الرئيسية / مقالات / التسامح، الحريّة، المؤسسات

التسامح، الحريّة، المؤسسات

image_pdfimage_print

al tassamoh

تبلور مفهوم التسامح في سياق تاريخي نظري محدَّدين، واكتسب دلالاته الأولى في قلب هذا السياق. فقد برزت ملامحه الأولى واستوت في إطار معارك الحروب الدينية والإصلاح الديني، واتخذت صورة واضحة في الفلسفة السياسية الحديثة خلال القرن السابع عشر، ثم تطور واتسعت دلالاته وتنوعت في القرن العشرين، وذلك في سياق تطور مبادئ وأجيال حقوق الإنسان، وكذلك في إطار تطور منظومات الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة.

يعرف المتابعون لحياة المفهوم نوعية التحولات التي ما فتئت تضفي عليه طبقات من المعاني، حيث يجري استعماله وتوظيفه بصور عديدة في الجدل السائد اليوم في خطابات الحداثة والتحديث، الأمر الذي يبرز مرونته من جهة، ويكشف من جهة ثانية إجرائيته في خطابات المنتديات الدولية المناصرة لمبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان.

توخينا من العناصر المكثفة أعلاه، وضع اليد على المرجعيات النظرية والحقوقية التي ساهمت في عملية تحولات الدلالة في مفهوم التسامح، وسنعمل في محاور هذه الورقة على توضيح ما ورد في صورة مركَّبة في الفقرتين السابقتين. إلا أننا قبل ذلك، نشير إلى أنّ ما سبق ذكره يندرج ضمن العناصر الأولى من ورقتنا، وذلك بحكم أننا سنخصص العنصر الأخير منها لمعاينة جوانب من كيفيات تلقِّي الفكر العربي المعاصر لمفهوم التسامح وما يرتبط به من مفاهيم الحداثة السياسية. صحيح أنّ فكرنا السياسي لم يتعرف على مفهوم التسامح ولم يقم بتوظيفه والتفكير بواسطته إلا في مطلع القرن العشرين، إلا أنّ صور استخدامه في ثقافتنا المعاصرة طيلة عقود القرن الماضي، منحته بدورها ظلالاً أخرى من المعاني، شحنته بطريقتها ومفردات لغتها بمعانٍ بعضها مُتضمَّن في أصوله، وبعضها تَحَصَّلَه بفعل الحمولة الدلالية لمفردات لغة أخرى تروم تمثله باستخدامه، مستهدفة إنجاز مهام تتطلبها سياقات توظيفه والتفكير بواسطته في إشكالات وقضايا مرتبطة بمجتمعات وثقافات أخرى، الأمر الذي نفترض أنه ساهم بصورة أو بأخرى في توسيع أو تضييق بعض دلالاته.

يتجه عملنا إذن لتركيب إحاطة نظرية بصيرورة تطور مفهوم التسامح، وذلك في سياق تطور منظومات في الفكر السياسي والتاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر، مع محاولة للتوقف في الآن نفسه على جوانب من مآلات المفهوم في التلقي العربي لمنظومة الحداثة السياسية، خلال مائتي سنة من أشكال تفاعل الفكر العربي مع منظومات الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي نعتقد أنه سيقربنا من أنماط توظيفه في فكرنا ومجتمعنا، وسيظهر حاجتنا الماسّة إلى روحه في المعارك التي نواجهها اليوم في مجتمعاتنا وثقافتنا السياسية.

التسامح، نشأة الدلالة وتطورها

يجمع أغلب دارسي مفهوم التسامح على صعوبة ضبط معانيه ودلالاته، ولا يتعلق بالدلالات الفلسفية الاصطلاحية، التي ارتبطت به خلال مراحل تشكله وتطوره سواء في المجال الديني أو في الفلسفات التي حاولت وضع حدود لمعانيه في القرن السابع عشر وما بعده، بل إنّ الأمر يتجاوز الدلالة الاصطلاحية نحو الدلالات اللغوية العامة التي تحملها مفردته. وقد بيَّن المفكر الفرنسي بول ريكور في المقاربة التي ركَّبها لمفردة تسامح Tolérance اعتماداً على بعض معاجم اللغة الفرنسية[1]، أنّ الطابع المبسط للدلالة كما تقدمها بعض هذه المعاجم، يساهم في مزيد من غموض المفهوم وصعوبته.

نواجه الصعوبة نفسها عندما نقترب من دلالة كلمة تسامح في المعاجم العربية، ونتبيَّن بعض جوانب هذه الصعوبة في الدراسة الهامّة لسمير الخليل المعنونة بـالتسامح في اللغة العربية[2]، حيث وضَّح الباحث في هذه الدراسة صور التناقض بين جذر كلمة التسامح ومفهوم التسامح، موضحاً أنّ استيعاب روح المفردة في سياقها النظري والتاريخي يتطلب عمليات تمثل وتوظيف يكون بإمكانهما حفر الدلالة الجديدة في رسم الكلمة العربية، ومن أجل ذلك يجب الاستمرار في امتحان المفردة بالتداول، لنقف على حدود الدلالات التي تُقرن بها.

ـ 1 في الأصول الأولى للمفهوم

تحيل مفردة Tolérance إلى ما يفترض أنه الحامل لمعناها باللغة العربية، نقصد بذلك كلمة التسامح أو التساهل أو الصفح، ويتم في الأغلب تداول المفردات المشار إليها عند التفكير في موضوع العلاقات بالآخر والآخرين في المجتمع وفي العالم. وعندما نفكر في السياقات التي أطَّرت تبلور ثم تداول وتطور مفهوم التسامح، نجد أنها نشأت في إطار الجدل اللاَّهوتي في أوروبا النهضة، حيث عملت الكتابات اللاَّهُوتية على إبراز أهمية الصفح على من يخالف تعاليم الدين والكنيسة، وذلك بعدم معاقبتهم.

اندرج هذا الموقف في سياق توجه إصلاحي عام، يتوخى رسم حدود للعقائد باعتبارها ترتبط بالإيمان الشخصي الحر. وقد هيأت هذه التصورات الإصلاحية الطريق الممهِّد لتيارات الإصلاح الديني، كما ساهمت بمحاذاة ذلك في بلورة نظر فلسفي جديد للتسامح في خطابات الفلسفة الحديثة.

يمكن أن نقول إنّ عاملين اثنين ساهما بطرق مختلفة في تشكُّل مفهوم التسامح، وإليهما يعود الفضل في منحه جوانب عديدة من الدلالات التي يحملها؛ الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم الاكتشافات الجغرافية وما ترتب عنها من جدل لاهوتي وأخلاقي، ذلك أنّ التسامح نشأ ليعكس جوانب من صور تفاعل الفكر الحديث مع التطورات العديدة، التي نشأت في القرن السادس عشر في قلب المجتمع الغربي، حيث تبلور المفهوم كمحاولة لصدِّ مختلف أشكال العنف السائدة في المجتمع، وخاصة في مجالات العقيدة الدينية.

نشأ مفهوم التسامح منذ بداياته في صلة وثيقة بمفهوم الحرية، وقد لا نتردد في القول إنّ قاعدة نشوئه النظرية تتمثل في مساعي الحرية المرتبطة في فجر المجتمعات الحديثة بمتطلبات الوعي الفردي والنزعة الفردية. صحيح أنّ مجال الظهور والتشكل تؤطره إرهاصات الإصلاح الديني، إلا أنّ ميدان استواء ملامحه النظرية يجد أرضيته في معارك حرية التفكير والتعبير والعقيدة.

ينتج عن ذلك جملة من المعطيات النظرية المرتبطة بالدلالة العامة للمفهوم، ومن بينها:

أ- ربط المفهوم بالحقوق الطبيعية، وقد تَمّ ذلك في سياق البحث له عن مسوغات فلسفية واضحة، إنه مثل الحق في الحياة والملكية والعقيدة.

ب- الحرص على طابعه العام والكوني، باعتبار أنه كُلٌّ غير قابل للتجزيء، ولا مجال فيه للمساومة أو التمييز.

ـ 2 التسامح وأخلاق الدولة المدنية

لقد حاول فلاسفة أوروبا بدءاً من نهاية القرون الوسطى تجاوز صور التداخل والاختلاط القائمة بين المجال الديني والمجالات الدنيوية، وتبلورت الملامح النظرية الأولى الداعية إلى الفصل بين المجالات المذكورة في تيارات الإصلاح الديني، ثم عملت بعد ذلك الفلسفات السياسية على إعادة بناء التصورات التي أغنت ودعمت خلاصات ونتائج الإصلاح الديني. نتبيَّن جوانب من روح هذا الموقف في فلسفة جون لوك وخاصة في مصنفيه: محاولة في الحكم المدني، ورسالة في التسامح.

نقرأ في رسالته في التسامح في مسألة الفصل بين مهام السلطتين المدنية والدينية ما يلي: “ومن أجل ألّا يسعى آخرون، بدعوى الدين، إلى أن يجدوا في الدين خلاصاً لما يرتكبونه من إباحية وانحلال، ومن أجل ألّا يفرض أحد على نفسه أو على غيره أي شيء تحت دعاوى الولاء والطاعة للأمير، أو الإخلاص والوفاء في عبادة الله، أقول إنه من أجل هذا كله، ينبغي التمييز بدقة ووضوح بين مهام الحكم المدني وبين الدين، وتأسيس الحدود الفاصلة والعادلة بينهما. وإذا لم نفعل هذا فلن تكون هناك نهاية للخلافات التي ستنشأ على الدوام بين من يملكون الاهتمام بصالح نفوس البشر من جهة، ومن يهتمون بصالح الدولة من جهة أخرى”[3].

دافع لوك في كتاباته السياسية عن ضرورة إقامة خط واضح وفاصل، بين الحكم المدني والمعتقد الديني. ذلك أنّ حالة المجتمع في تصوره تنشأ بهدف تأمين المصالح المدنية والمحافظة عليها وعلى تطورها. وتتمثل هذه المصالح في الحياة والحرية والملكية والصحة، في حين تظل الكنيسة بمثابة فضاء اختياري للالتقاء من أجل عبادة الله. وبناء عليه، يكون على الحكم في نظر لوك، تأمين الملكية العادلة، وضمان المصالح المدنية للبشر[4].

كانت مواقف لوك السياسية في مجملها مرتبطة بأشكال الصراع السياسي والديني، القائمة في إنجلترا وفي أوروبا على وجه العموم. وقد رتَّب انطلاقاً منها مجموع خياراته في الدفاع عن حق الحرية، ودفاعه عن الحريات الفردية وخاصة في المجال الديني.

تَمَّ النظر إلى مجمل أطروحات جون لوك في هذا الباب باعتبارها مواقف مثيرة للجدل، حيث تبنَّى لوك حماية التيارات والمذاهب الدينية من التدخل غير المشروع للحاكم المدني. ويعرف المهتمون برسالته في التسامح (1886)، أنه ركَّب دليلين اثنين في موضوع التسامح الديني، وذلك بطريقة برهانية، يتعلق الأمر بالدليل الأخلاقي والدليل المعرفي. بَيَّنَ في الأول منهما أنّ لكل فرد الحق في أن يعتقد أو لا يعتقد بملء حريته ودون خوف، وأنّ الحرية الدينية والشخصية مكفولة للجميع. كما وضَّح أنه لا حق للكنيسة في اضطهاد أي شخص بسبب عقيدته، مثلما أنه لا حق للسلطة المدنية بالتدخل في العبادات. أمّا في الدليل المعرفي، فقد وضَّح محدودية المعرفة البشرية أمام مجاهل الكون العديدة. وبناء عليه، يصعب علينا أن نتحامل على الآخرين لأنهم لا يعتقدون مثلنا[5].

يتضح هذا في تحديده الدقيق للدولة ووظائفها حيث يقول: “الدولة مجتمع من البشر يتشكل بهدف توفير الخيرات المدنية والحفاظ عليها، وتنميتها. وأنا أعني بالخيرات المدنية: الحياة، والحرية، والصحة، وراحة الجسم، بالإضافة إلى امتلاك الأشياء مثل المال، والأرض، والبيوت، والأثاث، وما شابه ذلك”[6].

اغتنى مفهوم التسامح في كثير من أعمال فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث نعثر على أعمال أُنجزت دفاعاً عن التسامح وما يتيحه من آفاق في تطور الفكر والمجتمع. فقد كتب بييربيل بحثاً في الدفاع عن التسامح أشار فيه إلى أنّ الخطر الأكبر الذي يواجه الديانات يتمثل في عدم تسامحها[7]، وهو الأمر الذي أبرزه لوك أيضاً، وهو يوضح أنّ مطلب التسامح يتطابق مع الحِسّ المشترك تطابقه مع تعاليم الإنجيل[8].

وقد ساهم فلاسفة مثل سبينوزا وروسو وﭭﻭلتير في إغناء وتطوير دلالات المفهوم وكذلك توسيع مجالات استعماله، ففي الفصل الأخير من نص سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة على سبيل المثال، يتحدث عن أسوأ مواقف الدولة معتبراً أنّ هذا الموقف يتمثَّل في نفيها لمن يختلفون معها في الرأي[9].

3 ـ التسامح ومنظومة حقوق الإنسان

ساهمت الفلسفة السياسية الحديثة في تلوين مفردة التسامح بألوان دلالية محدَّدة، وذلك في سياقات نظرية وتاريخية أضفت عليها وعلى معانيها طابعاً خاصاً، فأصبح من غير الممكن تداولها دون استحضار المعاني والسياقات التي منحتها الشحنة التي امتلأت بها. وقد عزَّز هذه الدلالة وزادها رسوخاً التوسيع الذي لحق مجالات استخدامها، نحن نشير هنا إلى صور توظيفها الجديدة في مواثيق وأدبيات حقوق الإنسان.

أصبح مفهوم التسامح من المفاهيم المركزية في مواثيق حقوق الإنسان، ومنذ إعلان 1948، الذي تَمَّ فيه التنصيص على حرية المعتقد والرأي والتعبير، بدأ العمل يجري في موضوع تفعيله في المنظمات الدولية، حيث أصدرت منظمة اليونيسكو إعلان مبادئ التسامح لسنة 1995، وتبنَّته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16 نوفمبر 1995 بباريس[10]. وقد دعا هذا الإعلان إلى ضرورة العمل على اتخاذ الإجراءات والتدابير الكفيلة بتجسيد وتعزيز التسامح بين الأفراد والمجتمعات[11].

ترتب عن استخدامه الحقوقي ما نعتبره نوعاً من تعميم دلالاته وتوسيع مجالات الاستفادة من المزايا الأخلاقية المرتبطة بروحه، وأهمها الطابع المنفتح على الآخر والآخرين الأمر الذي يفيد قبول الاختلاف والعيش في فضاءاته. يضاف إلى ذلك حرص المواثيق الحقوقية على الجمع بين التسامح والتعدد والديمقراطية والسلم، حيث تَمَّ شحن دلالة المفهوم بمعطيات نظرية جديدة مرتبطة بالمجال الحقوقي وسَّعَت معانيه، وساهمت في تقليص بعض الإيحاءات المتصلة بسياقات لحظة بروزه وانبثاقه، نقصد بذلك المعطيات ذات الصلة بالصراعات الدينية في أوروبا النهضة.

يترتَّب عن ذلك أنّ منظومات حقوق الإنسان نقلت مفهوم التسامح من حدوده اللاَّهوتية إلى فضاءات أرحب، فأصبح يعني اليوم الاحترام وقبول التعدُّد والاختلاف، وكذلك تنوع الثقافات وتعدُّدها في عالمنا. وقد تعزَّز هذا بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر، ولم يعد مجرد واجب أخلاقي، بل تعدَّى ذلك ليصبح واجباً سياسياً وقانونياً أيضاً. لقد تحول إلى قضية تساهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب، وضمن هذا السياق، تَمَّ تبنِّي يوم 16 نوفمبر من كل سنة كما أشرنا سابقاً كيوم عالمي للتسامح.

4 ـ نحو مأسسة التسامح

وضَّحنا أنّ نص جون لوك في رسالة التسامح (1689)، يُعدُّ علامة مركزية في تاريخ مفردة التسامح، فقد أبرزت هذه الرسالة أهم الدلالات التي ارتبطت بالمفردة، الأمر الذي منحها امتياز التعبير عن بعض معارك الحداثة في الفكر والمجتمع الحديثين. وقد حصل بعد ذلك نوع من التجاوز لتصورات الرسالة اللوكية في فلسفة الأنوار، حيث تَمَّ الانزياح قليلاً عن مرجعيتها المرتبطة بالإصلاح الديني والحروب الدينية، نحو أفق يمنح المفهوم فضاء أكبر للتحول، أفق يرتبط بفلسفات ومواثيق حقوق الإنسان. ونتج عن ذلك أن أصبح مفهوم التسامح يستوعب ويشير إلى وقائع ومعطيات لم تكن واردة ضمن شروط وسياقات تبلوره الاصطلاحي الأول، في إطار معارك الدولة والكنيسة في أوروبا الحديثة.

سمح التحول الحقوقي والسياسي في تقريب مفهوم التسامح من الآفاق الحداثية، الأمر الذي جعله يتخذ مظاهر ذات صلة وثيقة بالحريات الفردية، حيث أصبح يساهم في تعزيز قيم الحداثة والتحديث. وضمن هذا السياق، بدأ المفهوم يبحث لنفسه عن سياق مؤسسي يضمن له إمكانية الأجرأة التي تتيح له مردودية اجتماعية.

إنّ التحول الذي عرفه مفهوم التسامح في القرن العشرين يعبّر عن المكاسب التي لحقت به استناداً إلى التفاعل الذي حصل بينه وبين أجيال حقوق الإنسان، إضافة إلى التأثير الذي فرضه تطور المنظور السياسي الليبرالي الجديد، حيث تبلورت جملة من التيارات السياسية الهادفة إلى دعم مجتمعات التعدد والاختلاف. وإذا كانت ليبرالية كلّ من توكفيل وستوارت ميل تقبل مبدأ تعدُّدية تصورات الخير داخل الثقافة الديمقراطية، شريطة احترام مبادئ هذا التعدُّد، فقد تجلَّى هذا الموقف بصورة واضحة في أعمال راولز على سبيل المثال لا الحصر، حيث تبنَّى في نظريته في العدالة مفهوم التسامح وربط بينه وبين الحرية والديمقراطية والمؤسسات.

تتمتَّع أعمال راولز اليوم بحضور متميز في فضاء الفلسفات السياسية والاجتماعية والأخلاقية في مختلف دوائر الفكر المعاصر، بسبب اختيارها منطقاً معيناً في البحث، يقارب الأسئلة الأخلاقية من منظور سياسي، فهو يحاول تجاوز المنظور الأخلاقي والميتافيزيقي، ليجعل منظومة القيم مفتوحة على أسئلة المجتمع والتربية وحقوق الإنسان، إضافة إلى قضايا العصيان المدني والديمقراطية.

ينطلق راولز في تركيب تصوُّره السياسي للعدالة من النظر إلى المجتمع من منطلق أنه بنية معقدة، يحكمها نظام في توزيع الخيرات يمنح الأفراد والجماعات نسباً معينة من الخيرات والمنافع الأولية (الموارد المادية والرمزية)، أي يمنحها كلّ ما يعزز الشخصية الاعتبارية للأفراد، مثل الحرية وتكافؤ الفرص والثروة. وبناء عليه، يرى راولز أنّ مهمة المقاربة السياسية تتحدَّد في تركيب تصور يسمح بتقسيم مجموع الخيرات بين مختلف الجماعات المتعارضة والمختلفة فيما بينها[12].

يتجه المنظور الليبرالي الجديد إلى إصلاح وتنظيم المؤسسات، ويهتم رواده ومؤسسوه بإعادة التفكير في مفهوم التسامح من زاوية عقلانية، ودون ربط التفكير فيه بمسألة ترتيب ما يضمن حمايته، أو التفكير في سياقاته الاجتماعية والجماعاتية واللغوية والدينية والاقتصادية[13].

لن تحصل حماية روح التسامح وفضائله إلا بتوفير مؤسسات راعية وحاضنة، مؤسسات يكون بإمكانها أن تَصُدَّ الإكراهات والعوائق، لتصنع فضاء يمنح الأفراد المساواة والحرية وممارسة الاختيارات التي تُفضي إلى التسامح. ونحن نفترض أنّ بناء مؤسسات في هذا الباب يتطلب جهوداً مضاعفة، حيث يبدأ العمل بمواجهة المؤسسات الرافضة لقيم التسامح، ثم بناء المعايير والإجراءات القابلة للمأسسة، الأمر الذي يبرز أنّ المجتمعات التي تبلور في تاريخها مفهوم التسامح ما تزال في بداية الطريق في موضوع مأسسة المفهوم.

5 ـ في كيفيات تلقّي الفكر العربي لمفهوم التسامح

قد لا نجانب الصواب، إذا ما اعتبرنا أنّ أول دفاع عن التسامح في الخطاب السياسي العربي المعاصر، تبلور على صفحات مجلة الجامعة، التي كان يشرف على تحريرها فرح أنطون، وأنّ الفضل يعود إلى هذا المصلح بالذات في تقديم محتوى المفهوم وإبراز أهميته، وذلك في إطار تأويله وتقديمه لمنظومة الحداثة السياسية الغربية، كما صاغتها الفلسفة الليبرالية[14].

فمنذ ما يقرب من قرن من الزمان، وبالضبط في سنة 1902، وظَّف فرح أنطون مفهوم التسامح – وكان يرادفه بلفظ التساهل – لإبراز أهمية محتواه، كحاجة ملازمة للتحرر من الانغلاق والتعصب ومعاداة الآخرين.

لم تكن محاولة فرح أنطون سهلة، وقبله لم تكن جهود الطهطاوي في نقل وترجمة المفاهيم السياسية الليبرالية والقوانين الوضعية متيسرة، رغم أنّ هذا الأخير كان يحاول في أعماله الفكرية، الاستجابة لمطالب دولة في طور التأسيس (دولة محمد علي في مصر)، والبحث لمفاهيم المنظومة الليبرالية عن مقابلاتها في التراث، مقابلاتها الاصطلاحية، وما يحتمل أن يشكل مقابلاً لهذا المحتوى. أمّا فرح أنطون فقد اختار واحدية المرجعية الغربية، متبنياً محتواها، باعتباره أفقاً فكرياً جديداً غير مسبوق، إنه نتاج الحداثة السياسية، كما بلورتها جهود فلاسفة الأنوار، ومن سبقهم من رواد ومؤسِّسي الخطاب السياسي الليبرالي في القرن السابع عشر.

وربما لهذا السبب بالذات تصدَّى محمد عبده لمقالات فرح أنطون في مجلة الجامعة، حيث ترتّب عن السجال بينهما في موضوع الاضطهاد في الإسلام والمسيحية، كتاب محمد عبده الشهير الإسلام والنصرانية.

في الصفحات التي كتبها فرح أنطون عن ابن رشد وفلسفته، ثم في موضوع الاضطهاد في الإسلام والمسيحية، ذهب إلى تمجيد مفهوم التسامح، كما تبلور في الفلسفة الحديثة بروح متحمسة، دون أدنى احتراز نظري أو تاريخي. بل إنّ مرماه الإصلاحي دفعه إلى التحمس لمحتوى المفهوم، وإضفاء مسحة جديدة عليه. وقد برز ذلك في الأمثلة المتعددة التي كان يحاول بواسطتها تقريب المفهوم وروحه، والدفاع القوي عن أهميته في حياتنا المعاصرة، وذلك من أجل أن نتمكن في نظره من استيعاب مقتضيات الحداثة السياسية، باعتبارها المدخل الرئيس للنهضة والتقدم.

ارتبط دفاع فرح عن التسامح بدعوته إلى العلمانية، كما ارتبط بدفاعه عن مبدأ النسبية في مجال المعرفة. ومعنى هذا أنّ تبلور المفهوم في خطابه الإصلاحي ارتبط بسياق أعم، يتعلق بمحاولة إنجاز تعريب للمنظومة الليبرالية، وذلك في سياق ملابسات تاريخية ونظرية ترتبط بمناخ الفكر الإصلاحي، في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وهذا الارتباط يدلّ من جهة على وعي فرح أنطون بترابط مفاهيم منظومة السياسة الليبرالية، كما يدلّ من جهة ثانية على عدم وعيه بأهمية الشرط التاريخي كخلفية مؤطرة ولاحمة له. ومن هنا غربة النص الذي كتب عن الزمن الذي تبلور فيه.

وباستثناء جهود فرح أنطون في إضاءة مفهوم التسامح، وهي الجهود التي غذَّت الخطاب الليبرالي العربي بشحنة دلالية ذات مرجعية غربية، نجد أنّ ملامح المفهوم غائبة تماماً عن لغة الخطاب السياسي العربي المعاصر.

صحيح أنّ مفكري النهضة، من ذوي التوجه التغريبي الليبرالي، اعتنوا بمفاهيم المنظومة الليبرالية المرتبطة بمفهوم التسامح، من قبيل الحرية والمواطن والمساواة والدستور وغيرها، إلا أنّ مفهوم التسامح بالذات ظلّ في حكم الغائب، أي في حكم اللاَّمفكَّر فيه في الثقافة السياسية العربية المعاصرة.

وصحيح أيضاً أنّ معارك كتابي “الإسلام وأصول الحكم”، و”في الشعر الجاهلي”، استدعت المفهوم بصورة غير مباشرة، وأنها كانت تستدعي روحه في الأغلب الأعم، ولا تستحضر منطوقه ورسمه، إلا أنّ هذا الحضور لا يسعفنا بِتَبَيُّنِ معطيات نظرية يُمكن أن تفيدنا في صياغة بعض الجوانب والأبعاد الخاصة بتجربتنا التاريخية والنظرية، في مجال مواجهة التعصب الفكري والتصورات المطلقة والمغلقة، من أجل الدفاع عن حرية الفكر وحرية الرأي والعقيدة. هل نستنتج من هذا أنّ معركة الفكر العربي في الدفاع عن التسامح كقيمة أخلاقية وحضارية ما تزال قائمة ومطلوبة؟

نعم إننا نعتقد ذلك. فكثير من المعارك القائمة، في أكثر من قطر عربي، في المستوى السياسي وفي المستوى العقائدي، وفي المستويات المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان، تؤشِّر على حاجتنا الملحَّة لفتح جدال في موضوع التسامح.

لا ترتبط حاجتنا في المجتمع والفكر العربيين إلى التسامح كفضيلة عقلية وأخلاقية، نقول إنّ هذه الحاجة لا ترتبط فقط بميراث نظري وتاريخي محدَّدين، بل إنها ترتبط أولاً وقبل كل شيء بحاجتنا الفعلية والتاريخية اليوم لمحتواه. ففي حاضرنا كثير من مظاهر الانغلاق والقهر والتعصُّب والإقصاء، وهو ما يستلزم استحضار المفهوم باعتباره وسيلة من وسائل الدفاع عن التعايش، والإقرار بالاختلاف، والاعتراف بالحرية، كقيمة لا تقبل المساومة.

عود على بدء

لا يمكن القول، بناء على ما سبق، إنّ الدعوة إلى التسامح، أو العناية به كمفهوم في سياق تطور الفكر السياسي، في الثقافة العربية، أو في مجال الفلسفة السياسية الغربية المعاصرة، يُعدُّ من باب الاهتمام العارض أو المؤقت، أو الاهتمام المرهون بمعارك سياسية محدَّدَة.

إنّ مشكلات الغرب المعاصر في علاقته بمستعمراته السابقة، وفي علاقته بالأقليات المتعايشة معه، وفي رؤيته لكثير من قضايا المجتمع الدولي، وبؤر الصراع المنتشرة في العالم، تُبرِز كثيراً من مظاهر اللاتسامح، إن لم يكن التعصب الأعمى، حيث يشكِّل عدم الاعتراف بالآخر وعدم الاعتراف بالخصوصيات التاريخية والثقافة والكيل بمكيالين، صفات ملازمة لكثير من خطابات الغرب، رغم تناقض هذه الخطابات مع الأسس والمبادئ والفلسفات التي قامت عليها الحضارة الغربية.

لم يستطع الغرب إذن في سلوكه الفعلي المباشر، تمثُّل روح التسامح، ولم تمكنه دروس تاريخ الفلسفة السياسية من لوك إلى ﭬﻮلتير إلى راولز وأمارتيا سن، ودروس تاريخ العلم المبلورة لمبدأ النسبية في المعرفة، من الاعتراف بالآخر، بصورة تتجاوز المفارقات التي ولَّدها تاريخ الغرب المعاصر في علاقته بالآخرين، في إفريقيا وآسيا وباقي قارات العالم. وإذا كانت حصيلة النظر الأخلاقي المتمثلة في المواثيق والعهود المتعلقة بحقوق الإنسان، قد بلورت من الشرائع والمبادئ والقواعد ما ينبئ عن جهود في الفكر السياسي لا تُضاهى، فإنّ الأفعال والمبادرات والمواقف وردود الفعل القائمة في الواقع، تكشف وجود تناقضات مرعبة بين النظر والممارسة، حيث تعكس الممارسات تراجعات رهيبة عن منطوق وروح المبادئ والشرائع المعلنة.

ينطبق الشيء نفسه على واقع المجتمعات العربية. ومن هنا نستنتج أنّ معرفة التسامح ما تزال مفتوحة. صحيح أنّها دُشِّنَت في مطلع هذا القرن في السجال الذي دار بين فرح أنطون ومحمد عبده، وأنّها تُستأنف اليوم في المعارك الفكرية والسياسية التي تطالب بفتح باب الاجتهاد، في مجال دراسة الظواهر التراثية، فهل نستطيع القول اليوم إنّها معركة لم تعد قابلة للتأجيل؟ وإنّ معطيات متعددة في الراهن العربي تقتضي بلورة اجتهادات جديدة تمكِّننا من استثمار الدلالة الرمزية والمفتوحة للمفهوم؟

إنّ ذلك ما نعتقده فعلاً، وفي هذا الإطار نُدرج هذه المحاولة.

كمال عبد اللطيف
المصدر: مؤمنون بلا حدود

(Visited 157 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Salonika

الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification