الرئيسية / مراجعات الكتب / رضوان السيد: الإسلام والتراث ليسا سبب المشكلات الراهنة ولا يملكان الحل

رضوان السيد: الإسلام والتراث ليسا سبب المشكلات الراهنة ولا يملكان الحل

image_pdfimage_print

بقلم: يوسف سلوم – صحيفة الحياة – لطالما تساءلت عن سبب عزوف الدكتور رضوان السيد عن خوض بحر التراث، واكتفائه بنشر نصوص في الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي، نشراً يدنو من «إعادة القراءة». فالرجل درس في الأزهر واتقن علوم التراث ومعارفه، كما انتقل إلى أوروبا واطلع على المناهج الغربية. ولذا فمن المستغرب أن ينأى بنفسه عن السجالات التراثية التي شغلت الباحثين العرب ولا تزال منذ منتصف القرن الماضي.
يعزو السيد السبب إلى قناعته الراسخة بأن الصراع على التراث، إنما هو في الحقيقة صراع على السلطة في الحاضر في الثقافة والاجتماع والدولة، وبأن المناهج الغربية بمعظمها لا تصلح لقراءة التراث، لأنها بعيدة من روحه وطبيعته وماهيته. كما أن تطبيقات المنهج الجدلي على التراث والتي قام بها حسين مروة وعبد الله العروي وطيب تيزيني والجابري وأنصارهم من الماركسيين تتجافى مع حقيقة الشواهد التاريخية.
لهذا خطّ السيد لنفسه طريقاً مغايراً لأقرانه، اذ رأى أن نشر المخطوطات وقراءتها، وتنمية المعرفة بمناهج نقد النص ومناهج التأويل، يسهمان أكثر في تنوير العقل العربي والنهوض به، لأن مثل هذه الدراسات تساعد على إعادة كتابة التاريخ الثقافي بالمعنى الواسع، للتجربة الفكرية العربية والإسلامية في أزمنتها الكلاسيكية. فالسيد يعتقد أن الإصلاح السياسي سيسبق الإصلاح الديني في العالم العربي، وأن المشكلات السياسية والثقافية والاقتصادية، ليس سببها التراث ولا الإسلام، كما أن حلها أيضاً ليس في التراث ولا في الإسلام. بيد أن طرح مثل هذه المقولة الخطيرة جداً قد يعرّضه إلى هجوم واسع من أساطين الفكر العربي وتلامذتهم، لأنها باختصار تقوّض جلّ ما كتبه هؤلاء على مدار عقود، وتنبّه إلى أن الإشكاليات التي أشبعوها بحثاً وتفنيداً ليست هي سبب تخلفنا عن ركب الأمم، وليس فيها الحل أيضاً. فالداء والدواء في مكان آخر.
لهذا تردد السيد لعقود عن طرح مثل هذه المقولات، والتصدّي لمشاريع أقرانه. كان يعوّل على الباحثين العرب ليكتشفوا التمايز بأنفسهم. لكن على ما يبدو وبعد مراجعات كثيرة استدرك المفكر السيد أن المسؤولية العلمية والدينية والثقافية والحضارية توجب عليه ولوج هذا الباب. فأصدر كتابه «التراث العربي في الحاضر: النشر والقراءة والصراع». لكن على رغم ذلك ظل الرجل حذراً في مقاربته لهذه المسائل الدقيقة، محاولاً تلطيف الانتقادات قدر المستطاع، كي لا يأخذ المسار منحى شخصياً، ويبقى في إطار التنوع العلمي والبحث الأكاديمي. ففي ختام نقده لمحمد أركون مثلاً يقول: «إن الأستاذ أركون كان يملك نهماً معرفياً غلاباً، وإرادة قوية في الإصلاح والنهوض، وقد استخدم من أجل تحقيق هدفيه التحريري والتحرري عدة معرفية هائلة من منتجات الثورات العلمية الحديثة في الدراسات الإنسانية. وقد تعلمنا كثيراً في شبابنا وكهولتنا من مقدمات كتبه، ومن برامجها الثورية والإصلاحية، فليعذرني رحمه الله».
قسم السيد كتاب «التراث العربي في الحاضر» إلى ثمانية فصول، رسم من خلالها صورة بانورامية لمسار الفكر العربي منذ بدايات القرن الثامن عشر مع رفاعة رافع الطهطاوي حتى الآن. في الفصل الأول تحدث عن مراحل الصراع على التراث الذي يعكس برأيه تطورات الصراع على السلطة في المجتمع والثقافة والدين والدولة. فالصراع على الدولة والتراث مرّ بأربع مراحل، وهو اليوم في خضم المرحلة الخامسة. اتفق رواد المرحلتين الأولى والثانية على أن المشكلة ليست في الموروث الديني، بل في إدارة الدولة، وعلى أن النهوض لا يتم إلا من طريق الإصلاح الديني والإصلاح السياسي. أما المرحلة الثالثة فقد بدأ الحديث فيها عن علاقة الدين بالدولة ولا سيما بعد إلغاء مصطفى كمال الخلافة عام 1924، ودارت سجالات حامية بعد صدور كتاب علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم». وفي المرحلة الرابعة أخذ الحديث عن التراث بعداً مختلفاً. فقد كان اليساريون والليبراليون يدرسون التراثيات دراسة تفكيكية. أما الإسلاميون فما كانوا معنيين بغير الاستيلاء الثقافي والسياسي بصدام أو من دون صدام مع السلطات إن أمكن. وقد تركوا النصوص التاريخية، والانفتاح على اليساريين والليبراليين، واثقين بقوة رمزية العقائدي وسطوته. لقد صار التراث هو الدين نفسه، وأي مجادلة فيه، صارت مجادلة في حجية الدين، وحجية الكتاب والسنة. يتساءل السيد، أي معنى للتراث اليوم؟ وأي معنى للصراع عليه في خضم المرحلة الخامسة؟ يحذر الكاتب من انحرافات وزحزحات خطيرة تجري مع صعود نجم حركات الإسلام السياسي والإسلام الجهادي. فهذه التنظيمات تسعى لإخراج الدين من حضن المجتمع ووضعه في أيديهم. وهو ما يستدعي تحركاً عاجلاً لإنقاذ الدين وحمايته من التسيس في زمن الثورات. فما يجري هو تجاوز للتراث الديني والثقافي، وتجاوز للتاريخ، وتجاوز للسكينة والوحدة الدينية والشعورية.
في الفصل الثاني، يتطرّق السيد إلى مسألة الحضور التراثي في الفكر السياسي الإسلامي الحديث والمعاصر. حيث مرّ التعامل في الأزمنة الحديثة مع التراث السياسي بمرحلتين: مرحلة الاقتباس والاستلهام ونهجهما، ومرحلة أو نهج التعامل مع ذلك التراث أو أجزاء منه. أما في الفصل الثالث، فيقدم السيد قراءة عميقة ونقدية لكتابات الطهطاوي ونتاجه الفكري وكيفية تعامله مع التراث وتوظيفه له، وفي رأيي أن هذا الفصل يقدم مقاربة جديدة ونوعية لفهم نتاج الطهطاوي، وسيشكل أحد المراجع المهمة للباحثين.

كتاب "التراث العربي في الحاضر" لرضوان السيد
كتاب “التراث العربي في الحاضر” لرضوان السيد

أما في الفصلين الرابع والخامس فيتحدث الكاتب عن دوافع اهتمام الأوروبيين بنشر النصوص العربية، وتأثير ذلك في الإحياء التراثي في العالمين العربي والإسلامي، إلى جانب الدور الذي لعبته الجامعة المصرية في عمليتي الإحياء التراثي، والبناء على موضوعات تراثية. يسلط السيد الضوء على الظروف والبيئات التي تكوّنت فيها الرؤى للتراث العربي والإسلامي المكتوب في الغرب الأوروبي، وكيف وصلت هذه الرؤى إلى مرحلة النضج. كما يبيّن كيف بدأ التواصل العربي مع الدراسات والبحوث الشرقية الأوروبية، وكيف استفاد العرب والعثمانيون والهنود المسلمون من الأوروبيين، وكيف تطورت أساليب النشر الأوروبية للمخطوطات العربية. لكن المؤسف هو انقطاع هذا التواصل المبدع منذ ستينات القرن الماضي، وعدم تحقق الأصالة، التي كان يهدف مصطفى عبد الرازق وتلامذته للوصول إليها. والسبب برأيه يعود إلى ظهور الأصوليات الإسلامية التي تعدّ التراث ديناً من الدين، ولا ترى فيه إمكاناً للتباحث مع الآخر الغريب أو العدو.
أما الفصول الثلاثة الأخيرة والتي تعتبر الأهم في الكتاب، فإنها تناولت المقاربات الأيديولوجية والمعرفية المعاصرة في تحقيقات التراث العربي. وقد قدم السيد قراءة مفصلة لمشروعي محمد أركون والجابري، وسلط الضوء بإيجاز على مشاريع عبد الله العروي ونصر حامد أبو زيد وحسن حنفي. ليخلص إلى أن المقاربات الأيديولوجية غلبت على المعرفية في كثير من الأحيان. لا سيما أن بعض القارئين عمدوا للتوظيف التراثي المباشر في عمليات المراجعة أو الخيارات الثقافيّة والدينيّة والنهضويّة. يقول رضوان السيد: لقد كان النشر التراثي عملاً نهضوياً، ثم تحول إلى صراع على السلطة، ومن هنا جاءت غاية هذا الكتاب التي تتلخص في قراءة هذا التحول».

(Visited 17 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Untitled-1

كتاب جديد عن “مركز الحضارة”: مدخل الى ماهية الفلسفة الإسلامية

كتاب جديد عن "مركز الحضارة": مدخل الى ماهية الفلسفة الإسلامية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification