الرئيسية / ثقافة / لوحات بيروت ودمشق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية … عند كرايمسكي

لوحات بيروت ودمشق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية … عند كرايمسكي

image_pdfimage_print

بقلم: أنيس الأبيض – صحيفة الحياة –
تماثلت موضوعات الرحلات التي قام بها بعض الرحالة الأجانب لبيروت ودمشق مع الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي من خلال المعلومات التي دوّنوها، كما أنّها تطابقت في شكل واضح مع الأرضية العامة التي ميّزت البلاد الشامية.
فعلى صعيد اللوحات الاجتماعية فإنّ هذه الرحلات ساعدت على نقل نماذج حية منها في كل المناطق الشامية، إذ إنّها تناولت بالدراسة المقتضبة أحياناً والمفصلة أحياناً أخرى نماذج من الأوضاع الاجتماعية السائدة وحدّدت درجة المستويات التي أشارت إليها ووقفت على درجة العمران الذي أصابته المدن الشامية: عمارة المباني، طراز البناء، كيفية الاعتناء بالمباني، إدخال الأعمدة والبلاط من الرخام عليها، وصف لاستقبال قادم، تقديم الطعام على النمط الأوروبي، وصف لعوائد بعض العائلات المشهورة في اللعب والفروسية كما كان سائداً عند بناء البكوات الدنادشة في عكار، الحديث عن العوائد في الأعياد والمواسم كعوائد أهل بيروت في تقديم الحلوى الرطبة المسماة المربى من الأترج أو السفرجل أو المشمش أو الإجاص، صور حية من عادات أهل بيروت في ملبوسهم ومأكولهم ومشروبهم، لباس النساء قسم منهن يلبس الإزار الأبيض أو الملاءة الحرير وعوائدهم في المأكل والمشرب والحديث أيضاً عن أخلاق وطباع وعوائد سكان مدينة دمشق إذ هي من أجمل ما يكون من أخلاق العالم فهي سهلة العريكة ولينة الجانب مع الأقارب والأجـانـب يلاقـون الشخص بالطلاقة والبشر والهشاشة.
ويشير كرايمسكي الى بعض الملاحظات المهمة التي دارت حول الصدمات الطائفية وجرائم القتل في بيروت والاستخدام الدائم للسلاح في كل المناسبات وألعاب السيف والترس وأنواع اللباس السائدة، كما يقدم لوحات رائعة حول الموسيقى القروية والرقصات الفلوكلورية الشعبية وأنواع المأكل والحلويات التي تستخدم في مناسبات خاصة كالأفراح والمآتم والأعياد الدينية.
ويتحدث قنصل فرنسا هنري غيز عن أخلاق السكان وعاداتهم، «فسكان سورية لا يزالون في مختلف شؤونهم وأحوالهم على ما كانوا عليه قديماً لم يغيّروا شيئاً من عاداتهم وتصرفاتهم وأخلاقهم». وينقل غيز صورة حيّة عن حفلات الزواج المسيحية التي تختلف في بعض الأمور عن الاحتفال به عند المسلمين.
أما عن اللوحات الاقتصادية فلقد تضمّنت معلومات حول الصناعة والتجارة ووسائل النقل بين بلاد الشام أو داخل المدن. كما أنّها تميّزت بالإشارة إلى حركة البيع في دمشق، وبالتحديد بائعي المرطبات كبائع الليموناضة وبائع الجلاب والتمر هندي المعروف بـ «مواللال يا ولد» وطريقة التنقل والنقليات التي كانت شائعة على ظهور الحمير والبغال والجمال.
كما تحدث عن خانات مخصصة للمسافرين الشرقيين خالية من الفرش وعن وجود فنادق شيّدت على شاطئ البحر في طرف مدينة بيروت الغربي وهي مخصّصة للأوروبيين، مع التنويه بتربية دودة القز وإنشاء معامل لحلج الحرير وبكثرة أنوال الحياكة، والوقوف عند حاصلات البلاد والدخل العام وأسعار الحبوب وإعطاء بيانات عن المكوس والضرائب الملتزمة في بيروت وأصباغ دباغة حمامات العقارات المسقفات والفحم والحياكة والحديد الذي يستعمل في لبنان.
ويقول غيز إنّ «بيروت تتمتع في الخارج بشهرة تجارية حازتها بحق، وقد حبتها الطبيعة مرفأ أميناً فأصبحت ملتقى سفن أقطار العالم. وعكست هذه اللوحات تنويها بأهمية مدينة دمشق والفائدة التي يمكن الحصول عليها في حال إنشاء مؤسسات تجارية فيها». وهذا ما أدركه غيز عندما تحدث عن الفائدة التي يمكن للتجارة الفرنسية أن تجنيها في سورية، «الفائدة التي يمكن تجارتنا أن تجنيها في سورية مسلم بها بصورة لا تقبل الجدل، وهذه المدينة هي – بلا منازع – إذا استثنينا إسطنبول والقاهرة أهم مدن هذه السلطنة الشاسعة، يتهافت عليها الأجانب في كل الأوقات وعلى الأخص على أثر عودة القوافل الكبيرة من بغداد ومكة، ووفرة بضائعها المشتملة على كل الأصناف. إنّ كل ذلك يبشر بازدهار تام».
أما اللوحات الثقافية التي تركها الرحّالة الأجانب فدارت على أولاد الفن في سورية الذين يسلّون الجماهير بأقاصيصهم والكلام عن الموسيقيين النادرين في بيروت وما عانته الموسيقى في الشرق بعامة وما ذكره غيز عن بعض آلات العزف الموسيقية كالنظير والكمنجة والمزمار والدفوف الصغيرة. والموسيقى الأكثر انتشاراً والأشد صيتاً هي الموسيقى المؤلفة من مزامير وطبول ضخمة، ثم الوقوف على التطور الذي خطّته بيروت بوجود الكليتين اليسوعية والأميركية، بالانتقال من طابع المدرسة الصغيرة إلى بداية الانتقال لتكونا جامعتين لعبتا دوراً بارزاً في الحياة الثقافية في المشرق العربي قبل قيام أية جامعة رسمية فيه.
ولم يقتصر دور الكليتين على تدريس الطب والآداب والرياضيات وبعض العلوم العالية الأخرى، فقد ارتبطت بهما حركة فنية وثقافية سجل كرايمسكي بعض مظاهرها خلال إقامته في بيروت وجبل لبنان.
أما في اللوحات التي كتبها عبد الرحمن بك سامي عندما زار مدينة بيروت العام 1890 ثم أكمل طريقه إلى دمشق وعاد إلى مصر ليدوّن رحلته في كتاب بعنوان «القول الحق في بيروت ودمشق» فسجّل ملاحظات مهمة حول جمال بيروت وطابعها الأوروبي فقال: «بيروت زهرة سورية، ومراكز علومها وفرضة الشام ومصب حاصلاتها كانت قديماً مدينة الفقه واشتهرت بمدرستها وقيمة أعمالها الخيرية من مستشفياتها وهيئاتها الاجتماعية من جمعياتها. كما أنّ بيروت غاصة بالمدارس المفيدة للذكور والإناث». وينهي كلامه عن بيروت بالقول: «لا يملّ القارئ من إطالة الكلام عن بيروت وأهلها، فإني شاهدت فيها أكثر مما كتبت، ولم أفتر عن السؤال عنها واستطلاع أخبارها الماضية والحاضرة شأن الغريب المتشوّق للاطلاع على أخبار الأقطار التي يزورها».

(Visited 7 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Interfaith_india

الحوار ضرورة لتفاعل الحضارات

الحوار ضرورة لتفاعل الحضارات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification