تحلّ عند غرباء لتلقي عليهم أسئلة، أمر لا يخلو من فضول، وهذا يزعجني، حتّى وإن كانوا يعرفون بدورهم أيضاً طرح أسئلة مزعجة. هذا العنف موجود كذلك، بشكل من الأشكال في منهج المؤرّخ، إذ يحدث أحيانا أن أعثر على محفوظات في الأرشيف تعطي الانطباع بأنّني أخترق الحياة الخاصّة لأناس ماتوا منذ قرون. هذا الغوص الحميمي الذي يمكن أن يُسعد بعض المؤرّخين، يعطيني شعوراً بممارسة شكل من أشكال العنف البعدي. فاكتشاف حالة زنا، على سبيل المثال، يجعلك تحسّ أحياناً بأنّك لست في مكانك.

وكنت أعتقد أنّني تأثّرت كبير التأثّر في هذا الخصوص بجميع التساؤلات حول الاستشراق التي بدأها إدوارد سعيد. في الواقع، عندما بدأت دراساتي التاريخيّة كانت معركة الاستشراق محتدمة، وكان كتاب سعيد قد صدر للتوّ (نُشر في عام 1978). ولكنّ هذه المعركة لم تمسّني. وكانت خطوتي الأولى التحرّك والعمل داخل المجتمع التونسي الذي أنحدر منه. ولفترة طويلة، كان اهتمامي منصبّاً بالدرجة الأولى على تحريك المجتمع التونسي أو المجتمعات المغاربيّة. ويجب أن أقول، إنّه لم يكن لديّ في ذلك الوقت اهتمام كبير بقضايا نظرة المستشرقين هذه، وبالتالي، لم أعمل كثيراً على المجتمع الاستعماري بصفته تلك. وإذا كان هناك من منطق في رحلتي البحثيّة، فهو على كلّ حال نتاج هذا الالتزام.

الثقافة السلطانية، تقليد سياسي منسيّ

– استخدمت في عملك كمؤرّخة الكثير من القصص والحكايات والأخبار. تحدّدين ما تسمّيه “أأنماطاً أساسيّة” لسرديّات السلطة في العالم الإسلامي، وتقومين بقولبتها في سياقات من أجل فهم أفضل لنطاق صلاحيّتها. هل من توضيح للطريقة التي وضعت بها هذا المنهج؟

حين نعمل على الإسلام، كما هو الحال في العمل على مناطق ثقافيّة أخرى بلا شكّ، فإنّنا نواجه مسألة اتّساق ثقافة ما (أو عدم اتّساقها)، فضلاً عن الروابط بين مختلف مكوّناتها؛ أي بين الثقافة المحلّية والثقافة العالمة العابرة للقوميّات على سبيل المثال. تطرأ لحظات خلال العمل الميداني ينتابك فيها شعور بأنّ تلك الأنماط الثقافيّة تستغرقك، وتجد نفسك تنتقل من نمط إلى آخر، ومن موقع إلى آخر، وكأنّها هي من يقود خُطاك. فحين يبدأ شخص ما في سرد قصّة وليّ صالح – وأنت تعرف من خلال قراءاتك أنّها نفس القصّة الموجودة في الجزائر وفي المغرب، وربّما حتّى في مصر – فستكون فوراً في مواجهة مسائل الاتّساق الثقافي بين المرويّات وتسلسلها الهرمي. وبهذا، فإنّ دراسة الأنماط تسمح بمساءلة الاتّساق الثقافي في مجمله، وكذلك حدوده: في كثير من الحالات التي قمت بدراستها، لا شيء يشير إلى أنّ هذا التماسك الثقافي متوقّف على الإسلام. وعلى سبيل المثال، فإنّ قصص النبيّ سليمان تسمح بإقامة جسر مع ثقافات الجانب الآخر للبحر المتوسّط. ومن هنا يأتيني الشعور بأنّ الثقافات شبيهة بالسّديم، لا بمعنى أنّها مجموعات كثيفة، مغلقة ومتّسقة، بل بمعنى أنّها مجموعات فضفاضة وتتميّز بعلاقات تشابك واحتضان دائمة.

إنّ دراسة الأنماط يجب أن تتمّ على مستويات ومقامات مختلفة، وهي تسمح أوّلاً، بمقاربة المعيار، فكتب نصائح الملوك، في جميع أنحاء العالم الإسلامي ومن العصور الوسطى إلى القرن التاسع عشر، تُرسي معايير الحكم السلطاني الرشيد، وتكرّس ممارسة ملموسة للسلطة الملكيّة. وحين تؤكّد تلك الكتب مثلاً على وجوب أن يخصّص الأمير يومين من الأسبوع على الأقلّ لاستقبال رعاياه، فإنّنا نكون إزاء عدد من القصص والأساطير حول الأمراء الصالحين الذين احترموا بالفعل نظام الاستقبال هذا. ومن خلال تدقيق المنهج وحصر التحقيق في مكان معيّن، فإنّه يمكننا تحديد الممارسات الاجتماعيّة الواقعيّة التي تتوافق مع ذاك النمط، فمن خلال التقاطع مع أنواع أخرى من النصوص، يمكننا استقاء معلومات تسمح، على سبيل المثال، بتحديد ما إذا كان السلطان الفلاني حاضراً أو غائباً عن ديوانه أيّام الثلاثاء والخميس. فيما يتعلّق بعملي الخاصّ، تجاوزتُ هذه المقاربة العامّة جدّاً للأماكن العامّة كما في كتابي ديوان الملوك (Le Divan des rois)، واتّبعت مقاربة أكثر واقعيّة بشأن الأزمات السياسيّة في كتابي إمبراطوريّة الأهواء (L’Empire des passions). وأنا أعتبر الكتاب الذي أعمل عليه حاليّاً حول الحريم السلطاني، بمثابة الجزء الثالث من هذه السلسلة. فأنا أخوض فيه في تفاصيل سلالة حاكمة – أو تقليد سلطاني على الأقلّ – في سياق وطني محدّد، هو المغرب الأقصى، بهدف دراسة تفاصيل العهود وممارسات السلطة نفسها، وصولاً إلى بعدها النوعي الاجتماعي. وهذه فرصة لكتابة تاريخ النوع – بما في ذلك تاريخ خصيان القصر ووصيفاته – ولكن أيضا تاريخ العبوديّة، بل إنّه يمكن إثبات أنّ كون المرء عبداً في هذه المجتمعات، لا يعني بالضرورة أن يكون في أسفل السلّم الاجتماعي. وأنا أحاول في الجملة أن أفهم نظام الهيمنة في جميع مكوّناته، هيمنة النوع بطبيعة الحال، ولكن أيضا هيمنة “العرق”، والمكانة، والحرّية، إلخ.

وأنا أهتمّ بالمغرب الأقصى لأنّه موضع، كما غيره، لتمثّل خيالي للحريم ولاستشراق خاصّ بمسألة الحريم. لكنّه أيضاً موضع مثير للاهتمام بوجه خاصّ، لأنّه كان بلداً يحتلّ في السابق مكاناً مهمّاً في تمثيل الاستبداد الشرقي. التفكير في الاستشراق يعطي عادة مكانة مركزيّة للإمبراطورية العثمانيّة ولفارس. ولكنّنا ننسى أنّه يوجد كذلك، بالنسبة لرجال العصر الحديث ونسائه، قطب آخر للسلطة الاستبداديّة، وهو المغرب الأقصى الحاضر بقوّة خاصّة في الاستشراق الإنكليزي. كما أحاول أيضاً أن أفهم نوعيّة التنافذ والتبادل الذي كان موجوداً مع أوروبّا بخصوص النماذج السياسيّة التي كانت قائمة آنذاك. فالمغرب الأقصى بلد مثير بخصوص هذه النقطة، لأنّه في تفاعل قويّ جدّاً – سلمي أو نزاعي – مع أوروبّا، والحال أنّ صورته اليوم هي صورة بلد شديد الانكماش على نفسه ومنغلق داخل خصوصيّاته، تماماً كما كان اليابان في إحدى لحظات القرن التاسع عشر. إذن، هذه فرصة لمعرفة ما ينتقل من مجتمع إلى آخر، ومن أحد جانبي عالم البحر المتوسّط إلى الجانب الآخر، في ما يتعلّق بالتمثّلات السياسيّة.

– في كتابك ديوان الملوك، تكشفين عن وجود ثقافة سلطانيّة غير لاهوتيّة، مستقلّة عن السلطة الدينيّة. هل يمكنك الحديث عن ظروف نسيان هذا التقليد الذي ما يزال متجاهلاً إلى حدّ كبير في جميع النقاشات التي تتناول خصوصيّة السلطة في ديار الإسلام؟

حين كنت يافعة، شعرت بالحاجة إلى التفكير في هذه المسائل. وحين بدأت دراساتي في التاريخ، كانت الثورة الإيرانيّة قد اندلعت بالفعل قبلها بعدّة سنوات. كان يوجد تفكير معلّق في الهواء حول مسألة الثيوقراطيّة الإسلاميّة، وكانت كثير من التحاليل المتسرّعة تعرّف الإسلام بأنّه نظام حكم ثيوقراطي بطبيعته. كنّا نظن أنّه لا يمكن للعالم الإسلامي أن يغدو ديمقراطيّاً. وقد طلبت منّي مجلّة النوع البشري (Le Genre humain) في وقت لاحق، حين أصبحت مؤرّخة محترفة، مقالين صغيرين للنشر، أحدهما حول مسألة “هل الإسلام متوافق مع الديمقراطيّة؟”، والآخر حول مسألة العلمانيّة. ويجب عليّ أن أقول إنّ هذين النصّين القصيرين – وكنت قد كتبتهما بسرعة– يعبّران بطريقة ما عن اعتقاد راسخ لديّ إلى حدّ اليوم، وخاصة بعد قيام الثورة التونسيّة.

إنّ هذا التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة، يجعل من الممكن اليوم تناول مسألة صعود الإسلاميّين إلى السلطة، وإظهار كيف أنّها مفهومة عادة من خلال فكرة أن تكون المجتمعات الإسلاميّة بطبيعتها “متأخرّة” عن العالم الغربي. يرى البعض أنّه لا بدّ من فرض استقلال السياسة بذاتها تدريجيّاً، في حين أنّنا نجد في الأدب السلطاني (أدب نصائح الملوك، ولكن أيضا نصوص الأخبار) أشكالاً من الاستقلال الذاتي للسياسي في المجتمعات الإسلاميّة منذ القرن الثامن أو التاسع للميلاد. لقد كانت أرضيّة الاستقلال الذاتي للسياسي بالفعل موجودة، ويكفي – بطريقة ما – إبرازها وإعادة الشرعيّة إليها (لأنّها كانت قد استبعدت مع استبعاد مجمل النظم السياسيّة الإسلاميّة، لاسيّما بسبب عدم قدرتها على مقارعة المستعمر). المشكلة هي أنّه نُظر إلى مجمل السلالات الحاكمة الإسلاميّة الكبيرة تقريباً في القرن العشرين على أنّها المسؤولة إمّا عن الإفلاس المالي، أو عن التواطؤ مع المستعمرين. لقد تمّ إلقاء الطفل مع مياه الحمام من خلال رفض كلّ هذه الأدبيّات السياسيّة ورفض من كانوا يجسّدونها بشكل سيّئ. لقد طرح المفكّرون الإصلاحيّون لعصر النهضة – هذه الحركة المهمّة جدّاً في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي نعيد اليوم اكتشافها أكثر بفضل الثورات العربيّة، والتي كان مكوّنة من اتجاهات محافظة وكذلك ليبراليّة – الحاجة إلى إصلاح أساسي عميق في العالم الإسلامي لمقاومة الضغوط الاستعماريّة الغربيّة. إلاّ أنّ المشكلة التي سادت تاريخيّاً داخل هذه التيّارات كانت تغريب القانون والنماذج السياسيّة، إلخ. ونتج عن هذا أن تمّ تناسي المبادئ السياسيّة مثل العدالة وإعادة التوزيع، على سبيل المثال، والتي كانت أساس الحكمة العلمانيّة والدنيويّة التي كانت تسمّى: الثقافة السلطانيّة.

كما تمّ أيضاً تناسي فكر قديم يعالج العلاقة بين الأمير والشعب؛ فعلى غرار أيّ فكر سياسي “ما قبل حديث”، إن جاز لي استخدام هذا التعبير الغائي، فإنّ الثقافة السلطانيّة هي دوماً نخبويّة؛ فحين تكون هناك بيعة لسلطان جديد، فإنّه يوجد دائماً فرق بين البيعة الأولى المخصوصة بالنخبة، وبين بيعة عامّة الشعب. هذه الأنظمة الإسلاميّة لم تخترع الاقتراع الشعبي – وهو على أيّ حال اختراع متأخّر جدّاً في الأنظمة الديمقراطيّة. ولكن يوجد، رغم كلّ شيء، في هذه الأدبيّات السياسيّة وفي جميع تلك الممارسات مفهوم للشعب ينبغي دراسته من أجل إعادة صياغته. تونس بصدد خوض تجربة الاقتراع الشعبي، مع تجارب انتخابيّة صعبة ومؤلمة، نظراً لما قد تتسبّب فيه من عدم يقين ومن انكسارات. أجد أنه من المهمّ إظهار كيف كان يوجد، في كلّ هذا الأدب السياسي القروسطى والحديث، ولكن أيضا في كلّ أدب الأخبار، اهتمام كبير بعامّة الناس، ونظرة مساواتيّة إلى حدّ ما لعالم الرعيّة. إنّنا نكتشف بالفعل، بطريقة نمطية لكنّها متكرّرة، عرضاً مبالغاً فيه للرجل العامي المعوز الذي تمثّل الدولة ملاذه الوحيد، وهي لا تدافع عن ثروته فحسب، بل عن كرامته أيضاً. ويتعلّق النمط المتكرّر بورود أحد الرعايا طالباً عدل السلطان، ويكون فقيراً أو شيخاً أو مريضاً… ويمثّل الشّيخ الذي لا يملك غير حماره يتكسّب به، والعجوز التي لا عائل لها، رعايا لا منصف لهم إلاّ الدولة والسلطان العادل. يوجد هنا شيء ضروري لبناء سياسي للديمقراطيّة اليوم، انطلاقاً من الموارد الذاتيّة، لا من المرجعيّات المستوردة والمنقولة عن الغرب فحسب.

وبالطبع، يمكننا أيضاً قراءة هذا التاريخ السياسي برمّته في ضوء علاقات التبعيّة الشخصيّة والمحسوبيّة، وهي اليوم محلّ وصم. فإذا ما قرأتم، على سبيل المثال، مذكرّات ابن خلدون (1332-1406) أو مذكّرات مؤلّفين آخرين من العصور الوسطى أو الفترات اللاحقة، فستجدون أنّهم في الغالب أدباء بلاطات (في الجمع لأنّهم ينتقلون غالباً من بلاط إلى آخر). وتلعب مسألة المحسوبيّة والرعاية دوراً حيويّاً، ولكنّه نفس الدور الحاسم الذي تلعبه في جميع البلاطات، سواء في أوروبا أو في أيّ مكان آخر. وفي هذا الشأن، فإنّ الأمر ليس خاصيّة للعالم الإسلامي الذي يرتبط في كثير من الأحيان بصور المحسوبيّة والفساد، بل إنّه يوجد بالفعل كذلك في الفكر السلطاني – وهنا من المهمّ استكشاف حقل سياسي كامل – مفهوم الصالح العامّ ورؤية معيّنة لدور الدولة. وعلى سبيل المثال، يروي المؤرّخ الشهير الطبري (839-923) قصّة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز (682-720) وإطفائه النور بعد الانتهاء من مراقبة الحسابات مع كاتبه، كي لا يبذّر أموال دافعي الضرائب. وبصفتي مؤرّخة، حتّى ولو كانت هذه الأمثلة الملهمة تبدو مثيرة للسخرية، فإنّني أشعر بواجب لفت الانتباه إلى هذا النوع من الأدب. ومن الواضح، أنّ الأمر لا يتعلّق بإعادة اختراع الديمقراطيّة بلغة مخصوصة ونابعة تماماً من العالم الإسلامي، ولكن يجب علينا أن نتجاوز فكرة أنّ هذا الأمر اختراع غربي، وما علينا سوى نقله واستزراعه في الإسلام. يجب علينا بدلاً من ذلك بيان وجود أوجه تشابه ورأسمال تاريخي وإيديولوجي يسمحان لنا بتقدير هذا التراث الديمقراطي بالقوّة، ومن ثمّة إحيائه من داخل العالم الإسلامي.

– من بين الصور النمطيّة السائدة عن الاستبداد الشرقي، هناك بالطبع صورة السلطان المتقلّب المستبدّ، الخاضع لأهوائه، وغير العقلاني. وبدلاً من تجنّب هذه المسألة التي سبق أن تناولتها في كتابك امبراطوريّة الأهواء، نجدك تظهرين، في مواجهة الموقف الاستشراقي، منطق العواطف والصداقة والتقارب بين الأفراد في اشتغال سلطة السلطان منذ القرن التاسع. هل يدخل هذا البحث أيضاً في سياق التزاماتك السياسيّة أو المدنيّة؟

سبق أن قلت، بطريقة مفارقة، أنّ معركة الاستشراق لم تكن حافزاً لي، لأنّني أردت التفاعل في المقام الأوّل مع رفاق وأصدقاء وزملاء من منطقة المغرب، ولأنّ الجدل الدائر حول إدوارد سعيد، وإن كان مدهشاً كما قد يبدو اليوم، فإنّه كان في الواقع ضعيف التأثير على الجامعات المغاربيّة. كنت أرغب في العمل لفائدة تونس، بشكل ما، حتّى وإن كان يبدو في هذا القول بعض نزعة وطنيّة. كان هناك في العقد الأخير من القرن العشرين، مع الحرب الأهليّة في الجزائر، وحرب الخليج الأولى بالطبع، نوع من اليأس السياسي، وأردت مصالحة الناس المتجذّرين في التاريخ العربي أو الإسلامي مع هذا التاريخ، أي مصالحتهم مع الفكرة التي يحملونها عن أنفسهم وعن إرثهم السياسي. إنّها الرغبة التي زادت أيضا مع كلّ التوتّرات التي مررنا بها في فرنسا بشأن الإسلام في نفس الوقت مع ما يسمّى أزمة الحجاب.

فعندما بدأت العمل، كانت توجد حالة من عدم المساواة النظريّة والمنهجيّة، حيث كان المؤرّخون الفرنسيّون ومدرسة الحوليّات يصمّون آذانهم تجاه أيّ صوت آتٍ من منطقة المغرب، بل وحتّى من بقيّة أوروبّا أو الولايات المتّحدة أيضاً. ومن ثمّة كانت وضعيّة هيمنة التاريخ الفرنسي النظريّة والمنهجيّة هي المنتشرة في جميع الحالات. ولم يكن هذا الوضع يبدو مشيناً في حدّ ذاته، ولكنّني أردت الحصول على اعتراف بكرامة الحقل التاريخي العربي، وجعل الأمثلة التاريخية القادمة من العالم العربي مألوفة، حيث لا نحبسها في تاريخ مبتسر وخصوصي. وفي هذه السبيل، كان لا بدّ من نقض هذه الخصوصيّة وتبديدها. ثمّ، ومع كلّ التوتّرات المتولّدة عن حرب الخليج الأولى، وتفشّي العنصريّة في تلك الفترة – بما في ذلك داخل الأوساط الفكريّة – وكراهيّة الإسلام المتنامية، لم تعد مشكلتي التوفيق بين أوساط المثقّفين الفرنسيّين والعرب، بل العمل، وإن بشكل متواضع، على تفكيك الأحكام المسبقة في الكتابات التاريخيّة وتقديم النفع الفكري لقرّاء أضعهم أساساً في منطقة المغرب. وقد كان من المهمّ بشكل عامّ أن تكون لدينا نظرة أقلّ سلبيّة للديناميّات السياسيّة في العالم الإسلامي؛ وكان علينا أن نُظهر أنّ لها منطق واتّساق، وأنّ الأمر جميعه لا يتعلّق باستبداد فظّ غير مؤسّس، أو بعواطف مدمّرة لا أساس لها.

ومن هنا، كان الهدف من كتاب إمبراطوريّة الأهواء، هو معرفة ما كان وراء بعض الأزمات السياسيّة الكبرى الموسومة بالعاطفة، لنرى ما أوجه التشابه بينها – لأنّه كان يوجد دائماً ذاك “المحيط الثقافي” المتميّز بتكرار نفس القصص واستعادة نفس الأنماط -، ولكن أيضاً لنرى كيف يمكن أن تًفهم قصص تروي الأزمة وانخرام التوازن والتعثّر، على العكس من ذلك من قبل المراقبين الغربيّين بوصفها تعبيرة عن وضعيّة بنيويّة ودائمة. ولنأخذ على سبيل المثال، تقتيل الوزراء البرامكة من قبل الخليفة هارون الرشيد (763-809) في العام 803. إنّها قصّة أسطوريّة في جانب منها، مشوبة بالعاطفة، مع مسرحة العلاقة الثلاثيّة بين السلطان وشقيقته ووزيره الذي هو نديمه/صديقه/عشيقه. ولكن، في ما وراء الحكاية، يبيّن التاريخ دور مسائل النوع الاجتماعي والجنسانيّة في الدوافع السياسيّة نفسها، من أجل شرح انقلاب الخليفة على الوزير، خاصّة وأنّها تستعيد نمط الخليفة الذي يعتمد بكيفيّة عاطفيّة وعشقيّة على وزير. ونحن نجد عدداً من الأنماط المماثلة في أماكن أخرى في العالم الإسلامي وفي فترات مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الإعدام الدموي، المفاجئ والوحشي الذي قام به سليمان القانوني (حوالي 1494-1566) تجاه وزيره/صديقه/حبيبه إبراهيم باشا (حوالي 1494-1546) هو جدّ صادم للغربيّين. وقد حاولت أن أفهم مغزى هذه الانقلابات السياسيّة، وهي فترات تشهد بالفعل شكلاً من أشكال انقلاب التوازن يسعى من خلالها السلطان معاودة الانطلاق على أسس جديدة من الثقة مع رعاياه. وقد كان هذا الأمر ممكناً خاصّة، وأنّ هؤلاء الحكّام كانوا يعتمدون على إدارة مكوّنة من عناصر في معظمها غريبة ومرتزقة وصلت عن طريق جدارتها، ويمكن بالتالي التخلّص منها بطريقة وحشيّة لإرسال رسالة سياسيّة أو لإعادة تشكيل أسس انتداب الموظّفين السياسيّين. ومع ذلك، فإنّ هذه التشابهات بين وضعيّة وأخرى، لا تنتمي لهويّة مطلقة. فنموذج الارتزاق الذي أسماه إرنست غيلنر (Ernest Gellner) “المبدأ المملوكي” حاضر في جميع أرجاء العالم الإسلامي، ولكن بدرجات متفاوتة، وليس أبداً في شكله الخالص؛ إذ توجد دوماً نسبة من النخب المحلّية ممثّلة في جهاز الدولة، بما في ذلك الإمبراطوريّة العثمانيّة. كما يمكن أيضاً لمبدأ الارتزاق المبني على الجدارة، إذا ما اشتدّ نفوذه، أن يؤدّي إلى شكل آخر من إضعاف السلطة. فإذا ما أعطينا وزناً كبيراً للأسر المحلّية الكبرى، فسنكون أمام خطر أن تتقدّم عائلة أخرى وتطيح بالسلالة الحاكمة. ولكن عناصر مرتزقة قويّة جدّاً يمكنها أيضاً إسقاط العرش. وهذه هي الحال المعروفة لوزراء أصبحوا أمراء في القصر، ليصبحوا بدورهم خلفاء أو سلاطين. فإذا ما فسح المجال واسعاً أمام هذه العناصر الدخيلة، فإنّ الأمر ينطوي على خطر حدوث ثورات داخل القصر تؤدّي إلى خسارة السلطة. فالمسألة إذن، مسألة توازن، ولكن ثورات القصر من الناحية الإحصائيّة على أيّ حال، ليست أكثر عدداً في هذه السياقات الإسلاميّة منها في سياقات أوروبّا الغربيّة. والسلالة العثمانيّة على وجه الخصوص هي مثال جيّد على الديمومة، إذ امتدّت من القرن الخامس عشر إلى أوائل القرن العشرين.

أوروبّا والإسلام، تاريخ تبادلات وصراعات

– في باكورة كتبك، كانت أوروبّا حاضرة في تحليلك للسلطة الإسلاميّة، ولكن بصفة أساسيّة من منظور المقارنة. ثمّ أضحيت مع بداية الألفيّة أكثر اهتماماً بالعلاقات والاتصالات التي توحّد وتقسّم أوروبّا والإسلام. وكتابك “لغة مشتركة” (Lingua Franca) دالّ في هذا الصدد على مقاربة جديدة، تحاول أن تفكّر بانسجام في العلاقة والصراع في عالم المتوسّط.

ساهم في ذلك أمران: رحلة داخليّة وشخصيّة من جهة أولى، والتطوّر العامّ للتأريخ من جهة ثانية. وقد سبق أن طرحتُ مسألة حضور أوروبّا بالفعل في امبراطوريّة الأهواء. فمن خلال البحث عن كثب في بلاطات المجتمعات الإسلاميّة، وجدتُ عدداً كبيراً من المسيحيّين. وقد أثار حضورهم ودورهم في الأجهزة السياسيّة اهتمامي بدرجة كبيرة، وخاصّة المسألة التي ما تزال حاضرة، وهي معرفة ما يمكن أن يكونوا أخذوا معهم من تمثّلات سياسيّة أوروبيّة (ما الذي أمكنهم أخذه مثلاً من جون بودان Jean Bodin؟) هذا سؤال لم يكن باستطاعتي الإجابة عنه، ولكنّني كنت أتمنّى معرفة ما إذا كان جميع هؤلاء الفاعلين السياسيّين متزامنين، وهل كانوا يتقاسمون في نفس الوقت نفس المفاهيم المتعلّقة بالسلطة، بفعل وجود كلّ هؤلاء المسيحيّين المارّين بالبلاطات الإسلاميّة أو الذين تمّ استدماجهم فيها بصفة مستدامة. وبالتدريج، بدا لي أنّه لا يمكن تصوّر عدم وجود شكل من أشكال التبادل، ومن تأثير متناظر للإسلام على أوروبّا. وفي خضمّ هذه التساؤلات، تولّد لديّ اهتمام باللغات المنطوقة في العالم الإسلامي وفي منطقة المتوسّط ضمن التبادل بين المجتمعات. فاللغة المشتركة (Lingua Franca) أمر تسهل ملاحظته في المصادر، وكأنّها أمر بديهي. ولطالما أشار العديد من المؤرّخين في كتاباتهم إلى استخدام هذه أو تلك من المجموعات “اللغة المشتركة”؛ فقد كان المؤرّخون يعرفون ما هي، دون أن يسعوا فعلاً إلى تفحّصها بشكل محسوس.

فبالنسبة إلي، كان يوجد في تلك اللغة شكل من أشكال الرومانيّة (romanité)؛ أي عنصر لاتيني وأوروبي يمثّل جزءاً لا يتجزّأ من تاريخ المجتمعات المغاربيّة، تمّ تناسيه بفعل القوميّة في أعقاب إنهاء الاستعمار. وقد وجدتُ أنّه من المؤسف أن تنقطع هذه المجتمعات عن موروثها الروماني، ولم أكن الوحيدة في هذا المسعى، إذ هو يتزامن مع حركة قائمة داخل التأريخ المغاربي، تخصّ إعادة تأهيل جميع “المارقين”، وهو الاسم الذي يُطلق على سبيل المثال في العصر الحديث على أولئك الرجال الذين اعتنقوا الإسلام وانخرطوا بشكل خاصّ في الأجهزة السياسيّة الإسلاميّة. لقد كانت مسيرة انفتاح “متوسّطي” تصوّر بكلّ طواعيّة المجتمعات الإسلاميّة بوصها مجتمعات تسامح، وحامية لغير المسلمين. لقد كان هناك نوع من التمجيد الرسمي، بما في ذلك في تركيا، لعنصر الانفتاح والتسامح هذا الذي كان يُسمّى المجتمع الفسيفسائي والمتعدّد الثقافات.

– ويمكن بالتالي أن تُوظّف هذه الأعمال سياسيّاً؟

صحيح أنّ زين العابدين بن عليّ أو ملك المغرب قد اعتمدا هذه الصورة، مع تركيز خاصّ على أشكال اليهوديّة المغاربيّة. لقد كان ذلك بالخصوص خلال فترة انغلاق الاتحاد الأوروبي تجاه الجانب الآخر من المتوسّط، بما في ذلك ما يتعلّق بمنح تأشيرات الدخول إلى أوروبّا. وفي مواجهة هذا الانكفاء الأوروبي، رفع الحكّام المغاربيّون صورة منطقة منفتحة ومتسامحة.

ولكن بالنسبة لمؤرّخ، فإنّ تجنّب البُعد النزاعي لهذه التبادلات أمر غير وارد. ما كان يهمّني في تلك الأعمال المبكّرة حول اللغة، كان بصفة خاصّة إعادة اكتشاف هذا العنصر الروماني، وقد أبهرني قليلاً وأعجبني كثيراً، داخل اللغة العربيّة. بعد ذلك، بقدر ما كانت الأمور تزداد صعوبة في فرنسا وأوروبّا (خصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001)، بقدر ما ازدادت رغبتي في إضفاء بعد آخر لهذا البحث في اللغة المشتركة. لقد أردت أن أبيّن أنّه يوجد، رغم التوتّرات الجيوسياسيّة، تقاربات ثابتة دائماً، من الألفة والتفاعل والتجارة والتبادل والتعارف، أنشأتها تلك الصراعات ذاتها. فالتبادل والصراع بعدان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، بما في ذلك في عمليّات الاسترقاق والوقوع في الأسر، وفي أشدّ الحكايات عنفاً. لقد أردت أن أبيّن وجود تشابك قويّ جدّاً، يمرّ أيضاً عبر إنتاج لغة مشتركة، وهي لغة تقارب بالطبع، ولكنّها لغة غير سلميّة، إذ يتمّ استخدامها تحديداً لتعيين التمايز والتباين. فاللغة المشتركة وَاسِمٌ قويّ للغيريّة. وبهذا الاستخدام، فإنّنا نتكلّم معاً ونتاجر معاً، ونربح معاً، أو عند الاقتضاء ننام معاً، إلاّ أنّنا نبقى دائماً في علاقة غيريّة قويّة.

– لقد عمّقت الكتب التي شاركت في الاشراف عليها لاحقاً هذا التحليل، سواء من خلال دراسة الحضور الإسلامي في أوروبّا أو الاضطرابات التي نتجت عن وضعيّات الاتصال والتلاقي هذه. ما هو وجه المتوسّط الذي يجب أن نتذكّره في نهاية المطاف؟ هل يتعلّق الأمر بفضاء عبور، فضاء تداول وتبادل شبيه بالمحيط الأطلسي أو المحيط الهندي؟

سأجيب أوّلاً، بأنّنا لا نصنع التاريخ وحدنا. وكما قلت سابقاً، فقد تغيّر المشهد التأريخي بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهو ما تسبّب في نفع كبير. فنحن لم نعد منذ عشر سنوات في تلك الوضعيّة التي كانت فيها النماذج التأريخيّة الفرنسيّة والأوروبيّة مهيمنة. فبفضل الإشكاليّات التي طرحها التقسيم المناطقي لأوروبّا، والتاريخ المتّصل، والتاريخ العالمي، وصلنا إلى رؤية أكثر توازنا للعالم، لا وجود فيها لانطباع بأنّ الديناميكيّة التاريخيّة مدفوعة من قبل الكتلة الأورو-أمريكيّة. وهذا ما سمح ببروز وجهة نظر أكثر توازناً للمتوسّط ​​نفسه. فبعض الإشكالات، على غرار مسألة الانحدار مثلاً، لم تعد رائجة تقريباً اليوم. لقد شكّك التأريخ للإمبراطوريّة العثمانيّة بقوّة في فكرة انحدار العالم الإسلامي – وهي فكرة ما تزال شائعة حتّى الآن على نطاق واسع بين عامّة الناس، بسبب تأثير كتابات برنارد لويس (Bernard Lewis) في جزء كبير منها. فوفقاً لهذه الفكرة، إذا كان العالم الإسلامي قد تعرّض إلى حدّ كبير إلى الاستعمار، فإنّه ذلك يعود إلى أنّه كان قد وهن ومات، ولم يقدر على تجاوز منعطف الحداثة، وفشل في التطلّع نحو أوروبّا، ولم يكن له فضول تجاه الآخر، ولم يتعلّم لغات أوروبّا. هذه نقطة، يمكن تفنيدها تماماً بالإشارة إلى غياب تعلّم عالم وكتابي بالتأكيد، ولكن كانت توجد معرفة واقعيّة ومعيشيّة باللغات الأوروبيّة. إنّنا إزاء تغيّر كامل للنموذج، يتّجه نحو شكل من أشكال تكافؤ التواريخ، هو ما أريد المشاركة فيه والدفاع عنه، وإثباته.

كيف علينا، إذن، التفكير في المتوسّط؟ يبدو لي أنّ أحد المزالق كان يتمثّل، في السياق المتوسّطي، في استيراد نماذج مرتبطة باكتشاف أمريكا. وهذا يعود، كما أعتقد، إلى أعمال تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov) حول اكتشاف أمريكا وصدمة الغيريّة[3]. وقد حاولت أن أبيّن، من خلال نصّ صغير نشرته مؤخّراً، كيف تمّ التفكير في العام 1830 وغزو الجزائر على أساس غزو أمريكا – في هذا النوع من صدمة الآخر – والحال أنّ المجتمعين الفرنسي والجزائري كانا قد عاشا طوال قرون في علاقة تعارف وألفة[4]. وإذا ما كانت هناك صدمة، فقد كانت صدمة العنف وقلب توازن القوّة وتوازن الاغتراب، ولكنها ليست بالتأكيد صدمة الاكتشاف. هذا هو الأساس الذي حاولت مع العديد من الزملاء بناء تاريخ المسلمين داخل تاريخ أوروبا. إنّه ورشة تاريخ لم يأت بعد، أضئنا بعض معالمه وأقمنا عناصر أساسه.

من جهة أخرى، فإنّ ما نقوم به اليوم من تركيز على الوسطاء وتمجيدهم، أمر يسبّب لي مشكلة؛ ففي الحالات التي تكون فيها الغيريّة قوية وحقيقيّة، كما هو الحال في أمريكا، نحن بحاجة إلى أطراف نتخاطب معها، وإلى مترجمين، وإلى وسطاء رسميّين. ولم تكن هذه هي الحال في السياق المتوسّطي، حيث يوجد عدد من الناس يتحدّثون اللغات الضروريّة للتواصل، ويمكنهم أن يكونوا مخاطبين مفترضين. توجد حالات عبور ثابتة من جانب إلى آخر، لكنّها بقيت طويلاً غير مقدّرة حقّ قدرها. لقد أشرتُ مراراً على سبيل المثال إلى عمل المؤرخ المغربي أحمد بوشارب الذي اقتصر اهتمامه فحسب على العلاقات بين المغرب الأقصى والبرتغال، والذي يظهر أنّ الفترة ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر شهدت تحوّل عشرات الآلاف (حوالي 60 ألف إذا لم تخنّي الذاكرة) من المغاربة إلى البرتغال، سواء للاستقرار بها بشكل دائم أو لفترات (غالباً ما يتعلّق الأمر بقبائل تهاجر هروباً من قحط أو من أزمة سياسيّة).

لا مندوحة إذن، من إعادة تقييم كيفي وكمّي لهذه التمازجات ولهذه الهجرات التي باتت تتجاوز سجلّ المقارنة. نعم، وجدت وضعيّات وساطة قويّة، فليون الأفريقي (1490؟ – 1550؟) لم يكن أكذوبة! ولكن ما يجب البحث عنه، في رأيي، هو بالأحرى شخصيّات تافهة من هذا القبيل، إذ من شأن تمجيد الوسطاء أن يعود بنا دوماً إلى فكرة صدام الحضارات والتمايز الثقافي، والتعارض مع المجتمعات المتماسكة والمنغلقة بالمعنى الثقافي. ولسعة صدره – ومن أجل تبرير التداول التاريخي – يميل المؤرّخ من ثمّة إلى شرح بيان أنّه يوجد، بين حضارة وأخرى، مترجمون ووسطاء ثقافيّون يتقنون رموز كلا الجانبين، ويقومون بالتالي بترجمات. هذا هو بالضبط ما يزعجني: كلّما فكّرنا من خلال مصطلحات الوساطة، زاد اعتقادنا في وجود شكل من أشكال الركود والجمود في قلب المجتمعات. إنّ لهذه الفكرة المتعلّقة بركود المجتمعات، وأن لا سبيل للتغيير والحراك إلاّ من خلال بعض الوسطاء، عواقب وخيمة، خصوصا داخل المجتمعات الإسلاميّة. أوّلاً، لأنّها متّهمة أكثر من غيرها بالسلبيّة – مع كل ما يوحي به ذلك ضمنيّاً من انحدار. ومن يتمّ وضعه بعد ذلك بوصفه وسيطاً ومترجماً؟ إنّها الأقلّيات الدينيّة في الغالب. وبهذا نجد خطاطة – كما هو الحال في أواخر الستّينيات – يكون فيها نقلة الحداثة، والعناصر الديناميكيّة في المجتمع، ينتمون إلى الأقلّيات اليهوديّة، ومسيحيّي الشرق واليونانيّين والأرمن والموارنة… ومن هنا، يتمّ حبس المسلمين في فرضيّة التقليد وتعلّقهم بما هو ساكن وخامد. إلاّ أنّنا حين عملنا أنا وزملائي حول المسلمين في تاريخ أوروبا، اكتشفنا أنّ وراء النقلة الأوسع شهرة (مثل نقلة الثقافة من مترجمي النصوص، وهم من المثقّفين الموارنة والأرمن)، نعثر على مسلمين أيضاً، وإن بشكل أكثر محدوديّة وأكثر انطماساً.

المتوسّط، سلسلة متّصلة

– سواء بوصفك مؤرّخة فرنسيّة أو تونسيّة، يحصل لدينا انطباع أحياناً، من خلال هذه المحادثة، أنّ “النحن” التي تستخدمينها تحيل على طوائف مختلفة الانتماء، قوميّة أو مهنيّة. ودون إجبارك، بأيّ شكل من الأشكال، على تحديد موقعك أو تبرير اختياراتك، ماذا يمكننا أن نستنتج من هذا التردّد؟

بالنسبة إلى الكثيرين من أصحاب الجنسيّة المزدوجة، حدث على مدى العقود القليلة الماضية في جميع أنحاء العالم بعض وعي جماعي بأنّ الهويّة يمكن أن تعمل بطريقة كاملة الشرعيّة من خلال جنسيّة مزدوجة (وضمن انتماء مدني وسياسي مزدوج). إنّها وضع جديد وغير مسبوق لشرعية الانتماءات الوطنية الثنائيّة أو الثلاثيّة، ومن هنا سيولة هذه “النحن”. ولكنّي عشت وضعي دوماً في فرنسا تحت إحساس بنوع من الدين تجاه تونس ومنطقة المغرب. كنت أشعر دائماً بأنّني لم أنتقل إلى فرنسا إلاّ منذ وقت قصير – لأنّني لم أنتقل إليها إلاّ في وقت متأخّر جدّاً، في سنّ الثامنة عشرة من أجل الدراسة. إنّه شكل من أشكال الثمن الواجب دفعه لقاء كوني أتمتّع بظروف جيّدة للعمل من أجل تونس. هكذا عشت الأمر. وأنا أشعر ببعض الخجل حين أقول هذا القول اليوم، لأنّه يتضمّن قسطاً من السذاجة بلا شكّ، ولكنّني أعتقد أنّه قول صادق تماماً. ومن هنا هذه الـ”نحن” التي يحدث أن أستخدمها. لقد كانت أيضاً “نحن” انكفاء، لأنّني لم أعد، حين كنت في أوج التسعينيات، أتعرّف على نفسي في خضمّ النقاشات الفرنسيّة الفرنسيّة، بما في ذلك النقاشات الأكاديميّة والجامعيّة. لقد كنّا كباحثين في شؤون العالم العربي أو الإسلامي، محبوسين داخل نوع من الغيتو العلمي. وكان يحيط بجميع الأعمال التي يمكن أن ننتجها حول العالم الإسلامي، شكل من أشكال عدم الاهتمام وعدم الثقة. لقد كنّا محبوسين داخل نوع من الخصوصيّة الناجزة مسبقاً.

وقد بدأت لحظة القطيعة هذه، كما سبق أن ألمحت، في فترة حرب الخليج الاولى لتتفاقم وتصل أوجها في الحادي عشر من سبتمبر ونجاح أطروحات صموئيل هنتنغتون (Samuel Huntington) حول صدام الحضارات. بعدها، شعرت بتحسّن في المناخ على الأقلّ فكريّاً. هل حصل لدينا وعي بأنّنا استخدمنا نماذج شديدة الاختزال؟ وأنّه لم يكن نملك الأدوات الصحيحة للفهم؟ لقد سجّلنا عودة اهتمام عامّ بالعالم الإسلامي، مع ظهور جمهور جديد أيضاً، هو جمهور الشباب الأكثر تعاطفاً والساعى إلى مزيد الفهم. وفي ما يخصّني، وجدتني حريصة، بتشجيع من طلاّبي على وجه الخصوص، على متابعة وجهة نظر مواطنيّة من خلال البحث في العلوم الاجتماعيّة. وقد شعرت بذلك وكأنّه نوع من الواجب، مع انطباع بأنّه لا يمكننا أن نعمل ونقول الأشياء حول العالم العربي والعالم الإسلامي بنفس الطريقة حول مواضيع أخرى. لقد نجم شكل من أشكال الواجب المدني والأخلاقي عن الأثر الحاسم الذي يمكن أن يولّده كلّ عرض حول الإسلام. فكتابي “إسلاميّات” (Islamicités) الذي صدر في عام 2005، وقد تضمّن جزءاً من رؤيتي لمنطقة المتوسّط وللغة المشتركة، لم أرده كتاب بحث، بل مساهمة في النقاش المدني. لقد كان الطلاّب المهتمّين بالعالم الإسلامي يعربون خلال الحلقات الدراسيّة عن سخطهم عمّا كانوا يسمعونه عن الإسلام والمسلمين بعد عام 2001، وكان لديهم نوع من الحنق تجاه الأكاديميّين الذين لم تكن لديهم، كما يرون، مواقف حاسمة وردود فعل كافية. وقد كتبتُ هذا الكتاب في جزء كبير منه من أجلهم، حيث كنت أفكّر في الاستجابة بطريقة أو بأخرى إلى طلب الحصول على تدقيق لبعض النقاط المطروحة من قبل الأكاديميّين، شرط ألاّ تكون منحازة بصورة كاريكاتوريّة للإسلام أو ضدّه، وتطرح التساؤلات بشكل مختلف. إلاّ أنّ كتاب “إسلاميّات” كان أكثر كتبي إثارة لمتاعب النشر. فعلى الرغم مما كان له من تأثير في الخارج، فإنّه لم يلق أيّ صدى تقريباً داخل فرنسا، حيث لا تلقى الطروحات المتباينة نسبيّاً، لأنّها تاريخيّة، وهذا أمر ذو دلالة عميقة، طريقها أو هي تمرّ بصعوبة داخل تلك السياقات التي تطغى عليها العاطفة.

– يمكن للمرء أن يتصوّر، وهو يستمع إليك، أنّ الدور المنوط بعهدة الأكاديميّين هو تحديداً دور النقلة والوسطاء، ولكنّك تقولين في نفس الوقت أنّك لا تحبّين صورة الوسيط. هل الأكاديميّون مجرّد رقباء على ما يقال حول هذا أو ذاك من التخصّصات، أو لديهم دور آخر، أكثر خصوصيّة، عليهم القيام به؟

في حديثك عن “الرقابة”، لا أدري إن كنت فهمت موقفك كما ينبغي. في الواقع، يوجد نوع من الموقف المنطقي عند الباحثين (بمن فيهم الباحثون المهتمّون بالمناطق “الغريبة”) يقتضي – وإن بشكل لا واعٍ – تقوية خصوصيّة مجال عملهم. وكما قال لي أحد أصدقائي ذات يوم، فإنّه لا يمكن لأحدنا أن يقول: “عملت لمدّة اثني عشر عاماً حول سكّان أفريقيا الاستوائيّة للوصول إلى استنتاج مفاده أنّهم كانوا مثلنا تماماً”. يوجد تأثير معاكس يتمثّل على أيّ حال في تضخيم التميّز أو المبالغة فيه. وما أعتقد أنّ لنا فيه كباحثين مسؤوليّة، هو ربّما كيف يمكننا تقليص هذا الشعور بالتميّز. أنا لا أريد أن أقول إنّ منطقة البحر المتوسط ​عالم مبهم، وإنّه لا فرق بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، بل على العكس من ذلك. فنحن نلحظ اختلافات كبيرة جدّاً، على سبيل المثال، في النظم الإداريّة وفي النظم السياسيّة، وهي ترتبط بعوامل تتعلّق بمقتضيات الحكم التي سبق لنا ذكرها بخصوص حكم الأجدر أو المرتزقة. ولكن هذه الاختلافات ليست بالضرورة أكبر في ضفّة دون أخرى من البحر المتوسّط ممّا يوجد داخل أوروبّا نفسها، حيث يمكن للمرء أن يجد اختلافات سياسيّة ودينيّة وحالات انشقاق لا تقلّ عنها أهمّية. ومن هنا، فإنّ دورنا كباحثين هو، أيضاً، تنسيب هذه الاختلافات، والتصدّي لخطاب ناجز مسبقاً حول الاختلاف الثقافي، في الوقت الذي كنّا نواجه فيه، كمواطنين، في جميع الأحوال نظاماً يروّج على نحو متزايد للثقافة بوصفها الملاذ الأخير لتفسير الأمور. أعتقد أنّه يمكننا أن نقدّم أيضاً تعريفات أخرى للثقافة ورؤى أخرى للمجتمعات التي تبدو لي أكثر تميّزاً بعلاقات تمادّ متبادل. هذا هي نظرتي للمتوسّط: علاقات تمادّ متبادل لا تعني أنّ كلّ شيء ممكن وأنّ كلّ شيء يمرّ. توجد نقاط توقّف، ومواضع غير قابلة للتفاوض، ولكن توجد أيضاً وضعيّات تواصل. وفكرة التواصل هذه هي الأكثر أهمّية بالنّسبة لي.

– هذا التساؤل حول الحلقة المتّصلة للتمثّلات والممارسات هو في الحقيقة في مركز التحليل الذي قدّمته للثّورة التونسيّة في كتابك الأخير. لقد بدا الحدث غير مفهوم وغير متوقّع في نظر المعلّقين الغربيّين إلى درجة أنّهم أنهم ساهموا في تكريس نظرة قديمة جدّاً عن جمود المجتمع التونسي وقصوراته. ما رأيك في هذه الأحداث وفي القراءة التي اقتُرحت لها؟

نحن نمرّ من مفاجأة إلى أخرى مع الثورة التونسيّة. صحيح أنّه وجدت لحظة من النشوة بعد الثورة – وهي لحظة رائعة بالتأكيد لا يجب أن ننكرها -، حيث كان لدينا انطباع بأنّ الأمور قد تتغيّر لأتفه الأسباب. إلاّ أنّنا اكتشفنا نضجاً سياسيّاً خفيّاً جعل منّا قادرين أن نعمل، من يوم إلى آخر، بطريقة مختلفة. صحيح تماماً أنّ تونس تعمل اليوم بطريقة مغايرة، ولا يجب أن ننسى ذلك أبداً، حتّى في لحظات الإحباط. فالمجتمع التونسي، مع كلّ ما يمكن أن يقال عنه، قد تغيّر تماماً. ولم يعد العالم هو نفسه، حيث غدت حريّات الفكر جدّ مدهشة وحاضرة في جميع مستويات المجتمع، وإنّني لأتساءل في الحقيقة إذا ما كانت تلك الحرّيات لا تعود إلى حرّية التعبير التي نجدها في الشهادات التاريخيّة. وحول هذه النقطة الأخيرة، أنا لا أريد أن أتسرّع، ولكنّها تذكّرني بالعديد من الأخبار التي تتحدّث عن المقابلات التي يمكن خلالها لأيّ كان أن يقابل الأمير، ويتحدّث إليه بكلّ حرّية دون رهبة. لقد وصف العديد من المراقبين الأوروبيّين أيضاً تلك الحالات التي نلحظها اليوم، كما هو الحال عندما نستوقف في الشارع، لا الرئيس ووزرائه فحسب، ولكن أيّ نائب في البرلمان أيضاً. فلا مندوحة من يقدّم كلّ شخص كشفاً عن أداء مهامّه، وهنا القرابة المدهشة مع ممارسات موثّقة في مصادر العصور الوسطى والحديثة…

ألا تعيدنا الصعوبات الجارية إلى فكرة أنّ المجتمعات الإسلاميّة لم تُخلق للديمقراطيّة؟ إنّه لمدهش جدّاً في الواقع أن يدعو المثقّفون التونسيّون اليوم إلى استبداد مستنير. هذا شيء لا يمكن تصوّره بالنسبة إلي. ولكن أعتقد أن الخطأ الذي ارتكبناه جميعاً أنّنا اعتقدنا أنّه يكفي استنساخ نظام ديمقراطي أثبت جدواه برمّته، في حين أن ما يجري حاليّاً هو اختراع شيء جديد لا نعرف ماذا سيكون، والذي لا يعطينا الدستور التونسي الجديد سوى بداية فكرة عنه. إنّه شيء جديد يتخلّق أمام أعيننا، ومن هنا جاء البطء، وغالباً الصعوبات التي تواجه العمليّة الجارية.

حوار: محمد حاج سالم

المصدر: مؤمنون بلا حدود

(Visited 38 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

الشيخ مفيد الفقيه خلال اللقاء مع الدكتور هيثم مزاحم

آية الله مفيد الفقيه: افتتحت حوزة النجف الأشرف في لبنان لتبليغ الرسالة المقدسة

آية الله مفيد الفقيه: افتتحت حوزة النجف الأشرف في لبنان لتبليغ الرسالة المقدسة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification