الرئيسية / علم الكلام الجديد / مفهوم التعددية الدينية لدى الشيخ المصباح اليزدي

مفهوم التعددية الدينية لدى الشيخ المصباح اليزدي

image_pdfimage_print

yazdiفي صياغة مدرسية يقدّم موقع الشيخ المصباح اليزدي شيئاً من أفكاره المتعلقة بالتعددية الدينية، يُخالف فيها تيار التعددية السائد الذي يرى في المذاهب المختلفة والأديان شيئاً من الحق، إذا لم يقل بحقانيتها بالنسبة إلى معتنقيها. نورد أفكار الشيخ اليزدي على أمل أن تكون صورة من صور المفهوم المهم في عالم الفكر الديني.

سؤال: ماذا تعني التعددية الدينية؟
جوابه: تُطرح التعددية الدينية تارة في البعد النظري والفكري، واخرى في البعد العملي.
والمراد من التعددية الدينية في البعد العملي هو احترام عقيدة الطرف المقابل وما يؤمن به من دين ومذهب، والتعايش السلمي مع الآخرين. والتعددي هو الذي يؤمن بالتعايش السلمي بين نوعين أو أكثر من الأفكار ـ بغض النظر عن إثباتها أو نفيها نظرياً ـ وأن لا تفتعل المشاحنات فيما بينها على الصعيد الإجتماعي. وأمّا مَنْ قال بإلغاء أحد الطرفين من المجتمع والسماح بالعمل لأحدهما فهو ضد التعددية، ففيما يتعلق بالمذهب الكاثوليكي أو المذهب البروتستانتي ـ مثلاً ـ يقول البعض: يجب أن يحكم أحدهما لذلك يتعين مقارعة الآخر حتى يخرج من الساحة.

ولكن في ضوء التعددية الدينية ينبغي لهذين المذهبين التعايش باخوة من الناحية العملية بالرغم من أن كلاً منهما يرى الآخر باطلاً من الناحية النظرية.
وأما التعددية الدينية في البعد النظري فهي تعني أحقية الأديان والمذاهب برمتها، وسيأتي المزيد من التوضيح والتفصيل لهذا الموضوع في إطار الأسئلة اللاحقة.

تقييم للتعددية الدينية في البعد النظري

سؤال: ماذا تعني التعددية الدينية في البعد النظري؟ وهل يمكن القبول بها؟

جوابه: إن التعددية الدينية تعني على نحو الاجمال والايجاز حقانية الأديان على تعددها، بيد أن بيان وتفسير هذا الكلام في إطار مفرداته يأتي على ثلاثة أنماط هي:

أولاً: ليس هنالك دين باطلٌ محض أو حقٌ مطلق، وإنما في كل دين تعاليم صائبة واخرى خاطئة.

ثانياً: ان الحق واحد وكل دين من الأديان يمثل صراطاً نحو ذلك الحق.

ثالثاً: ان المسائل الدينية تعد من القضايا التي لا تقبل الإثبات، وهذه القضايا إما ان تكون لا معنى لها وإما انه مما يتعذر إثباتها ان كان لها معنىً. بناءً على هذا فهي على مستوىً واحد، ولكل انسان أن يختار أيَّ دين يرتضيه.

 

توضيح التفسير الأول

يرى القائلون بهذا الرأي أن الحقيقة تتكون من مجموعة من الاجزاء والعناصر وإن كل جزء من أجزائها يتبلور في دين معين. لا ان الدين الواحد يكون خاطئاً وباطلاً بأكمله ولا وجود فيه لأي مرسوم أو حكم صحيح وصالح، كما أننا لا نمتلك ديناً يخلو من أي حكم خاطئ ومناف للواقع، فالكثير من أحكام المسيحية وردت في الإسلام بنحو من الأنحاء، لذلك لا يصح القول ببطلان المسيحية كلياً، كما أن الإسلام يتفق مع اليهودية في الكثير من الموارد. إذن لا يمكن القول برفض اليهودية أو الإسلام كلياً.

ا ما توزعت المحاسن والحقائق فيما بين الأديان إذ ذاك لا يمكن القول بصحة دين بشكل تام وخطأ آخر بشكل تام، بل يتعين إحترام كافة الأديان والمذاهب على حدٍّ سواء. بل ويمكن القيام بعملية تفكيك في الأديان، بمعنى إلتقاط التعاليم الصحيحة من كل دين من الأديان والإعتراف بمزيج منها، فنأخذ جانباً من اليهودية وجانباً من الإسلام وجانباً من دين آخر.

 

نقد التفسير الأول

إن أساس القول بأن الكثير من الأديان بل جميعها تتضمن نوعاً ما من عناصر الحق هو موضع قبولنا. ولا يوجد في هذا العالم باطل مائة بالمائة. ومثل هذا الكلام لا يحظى بالقبول من لدن أي إنسان. ولكن إذا كان المراد ـ من ناحية أخرى ـ ان كافة الأديان في العالم تتضمن أحكاماً ومعتقدات باطلة وليس هنالك دين كامل وجامع، فإن هذا الكلام مما لا نقبله، فالإسلام يصرح: ان دين الله وشريعة محمد(صلى الله عليه وآله)كامل وصحيح وقد اكتمل الدين وتمت النعمة بظهور الإسلام. وإن ما ورد في سائر الاديان فهو صحيح إن كان منسجماً مع الإسلام وإلا فهو باطل. فعبادة الأصنام والحيوانات… الخ لا تنسجم مع الإسلام ودين التوحيد المصون من التحريف. وإن وجدان كل منصف يرى تناقضاً واضحاً بين هذه الأديان وتعاليمها مع بعضها.

بالاضافة إلى أن الإسلام دينٌ يرفض بكل وضوح الإيمان ببعض الآيات والكفر ببعضها الآخر، ويصرح بأن التمييز بين تعاليم الدين وأحكامه يوازي الرفض لكل الدين والكفر به، وخلاصة القول ان الإسلام وما ورد عن الثقلين حقٌ كله ولا سبيل للباطل فيه.

 

توضيح التفسير الثاني

ويرتكز هذا الرأي على أن الدين الحق بمثابة قمة وإن كافة الأديان السائدة في العالم تمثل سبلاً تؤدي إلى تلك القمة، فاي دين فهو يريد الأخذ بأيدينا إلى ذلك الحق الواحد ويوصلنا الغاية على أية حال، سواء كان سبيله طويلاً أم قصيراً أم مساوياً للسبل الاخرى; فالّذي يتوجه إلى المسجد أو الذي يتوجه إلى الكنيسة أو إلى معبد الأوثان أو الدير بأجمعهم يتوجهون إلى معبود واحد هو الحق.

 

نقد التفسير الثاني

 

هذا الكلام يمكن تصوّرة في مقام التمثيل والتشبيه، لكن العلاقة بين الأديان على اختلافها لا تُرسم بهذه الصورة، فعندما يكون نداء «الله واحد» أول قضية وأول حديث في الإسلام وأن سبيل الفلاح هو الاقرار بالتوحيد فكيف يتلاءم هذا السبيل مع طريق المسيحية التي تنادي بالتثليث؟! وكيف يوصلان إلى نقطة واحدة يا ترى؟ وهل يلتقي في نقطة واحدة خطان يمتدان باتجاهين متعاكسين؟ وهل يشترك القرآن ـ الذي يقول في تعاطيه مع عقيدة التثليث ـ: «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَْرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً»1 بالخط والهدف مع القائلين بالتثليث؟! وهل يصل الدين الذي ينهى عن أكل لحم الخنزير وعن تناول المشروبات الكحولية مع الدين الذي يجوزهما إلى نتيجة واحدة ونهاية واحدة؟

 

توضيح التفسير الثالث

 

وهنا يعتبر بعض الوضعيين وبشكل إفراطي ان هذه القضايا تخلو من المعنى. ويقول البعض: ربما تنطوي على المعنى لكنها ليست قابله للإثبات; ولعلها تكون صالحة وصائبة بالنسبة لبعض وخاطئة بالنسبة لآخرين; أو انها تكون صالحة في عصر وسيئة ومخطئة في آخر. إننا لا يمكننا الحصول على معرفة قطعية وتامة بالواقع، وان تحقق اليقين التام بأي قضية دليل على عدم الدقة والتأمل فيها، وما شابه هذه النظريات.

 

وخلاصة القول، ان هذه الأمور ضربٌ من التلاعب بالألفاظ وتابع

للتوجهات الإجتماعية والفردية. وان أهمَّ دواعي وجذور الدعوة للتسامح والتساهل المنطلقة في عالم اليوم انما يعود إلى هذا الأمر.

 

واستناداً إلى هذا المنطلق الفلسفي قال البعض بالتعددية الدينية وصرحوا بانه ليس لدينا دين صحيح ودين خاطئ أو دين حق ودين باطل، فاستخدام الصواب والخطأ في هذه الامور خطأ بحد ذاته، وهذه القضايا إمّا انها بلا معنى واما انها لا يمكن اثباتها أو نفيها. وبتعبير آخر يمكن القول ـ مع شيء من التسامح ـ أن كافة الأديان والسبل حقّة ومستقيمة.

 

ولقد فرّق البعض هنا بين القضايا الدينية قائلين: ان ما يتحدّث عن الحقائق والوجودات فهو ذو معنىً، وفيه مجال للصدق والكذب من قبيل مسألة «الله واحد» وامّا ما كان من قبيل الواجبات والمحرمات فانه لا سبيل للصدق والكذب اليه من قبيل قضية «لابد من اجراء العدالة» و«لا ينبغي القيام بالظلم».

 

نقد التفسير الثالث

 

ان الحديث عن الفلسفة الوضعية وكون القضايا غير الحسيّة ذات معنى والحديث عن الاتجاه الحسي أو الاتجاه العقلي في مجال المعرفة يرتبط بموضع آخر وقد جاء بالتفصيل في البحوث الفلسفية والمعرفية.2 ونحن هنا نكتفي بالإشارة إلى أنه نظراً لرفضنا الإعتماد

التام على الحس وعدم الإعتماد على العقل في مضمار المعارف والعلوم الانسانية ونظراً لان الحس والتجربة لا تمثل الطريق الوحيد لبحث صحة أو سقم كلام ما ـ بل يمكن إثبات بعض القضايا أو نفيها عن طريق العقل ايضاً كما في الأبحاث الرياضية والفلسفية ـ فان هذه النظرية مرفوضة بشكل تام من قبلنا، بالإضافة إلى ما نراه بالوجدان من فارق بين قضايا من قبيل «الله موجود» و«لا ينبغي القيام بالظلم» و«لابد من أداء الصلاة» وبين قضية «نور المصباح مرّ الطعم»، فلو كانت المسائل الثلاث الاولى تفتقد المعنى فينبغي ان لا تختلف عن المسألة الرابعة من حيث المعنى.

 

فاذا كانت المفاهيم الدينية معقولة وقابلة للبحث وممكنة الإثبات والنفي ففي مثل هذه الحالة ينقدح الإشكال السابق وهو انه كيف يمكن الجمع بين هذه القضايا الثلاث «الله غير موجود» و«الله واحد» و«الله ثالث ثلاثة» وان تكون صحيحة بأجمعها؟ فهل يمكن الاعتقاد بصحة هذه القضايا الثلاث حقاً في ضوء نظرية التعددية؟

 

* * * * *

  1. مريم: 90 و91.

 

  1. راجع كتاب المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، محمدتقي مصباح اليزدي، ج 1، الدرس الثالث عشر حتى التاسع عشر.
(Visited 61 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

soroush

رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification