الرئيسية / مراجعات الكتب / قراءة في “القبض والبسط في الشريعة” لعبد الكريم سروش

قراءة في “القبض والبسط في الشريعة” لعبد الكريم سروش

image_pdfimage_print
د. وجيه كوثراني
د. وجيه كوثراني

 ميزة عبد الكريم سروش انه مفكر تكونت ثقافته ومنهجيته في البحث من ابعاد علمية متعددة فهو صاحب اختصاص في الصيدلة والكيمياء، ومتابع لأحدث الدراسات الغربية في علم التاريخ وفلسفة العلوم وعلم المعرفة (الابستمولوجيا)، وهو الى ذلك ناشط ثقافي سياسي، ومتبحر في علم الكلام والتفسير واصول الفقه ومتذوق لأدبيات العرفان التي هي سمة من سمات الشفافية والتسامي لدى المثقف الايراني المتميز. على ان هذه العناصر التكوينية لثقافة سروش، والتي تبدو جلية في كتاباته عبر الاستشهاد والتوثيق والاشارة، لا تصطف اصطفافاً كميا، بل تتداخل وتتفاعل في نوع من الوحدة المعرفية التي تتحول بفعل تداخلها العميق الى منهج معرفي متكامل.

منطلق هذا المنهج، ما تراكم من افكار نقدية في علم المعرفة (الابستمولوجيا) ومن ادراك للقفزات المعرفية (العلمية) في العلوم، ولاسيما في علوم الانسان والمجتمع، وفي طليعتها التاريخ والانتروبولوجيا. ومرجعية سروش الاساسية في تعريفه لنظريته في القبض والبسط تعود الى هذا التراكم المعرفي الذي بدأ مع باشلار في تكوين العقل العلمي، الى كون الى بويز الى فيتكنشتاين.

يعرّف سروش نظريته في مواقع عدة في الكتاب (*) ومن اوجه هذا التعريف ان فهمنا لكل شيء متحرك ومتحول (ص185) وان كل نظرية ابستمولوجية واقعية تقول بالتمييز بين الشيء والعلم به. ووفقا لهذا التمييز يميز سروش بين الشريعة بذاتها وفهمها البشري، وبالتالي بين الدين بذاته والمعرفة به، اي المعرفة الدينية. يقول “الشريعة باعتقاد المؤمنين قدسية كاملة والهية المصدر والمنشأ (…) اما فهم الشريعة فلا يتصف بأي من هذه الصفات، ولم يكن في اي عصر من العصور كاملا ولا ثابتا ولا نقيا ولا بعيدا من الخطأ والخلل، ولا مستغنيا عن المعارف البشرية او مستقلا عنها، ومنشأه ليس قدسيا، ولا الهيا، وهو ليس بمنأى عن تحريف المحرفين او الفهم الخاطئ لذوي العقول القاصرة، وليس خالدا ولا ابديا (…)”(ص31). بتركز هذا التعريف في معناه في مواقع عدة من الكتاب. (لأن الكتاب على ما يبدو هو مجموعة محاضرات تتكرر فيها الافكار وتنضاف اليها تباعا افكار جديدة).

ان تكون المعرفة الدينية  معرفة بشرية، يعني انها كغيرها من معارف علوم الانسان والمجتمع. وفي الفصل الثاني (ص36) يشبّه سروش المعرفة الدينية بالمعرفة التاريخية، يقول: “ان علم التاريخ يتطور وتعاد صياغته دائما”، ليس لأن الاكتشافات التاريخية تزيد كمياً”، ولكن لأن فهم المؤرخ للحوادث يتطور كيفيا ولأن الاكتشافات العلمية الجديدة تفتح منافذ جديدة للتحقيقات والابحاث التاريخية، والمؤرخ المجهز بالوسائل العينية والنظريات الجديدة يتوصل الى الفتوحات التاريخية الجديدة…” ثم يعود الى النقطة (اغتناء العلوم من بعضها البعض ص 325).

هذه هي حال المتصدي للمعرفة الدينية سواء كان فقيها او مفسرا او عالم كلام او باحثا من اي اختصاص، عليه ان يستعين بالتاريخ وبمنهجه وبالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الاناسة، كل هذا حاضر في فهم الدين” (ص43).

ماذا يحصل اذا اصطدمت المعرفة الدينية بالمعرفة البشرية العلمية؟ وحدث التناقض؟ يشير سروش هنا الى موقف غاليليه في حل التناقض بفهم جديد للدين ولدوره. كانت نظرية السموات السبع بالنسبة الى القدماء منسجمة وعلوم زمانهم، فلما ثبت بطلان هذه النظرية علميا خلق هذا لغاليليه الماً من جراء التناقض “فهو كان يحترم العلم وفي الوقت نفسه كانت متدينا”، فرأى ان الدين يعلم الناس كيف يصعدون الى السماء اي الى الجنة، ولا يعلمهم كيف تتكون السماء وكيف تتحرك” (ص48). اذن العلوم العصرية هي التي تطرح الاسئلة على الدين وعلى الشريعة وتستثير الاجوبة عليها، وان اسئلة كل عصر هي وليدة علوم ذلك العصر، ولا يمكن ان تطرأ على بال احد قبل نضج العصر علميا، وبما ان العلوم تتجدد، فان الاسئلة وثانيا الاجوبة تتجدد. ومن هذا المنطلق تبقى المعرفة الدينية في تجدد مستمر… (ص68) (…).

التحدي الذي يواجه سروش هو في مدى مقدرته على تطبيق هذا المنهج المعرفي على النصوص الدينية وبخاصة القرآن والسنة. ذلك ان كثرة من الاصلاحيين المسلمين، ومنذ اواسط القرن التاسع عشر وحتى اليوم، حاولوا تقديم ثقراءة تأويلية للنصوص منسجمة الى حد ما مع حاجات العصر، ولكن المحاولات ذهبت في جلها مذهب التبرير الايديولوجي الظرفي المتزامن مع واقعة او حدث او دعوة سياسية او اجتماعية او حاجة اقتصادية، وكانت المحاولات في معظمها تتناول حقل الفقه واحكامه في نطاق من الاجتهاد الكلاسيكي، كتوسيع نسبي لحقوق المرأة، او الاجتهاد بمسائل الفائدة او تفسير بعض الآيات تفسيرا تأويليا اما سروش فانه يحاول احداث تغيير في المنهج من داخل اصول الدين اي من خلال علم الكلام. وعدته في هذا الاقتحام الفلسفة والابستمولوجيا والعلوم الطبيعية، لأن هناك تلاؤماً لدى الانسان المعاصر بين معرفته بالانسان ومعرفته بالطبيعة والالسنية والانتروبولوجيا. وهذا التلاؤم يجب ان يشمل فهم الانسان للدين.

واكثر الناس استهدافا من هذا الاقتحام هم رجال الدين الذين يُحمّلهم مسؤولية بعد المثقفين التنويريين عن الدين في تاريخنا المعاصر. يقول: “كي لا نكون بعيدين عن الانصاف نقول ان ما اظهره بعض المفكرين التنويريين في تاريخنا المعاصر من بعد عن الدين لم يكن سببه الحقد على الدين، وانما كان سببه ان الدين الذي عرض عليهم لم يكن مليح الصورة…” (ص108). لذا يستنتج “ان المعرفة الجديدة للانسان والمجتمع والطبيعة فريضة على المتكلمين ورجال الدين اليوم” (ص112).

ويستعد سروش “لمشاجرة” مع كثيرين من هؤلاء غير انه يرى “ان المعرفة الدينية مباراة عقلية محتدمة لا تتضرر من هذه المشاجرات بل تغتني بها” (123).

لا ندري ان كانت افكار سروش ستقتصر على اثارة مشاجرة، فكرية فحسب. ذلك ان الاسئلة التي يطرحها من خلال تطبيق منهج الانتروبولوجيا اللغوية الثقافية على النص القرآني. كفيلة وحدها باثارة مخاوف وهواجس جيش كبير من رجال الدين”. وهذه سمة كبرى من سمات شخصيته العلمية الجريئة والنقدية الى ابعد الحدود.

اللافت في هذا النقد الجريء دفعه بتفسير الآية القرآنية: “وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه” الى حقل المنهج الانترولوجي الثقافي حيث يطالب سروش آية الله الطالقاني بعدم الاكتفاء بالتأويل الانتقائي للآيات، بل بما يقتضيه التفسير الانتروبولوجي الثقافي لمعنى ان تكون الرسالة بلغة القوم وثقافتهم (ص135-136) فماذا يترتب على هذا معرفيا؟ في بحث مستقل سقط من الترجمة العربية يوسع سروش هذه الفكرة الجريئة ويشرحها تحت عنوان “الذاتي والعرضي في الاديان” (ترجم الى العربية في مجلة قضايا اسلامية معاصرة، العدد 22 شتاء 2002 ص174-،208 وهو فصل من النسخة الفارسية). لتقديم وجهة نظره في معنى الذاتي (الجوهري) والعرضي وتقريبها الى الفهم يتوقف سروش عند ثلاثة امثلة بلغات ثلاث تفيد المعنى الواحد اي الروح او الذات او الجوهر لنقرأ معه هذه الكلمات الثلاث المستخدمة في لغات ثلاث:

– كحامل التوابل الى كرمان (مثل فارسي)،

– كآخذ الفحم الحجري الى نيو كاسيل (مثل انكليزي)،

– كناقل التمر الى البصرة (مثل عربي عراقي)،

“المدلول الجوهري او قل الروح المجردة (الذات) لهذه الامثال الثلاثة واحدة، بيد انها روح ارتدت ثلاثة ازياء مختلفة تتضمن الوان القوم الذين خاطوها وثقافتهم وجغرافيتهم ولغتهم”. ويعلق على المقارنة بين الامثلة الثلاثة من زاوية الاخذ في الاعتبار اختلاف الجغرافيا الطبيعية والعادات والثقافة واللغة، بملاحظات منهجية ثلاث:

– قوام هذه الامثال وهوياتها بمحتواها الداخلي الثابت.

– المظاهر العرضية تظهر بوجوه واشكال جد متنوعة.

– مناط العرضي هو امكان ظهوره بشكل آخر.

ويحاول سروش ان يطبق هذا المنهج على النص القرآني معتبرا اللغة العربية والثقافة العربية السائدة حين نزول الوحي هي المظاهر العرضية او الاشكال الظاهرة التي يؤدى عبره المعنى الجوهري. هذه اللغة والثقافة العربيتان تتجليان في استخدام مألوفات العرب وعاداتهم. فعلى سبيل المثال يذكر القرآن نساء الجنة بأنهن حور، اي سوداوات العيون ولسن زرقاوات العيون، وانهن يسكن في الخيام “حور مقصورات في الخيام”. يوصي الناس الى النظر الى الابل وخلقتها (افلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت). يستخدم القرآن التقويم القمري، ويتحدث عن قبيلة قريش ورحلاتها الصيفية والشتوية، ويحكي عن ابي لهب، ويذكر الدواب التي يعرفها العرب كالخيل والابل والحمير…

كلها دلائل على ان اللون العربي والرائحة العربية والخلق والعنف والتقاليد والعادات والبيئة والمعيشة العربية احاطت النواة المركزية للفكر الاسلامي. ثم يخلص الى القول وبعد ان يسهب في ذكر المفردات المعروفة والمتداولة في البيئة الثقافية العربية في الجزيرة: “نحن هنا حيال مجموعة من العرضيات وبالرغم من طابعها العرضي والخارجي، الا انها ساهمت مساهمة كبيرة في تشكل المحتوى الداخلي (…)”.

ما معنى هذا الكلام؟ يجيب: “معنى هذا الكلام ان لبوس الثقافة القومية من لغة واذواق واساليب حياة ونقاط ضعف وقوة عقلية وخيالية وعادات وتقاليد ومألوفات ومسلمات فكرية وخزين لغوي ومفاهيمي يضيف على جسد العقيدة والفكر ويخلع عليه نواقصه وكمالاته لا محالة…” ويستشهد بجلال الدين الرومي عندما يتشكى من اللغة في ضيقها ان تتسع للتعبير عن الوجود “ليت للوجود لسانا يتكلم به”.

يطرح سروش سؤالا افتراضيا قد يساعد على فهم ابعاد، او اشكالية، اللغة او الثقافة التي شكلت لبوس الاسلام: هل تبقى عرضيات الاسلام هي نفسها لو نزل القرآن بلغة اخرى؟

 يجيب ايضا: لا جدال في ان الاسلام لو نزل في اليونان او الهند او بلاد الروم بدل الحجاز لكانت عرضيات الاسلام اليوناني والهندي المتغلغلة الى اعماق طبقات النواة المركزية تختلف اختلافا كبيرا عن الاسلام العربي ولوفرت الفلسفة اليونانية المتينة على سبيل المثال ادوات لغوية ومناهجية، ومنظومة مفرداتية خاصة لنبي الاسلام تغير معالم خطابه، كما ان الاسلام الايراني والهندي والعربي والاندونيسي اليوم، وبعد قرون من التحولات والتفاعلات، تمثل انماطا من الاسلام تختلف عن بعضها بشهادة ادبياتها ونتاجاتها (الى جانب المشتركات فيما بينها). ولا تقف التباينات عند تخوم اللغة والظواهر بل تمتد الى اعماق الوعي والثقافة الدينية” (ص191).

يصل سروش في مسار هذا التفكير الابستمولوجي الى مأزق منهجي خطير ومهم، ويترتب من اجل تجاوزه التفكير باستراتيجيات علمية كبرى لا تقف عند حدود الاجتهاد الفقهي والتأويل الايديولوجي لبعض الآيات كما فعل جل الاصلاحيين الاسلاميين فرسا وعربا وهنودا، بل التفكير بلاهوت اسلامي عالمي جديد، متجاوز للثقافات واللغات القومية التي صبغت الاسلام طوال قرون بعرضيات، ليست من ذاتيات الاسلام كما يقول سروش، لاهوت يبقي على الجوهري والذاتي في الاسلام ولا يلغي العرضي بما هو معطيات تاريخية ولكن يفسره بمناهج علوم الانسان والمجتمع ويتجاوزه الى ما هو عالمي وانساني ومستقبلي.

يحل سروش هذا المأزق – وكما يبدو لي من قراءته بالتوجهات الآتية: اللجوء الى الخطاب العرفاني، ولذا يكثر من الاستشهاد بشعر جلال الدين الرومي والحافظ الشيرازي، كلما اراد ان يعبّر عن حالة معرفية معقدة او حال ايماني وتوق الى الخلاص من القلق والتوتر.

– اللجوء الى الفلسفة والى ابستومولوجيا العلوم وفلسفاتها وتاريخ تطورها ليقيم نوعا من المنظومة الفلسفية يتعايش فيها بوئام: الميتافيزيقي مع نظرية الكون في الفيزياء الجديدة، مع الايمان الديني.

قد ينطبق على هذه التوجهات ما يقوله باشلار في تكوين العقل العلمي، والتحليل النفساني للمعرفة، واعتمادا على برغسون “ان العلم المعاصر هو اكثر فأكثر تأمل في التأمل (…) وان الكائن الحي يكتمل بقدر ما يستطيع الوصل بين حياته المتكونة من لحظة ومن مكان، وازمنة واماكن اكبر، ان الانسان انسان لأن سلوكه الموضوعي ليس مباشراً ولا محليا، والتبصر هو شكل اول من اشكال التوقع العلمي”.

هذه المنظومة الفكرية تقوم اذن على ابعاد ثلاثة في المعرفة اجتمعت في شخص “متبصر” استطاع ان يوصل بين حياته (اللحظة والمكان) “وازمنة واماكن اكبر”.

اللحظة والمكان يتلخصان في تأمل باحث علمي Scientist واسلامي في لحظة ما بعد الثورة الاسلامية في ايران والتأمل يجري هنا في دروس التجربة ودلالاتها، ولكن في ما يتجاوز الراهن الايديولوجي والسياسي الذي استولت عليه طبقة من رجال الدين تحاول تأبيده في مؤسسة حاكمة باسم الدين والشريعة، وفي صيغة “ولاية الفقيه”، ومؤسساتها السلطوية. “اما الازمنة والاماكن الاكبر” فيجري التواصل معها عبر التأمل بالكون والفلسفة والمعرفة للحدسية (العرفان) وابستمولوجيا العلوم المعاصرة، الطبيعية منها والانسانية.

في هذا التأمل المتعدد البعد، تغيب اللحظة السياسية في ظاهر الخطاب، لكنها تبقى حاضرة بالحاح وعمق في باطنه وجوهره. فهو اذ يسكت عن السياسي الراهن، يطرح اشكالية المعرفة، كل معرفة بأبعاد ابستمولوجية اشمل. فاذا كانت المعرفة الدينية هي معرفة بشرية نسبية، فكيف هي حال المعرفة في مجال التاريخ والسياسة؟ ان التغير هو القانون الحاكم في كل معرفة. والنتيجة العلمية التي يوصل مثل هذا التحليل هي ان ترفع السلطة يدها عن كل معرفة، والمقصود بالسلطة اي سلطة وخاصة اذا كانت دينية. والمقصود بالمعرفة كل معرفة سواء تعلقت بالدين او بالطبيعة او بالانسان والمجتمع والسياسة. علي ان هذه النتيجة المتضمنة والتي سبق ان عبّر عنها سروش صراحة في كتابات سابقة، هي ظاهرة فكرية وثقافية يجري جدل غني حولها في المجتمع الايراني اليوم.

التساؤلات التي تثيرها هذه المنظومة الفكرية من زاوية الجدل السياسي والاجتماعي والثقافي كثيرة:

– ما تأثير افكار سروش في الحياة الثقافية والسياسية في المجتمع الايراني اليوم؟ ما هو مكانها في تيار الاصلاحية الايرانية؟

– ما مستقبل مثل هذه الافكار في مجتمع اسلامي متدين كالمجتمع الايراني؟

– ماذا يعني نقلها الى العربية؟ وماذا كان وقع هذا التعريب في الثقافة العربية عموما، وفي ثقافة النخب بصورة خاصة؟ ولدى الاسلاميين العرب ايضا؟

– هل صحيح ما يقوله احد كتابنا العرب في مجال المقارنة بين المشهدين الثقافيين العربي والايراني؟ يقول: “ان المجتمع الايراني يناضل للخروج من قوقعة الشمولية بينما اغلب المجتمعات العربية تبدو وكأنها تناضل من اجل دخول هذه القوقعة ذاتها”، و”ان النظام السياسي الشمولي في ايران يسمح بقدر مدهش من حرية التعبير، بما في ذلك التعبير الذي يُخضع شرعيته ذاتها للمساءلة. اما عندنا، فلا يكاد يكون هنا نظام واحد يسمح بذلك المستوى من الحرية والتعددية الفعلية الذي تتمتع به ايران الشمولية”. (محمد السيد سعيد، في رؤى مغايرة، ملف ايران ما بعد الاسلامية، منشورات مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان” 1999).

– ما اسباب هذا الجفاف الذي يلاحظ في الحياة الثقافية والسياسية العربية؟ صحيح ان هناك بعض الانتاج الراقي والجيد في مجال الفكر العربي، لكنه انتاج معزول في دوائر ضيقة، ولا يصل الى اوساط النخبة الثقافية العربية ليشكل حالة فكرية او تيارات افكار. في حين ان بعض الانتاج العربي الجيد والمعزول عربيا، يشهد ترجمة له الى الفارسية ورواجا ومتابعة من جانب مجموعات من المثقفين الايرانيين. فهل انحصر صخب الثقافة العربية في هذه المرحلة في التعبير الشعبوي الذي يصدر عن ثقافة الحشود وردود فعلها الصاخب على الاحداث، وانفعالاتها التي لا تعبر عن اي وعي بالتاريخ وبتحولاته ومتغيراته ومساراته المستقبلية حتى انها تسقط في افخاخ ثقافة الاستبداد والمستبدين، كما نشهد ذلك في ما نسمعه على بعض الفضائيات العربية: عندما تتلقى هذه ما تسميه “نبض الشارع العربي”. وهو نبض، لا ارى فيه حياة ولا املاً، بل ربما صرخة النزع الاخير او حشرجة ما قبل الموت.

الكاتب: وجيه كوثراني

المصدر: النهار

(Visited 50 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

orfali

عن تحقيق “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الاوصاف وغرائب التشبيهات”

"مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الاوصاف وغرائب التشبيهات"

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification