الرئيسية / التصوف / هكذا تكلم ابن عربي … كتاب لنصر حامد أبو زيد

هكذا تكلم ابن عربي … كتاب لنصر حامد أبو زيد

image_pdfimage_print

Ibnarabi

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: خالد بيومي —
صدرت حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعة جديدة من كتاب «هكذا تكلم ابن عربي» لنصر حامد أبو زيد (1943 – 2010). وهذا الكتاب هو محصلة للسياحة في فكر ابن عربي، وجاء استجابة لرغبة مؤلفه في استكمال معرفته بقطبي التراث الإسلامي الأساسيين: العقلانية والروحانية. وكان أبو زيد أنجز أطروحته للدكتوراه عن تأويل ابن عربي للقرآن الكريم كمحاولة لاكتشاف مجال «التجربة الروحية»، كما تُمثـلُها التجربـة الصوفيـة عــنده وأثرها في بـلورة إطار تـأويلي للوحي.
ويرى أبو زيد أن التجربة الصوفية في التراث الإسلامي، تمثل -في جانب منها على الأقل– ثورة ضد المؤسسة الدينية التي حوَّلت الدين إلى مؤسسة سياسية اجتماعية مهمتها الأساسية الحفاظ على الأوضاع السائدة ومساندتها من خلال آليات إنتاج معرفية ثابتة يقف على رأسها «الإجماع»، ويليه «القياس».
وإذا كانت مصادر المعرفة وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مصادر لا خلاف عليها بين المتصوفة والفقهاء والمتكلمين المسلمين، فإن الخلاف بين الاتجاهات الثلاثة يتمثل في ترتيب آليات استنباط المعرفة وإنتاجها من هذه المصادر. ففي حين يركز المتكلمون على أهمية «العقل» على خلاف بينهم في ترتيب العلاقة بينه وبين «النقل»، يضع الفقهاء «العقل» في درجة أدنى من درجة الإجماع . ولا مجال عند المتكلمين والفقهاء للتجربة الروحية، وهي محور الخلاف بين المتصوفة وغيرهم؛ إذ يعتبر المتصوفة أن «التجربة» الروحية الشخصية الذاتية هي أساس المعرفة الدينية. وفي حين ينشغل المتكلمون والفقهاء بقضايا سياسية واجتماعية وينخرطون في إطار إنتاج معرفة مؤسسية يلوذ المتصوفة بتجاربهم الروحية التي تحاول استعادة تجربة «النبوة» ذاتها في إطار «تأويلي» للشريعة النبوية.
ويطرح المؤلف سؤالاً مفاده: هل ما زال ابن عربي قادراً على المساهمة في مخاطبة قضايا عالمنا المعاصر؟ جاءت الإجابة بنعم، لأن ابن عربي رسَّخ الأصل الذي تستند إليه الأديان والمعتقدات كافة وهو أصل العلاقة بين الخالق والمخلوق، وهو علاقة «الحب»… في البدء كان «الحب»؛ هكذا يتصور ابن عربي «الحقيقة»: كان الله كنزاً مخفياً فأحبَّ أن يُعرف فخلق العالم ليعرفه. هكذا تتحدد الحقيقة استناداً إلى التراث الإسلامي مشروحاً شرحاً عرفانياً. وترجع أهمية فكر ابن عربي إلى أنه يمثل قمة نضج الفكر الإسلامي في مجالاته العديدة، من فقه ولاهوت وفلسفة وتصوف، فضلاً عن علوم «تفسير القرآن»، وعلوم «الحديث النبوي» وعلوم اللغة والبلاغة… إلخ. من هذه الزاوية، فإن دراسته في السياق الإسلامي تكشف عن بانوراما الفكر الإسلامي في القرنين السادس والسابع الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين).
ومن زاوية أخرى يمثل ابن عربي همزة الوصل بين التراث العالمي والتراث الإسلامي، ومن ثم يمكن النظر إلى تراث ابن عربي بوصفه تواصلاً حياً خلاقاً مع التراث العالمي الذي كان معروفاً ومتداولاً في عصره، سواء كان تراثاً مسيحياً أم يهودياً أو كان تراثاً فلسفياً فكرياً. وهذا ما يتضح من إصراره على استخدام مصطلحات متنوعة الدلالة على مفهوم واحد. فهو يشير مثلاً إلى مفهوم «الموجود الأول»، أو «المخلوق الأول» بمجموعة من المصطلحات منها الفلسفي مثل «العقل الأول»، ومنها الديني مثل «القلم»، هذا إلى جانب «الموجود الأول» عن الله و «المخلوق الأول»…
ولم تقف أهمية ابن عربي عند حدود استيعابه التراث الإنساني وتوظيفه إياه في إقامة بنائه الفكري الفلسفي الشاهق، بل تتجاوز ذلك إلى المساهمة في إعادة تشكيل التراث الإنساني بالتأثير فيه تأثيراً خلاقاً بالدرجة نفسها. ويستشهد أبو زيد بدراسات المستشرق الياباني توشيكو إيزوتسو عن ابن عربي والطاوية، وكذلك دراسات المستعرب الإسباني آسين بلاسيوس عن تأثير كتابات ابن عربي في ريمون لول، وتأثيره في دانتي إليغيري مؤلف «الكوميديا الإلهية».
كما استوعب قراءة التراث الإسلامي السابق عليه، ما ساهم في بلورة كثير من المفاهيم والتصورات التي كانت مضمرة في كتابات السابقين. وساعدت كتابات ابن عربي الباحثين في تجلية آراء الحكيم الترمذي (280– 910)، والحلاج بن الحسين بن منصور (283– 913)، والنفّري ( 366– 977). يحتاج الباحثون لقراءة ابن عربي إلى إعادة بناء الفكر السابق عليه من أجل الكشف عن الأثر الذي تركه فيه. ويرى أبو زيد أن استدعاء ابن عربي وتجربته الروحية يمكن أن يمثل مصدراً للإلهام في عالمنا المعاصر، فالتجربة الروحية هي مصدر التجربة الفنية: الموسيقى والأدب والفنون السمعية والبصرية والحركية، فهي الإطار الجامع للدين والفن.
وفي لقاء العمالقة: ابن رشد «فيلسوف قرطبة وقاضيها»، والشيخ ابن عربي، لم يكن الفيلسوف معادياً للكشف والإلهام والفيض سبيلاً إلى المعرفة، ولم يكن الانتماء الجغرافي هو القاسم المشترك بين الفيلسوف والشيخ، وأكد ابن عربي في أكثر من سياق أن ابن رشد لم يستبعد إمكان الوصول بالفيض والإلهام والكشف إلى معارف وهبية لَدُنيَّة تأتي مباشرة من الله على قلب السالك، ويكرر ابن عربي أن ابن رشد عبر عن امتنانه لوجوده في الزمن الذي شهد واحداً من أرباب المعرفة الكشفية. ولم يكن فيلسوف قرطبة بأي معنى من المعاني من أتباع أفلاطون، وهذا ما يباعد بينه وبين فلاسفة الإشراق الأقرب إلى قلب ابن عربي. ويفسر ابن عربي كراهية بعض المسلمين لأفلاطون بجهلهم معنى كلمة فلسفة التي تعني «محبة الحكمة».

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 28 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Misbar

«المسبار» يستعرض السلفية في كردستان العراق بأقلام كردية

تناول الإصدار الشهري لمركز المسبار للدراسات والبحوث، الأخير «السلفية في كردستان العراق: التاريخ – الأعلام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification