الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / لا يكفّ الشيعة عن زيارة مقاماتهم ولو بثمن الموت

لا يكفّ الشيعة عن زيارة مقاماتهم ولو بثمن الموت

image_pdfimage_print
 مقام الإمام علي في النجف
مقام الإمام علي في النجف

بقلم علي معموري – موقع المونيتور –

إنّ المقامات الشيعيّة تعني لهم شيئاً أكبر بكثير من السياحة الدينيّة أو القيام بعمل عباديّ. إنّها ليست فقط مصدر الإلهام الروحيّ لهم، بل منطلقهم الرئيسيّ في الحياة السياسيّة والإجتماعيّة منذ زمن بعيد، والسبب في ذلك أنّها ترتبط بمواضع خلاف رئيسية شقّت الإسلام إلى فرعين مختلفين لا يجمعهما شيء ما بعد ذلك.

ويعتقد المستشرق الألمانيّ ويلفرد مادلونك بأنّه “لم يفرّق الإسلام حدثاً في تاريخه في شكل أعمق وأدوم من خلافة محمّد ولكن يبدو أن مقتل أئمة الشيعة وأولادهم أدّى دوراً أعظم بكثير من موضوع خلافة محمّد في تقسيم المسلمين في شكل حادّ ومن دون رجعة. وحين يزور الشيعيّ مرقد الإمام عليّ في النّجف أو ابنه الحسين في كربلاء يتذكّر التاريخ الطويل من الإضطهاد الذي عانته أئمته وعلماؤه من قبل الخلفاء والسلاطين الّذين كانوا ينتمون إلى المذهب السنيّ. ومن هنا، تربطه تلك المقامات بالوضع السياسيّ الحاضر والصراع الداخليّ في العالم الإسلاميّ مع الحكومات السنيّة.

ولذلك، غالباً ما كانت الحكومات تعارض الشيعة في قيامهم بالزيارة للمراقد وتقيّدهم في ذلك، فحتّى لو كانت الزيارة مجرّد عمل عباديّ للبعض، فإنّها تربط الإنسان الشيعيّ بالتّاريخ السياسيّ لقياداته، المفعم بالقتل والتعذيب والإقصاء.

ويعتقد الشيعة أنّ أئمتهم قد قتلوا جميعاً أو معظمهم على يدّ الخلفاء الأمويّين(632 – 750) والعبّاسيين (750 – 1258). كما أنّ المئات من أولادهم وأحفادهم قتلوا أيضاً، وأنّ هناك مئات، بل الآلاف من المراقد المنتشرة في مدن وقرى إيران، العراق، سوريا ولبنان يزورها الشيعة باستمرار وبإلحاح وجديّة تامّة.

لقد قامت الحكومات السابقة في فترات مختلفة بمنع الشيعة من القيام بزيارة المراقد الأصلية لهم في كربلاء والنّجف، ولكن لم يمنعهم ذلك بل كانوا يقدّمون حياتهم في سبيل الوصول إلى تلك المراقد. وقام المتوكّل العباسيّ (822 -861) بهدم مرقد الحسين في كربلاء وفتح المياه عليه واعتقال من يقوم بزيارة المكان، ولكن لم يؤثّر ذلك على توجّه الشيعه له. وإنّ التراث الشيعيّ مملوء بقصص وحكايات عن التحديّات التي بذلها قدماؤهم في ثباتهم على زيارة مراقدهم، فكاد لم يكن شيعيّ لا يعرف رواية الرّجل الذي قطع المتوكّل العباسيّ ذراعه الأيمن ثمناً لزيارته لكربلاء، ولكنّه استمر على عمله في العام المقبل ليقدّم ذراعه الأيسر أيضا لينال الزيارة.

وعلى المنوال نفسه، لم تنجح الحكومات المتتالية في العهد العثمانيّ (1299–1923) والنظام العراقيّ السّابق في منع الشيعة من القيام بزيارتهم وطقوسهم في المقامات الدينيّة. كما أنّ زيارة كربلاء كانت أحد الحوافز الرئيسيّة للمقاتلين الإيرانيّين في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة (1980- 1988)، وكانوا مستعدّين لتقديم كلّ شيء بما فيه حياتهم للوصول إلى هذه الأمنية. كما أنّ هدم مزارات أئمة الشيعة في السعوديّة ما زال يشكّل عقدة كبيرة لعامّة الشيعة ويجعلهم في عداء إيديولوجيّ مع النظام السعوديّ والمؤسّسة الوهابيّة.

وبعد صعود التيّار السلفيّ في الأحداث السوريّة في العام 2011، أصبح التخوّف من المساس بالمقامات الشيعيّة أحد الحوافز الرئيسيّة للكثير من المقاتلين الشيعة من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان للالتحاق بجبهات الحرب ضد القوّات المعارضة ذات التوجّهات السلفيّة. ولم يكن صدفة أن يختار المقاتلون أسماء أصحاب المقامات الشيعيّة في القوّات العسكريّة الّتي شكلّوها في سوريا، نحو: لواء أبو الفضل العبّاس وهو الأخ الشهيد للإمام الحسين في كربلاء، كتائب سيّد الشهداء وهو لقب الإمام الحسين، لواء كفيل زينب وهي أخت الإمام الحسين، لواء الإمام الحسن، ولواء الإمام الحسين.

وفي أصعب الظروف الأمنيّة بعد عام 2003 في العراق، لم يكفّ الشيعة عن الحج وزيارة مراقدهم، رغم أنّ الزيارة كانت تكلّفهم أرواح المئات في بعض الأعوام. كما أنّ الزيارة لمرقد زينب في دمشق ما زالت مستمرّة، رغم الخطورات الأمنيّة الفائقة، وهذا لا يخصّ شيعة العراق أو إيران فقط، بل شيعة لبنان وسوريا أيضاً، فهم يقومون بالعمل نفسه في خصوص مراقدهم في العراق.

وفي السؤال عن سبب الإصرار الشديد للشيعة على الحفاظ على مقاماتهم والقيام بزيارتها رغم الأخطار، قال البروفسّور في علم الاجتماع إبراهيم الحيدري لـ”المونيتور”: “نشأت هذه المقامات وتطوّرت مع استمرار حركات المعارضة الشيعيّة. فبعد الاحباطات المتوالية الّتي رافقت تاريخ الشيعة تحوّلت بالتدريج الى أمثال ورموز للتّعبير عن الذات والحفاظ عليها وحمايتها من ضربات موجعة تحمّلوها عبر التاريخ. ومع مرور الزمن، تحوّلت إلى منابر احتجاجيّة للتّعبير عن التذمّر والاعتراض الشعبيّ تجاه السلطات الرسميّة الّتي كانت سبباً في تطوّرها”.

ولذلك، يزداد الإصرار في شكل فائق جدّاً حين يشعر الشيعة بأنّ هويّتهم في خطر، وأنّ كيانهم الاجتماعيّ والدينيّ في معرض الانحلال في الأكثريّة السنيّة أو معرّضين للقمع. فكلّما يتضاعف التهديد تتضاعف العلاقة بالمقامات والتمسّك بها، ويكثر التردّد إليها وتتوسّع مكانتها وأدوارها في الحياة الاجتماعية والسياسيّة.

وما لم يفهمه الكثير من السنّة هو أنّ المقامات الشيعيّة لا يصحّ فهمها في سياق العبادة والممارسات الدينيّة البحتة، بل هي قاعدة ومنطلق للهويّة وللمشاركة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، فما تقوم به الجماعات السلفيّة باتّهام الشيعة بالشرك لقيامهم بزيارة للمقامات، يقوم على سوء فهم للسياق التاريخيّ لتلك المقامات وما تعنيه للشيعة.

إنّ المقامات الشيعيّة تمثّل كلّ الحياة الدينيّة بجوانبها الاجتماعيّة والسياسيّة المختلفة، فهي المكان الّذي يشعر فيه الإنسان الشيعيّ بأنّ حياته قد امتلأت، وأصبحت أكثر ثراء واحتراماً، ملاءمة مع الحال المثاليّة، في منتهى السلام والكمال، وذلك بحسب ما وصف تشارلز تايلر حياة الإنسان المؤمن في كتابه “عصرٌ علمانيٌ”.

(Visited 16 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

azhar35

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر ... المواطَنة والعيش المشترك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification