عبد الكريم سروش والتعارض بين الخاتمية والإمامة الشيعية

بقلم:د. هيثم أحمد مزاحم*– خاص بموقع حوارات —

تشهد إيران منذ أكثر من عقد حراكاً فكرياً داخل الأوساط الدينية الحوزوية والأكاديمية، وخصوصاً في حوزة قم، حيث ينبعث علم الكلام من ركوده وينبثق علم كلام جديد، يعيد بحث أبرز القضايا التي أثارها المعتزلة والأشاعرة والإثناعشرية في العصر العباسي، وخصوصاً بشأن العدل والنبوة والقرآن والوحي والإمامة والعصمة والمهدوية. فقد أثار المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، وهو أحد منظّري الإصلاح الديني في إيران، خلال محاضرة** له في حشد من الجامعيين الإيرانيين في جامعة السوربون في باريس عام 2005، مسألة العلاقة بين خاتمية النبوة والوحي والعلاقة بين التشيّع والإمامة والديموقراطية، وهي أفكار أثارت ردوداً من بعض علماء ومفكّري الشيعة في إيران، سنحاول عرض أبرز مضامين هذا الجدل في هذه المقالة. ويسجّل لهذه السجالات أنها تتصف بالنقاش العلمي والموضوعي وتجنّب التكفير والتفسيق.
يؤكد سروش أن التشيّع ليس ديناً في مقابل الإسلام، بل إنّ التشيّع والتسنّن قراءتان عن الإسلام، إذ كان هناك من الصحابة من فهموا كلام النبي على نحو، فكوّنوا أقلّيّة عرفت باسم التشيّع. وكان هناك جماعة أخرى فهمت كلام النبي على نحو آخر، فعرفت بالتسنُّن. ويوضح أنه لا يسعى إلى ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى.
ويعتبر سروش أن الجدل بين المفكرين الدينيين في إيران قد تجاوز مرحلة الحديث عن الإسلام الثوري، بعدما نجح المفكِّرون المستنيرون ، وعلى رأسهم الدكتور علي شريعتي، في التقريب بين الإسلام والثورة. وتم تجاوز المرحلة التي كان الصراع فيها محتدماً بين اليسار واليمين، ولم يعد مطروحاً في صلب القضايا الاجتماعية.
كما يرى أنه تم تجاوز مرحلة استخراج الديمقراطية من الإسلام وأن الذين يرومون استنباط الأصول الديموقراطية من الإسلام من المتنوِّرين والمفكرين المسلمين (في إيران وتركيا والعالم العربي وغيره) لا يشكِّلون سوى الأقلية، إذ جرى التوصّل إلى إجماع يثبت أنّ هذه المحاولة محكومة بالفشل وعلينا العودة إلى المسار الصحيح. فما هو المسار الصحيح؟ يقول سروش إنه تحديد الجانب المظلم، أي لا ينبغي بنا مواصلة بعض الأفكار، لأنها لا تؤدي بنا إلا إلى السراب. ويضيف إنّ الحضارة الإسلامية هي حضارة الفقه والحقوق، دون الفلسفة، وإنّ الذهنية الفقهية قد زوّدت المسلمين بذهنية تشريعية وقانونية. لكنها ذهنية تكليفية، بحيث على المسلم أن يهتمّ بالقرارات الشرعية في حياته وعمله ومأكله وملبسه وسائر الأمور والأحوال.
ويذهب سروش إلى أن الفقه علم تكليفي النزعة، لكن لم يرِدْ فيه كلام عن الحقوق. فسنّ البلوغ يعرف بسنّ التكليف، ولكن لم نسمع عن سنّ يُعرف بسنّ الحقوق، فكفّة التكليف تعلو في الفقه على كفّة الحقوق. في حين أنّ العالم الحديث يعرّف الإنسان بوصفه كائناً محقّاً(ذا حقوق). إذاً لا بد هنا من إيجاد موازنة بين الحق والتكليف، وعلينا أن نقيم مثل هذا التوازن.

مفهوم الولاية عند الشيعة والسنّة
يرى سروش أن هناك الكثير من المشتركات بين التشيُّع والتسنُّن، ولكن ثمة ما يميِّز أحدهما عن الآخر. فهناك مفهومان رئيسان في التشيع لا نجدهما في التسنُّن بالمستوى نفسه: الأول هو مفهوم الولاية، أي إنّ خصوصية النبي تستمر حتى بعد وفاته، وذلك في أفراد محدّدين، وليس في كلّ فرد. إنّ مفهوم التصوّف القائم على الولاية موجود عند أهل السنة أيضاً بالقوّة نفسها الموجودة في التشيّع، ولا فرق بينهما في ذلك. أي إنّ المتصوِّفة من أهل السنة ـ مثلاً ـ ينظرون إلى جلال الدين الرومي بوصفه إنساناً مقدّساً، وولياً من أولياء الله. فعلم العرفان في حقيقته هو علم الولاية، وليس له أيّ معنىً آخر، بحسب سروش. والولاية تعني الولاية الإلهية، ولها جذور قرآنية، قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾. وهذا يعني أنّ العلاقة القائمة بين المؤمنين وبين الله هي علاقة الولاية، وهذا المفهوم كامن في العرفان نفسه. فما معنى علاقة الولاية بين الله والمؤمنين؟ ومن أين نشأ مفهوم الولي؟ وما هي خصائص الإنسان الولي؟ ومَنْ يكون هذا الإنسان؟
هذه هي الأسئلة التي بحثت طوال التاريخ الإسلامي، وبرز فيها العالم الصوفي محيي الدين بن عربي، وعمد الآخرون إلى كتابة شروح مفصلة على كلماته، حتى غدا علماً ثرياً، سواء في نظمه ونثره. وعليه فإن معرفة الولاية موجودة لدى متصوّفة السنة بنفس القوة والحماسة الموجودة عند الشيعة، مع فارق أن الأولياء عند الشيعة محدَّدون بأسمائهم، وعرفوا بوصفهم ورثة النبي، وهم الذين يعرفون بأئمة أهل البيت المعصومين.
يقول سروش إن أئمة الشيعة قد أعطيت لهم مكانة تكاد ترقى إلى مكانة النبيّ نفسه، الأمر الذي أحدث إرباكاً في مفهوم خاتمية النبي. وهذه مسألة في غاية الحساسية، وينبغي إيجاد حلّ لها، سواء انتمينا إلى التشيّع أم لم ننتمِ إليه. ويؤكد سروش أن القرآن صريح في إثبات خاتمية النبي، فهو آخر الأنبياء، ولن يبعث نبيٌّ بعده، وأن خاتمية النبي من المسائل التي حازت إجماع المسلمين. لكن الشيعة أعطوا أئمتهم مقاماً ومنزلة يقربان من مقام النبي ومنزلته. وهذا ما يجعل مفهوم الخاتمية عند الشيعة هشاً وضعيفاً، “وذلك لأنّ لأئمة الشيعة حقّاً في التشريع، فيمكنهم أن يبيّنوا حكماً لم يبيّنه النبي، وينسبون ذلك الحكم إلى الله، في حين أنّ هذا الحق منحصر بالنبي الأكرم، ولا يحقّ لأيّ عالم أن يضطلع بهذا الدور، فإنّ حق التشريع من مختصات النبي، حيث كان مأموراً، وكان يُوحى إليه”.
ينتقل سروش إلى مناقشة مصادر الشريعة عند السنّة والشيعة، وتأسيس علمي الفقه وأصول أهل السنّة، حيث ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الأحاديث الصحيحة المروية عن النبي لا تبلغ العشرين حديثاً، ومع ذلك أسس علم الفقه من خلال سبعة عشر حديثاً، بالإضافة إلى آيات الأحكام التي هي بدورها محدودة للغاية.
أما عند الشيعة، – يقول سروش – “فالأمر مختلف تماماً، حيث إن المصادر عندهم غير محدودة، ولا يمكن إحصاؤها. فقد كان للشيعة مصادر ترقى إلى رتبة النبي، بمعنى أنهم إذا سمعوا حديثاً عن الإمام الحسين، وعن الإمام علي، وعن الإمام جعفر الصادق، وعن الإمام الباقر، فهذا يعني أن النبي هو الذي قالها. إنّ الإمام الصادق وسائر الأئمة عند الشيعة ليسوا من الفقهاء، وإنّ ما يقولونه هو حكم الله،… وطبعاً لا يقول الشيعة بأنّ أئمتهم محلٌّ لنزول الوحي، ولكنهم يستخدمون تعبيراً آخر، حيث يقولون: إنهم محدَّثون، وإنه يتمّ إيصال الحقائق إليهم بنحوٍ من الأنحاء، وذلك كي يميّزوهم عن النبي، مع إعطائهم نفس شأن النبي، فيثبتون لهم العصمة مثل النبي تماماً، وإنّ كلامهم مساوٍ لكلام النبي والقرآن، وتترتب على إنكارهم، وسبّهم، وإهانتهم، نفس ما يترتب على إنكار النبي وسبّه من أحكام الردّة والقتل؛ وذلك لأنهم يحملون الولاية الإلهية. وإن نفس الولاية الثابتة للنبي قد انتقلت إليهم، وإنهم يتمتعون بنفس مرتبته ومنزلته المعنوية والروحية”.
أما أهل السنّة فمهما بالغوا في تقديسهم لأبي حنيفة إلا أنهم لا يرونه معصوماً، ولا يرونه حاملاً للولاية الإلهية، ولا يرونه بمنأى عن الانتقاد والاعتراض. وقد عمد الغزالي إلى انتقاد أبي حنيفة، حيث قال: “إذا كان الكلام كلام القرآن والنبي فهو، وأما إذا كان دون ذلك فهم رجال ونحن رجال”.

بين الولاية والخاتمية
من هذا المنطلق يرى سروش أن ثمة اختلافاً جوهرياً بين الشيعة والسنة في مسألة الولاية، وتعارضها مع مفهوم الخاتمية. ويقول “إنّ الفهم الموجود حالياً عند الشيعة في إيران لمعنى الولاية فيه غلوٌّ، ويؤدي إلى نفي الخاتمية، وهو الذي سمّاه الدكتور علي شريعتي بالتشيُّع الصفوي. وهو نمط من التفكير الأخباري، أي إنّ فقه الاجتهاد لا يقوم على معناه الواقعي، وإن الإخباريين الذين تمّ طردهم ولعنهم في يومٍ ما قد أطلّوا برؤوسهم من مكان آخر، واستولوا على جميع الحوزات العلمية، حيث يستعمل اسم الاجتهاد، ولكننا لا نرى في الحوزات العلمية شيئاً سوى التقليد”.
والفارق الآخر بين المدرستين يكمن في مفهوم المهدوية، والذي هو استمرار للإمامة والولاية، حيث يؤمن الشيعة بأنّ آخر أئمتهم المعصومين الإثني عشر لا يزال حياً، وأنه سيظهر في يومٍ ما، وأنه لا يترك الشيعة حتى وهو مختفٍ في غيبته، وأنه حاضر بنحو من الأنحاء. ويعتقد العامة أنّ المجتهدين يحظون برعاية هذا الإمام الغائب، ويهتدون ويُعصَمون به، وإذا بلغ أحدهم مقام المرجعية فإنّ الإمام الغائب هو الذي يؤيِّد مرجعيته. ويقصد سروش بكلمة عوام الشيعة علماءهم أيضاً، “لأنهم يتبعون العوام في ذلك. كما أنّ العوام يتعلمون هذه الأمور منهم”.
إن الشيعة يعتقدون أنّ الفترة الذهبية ستتحقق عندما يظهر الإمام الغائب، ويقيم الحكومة العالمية، فيقوم بتصحيح الانحراف الذي طرأ على الإسلام، ويقيّم العوج. وهي فترة كان يحلم بها جميع الأنبياء، وقد وعدوا بها أتباعهم. وما نعيشه حالياً هو مقدمة لذلك الظهور النهائي، ومن بين الشعارات التي رفعت في مستهل قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية “أنّ هذه الجمهورية قد جاءت لتوفير مقدّمات ظهور الإمام الغائب، ودفع هذه الراية إلى صاحبها. وهذا ليس بالشيء القليل؛ لأنّ هذه الأفكار تهدف إلى مخطَّطات كبيرة، وتلعب دوراً تاريخياً خطيراً”، بحسب تعبير سروش. ولذلك يعمد إلى مناقشة هذه الأفكار وبحث علاقتها بالسياسة. ويعتبر أنه يمكن استنباط أمرين من مفهوم الإمام الغائب:
“الأول: إضفاء قداسة على التاريخ غير العلماني، بمعنى أن العالم قد تمت هندسته بشكل تتمّ السيطرة عليه من جهة عليا، وأنه سيؤدي في النهاية إلى ظهور رجل من سلالة الأنبياء على صفحة التاريخ، بعد الهيمنة الكاملة للنظام العلماني، ويعيده إلى النظام الديني. فالزمان مقدس، والتاريخ مقدس، وهناك من ورائهما يد الله المتصرفة في أمور الكون والتاريخ. وهي الأفكار التي سعت العلمانية إلى محوها واجتثاثها.
الثاني: إنّ مفهوم الغيبة أفضى بدوره إلى مفهوم الغصب، بمعنى اغتصاب الحكم والحق في السلطة. وكما تعلمون فإنّ فقهاء الشيعة يذهبون إلى اعتبار كلّ حاكم في عصر الغيبة مغتصباً لحقّ ثابت للإمام، مهما كان ذلك الحاكم عادلاً”.
يقول سروش إنّ مفهوم الغصب في الفقه الشيعي مفهوم واسع، وذلك بسبب قصة إمام العصر، ولأنّ الحكومة من جملة حقوقه. وإنّ كلّ من يرتقي عرش السلطة لا بدّ أن يكون بتوكيل من الإمام، وعندها يكون الحاكم هو الإمام، أو من دون توكيله، فيكون غاصباً على كلّ حال، سواء أكان عادلاً أم ظالماً”.
ويثير سروش التساؤل حول نسبة هذه المفاهيم الشيعية إلى السياسة والديمقراطية. وينقل أن لإقبال اللاهوري كتاباً بعنوان “إحياء الفكر الديني في الإسلام” يقول فيه “إنّ ختم النبوّة يعني أننا أصبحنا في حِلٍّ من الإلهام السماوي، وأنه لن يأتي بعد الآن من يدَّعي أنه مرسَلٌ من قبل الله. وحينما جاء العقل الناقد والعقل الاستقرائي تمّ إغلاق بوابة الوحي”.
وقد أشار إقبال اللاهوري إلى المهدوية. واعتمد في هذا الجزء من كتابه على ابن خلدون، الذي نقل جميع الروايات الواردة في الإمام الغائب ورفضها. وأوضح إقبال: “إننا إذا قدّسنا التاريخ، وقلنا بوجود مهدي يحمل صفات النبي، فإننا سنحرم من فوائد الخاتمية؛ لأنّ فلسفة الخاتمية تهدف إلى بلوغ الإنسانية مرحلة التحرُّر، وإننا بقولنا بوجود مهدي يأتي في آخر الزمان يحمل مواصفات النبي نكون قد نقضنا ذلك التحرُّر”.
من هنا يرى سروش أن على الشيعة أن يحلّوا معضلة الجمع بين المهدوية وفكرة التحرُّر والديمقراطية.

الدولة الإٍسلامية في ظلّ مفهوم المهدوية
يرى الشيعة الإثناعشرية أنّ كلّ حكومة، بما فيها هذه الجمهورية الإسلامية، ما هي إلا ممهدة لحكومة المهدي العالمية، وأنها قبل أن تفكر في المصالح العامة تفكر في الإعداد لذلك الوعد النهائي، أي إنها من هذه الجهو شديدة الشبه بما يجري في إسرائيل. فقد قام وجود إسرائيل على ظهور المسيح في آخر الزمان، وأنه يجب إعداد بيت المقدس لتلك المرحلة، وأن اليهود يعملون على إعداد الأرضية لعودة المسيح.
يقول سروش إنّ الحكومات لا تخرج عن واحد من نوعين، فهي إما حكومات منبثقة عن الناس، وتسعى إلى ضمان مصالحهم الراهنة؛ وإما حكومات تعمل على تحقيق وعد يأتي في آخر الزمان، وترى انحصار رسالتها في إنجاز هذه المهمّة. ويرى أن الاعتقاد بالمهدوية، أو بتلك الشخصية المسيانية الموجودة في اليهودية والمسيحية، يجعل معنى الحكومة وإدارة الدولة والعالم مختلفاً، وسيكون للحكم مفهوم آخر، وسيكون مختلفاً عن الحكومات العلمانية والديموقراطية. وعندها يحظى مفهوم غصب السلطة بأهمية قصوى، وستكون هناك أصالة لعدم التعاون مع الحكومات غير الدينية، والتي لا تقوم على مفهوم الولاية. ومن هنا سيقع التعارض بين الديموقراطية وفكرة المهدوية، واضمحلال الخاتمية.
يعطي سروش مثالاً على ذلك مصير مهدي بازركان الذي كان مصداقاً لهذا التعارض الباطني، فهو كان أول رئيس للوزراء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان يفكر في الحكومة ضمن الأطر العلمانية، بمعنى الحكومة غير المقدّسة، التي تسعى إلى تنظيم حياة الناس، من القيام بتعبيد الطرق، ومد الجسور، وإقامة السدود، وبناء المصانع، وما إلى ذلك. ومع ذلك فإنه أضحى رئيساً للوزراء في دولة ترى قداسة لعملها ولأشخاصها، ويرون أنفسهم ممهِّدون للموعود النهائي الذي يأتي في آخر الزمان، وكان شعارها: “اللهم إحفظ لنا الخميني إلى ظهور المهدي”. وكان لا بدّ لهذه الثنائية من الانفصال، حيث لا يمكن الجمع بين رؤية لا تؤمن بقداسة الدولة ورؤية تسير على العكس منها تماماً. وهناك فرق بين الرؤية التي تعمل لمصلحة العامة، والرؤية الأخرى التي لا تفكر إلا في التمهيد لموعود تاريخي. ولا يمكن الجمع بين تينك الرؤيتين. كان من السهل على علي شريعتي أن يخاطب مستمعيه ذات يوم قائلاً لهم: “إنّ مذهب الانتظار هو مذهب المعارضة، ونحن حيث ننتظر المهدي الموعود فإنّ هذا الانتظار يساعدنا على مواصلة الاعتراض، وعدم الرضوخ لأيّ حكم، والوقوف بوجهه”. وقد حقق هذا المفهوم نجاحاً بحسب الظاهر. ولكن إذا كان الانتظار عبارة عن اعتراض فهل الاعتراض هو مذهب الحرية؟ وهل هو مذهب الديموقراطية؟ يتساءل سروش. لكنه يستبعد إمكان الربط بين هذه المفاهيم في الوقت الراهن بسهولة، ويعتبر أنه يجب القيام بثورة جهادية أخرى.
نقد الشيخ بهمن بور لآراء سروش
هذه الأفكار أطلقت حواراً بين سروش والشيخ محمد سعيد بهمن بور نشر في مجلة “نصوص معاصرة” في العدد الحادي والعشرين. فقد كتب بهمن بور رسالة نقدية إلى سروش قال فيها إن محاضرتكم حول العلاقة بين الديموقراطية والتشيّع، التي سعيتم فيها جاهدين إلى إظهار استحالة الجمع بينهما، دعتني إلى التأثر والعجب في وقتٍ واحد؛ لأنها لم تقدّم أية خدمة للديمقراطية، ولم تقدّم أية حقيقة عن التشيّع، ولم تحلّ عقدة من العقد السياسية في إيران.
وتساءل بهمن بور عن الغاية التي يروموها سروش من تهجّمه على أصول العقائد الشيعية، خدمة الشعب الإيراني أم خيانته؟ قيام الديموقراطية في إيران أم لا؟ وما إذا كان سروش يريد حلّ عقدة من عقد هذه الدولة أم يريد أن تضيف عقدة أخرى إلى عقدها؟ ويستنتج بور بهمن أن سروش يخلص إلى القول “إن الشعب الإيراني ما دام متمسكاً بتشيّعه فعليه أن لا يحلم بالديموقراطية، وأن هذه الغاية المثالية لا تنسجم وهذه العقيدة، وأنه إذا تسنى لسائر المسلمين الفوز بهذه الجوهرة فلن يكون نصيب الشيعة منها سوى السراب، وأنه إذا حصل وتحققت الديمقراطية في مرحلةٍ ما فإنما ذلك ببركة أبي حنيفة وابن خلدون وإقبال اللاهوري!”.
أما بشأن ما ذكره سروش عن التعارض بين خاتمية النبي وولاية الأئمة، فيعتبر بهمن بور أن ما هو مبثوث في الكتب الكلامية والروائية يثبت أن لا تعارض بين الأمرين. ويقول إن أئمة الشيعة لا يشرّعون، وإنما هم يفسِّرون ويبيِّنون. وهو يستغرب كيف يقرّ سروش الولاية لأمثال جلال الدين الرومي، ويبخل بها على أئمة أهل البيت، ويرى انحصارها بالنبي فقط، مذكراً إياه بقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
ويسأل بهمن بور سروش إن كان القضاء على نظرية ولاية الفقيه يحتاج كلّ هذه المؤونة، بحيث لا يتأتى له ذلك إلا من خلال إلغاء ولاية المعصومين وأئمة الشيعة؟ كما يستغرب كلام سروش بأن الإيمان بالمهدوية يتعارض مع المصلحة العامة والديمقراطية، ويذكّره بأن الاعتقاد بالمهدوية ليس ممّا تفردت به الشيعة، حيث تذهب إليه الأغلبية الساحقة من أهل السنة، ولا يمثل ابن خلدون، الذي يخدش في أحاديث المهدي، إلا حيّزاً ضيّقاً في أهل السنة، وهناك منهم من لا يحفل بالأحكام التي يصدرها ابن خلدون في ما يتعلق بالحديث.
ويأخذ بهمن بور على سروش بأن الولايات المتحدة، التي تعتبر مهد الديمقراطية، يعتقد الغالبية فيها من المسيحيين أنهم من الممهدين لعودة المسيح واستقرار الملكوت السماوي على الأرض، وأن إسرائيل التي تنتظر المسيح كذلك هي الدولة الوحيدة التي تُعرَف في الغرب بوصفها نموذجاً للديمقراطية في الشرق الأوسط. ويتحدى بور بهمن سروش أن يضع يده على سياسة واحدة من سياسات الحكومة الإيرانية، تصبّ في التمهيد لحكومة المهدي، ولا تصبّ في مصلحة العامة.
ردّ سروش برسالة جوابية أولى على رسالة بهمن بور جاء فيه: “إنّ لبّ كلامي الذي كان يدور حول الديمقراطية والإسلام، والذي لا يمكن لخلاصة الجامعيين أن تكون نقلاً أميناً لكلامي، هو أنّ الحضارة الإسلامية تتمحور حول الفقه، وأنه ليس هناك شرخ كبير بين سيادة الفقه والديمقراطية، التي تعني في جوهرها سيادة القانون. فقد اعتاد المسلمون على رعاية القانون والقرارات في حياتهم الفردية والاجتماعية، ولذلك فإنهم ليسوا غرباء عن سيادة القانون. وإنّ ضعف النظام الفقهي يكمن في نزعته التكليفية، دون النزعة إلى الحق. ولذلك يجب زرق الدواء الناجع من الحق في الشطر الميّت من هذا الجسم ذي النزعة التكليفية، ليغدو صحيحاً ونشيطاً وديموقراطياً، ويكون متناسباً مع مقاس المجتمع الراهن الذي ينشد العدالة (الذي يدور حول محور حقوق الإنسان)، ويحدث توازناً مطلوباً بين الحقوق والواجبات. وهناك فرق كبير بين هذه الحقيقة وبين ما يجول في أذهان الطوبائيين الذين يسعون إلى استخراج الديموقراطية من متن التعاليم الإسلامية”.
ويحيل سروش بهمن بور إلى منظّر الحكومة الإيرانية الرسمي الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، الذي مضى عليه أكثر من خمس عشرة سنة يسعى جاهداً وبجميع السبل إلى إثبات التضاد والتنافي بين الإسلام والديمقراطية. فهو يقول: للحصول على الديموقراطية لا بد من التخلي عن الإسلام، وللبقاء على الإسلام لا بدّ من توديع الديموقراطية. أما سروش فيقول: ليس من الضروري أن نترك الإسلام إذا أخذنا بالديموقراطية.
أما بشأن الجمع بين الإمامة وختم النبوّة، فيوضح سروش أن ما قاله لا يختلف عما قاله سابقاً في كتابي “بسط التجربة النبوية”، و”مسألة الخاتمية”. فالخاتمية ـ كما يفهمها ـ “تعني أنه بعد النبي لن يرقى كلام أيّ شخص إلى مرتبة كلامه، ولا يبلغ مبلغه من الحجيّة. وعليه كيف يمكننا أن نفهم الإمامة بوصفها شرطاً في كمال الدين، واعتبار الأئمة يتمتعون بالوحي الباطني، وكون الإمام مفترض الطاعة، كما يذهب إليه الشيعة، وتوجيه هذا الاعتقاد بشكل ينسجم مع الخاتمية، بحيث لا نساوي بين كلامهم وكلام النبي، ولا يرقى إلى مستواه من الحجية؟ كما أنّ اعتبارهم مفسِّرين ومبيِّنين لكلام النبي والقرآن لا يحل عقدة المشكلة الكامنة في هذا السؤال. فهل كان الأئمة في الإجابة عن كلّ سؤال يرجعون إلى كلمات النبي؟ وما هو مصدرهم في ذلك؟ وهل كانوا يفكرون ثمّ يجيبون أم أنّ أجوبتهم ـ كما يقول الشيعة ـ حاضرة عندهم، فلم يكونوا بحاجة إلى اجتهاد وإعمال فكر، ولذلك كان ما يقولونه لا يحتمل الخطأ، وهو إلهام إلهي، وعين كلام النبي، ولا يمكن الاعتراض عليه إطلاقاً؟ إذا كان الأمر كذلك فما هو الفرق بين النبي والإمام؟ وفي هذه الحالة لن يبقى من حقيقة الخاتمية سوى مفهوم مهلهل وناقص. إنكم تتحدثون عن دور الأئمة عند الشيعة وكأنهم مجتهدون معصومون! ولكن أليس مفهوم المجتهد المعصوم يحمل في ذاته معنى متناقضاً؟! وأياً كان الجواب فهل عدم المساواة بين الأئمة والنبي في الرتبة، وتعزيز ركائز الخاتمية، والتحمس والغيرة على الخاتمية، كما تقولون، فيه جفاء للإسلام، وانتقاص من منزلة الولاية؟”.
يقول سروش “لستُ شيعياً مغالياً، ولا أقول بنبوّة أيّ شخص آخر بعد النبي|، أيّاً كان ذلك الشخص، سواء أكان الملا جلال الدين الرومي أم غيره. وإذا تجاوزنا ذلك فإنّ بالإمكان تصوّر بلوغ مقام القرب من الله لأي شخص كان، ولست أريد من دوام الولاية المعنوية وبسط التجربة النبوية سوى ذلك”.
ويستشهد سروش بما روي عن الأئمة في المصادر الشيعية قولهم: “نزهونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم”. فهذه الرواية لا تطالب بأكثر من التنزيه عن الربوبية، وتجنّب وصف الأئمة بها، وقد أغفلت الحديث عن النبوّة. وهي إنْ كانت تبدو في ظاهرها مخالفة للغلو، ولكن ينبغي تصنيفها في جملة موضوعات الغلاة. فإن الحقّ هو أن لا نبلغ بهم مرتبة الألوهية، ولا مرتبة النبوّة، ويمكن بعد ذلك أن نتصور في حقهم وحق غيرهم من السالكين بلوغ أية مرتبة أخرى ﴿وَمَا كَان عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾.
ويوضح سروش أنه في ظل المناخ المهيمن على إيران المعاصرة من الغلو في التشيّع، وسيادة الفقه الأخباري، فهذا هو الطريق الوحيد إلى الإصلاح الديني، وتحريك المياه الراكدة في الكلام الشيعي والإسلامي.

المهدوية السياسية
يقول سروش في رده على قول الشيخ بهمن بور بأن وجود الإمام المهدي حقيقة: “ففي أيّ موضع من كلامي يلوح أني أقول بأن وجود الإمام المهدي (ليس حقيقة)؟! فإنني في كتاباتي وكلماتي أتعمّد دوماً تجنُّب الخوض والحكم على العقائد الخاصّة لدى الشيعة وغيرهم، وأكتفي فقط بالنظر إلى الربط المنطقي والنتائج التاريخية المترتِّبة عليها؛ فإنني أدرك أنّ الغالبية من الشيعة وغيرهم إنما هم من المقلِّدين، وليسوا من المحقِّقين، ولديهم عقائد معلَّلة، وليست مستدلّة. وهي وليدة البيئة والتلقين والتربية. وأنا شخصياً لا أطيق إيمانهم التقليدي. ومن جهة أخرى فإنني من الناحية الثانية؛ وبسبب من نزعتي التكثُّرية، لا أجيز لنفسي الحكم ببساطة على الفرق الإسلامية المختلفة، وأصنِّفها إلى هالكة وناجية، وأبعث مَنْ شئت منها إلى الجنة، وأقذف بالباقي إلى سقر. وأما قضية المهدوية السياسية، أي المخطَّط الذي يضطلع به التفكير السياسي، فهو من الأمور التي أؤمن بها”.
لكن سروش يبحث قضية المهدوية السياسية في السياسة المعاصرة ويقول إن منظمة المهدوية الحجتية كانت “من أشهر المنظمات قبل انتصار الثورة، وكان أعضاؤها ينظمون سلوكهم الفردي والسياسي على أساسٍ من التفكير المهدوي. وإنهم ـ كما عبّر السيد الخميني ـ كانوا يعتقدون بضرورة أن تمتلئ الأرض بالجور والفساد حتّى يتم التسريع في ظهور الإمام الغائب. وواضح ما ينتج عن هذا النوع من التفكير في ما يتعلق بالسلطة والسياسة، ولكن مهما صدر عن هذا النمط الفكري فإنه لن يكون سياسة ديمقراطية. وينبغي التذكير بأنّ أعضاء منظمة الحجتية يبرأون بشدّة من هذه النسبة والتهمة، ويعدّونها أكذوبة اختلقها أعداؤهم. ربما كان الأصح اعتبار المهدوية الحجتية من الناحية السياسية من الذي يميلون إلى اعتزال السياسة، وإلى التعايش مع جميع الحكومات، حتى يظهر الإمام المهدي في آخر الزمان من تلقاء نفسه. وواضح أن هذا الاعتزال السياسي لا يمكنه أن يضمّ في أحشائه جنين الديمقراطية”.
ويوضح سروش أنه في المقابل كانت نظرية الإمام الخميني في ولاية الفقيه “ترى الحكومة من الحقوق الفقهية القائمة على أساسٍ من نيابة إمام العصر(المهدي الغائب)، وتقيم السياسة على أعمدة الشريعة من خلال التمتّع بجميع صلاحيات صاحب العصر وامتيازاته، فيعمل الولي الفقيه من خلال التصرّف في نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم على هداية سفينة المجتمع برياح الولاية. فكانت هذه الطريقة من أوضح أساليب قيام السياسة على المهدوية. وكما يعلم الجميع فإن السيد الخميني لم يكن يعتبر نظريته ديموقراطية، ولم يكن الآخرون يرون نسبتها إلى الديموقراطية تتناسب وشأنها، ولم يكونوا يرون أن تطبيقها واستمرارها عملياً يساعد في تطوير الديموقراطية في البلاد”.
وأما بالنسبة إلى المتدينين المستنيرين، فقد كان علي شريعتي أكثر شجاعة من الآخرين في توظيفه لنظرية المهدوية في الأغراض السياسية. فإنه، بدلاً من الاستناد إلى المباني الكلامية في المهدوية، فقد اتخذ من مسألة “انتظار الفرج”، أي ظهور المهدي، سلاحاً للاعتراض، ووضعه بيد من يبتغي الجهاد من المسلمين؛ لمقارعة الحكم آنذاك والإطاحة به. ويرى سروش أن “هذه الطريقة الماهرة في صناعة الأسلحة الإيديولوجية، وإنْ كانت ذات صبغة ثورية، وكانت وسيلة ماضية ونافعة في المواجهة، إلا أنها ـ وللأسف الشديد ـ لا تنسجم مع الجمهورية واستقرار النظام الديموقراطي المسالم، ولم تنتج غير الأصوات المخالفة والمعارضة. وطبعاً فإنها خدمت نظرية (الأمة والإمام) بإخلاص، والتي تبيّن فيما بعد أنها على طرف النقيض من الديموقراطية”.
وإذا عدنا إلى الوراء في البحث عن قادة المهدوية السياسية في التاريخ، – يقول سروش – فإننا “سنصل إلى الصفويين، الذين نسجوا الكثير من الأساطير حول لقاء الشاه إسماعيل بالمهدي المنتظر، وأشاعوا أنه قد أخذ التاج والخنجر والسيف والإذن في الخروج من الإمام المهدي. وكانوا ينظرون إلى الملوك الصفويين بوصفهم منصوبين من قبل الأئمة، وأن دولتهم مخلدة، وستبقى إلى ظهور قائم آل محمد(المهدي). فإذا كانت هذه النبرات مألوفة عندنا حالياً فلأنها ذات منشأ واحد، وإذا كان هناك من اشتراك فهو في قيامها على تسييس المهدوية. وهو أمر غريبٌ كلّ الغرابة عن الديموقراطية”.
ويعتبر سروش أن “ما يقوم به عالم الدين من التوسّل بالرؤى، واعتقاده بأن انتصار حكومة أحمدي نجاد كان بفضل دعاء الإمام المنتظر، “لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الاستثمار السياسي، وبيع البضاعة المهدوية إلى الحاكم بثمن بخس، والترويج للتشيّع الصفوي”.
يقول سروش: “ألم تكن الصهيونية السياسية التي دعا إليها ثيودور هرتزل، وتأسيس الدولة الإسرائيلية، بداية الوفاء بالفدية الموعودة وإنقاذ بني إسرائيل، أَوَ لم يعتبر اليهود العهد التوراتي السماوي مستمسكاً لهم في استباحة الأرض الفلسطينية والعودة إليها؟ أَوَلا يقوم دعم المحافظين الجدد في أميركا، الذين يترقبون عودة ملكوت المسيح، على هذه الدعامة في دعمهم لدولة إسرائيل؟ فأين مكمن الغرابة في قياس هذا الوعد الإلهي مع الوعود المترقبة والمنتظرة التي يشترك فيها الشيعة واليهود والنصارى؟ وإذا كانت إسرائيل في أعين الأمريكيين حكومة ديموقراطية، كما تقول، فذلك بسبب أنها لم تعد تتعامل مع تلك النزعة الانتظارية بجدّية، ولا تعدّ العدّة لها، ولا تتوانى عن الحفاظ وتوفير الحماية للحكومة العلمانية. وهكذا الأمر بالنسبة إلى إيران بشكل من الأشكال؛ إذ يعترف الشيخ جوادي آملي «أننا بأجمعنا نعيش حياة علمانية». وما ذلك إلا بفضل جهود المستنيرين”.

نظرية محمد إقبال في ختم النبوّة
يقول سروش: “لقد ذهب إقبال اللاهوري في الفصل الخامس والسادس من كتابه القيم “إعادة التفكير الديني في الإسلام” إلى أنّ روح الإسلام ذات ماهية مناهضة للتفكير اليوناني، ويتحسر على النزعة اليونانية التي أصابت المسلمين، وأغفلوا العقل الاستقرائي. وقد رأى أن ظهور العقل الاستقرائي التجريبي كبح الاعتماد على الغريزة (الوحي)، وعقمت حركة التاريخ عن أن تتمخض عن الأنبياء، ولذلك تمّ الإعلان عن ختم النبوات، وعاد من الخطـأ انتظار وليٍّ سماويٍّ؛ ليكون مصدراً جديداً للمعرفة وبناء تفكير جديد. إنّ إعلان ختم النبوات كان بداية إطلاق سراح العقل الإنساني، لينطلق بتفكيره إلى الأمام، مستضيئاً بنور عقله”.
ويشرح سروش: “إنّ الإنسان المعاصر بحاجة إلى ثلاثة أمور: تفسير روحي للعالم، وتحرّر روحي للعقول، وتأسيس أصول عامة، لتوجيه التكامل الاجتماعي على أساس معنوي. إنّ توقف بعث الأنبياء يعني تحرير العقل، الذي لم يعد هناك من قيود على حدوده الفكرية، ولم يعُدْ الدين سوى مصدرٍ من مصادره المعرفية”. وذهب إقبال إلى اعتبار الديموقراطية المعنوية غاية ما ينشده الإسلام، وإنّ المهدوية التي تساوي النبوة أو تفوقها تحول دون تحقيق هذه الديموقراطية المعنوية.
ويعتبر سروش أن علينا الاستماع إلى كلمات إقبال بوعي، وأن “نقدّر قيمة ونعمة الخاتمية التي دعت الإنسانية وأجلستها على مائدة الأرض، وحرَّرتها من الانتظار المملّ لفتح أبواب السماوات. إنّ الانتظار الذي كان شريعتي ينظر إليه بوصفه “مذهب الاعتراض” تحوّل في رؤية إقبال إلى “مذهب الانقراض”، بمعنى انقراض العقل وزوال الديموقراطية المعنوية. إنّ المسلمين بحكم الخاتمية سوف لا يستمعون إلى أيّ نداء سماوي آخر، ولن يتنازعوا حول صدقه أو كذبه، وإن كلام أي شخص لن يبلغ في حجيته ما لكلام النبي، ولن يكون نازلاً من السماء، فقد أوكل أهل السماء شؤون الأرض لسكانها. وطبعاً فإنّ هذا الكلام لا ينافي الولاية الباطنية؛ لكونها من مقولة ثانية”.
ويوضح سروش في حوار لاحق أنه لم يقل أن الفكر المهدوي يتعارض مع الديموقراطية في جميع وجوهه وتفسيراته، بل إن الجمود السياسي، والأساليب التي انتهجها الصفويون، والنظريات الفقهية القائمة على المهدوية، لا تنسجم مع الديموقراطية. وهو يعتقد أن بالإمكان الجمع بين المهدوية والديموقراطية في حال الإيمان بطول غيبة الإمام المهدي، حتى يكون ممكناً التخطيط في مدة غيبته.

منزلة أئمة أهل البيت بين الغلوّ والقرآن
يرد الشيخ بهمن بور على رسالة سروش الجوابية الأولى بالقول: “إنّ ما ذكرتموه حول الغلو في المجتمع الإيراني المعاصر كان بمنزلة طعنة في صدورنا جميعاً. صحيح أن هناك ممارسات منحرفة سيسأل جميع علمائنا عن سكوتهم عليها. وقد رأينا وسمعنا مؤخَّراً بعض الكبار ممن هبّ وأصدر بعض البيانات الشاجبة لهذه الممارسات، ونأمل لهذه المواقف المندِّدة أن تستمر وتتواصل وتعم حتّى يتمّ الإصلاح. ولكن من الواضح أنّ هذا الخلل لا ينبغي معالجته بردود فعل مبالغ فيها، والدعوة إلى إنكار منزلة أهل بيت النبي. وأما أنا فأذهب فيما يتعلق بالأئمة من آل محمد إلى جميع ما ذكرتموه، دون زيادة ولا نقصان (لا نبلغ بهم مرتبة الألوهية والنبوة، ونبيح لهم كلّ منزلة دون ذلك). وطبعاً إنّ ما ذكرتموه من إشراك سائر السالكين في مرتبتهم بعيدٌ عن الفكر الشيعي، وهو شبيه بما أنكرتموه من إشراك الأئمة مع النبي في النبوة.. ولكن ما ذكرتموه في بيان منزلة الأئمة هو تماماً مضمون حديث مرويٍّ عن الإمام الصادق، وقد أورده الشيخ الحرّ العاملي، وكذلك القطب الراوندي، في مؤلَّفاتهما، وهو يقول: «اجعلونا عبيداً مربوبين، وقولوا فينا ما شئتم، إلا النبوّة».. ومهما كان إذا كان هناك من الأحاديث نظير الذي ذكرتموه مما سقطت منه عبارة «إلاّ النبوة» فربما كان ذلك لوضوح المسألة وبداهتها”.
ويوضح بهمن بور أن الأئمة من آل محمد “كانوا يعرّفون أنفسهم مراراً وتكراراً، ويدفعون عن أنفسهم شبهة مَنْ يتوهم في حقّهم النبوّة، ويشبّهون أنفسهم عادة بشخصيات في القرآن لم تبلغ مرتبة النبوّة، ولكنهم كانوا على درجة كبيرة من العلم الإلهي، من قبيل: صاحب موسى، الذي تحدّث عنه القرآن، فقال: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾(الكهف: 65). أو صاحب سليمان، الذي كان ﴿عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ﴾(النمل: 40)، وتمكن من القيام بما عجز عنه الآخرون”.
ويرفض بهمن بور تصنيف سروش للأئمة بأن يكونوا أنبياء أو مجتهدين، “فالقرآن قد قسّم المؤمنين إلى قسمين، وهما: أصحاب اليمين؛ والمقرّبون، وهما مختلفان في العلم، والإيمان، والمراتب المعنوية والروحية، وفهم الأمور الدينية، اختلافاً كبيراً. كما وينقسم المقرَّبون إلى أربعة أقسام، وهي: النبيّون؛ والصديقون؛ والشهداء؛ والصالحون، وهؤلاء هم المذكورون في الآية 69 من سورة النساء، وهم الذين أنعم الله عليهم، وأعطاهم من العلم والصفات الخاصة. ونحن نسأل الله في الليل والنهار أن يهدينا إلى صراطهم، قائلين: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ يتم اختيار النبيّين على الدوام من بين الصدّيقين، وقد لا يكون الصدّيق نبياً، ومع ذلك يحتفظ ببعض ما يميّزه من عامّة الناس. ولذلك نجد القرآن يصف السيدة العذراء مريم بالصدّيقة. ورغم عدم كونها من النبيين فإنها كانت تتحدث مع الملائكة، وترتبط بالسماء. وكلّ شأن تثبتونه لصدّيقة بني إسرائيل نثبته نحن لصدّيقة الإسلام فاطمة الزهراء. وكل ما تذكرونه من تبرير لارتباط مريم العذراء بعالم الغيب نذكره نحن لصدّيق أمّة محمد علي بن أبي طالب والأئمة الصدّيقين من ولده. وكما أنّ هناك اختلافاً بين النبيّين في المراتب والدرجات؛ إذ يقول تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(البقرة: 253). فكذلك الأمر بالنسبة إلى الصديقين”.

الإمامة وانسجامها مع ختم النبوّة؟
يؤكد الشيخ بهمن بور أن الفكر الشيعي “يقوم على أساسٍ وجود أئمة بعد رحيل النبيّ، منصوص عليهم من قبل الله تعالى، للمحافظة على تركة النبي العلمية، وبثّها بين الناس. وهم يتوارثون ذلك العلم لاحقاً عن سابق، ويبعدونه عن كلّ أنواع التحريف. وبذلك تقوم الحجة بهم على العباد. وبذلك لا يكون علمهم مكتسباً واجتهاداً حتى تقول بتناقض مقولتي العصمة، والاجتهاد، بل هو علمٌ يُلهَمُونه ويتوارثونه عن النبي الأكرم، كما روي عن الإمام الصادق قوله: (إنّ العلم يورث، ولا يقبض عالم إلا ويبقى بعده مَنْ يرث عنه علمه؛ لئلا تبطل حجج الله وبيناته)”.
ولا بد لمَنْ أُوكلت إليه مهمة المحافظة على علم النبي أن يكون محيطاً بجميع ذلك العلم، حتى يتحقَّق حفظه، وهو ليس علماً ناشئاً عن اجتهاد وتفسير، بل هو ناشئ عن الحقيقة واليقين. وهذه هي الطريقة الوحيدة لصيانة الوحي من الانحرافات التي تقع من قِبَل مَنْ يفسِّر النصوص برأيه، يتابع بهمن بور. وهذا لا يتنافى طبعاً مع ختم النبوّة؛ لأنّ كل ما هناك إنما يتمّ عبر توسُّط النبي الأكرم، فالأئمة حفظة، وليسوا رسلاً لتلقي الوحي، وهم مفسّرون، وليسوا مشرِّعين. وإنّ كل ما هو موجود عند الأئمة قد حصلوا عليه من طريق النبي. ومن هنا عندما اكتشف ذلك اليهودي وفرة علم الإمام علي توهَّمه نبياً، وسأله عن ذلك، فقال له الإمام: “ويلك، أنا عبد من عبيد محمد”.
ولا ينكر بهمن بور إمكان الوصول إلى درجات متقدّمة من القرب الإلهي، إلا أنّ الواقع كما يقول أمير المؤمنين: “لا يقاس بآل محمد من هذه الأمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة”. وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّيَ إِلا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾(يونس: 35).

استغلال مقولة المهدوية
يدلّل بهمن بور على عقيدة المهدي بآية ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(الزخرف: 28)، وبما رواه كبار المحدِّثين من أهل السنة في صحاحهم عن النبي الأكرم(ص) أنه قال: “لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة”، أو “لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش”، وما إلى ذلك من الروايات الأخرى التي تصبّ في المعنى ذاته. ويقول إنّ ابن كثير ذهب إلى اعتبار المهدي المنتظر واحداً من هؤلاء الخلفاء الاثني عشر. ويذهب بهمن بور إلى أن الاعتقاد بالمهدي من الأمور الشائعة والمسلَّمة والراسخة بين الأكثرية ـ القريبة من الإجماع ـمن المسلمين، وإنّ الشرذمة التي أنكرت المهدي لم تنطلق في إنكارها هذا من ضعف الروايات، أو قلّة الأدلة والشواهد، وإنما يستندون في ذلك عادةً إلى أسباب سياسية واجتماعية.
وهو يرى أن خضوع عقيدة المهدوية لسوء الاستغلال على طول التاريخ، فأول تيار استغل هذه العقيدة سياسياً هو تيار الكيسانية في القرن الهجري الأول، ثم تلاهم العباسيون، والزيديون، والفاطميون، وصولاً إلى القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، في أفريقيا، وآسيا، وحتى أوروبا. وفي نهاية القرن العشرين بادرت جماعة جهيمان العتيبي إلى احتلال المسجد الحرام بغطاء من هذه التسمية، ولكن المحاولة باءت بالفشل، وقتل زعيم هذه الجماعة. ويسأل بهمن بور: “ألا يدلّ هذا الاستغلال الواسع لهذه الظاهرة منذ بداية الإسلام إلى يومنا هذا على تجذُّر هذه الحقيقة في الوجدان الإسلامي؟ وأنّ هذا المفهوم من العقائد الأساسية التي أرساها النبي، بحيث لم يُعدْ بالإمكان إنكارها؟”.
ويسأل بهمن بور أنه إذا كانت عقيدة المهدي “ساكتة وحيادية، بحيث يمكن أن نحصِّل منها (الجمود السياسي)، و(ولاية الفقيه المطلقة)، و(مذهب المعارضة)، و(مذهب الانقراض)، ألا يمكن أن نستنبط منه (العدل الديموقراطي)؟ ويعترض بهمن بور على تبنّي سروش لمقالة إقبال اللاهوري في “نعمة الخاتمية” ويقول “كأنكم تقيمون حفلة ختم الدين، وليس ختم النبوة. وتتكلَّمون عن (إعلان ختم النبوة)، وتفسِّرونها بـ (باكورة تحرير العقل الإنساني)، وإيكال الإنسان لنفسه، بحيث تتداعى لذهن القارئ من خلال كلماتكم التيارات التنويرية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر تلقائياً.. متى كان الأنبياء مناقضين للعقل، فيكون انتهاء عهد النبوة بداية لتحرير العقل من ربقة النبوّة؟ هل يمكنكم أن تجدوا ما في القرآن والتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السماوية من الدعوة إلى التعقل والتدبر والتفكر في أيِّ كتابٍ أخلاقيٍّ آخر؟ وهل حدّد الدين سقفاً للتفكير والتدبّر والعقل الاستقرائي أو القياسي؟ وهل ظهور العقل الاستقرائي التجريبي مختصٌّ بما بعد الإسلام، حيث تمّ كسر حصار الاستناد إلى الغريزة (الوحي)، وعقمت تربة التاريخ عن إنجاب الأنبياء؟”.

إمكان الجميع بين الإسلام والديموقراطية
يقول بهمن بور إنه لا يرى إمكان استنباط الديموقراطية من نصوص التعاليم الإسلامية، ولكن بالإمكان صياغة ديموقراطية لا تتعارض والتعاليم الإسلامية. ويتفق مع سروش في أنّ «القول بالديموقراطية لا يلازم التجرّد عن الإسلام». لكنّ مفردة الديموقراطية ـ شأنها شأن الحرية ـ قابلة للعديد من التأويلات والتفسيرات. وهو يتبنى الديموقراطية التطبيقية، دون الديموقراطية الأخلاقية، وأرى إمكان تطبيق الديموقراطية بوصفها منهجاً أسمى في إدارة شؤون البلاد في إطار التعاليم الإسلامية، وهو شيء في قبال الديموقراطية الليبرالية، التي يصطلح عليها بالديموقراطية الدينية.
يعتبر بهمن بور أن الديموقراطية الأخلاقية تستند إلى مجموعة من الأسس والقيم المتأثِّرة بالليبرالية بشكل عميق ومتجذِّر، من قبيل: التعددية الأخلاقية والمذهبية، والعلمانية، وفصل الدين عن السياسة، واحترام الحريات الفردية حتى في الموارد المرفوضة دينياً وأخلاقياً. أما الديموقراطية التطبيقية؛ حيث لا تحتوي على ثقل فلسفي وأخلاقي خاصّ، يمكنها أن تتجلى في أطر مختلفة تنسجم مع مختلف المعتقدات والثقافات السياسية المتنوّعة. إنّ الديموقراطية الدينية تقوم على أساس إمكان ضبطها في إطار الأصول والقيم الأخلاقية، إذ يحقّ للمجتمع الإسلامي أن يوظف هذا النهج في تحسين أوضاعه السياسية والاجتماعية. إلا أنّ الصعوبة تكمن في التعريف الدقيق للتعاليم الإسلامية، وكذلك انتخاب طريقة من الديموقراطية تتلاءم معها.

مفارقة الإمامة وختم النبوّة
يقول سروش إنّ كلام الشيخ بهمن بور حول أئمة الشيعة ومراتب قربهم المعنوي، ودرجات ولايتهم الباطنية لا يرتبط بالسؤال الرئيس مورد البحث. فقد كان تساؤله الأساس هو: “كيف يأتي بعد خاتم الأنبياء أشخاصٌ يتحدَّثون استناداً إلى الوحي والشهود بكلام لا أثر له في القرآن والسنّة النبوية، وفي الوقت نفسه تكون تلك الكلمات تعليماً وتشريعاً، وإيجاباً وتحريماً، وعلى مستوى الوحي النبوي من العصمة والحجّيّة، ومع ذلك لا يضر هذا بالخاتمية؟ فأيَّ شيء تنفيه الخاتمية وتمنعه، وأيَّ شيء تمنع الخاتمية وقوعه وحصوله؟ وأيُّ فرق بين وجود وعدم هذه الخاتمية الرقيقة، التي تنتقل جميع شؤونها إلى الآخرين؟”.
يضيف سروش أن “اعتبار أئمة الشيعة شارحين ومفسِّرين للقرآن والسنة النبوية لن يحل هذه العقدة المستعصية؛ وذلك لأن الكثير من كلمات الأئمة وأحكامهم جديدة ومستحدثة، لا أثر لها في النصوص المتقدّمة، وليس فيها أيّ إرجاع إلى القرآن والسنة النبوية، وليس فيها أدنى إشارة تعليقية وبيانية، إلا إذا تصرفنا وتوسعنا في معنى الشرح والتفسير إلى حدٍّ يفضي بنا إلى الوحي والنبوّة، ولن تكون مهمّة الأئمة منحصرة بالشرح والتفسير، بل هي استمرارٌ للنبوة، وهو النهج الذي سار عليه غلاة الشيعة، وأسَّسوا لإمامة غير متناغمة مع الخاتمية. وبعبارة أخرى: إنّ الناس إما أن يحصلوا على معلوماتهم مباشرة؛ أو بواسطة الاجتهاد والاكتساب. وإنّ علم النبي من القسم الأول. وإن هذا العلم المباشر إما أن يكون مقروناً بالعصمة أو لا. وعلم النبي من القسم الأول. وإن علم النبي المباشر المقرون بالعصمة إما أن تثبت حجيته على الآخرين أو لا. وعلم النبي من القسم الأول. وهنا يقوم غلاة الشيعة بإثبات جميع هذه المراتب الثلاث لأئمتهم، غافلين عن أن مثل هذا الاعتقاد لا ينسجم مع الخاتمية. وإنّ إدراج هذا العلم المباشر تحت عنوان الوراثة، واعتبار ما يقوم به الأئمة بياناً وشرحاً، واعتبارهم مفسِّرين وشارحين، وغير مشرّعين، لا يغيِّر من الماهية مطلقاً، ولن يبقي للخاتمية سوى اسم ليس له مسمّى. وليس مقبولاً أيضاً أن يقال: إنّ كل ما يحصل عليه الإمام إنما هو بإذن من النبي؛ وذلك لأن النبي لا يمكنه أن يعطي منصباً يقوّض خاتميته، ويواصل نبوته”.
يؤكد سروش أن تساؤله “النابع من عمق الإيمان الديني، والاعتقاد بخاتمية النبوّة، ليس فيه ظلم لآل محمد، ولا حسد لهم على فضائلهم. وإن كان هناك من إنجاز فهو لصالح إعلاء شأن النبوة والخاتمية، والبراءة من الغلو. وإلا فإن مواكبة المفوّضة، ووضع أرزاق الناس وآجالهم، ووضع أحكام الدين، بيد أئمة الشيعة، وتقطيع رداء الخاتمية بمقراض الإمامة، هو نهج سار عليه الغلاة من الشيعة قروناً من الزمن، وليس فيه أيُّ فخر لمن يقول به. وهناك بونٌ شاسع بين ذلك الذي يتمسك برداء علي كي لا يخسر محمداً، وبين ذلك الذي يجعل من علي محمداً آخر”.
ويرى سروش أن هذا هو الاعتقاد الذي يغري الإمام الخميني “بإثبات جميع صلاحيات النبي والأئمة للفقهاء، ويخرج يد النيابة من أكمام الإمامة، ويمزج نظرية ولاية الفقيه المطلقة بالسلطة السياسية، ويجلس على عرش الأئمة، ويبني حكومة ثيوقراطية وغير ديمقراطية، ويباشر التقنين والتشريع من الموقع الإلهي المقدَّس، ويُلزم الناس بطاعته وطاعة أعوانه”.
ورداً على اتهامه بأنه أقام – بتبنيّه مقولة إقبال اللاهوري عن الخاتمية – “حفلة ختم الدين، وليس ختم النبوة”، يقول سروش إنّ “الشيعة من خلال طرحهم نظرية الغيبة عمدوا إلى تأخير الخاتمية لقرنين ونصف، وإلا فإنّ ذات الآثار المترتبة على الغيبة متفرعة عن الخاتمية أيضاً، مع فارق أنّ بالإمكان العثور على تبرير عقلي مقبول لخاتمية الرسول الذاتية، خلافاً للغيبة العرضية والمفاجئة وغير المتوقَّعة للإمام المنتظر”.
ويوضح سروش أن تحرير العقل الإنساني وإيكال الإنسان إلى نفسه، الذي اعتبره من بركات الخاتمية، لا يعني أنّ العقل كان حبيساً في قفص الديانة، كما تصوّر الشيخ بهمن بور، و”أن الأنبياء كانوا أعداء التعقل والتفكير، وأنه بانتهاء عهد النبوات يبدأ عرس الحريات، بل معناه أنّ الناس بعد وفاة النبي وخاتم الرسل قد تُرك لهم فهمُ كلّ شيء، وخاصة فهم الدين، ولم تعد هناك من حاجة لأن تمدّ إليهم يدٌ من السماء ليعتمدوا عليها في فهم الدين. وإن أسلوب التديُّن منذ الآن فصاعداً كنهج الحياة يمر في طريقه إلى التكامل والاستقامة عبر الصدامات والنزاعات، دون التدخل الغيبي من حين لآخر، بل من خلال تنازع وتعاون العقول الأرضية الخيّرة والحرّة في فهمها ونقدها وتفسيرها للدين، والمتحرِّرة من قيود التقليد”.
ويعتبر سروش أن الشيعة بدأوا ممارسة هذه الحرية على نحو مباشر دون تدخُّل من السماء منذ بداية عصر غيبة الإمام المهدي. أما سائر المسلمين، فهم – على حدّ تعبير إقبال اللاهوري – قد بدأوا ممارسة هذه الحرية على المستوى العملي منذ رحيل النبي محمد(ص). ويرفض الاتهام بأن ذلك القول سيكون “ذريعة إلى الخلط بين ختم النبوة وختم الديانة”.
ويرى سروش أن ما يشكل أساس الدين وجوهره “هو شخص النبي وتعاليمه القيّمة، وأما الباقي فمهما كانت صبغته التاريخية وغير الجوهرية فهو عرضي وسطحي، أي واقعة وحكم كان من الممكن أن يكون على نحو آخر. ولذلك فإنه لا يدخل في نطاق الإيمانيات. والنزاع يدور حول الغَيْبة، التي ـ بحسب رأي الشيعة ـ لم يكن بالإمكان أن تحدث في ظروف تاريخية أخرى، وإمامٍ كان يمكنه أن لا يغيب، ويبقى ليرحل عندما يحين أجله الطبيعي، ويأتي بعده إمام آخر. وليس لهذا النزاع أدنى تأثير على التديُّن، ولا يزيد أو ينقص من إيمان الشخص، ولا يتوقف عليه إسلام الشخص وعدمه”.

ماذا قدّم أئمة أهل البيت للشيعة؟
يطرح المفكر الإيراني الإصلاحي تساؤلاً عن صفة حماة علم النبي والمستحفظين على الشريعة، التي أعطيت لأئمة الشيعة، وما هو الشيء الذي احتفظ به هؤلاء الحفظة، وخصّوا به الشيعة، من أمور يفتقر إليها سائر المسلمين، بحيث اعتبرت إمامتهم واجبة، والإمام الغائب هو المستحفظ المعاصر، وذهب الشيعة إلى حجية حضوره الغائب. يقول سروش: “إذا كان أكبر المفسِّرين والعرفاء والمتكلِّمين والمدافعين عن حياض الدين قد انبثقوا من بين غير الشيعة، بل وإنّ الشيعة مدينون لأولئك في هذا المجال. ومن باب المثال يمكن التدبّر في خضوع السيد الخميني بين يدي محيي الدين ابن عربي؛ أو الحقّ الكبير لتفسير “مفاتيح الغيب”، وصاحبه الفخر الرازي، على “الميزان في تفسير القرآن” والعلامة الطباطبائي؛ ومئات الأمثلة الأخرى. وإذا كان هناك من اختلاف ـ وهو موجود قطعاً ـ فهو ليس على نحو تكون الأفضلية الحاسمة فيه لآراء الشيعة على غيرهم.. وليس اختلاف الآراء الفقهية لدى الشيعة وغيرهم أكثر وأعمق من الاختلاف في الآراء بين الشيعة أنفسهم، كما بين الأصوليين والأخباريين. وإنّ مثل هذه الاختلافات الفقهية القليلة والكثيرة والسطحية، من قبيل: غسل أعضاء الوضوء، بدلاً من مسحها؛..، لا دخل له بجوهر الإيمان والزهد والتقوى، فإنّ عمدة العزم على العبودية والطاعة هو الذي يمكن جمعه مع أية منظومة فقهية. وإنّ خير شاهد على هذا المدعى كتاب “المحجّة البيضاء في إحياء الإحياء”، الذي هو إعادة صياغة وتهذيب لكتاب “إحياء علوم الدين”، لأبي حامد الغزالي، من قبل أحد المتكلِّمين والمحدّثين والفقهاء الشيعة في العصر الصفوي، واسمه محسن الفيض الكاشاني. وهو شيء فريد في نوعه، ولم يتكرر في التاريخ الإسلامي”.
ويوضح سروش وجهة نظره بانعدام الفروق الجوهرية بين السنة والشيعة في جوهر الإيمان بقوله: “إنّ محسن الفيض الكاشاني شيعيٌّ خالص ليست له أدنى علاقة أو قرابة مع الفكر غير الشيعي، ولم يقُمْ عند تنقيح كتاب أبي حامد الغزالي بأية مجاملة ومراعاة أو مداهنة، ومع ذلك فقد بقي بعد عملية التنقيح الشيعية هذه على يد الفيض الكاشاني ثلاثة أرباع كتاب أبي حامد الغزالي من دون تغيير، ولم يتمّ سوى تغيير بعض المواطن في الأبواب الفقهية والكلامية، التي حلَّت محلها آراء واجتهادات الفيض الكاشاني في الفقه والكلام. أما الجزء الأعظم الذي يشترك فيه الفيض الكاشاني والغزالي، ويوحِّدهما كأخوين لأم واحدة، فهو باب الأخلاقيات والعرفانيات، التي تمثل بحقّ جوهر الدين، والهدف النهائي من رسالة سيد المرسلين. فهنا يتم الاتحاد والاشتراك بين الشيعة وغيرهم في جوهر الدين وذاتياته، بينما يكون الخلاف بينهم في الأعراض والقشور”.
وىخلص سروش إلى القول: “لهذا السبب أذهب شخصياً إلى جواز اتباع أيّ واحد من الفقهاء، سواءٌ أكان شيعياً أو سنياً، في الشرعيات والأمور الفقهية، أي الأمور القشرية والعرضية، التي تكون مطلوبة للشارع بالعرض، ويكون العمل على طبق رأي ذلك الفقيه مجزياً ومبرئاً للذمة. وعليه نقول: إذا كان تفسير الأئمة للشريعة وشرحها وبيانها وحفظها وصيانتها يعود إلى ظاهر الشريعة فهذا ليس له كبير وزن في ميزان التاريخ والتجربة، وأما إذا كان يعود إلى الولاية الباطنية فهو شيء آخر، لا يمكن تفسيره إلا في ضوء (بسط التجربة النبوية)، فيمكن لكل فرد من أفراد الإنسانية؛ طبقاً لسعته وظرفيته، أن يغترف من ورده، وينهل من معينه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ﴾”.
كما تعرّضت آراء سروش هذه لردود وتعليقات أخرى، معظمها نشر باللغة الفارسية، ونقلت بعضاً منه إلى العربية مجلة “نصوص معاصرة”، سنعرض أبرز هذه النقود باختصار.
وأبرز هذه الردود جاءت من الشيخ جعفر سبحاني، وهو مرجع ديني شيعي وأستاذ بارز في الحوزة الدينية في قم، ومن أشهر الباحثين في علم الكلام والفقه المقارن في إيران. يقول سبحاني إنه قد أجاب عن معظم الإشكالات التي طرحها سروش في كتابه “أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم”(1421ه)، وذلك لأن هذه الإشكالات غير جديدة، وليس سروش من أبدعها، وإنما لها جذور في كلام المتقدمين. كما يذكر أنه ناقش في كتاب آخر “الاعتصام بالكتاب والسنة” الآراء الشيعية بشأن المرجعية العلمية للأئمة المعصومين ومصادر علمهم، بحيث لا يؤدي إلى أي أدنى تعارض بينه وبين الخاتمية.
يؤكد سبحاني إجماع المسلمين، وفي مقدمهم الشيعة، على خاتمية النبي الأكرم محمد(ص) وأنه لن يكون هناك نبي من بعده وأن باب الوحي سيغلق على الإنسانية، وأنه لن ينزل بعد ذلك على أي إنسان وحي يحمل تشريع حكم، أو تعيين تكليف، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام. ويقول إن القرآن قد أخبرنا عن إكمال الدين بنزول جميع المسائل المتعلقة به على قلب النبي الأكرم(ص). لكن الشيخ سبحاني أن بعض المشاكل والعراقيل قد حالت خلال حياة النبي من بيان بعض الأصول والأحكام العملية، فلذلك عمد الله على استئمان جماعة على ما لم يستطع النبي بيانه وتوضحيه. هذه الجماعة هم أهل بيت النبي(ص) الذين هم أحد الثقلين بحسب حديث الرسول: “إني تارك فيك الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي”.
لكن ما هي مصادر علوم أهل البيت ومعارفهم؟ وكيف يشرحون الأحكام والتكاليف التي لم ترد في القرآن الكريم وسنّة النبي؟ يقول سبحاني إن هذه هي الشبهة التي يؤكد عليها سروش، وإن التعارض الذي تصوّره بين ختم النبوة وبين المرجعية العلمية للأئمة المعصومين يدل على أنه لم يلاحظ المصادر العلمية التي يستندون إليها وهي:
1- الرواية عن الرسول(ص): فالأئمة يأخذون الأحاديث عن رسول الله إما مباشرة أو من طريق آبائهم وينقلونها إلى الآخرين. وهي أحاديث موجودة في المصادر الحديثية المعتمدة عند الشيعة والمسنودة بسند متصل إلى الرسول.
2- النقل من كتاب الإمام علي الذي كان مصاحباً للرسول إذ كان هذا الكتاب من إملاء النبي وخط علي. وقد توارثه الأئمة.
3- الاستنباط من الكتاب والسنة.
4- الإلهام الإلهي وهو ليس مختصاً بالأنبياء، بل ألهم الله أشخاصاً كالخضر صاحب النبي موسى(ع)، وهو يعرف بالعلم اللدني.
ويخلص سبحاني إلى أن ذلك لا يعني أن المرجعية العلمية لأئمة أهل البيت تتعارض مع خاتمية النبوة. ويأخذ على سروش أنه قال بأنه يؤمن بالتعددية وفي أوسع مع ذلك معانيها وبأن جميع القراءات الإسلامية صحيحة، ومدعاة إلى النجاة، لكنه مع ذلك يسوّغ لنفسه تخطئة القراءة الشيعية في ما يخص الأئمة.
ويرى سبحاني أن ليس كل من توفرت فيه الخصائص الثلاث التالية، وهي اكتساب العلوم مباشرة من الله بلا واسطة، والعصمة، وحجية الكلام، فهو نبي. فللأنبياء خصيصة رابعة لا توجد في الأئمة وهي مقام النبوة والشريعة، وأن الوحي نزل عليهم لأنهم حملة شريعة ومؤسسون لدين جديد. وهي خصيصة لا تتوفر للأئمة لأنهم لا يتمتعون بمرتبة النبوة وليسوا دعاة لشريعة جديدة، وإنما هم مشمولون بنعمة الله، فاستحقوا حمل شريعة النبي حيث استؤمنوا واستحفظوا عليها، من خلال القراءة الصحيحة والرسمية للقرآن التي رواها حفص عن عاصم عن عبد الرحمن السلمي، وهي قراءة الإمام علي بن أبي طالب، وكذلك من خلال حفظ سنة النبي من خلال كتاب علي وأحاديثه وروايات الأئمة عن النبي.
يرفض سبحاني رأي سروش أن المجتمع البشري لا يحتاج بعد رحيل النبي(ص) إلى إمام معصوم، وإنما عليه مواصلة مسيرة الحياة في هدي العقل، لأن إيكال الحياة الفردية والاجتماعية إلى العقل العام لا يؤدي إلا إلى الفوضوية في المعرفة، وذلك لأن العقول العامة متعددة وهناك الكثير من المذاهب الفكرية المادية والروحية وكلها تدعي السعي لإيصال الإنسان إلى السعادة.
كما من بين الردود على سروش رد للدكتور محمود صدري، الباحث في علم الاجتماع والفكر الإسلامي، حيث رأى أنه لا توجد أية علاقة متقابلة ومنطقية بين عقدية الولاية والمهدوية والإعراض عن الديموقراطية والرضوخ إلى القوانين. ويستدل بالقول: ماذا جنى أهل السنة من وراء تمسكهم القوي بالخاتمية؟ فإنهم لم يبدوا أي توظيف ديموقراطي لمعتقدهم بشأن الخاتمية. ويذكر صدري سروش بأنه من خلال الخاتمية الرقيقة عند الشيعة، نجد احتدام الثورة الدستورية في إيران قبل مئة سنة، وبعدها ثورة مصدق ومن ثم الثورة الإسلامية، إلى ميل المرجع الشيعي السيد علي السيستاني في العراق إلى الديموقراطية، وليس الشمولية أو الدكتاتورية.
وهنالك رد آخر للشيخ حسن رضائي مهر انتقد فيه كلام سروش عن أن الفقه ذو نزعة تكليفية ولم يرد فيه أي حديث عن الحقوق أو أن كفة التكليف تطغى على كفة الحقوق. وذهب رضائي مهر إلى أن ذلك واضح البطلان، لأن “كل ما ورد في الفقه من التكاليف إنما هو منبثق عن الحقوق المتعلقة بتلك التكاليف التي تم تحديدها في الفقه، وذلك لأن كل تكليف ينشأ عن حق موجود، ومن المستحيل عقلاً التفكيك بينهما. ولذلك لا يمكن في الفقه تصوّر التكليف من دون تصوّر الحق من الناحية العقلية والمنطقية”. كما يرى أن ادعاء سروش “القائل بكون العالم المعاصر يقوم على كون الإنسان محقاً، وليس فيه نزوع إلى التكليف، باطل ومرفوض، لما تقدم من التلازم العقلي بين الحق والتكليف. وعليه فإن الإنسان مكلّف ومحق”. كما أن جميع النصوص الفقهية مشحونة بالتكاليف فهي مفعمة بالحقوق، حقوق الله وحقوق الإنسان، وجميع أبواب الفقه على أساس حق الله وحقوق الناس.
ويعتبر رضائي مهر “أن من الحكم الأخرى المترتّبة على ضرورة وجود الإمام المعصوم، حتى مع ظهور البلوغ والتقدم العقلي لدى الإنسان بوصفه فلسفة للخاتمية، هو أنه حتى عقلاء المفكرين وكذلك علماء الدين، يختلفون في فهمهم للتعاليم السماوية والموضوعات الدينية. وفي هذه الصورة من الضروري أن يكون هناك إمام متصل بالنبي(ص)، قد أخذ عنه الدين مشافهة، ليخلّص الدين من هذه الاختلافات، ويعمل على حفظه وصيانته”.
أما الأمر الآخر – في رأي رضائي مهر – فهو أن النبي الأكرم(ص) لم يتمكن من بيان جميع الأحكام التي نزلت عليه إلى الناس وحياً، بسبب عدم استعداد الناس لتقبّلها، كان عليه أن يعلّمها لشخص يستطيع بعد رحيله حملها إلى الأجيال اللاحقة، وتعليمها إياهم عندما تتاح له الفرصة. ولم يستطع تحمّل هذه المهمة عاى عاتقه سوى الإمام. وعليه فإن الإمام هو مفسّر للدين، كما كان النبي، مع فارق أن النبي كان يأخذ تعاليمه من الوحي، في حين يأخذها الإمام من النبي.
ويخلص رضائي مهر إلى أن الإمامة لا تتعارض مع الخاتمية، بل إنها متممة لنبوة النبي الخاتم.

خلاصة
تكمن أهمية مقاربة سروش لمسألة الخاتمية والإمامة والمهدوية، في إظهاره أن الخلافات الفقهية سطحية وعرضية وموجودة داخل المذهب الواحد، ولا تؤثّر على جوهر الإسلام والإيمان. إذ ينحو غلاة الشيعة إلى الانتقاص من إسلام السنّة لمجرّد عدم اعتقادهم بالإمامة والمهدوية. بينما يقوم البعض من أهل السنة إلى تكفير الشيعة بتهمة الغلوّ بالأئمة. لكن سروش يبيّن أن السنّة والشيعة يشتركون – فضلاً عن الاعتقاد بالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد والقرآن الكريم وسائر أركان الدين – بالأخلاقيات والعرفانيات، التي تمثل بحقّ جوهر الدين، وهي الهدف النهائي من رسالة الإسلام، بينما الخلاف بينهم يتمثل في الأعراض والقشور.
إلا أن سروش لا يقدّم دليلاً قاطعاً على التعارض بين الخاتمية والإمامة والمهدوية، وبالتالي بين المهدوية والديموقراطية. إنما هو يستند إلى أطروحات عقلية ويستشهد أحياناً بأحاديث وروايات لتعزيز أطروحته. في المقابل، يستند الشيعة الإثناعشرية إلى أدلة نقلية من القرآن وأحاديث الرسول والأئمة للبرهنة على عقيدتهم في الإمامة والعصمة والمهدوية وعدم تعارضها مع خاتمية النبوة. وكما أن نظرية الخاتمية لإقبال اللاهوري بمعنى أن ختم النبوة قد تمّ بسبب ظهور العقل الاستقرائي بين الناس، تحتاج إلى دليل نقلي وعقلي، وهي مرفوضة دينياً عند السنة والشيعة، وهي تبدو كالدعوة إلى ختم الدين وليس النبوة. ويمكن أن يحاجج الشيعة بأنهم منذ وفاة الرسول(ص) قبل نحو أربعة عشر قرناً وهم يعتقدون بالإمامة والعصمة والعلم اللدني والمهدوية، لكن ذلك لم يمس اعتقادهم بختم نبوة محمد(ص).
وعليه فإن ليس من علاقة تنافٍ ضروري بين الأمرين، تمنع الجمع في الاعتقاد بهما. كما أن ليس ثمة تنافٍ بين الاعتقاد بالمهدوية والديموقراطية، أو العكس. نعم، يمكن القول إن الاعتقاد بولاية الفقيه كنائب للإمام المهدي المعصوم، يتمتع بصلاحيات نبي والإمام، ما يجعله مقدساً وشبه معصوم، هو ما يتعارض مع الديموقراطية، خصوصاً في حال عدم انتخاب الناس للولي الفقيه. ومعلوم أن نظرية ولاية الفقيه لا تتمتع بإجماع فقهاء الشيعة، بل إن أغلبهم لا يرون للفقيه ولاية عامة، بل ولاية محدودة لا تتجاوز الأمور الحسبية من قبيل الإشراف على أموال الأيتام والسفهاء وتوزيع الخمس والزكاة والصدقات على مستحقيها.
كما أن تجربة حكم ولاية الفقيه في إيران لم تكن نموذجاً إيجابياً لجهة إمكان التوفيق بين ولاية الفقيه والديموقراطية، سواء خلال حكومة مهدي بازركان أو ولاية الرئيس محمد خاتمي. بل إن الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد الذي انتخب رئيساً، بدعم من المرشد ولي الفقيه علي خامنئي، قد اختلف مع الولي الفقيه وحاول مؤخراً التفلّت من سلطته. وقد يكون ذلك لاعتبارين، الأول هو تمتّع أحمدي نجاد بشرعية شعبية وانتخابية تفوق شرعية وشعبية المرشد غير المنتخب مباشرة من الشعب، والثاني هو ما ينقل عن اعتقاد أحمدي نجاد بأنه متصل بالإمام المهدي، ما يجعله يعتبر نفسه مستمداً شرعيته من الإمام المعصوم الأصيل، ما يغنيه عن المظلة الشرعية لنائب الإمام الوكيل.

*د. هيثم أحمد مزاحم باحث في الفكر العربي والإسلامي. نشر الكثير من الدراسات والمقالات ومراجعات الكتب. صدر له كتاب “حزب العمل الإسرائيلي 1968 – 1999” عام 2001. وشارك في تسعة كتب صادرة عن مركز المسبار في دبي. كما شارك في كتاب “ثورات قلقة” بدراسة “لماذا تحدث الثورات؟”. سيصدر له قريباً كتاب “تطوّر المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه”.

** محاضرة عبد الكريم سروش والحوار بينه وبين الشيخ سعيد بهمن بور والردود الأخرى على سروش منشورة أصلاً باللغة الفارسية، نقلت إلى العربية ونشرت في مجلة نصوص معاصرة(بيروت)، العدد 21، شتاء 2011.