صـورة الإســلام والمسلمين فـي المتخيّـل الأوروبـي فـي القرون الوسطى

download

 

مقدمة

اختزنت الثقافة الغربيّة منذ القديم تصوّرات عن الإسلام والمسلمين تعود إلى بداية ظهور الدعوة، وما تبعها من تمدّد الدين الجديد في الشرق البيزنطي (مصر وبلاد الشام) ومن ثمّ إلى القارة الأوروبية، بعد اكتساحه لشبه الجزيرة الأيبيريّة وتهديده ببسط النفوذ على جنوب أوروبا.

وإنّ استشعار الخطر القادم من الشرق قد دفع مؤرّخي الغرب الأوروبي إلى الترويج لفكرة تقوم على اعتبار ظهور الإسلام، غضبا إلهيّا مسلّطا على عالم مسيحي لم يعد متمسّكا بدينه، وقد نهض المؤرّخون البيزنطيّون بالخصوص، بمهمّة التسويق لهذه الفكرة، حيث قاموا بدور بارز في تدعيم الجهل بالإسلام وعقيدته، وعملوا على تغذية المخيال الأوروبي – على المستوى النفسي- بكمّ كبير من التشويه عن الإسلام ونبيّه[2]

ولعلّ تأصّل هذه الفكرة في الذهنيّة الغربيّة قد أوجد سيكولوجيّة عامّة كارهة للإسلام وأهله، تراه عدوّا لا سبيل إلى التعامل معه، باعتباره دين عنف وقسوة ودمويّة[3].

هكذا، ومنذ البدء يتضح أثر التراكمات التاريخيّة في تشكيل طبيعة العلاقة بين المسلمين والنصارى، وفق صور نمطيّة رسمها كل طرف للآخر، تعود جذورها إلى فترات زمنيّة سابقة بلغت مداها مع الصليبيّات، وعبّرت عن نفسها بوضوح أكثر من خلالها.

وإنّ استقراء هذه الصور النمطيّة وتفكيك أبعادها قد مكّن من فهم لحظة الصراع بين الطرفين، وهي لحظة فارقة في التاريخ الوسيط، بحكم ما ترتّب عليها من نتائج، لعلّ أهمّها تراجع الحضارة العربية الإسلامية وانحراف مسار التطور الحضاري منها إلى الغربي المسيحي من جهة، كما مكّنت من النبش في الذاكرة لربط هذه الصور (لدى الجانب الأوروبي تحديدا) بالمرجعيات والروافد التي منها تغذّت من جهة ثانية.

1- الصورة النمطيّة للإسلام والمسلمين في المخيال المسيحي:

لقد وجد الغربيون على مدى العصور الوسطى في الإسلام والمسلمين مادة خصبة، حبّروا في شأنها الكثير، كثرة ساهمت في إيجاد نموذج نمطيّ متخيّل، بات من ثوابت التوجّه المسيحي لا يتزحزح عنها، وقد يعود هذا إلى أنّ الأوروبي، كما صرح برنارد لويس Bernard Lewis “هو الأكثر تعصّبا تجاه المسلم”[4]. وحَسْبُنا قراءة متأنية لمدوّنات المؤرّخين والرحّالة المسيحيين ممّن عاصروا الحروب الصليبية لنقف على استنتاج مهم، وهو أنّ هذه المدونات أو أغلبها، صادرة عن شعور بالعداء للطرف المسلم، فجاءت متخمة بالنعوت المنفرة من المسلمين من قبيل وصفهم بـ”الجنس الشرير” و”أعداء الله” و”البرابرة الوثنيين” و”القتلة” و”سفاكي الدماء” و”أتباع الشيطان”[5] و”الأمم النجسة”[6] وغير ذلك من العبارات التي زخرت بها قواميس القذف والشتم في تلك المرحلة.

إن هذه اللهجة المتشنجة لا يمكن أن تكون وليدة الفترة الصليبية وحدها، بل هي رجع لصدى الماضي الذي يعود بنا إلى بداية تشكّل الظاهرة الإسلامية، وصور التعامل المسيحي معها. فعندما تحوّل العرب من الوثنية إلى الإسلام في القرن السابع الميلادي لم تكن أوروبا في بادئ الأمر، تلحظ ذلك التحول، ويبدو أنه لم تطرح إلا أسئلة قليلة عن هذا الدين الجديد وأتباعه الذين اعتبرتهم المسيحية غير مختلفين عن بقية الشعوب البربريّة الأخرى، وأن دينهم لا يتجاوز كونه تعبيرا عن “هرطقة”[7] مسيحية جديدة، ولذلك، فليس ثمة حاجة تدعو إلى المزيد من المعلومات عنهم في هذا الوقت المبكر[8].

لقد اختزلت خطبة البابا “أوربانوس الثاني”Urbanus II (1042-1099) في مدينة “كليرمونت” الفرنسية سنة 1095م[9] الصورة التي يحملها المخيال المسيحي عن الإسلام والمسلمين، وهي صورة تشكلت بالتدريج عبر الزمن حتى اكتملت أبعادها عشية الحادثة الصليبية، وقد كان من الضروري تبسيطها وإعطاؤها طابعا نمطيا عدائيا، مع تنامي الحاجة إلى إشباع نفسي لدى الشارع الغربي الذي وقعت تعبئته بشكل أصبح معها راغبا في صورة تبيّن الصفة الكريهة للإسلام، عن طريق تمثيله بشكل فجّ على أن تكون في نفس الوقت مرسومة بشكل يرضي الذوق الأدبي الميّال إلى كل ما هو غريب مستهجن.

وهكذا، حدث أن الكتّاب اللاتينيين الذين أخذوا على عاتقهم بين العام 1100 والعام 1140م إشباع هذه الحاجة لدى الإنسان الغربي، قد عمدوا إلى توجيه اهتماماتهم نحو إطلاق أوصاف عدائية على المسلمين، تنتمي كلها إلى معجم القذف والشتم والسخرية مثل “السراقنة[10] Saracens” و”الوثنيين Pagans” و”الكفار Infidelss” و”المحمديين Mouhammadanss” … إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف التي لم يرد ضمنها على الإطلاق لفظ “المسلمين Musulmans”.

و لقد قدّر لهذه الصورة أن تتجاوز حدود التدوين التاريخي، لتصبح مادة مطلوبة لكثير من الأعمال الأدبية الفلكلورية والقصص البيزنطيّة، هدفها الوحيد إثارة اهتمام القارئ بالعرض المشوّه للعقيدة الإسلامية، بل إن الملاحم قد وصلت – في علاقة بهذا الهدف – إلى أعلى ذرى الابتكارات الخياليّة، فقد اُتُهم المسلمون بعبادة الأوثان، وكان محمد في عرف تلك الملاحم صنمهم الرئيسي، واعتبره معظم الشعراء البيزنطيين كبير آلهة المسلمين، تقام له تماثيل ضخمة تصنع من مواد غنية وذات أحجام هائلة[11] ولدينا وصف معبّر للمسلمين، رسمته كلمات المؤرخ الصليبي فوشيه دى شارتر Foucher De Charters (1055/1060-11277) الذي كان شاهد عيان لمعظم أحداث الحملة الصليبية الأولى، وهو وصف معبر عن رؤية المصادر الغربية عموما في ذلك الوقت المبكر من أدوار الصراع الصليبي الإسلامي، يقول: “كانوا (ويقصد المسلمين) يبجّلون معبد الرب تبجيلا عظيما ويفضّلون تلاوة الصلوات فيه، غير أن هذه الصلوات كانت تضيع سدى لأنها تقدّم إلى صنم أقيم هناك”[12].

والثابت أن هذا المؤرخ قد خلط بين الاحترام الذي كان المسلم يكنّه لمسجد قبة الصخرة (معبد الرب في التسمية الصليبية) وبين العبادة فيه بإقامة الصلوات، وتلك مغالطة، الغاية منها التشويه الذي جاوز حدّه، بتعمد الطرف المسيحي الترويج لفكرة أن المسلمين لم يكن لهم دين يدينون به، من ذلك إشارة فوشيه دي شارتر سالف الذكر والذي ردد في أكثر من موضع في كتابه “يا له من عار على المسيحيين أن يلومنا مَنْ لا دين لهم على ديننا”[13] كما نستحضر قوله في حيّز آخر “يا له من عار إذ قام جنس خسيس مثل هذا الجنس (يقصد المسلمين) جنس منحلّ تستعبده الشياطين بهزيمة شعب يتحلّى بإيمان عظيم”[14].

إن هذه القسوة التي تميز بها المسيحيون في الأدوار الأولى من الحروب الصليبية تعبير عن المستوى الحضاري المتعصب الذي عاشه مجتمع أوروبا في تلك المرحلة، حيث تمّ شحذ أذهان الناس بأن المسلمين ليسوا أهل دين وما محمد نبيهم إلا “ذاك الشخص المثير للجنون، وعد أصحابه بالملذات الحسية من مأكل وجنس…وحتى كلامه عن قوى روحيّة لم يستند إلى وقائع برهانية قويّة، بل هي ثرثرات يفندها العقل البشري البسيط…ما هو إلا شخص جاب بسيفه كاللصوص ربوع الصحراء، حيث خشيته الشعوب هناك، مستهزئا بقصص وثرثرات ما قبل النوم المأخوذة من حكايات العهد القديم”[15].

ولم تكتف المخيلة المسيحية بتضخيم عقيدة المسلم وتشويه سلوكه ونمط حياته، بل أضافت إلى ذلك اعتبارات سيميولوجية تتعلق بلونه وهيأته، إلى درجة كثفت فيها صورة المسلم في العصر الوسيط مخاوف اللاوعي الجمعي المسيحي لإنتاج ردود فعل رافضة للإسلام في كليته، وخلق شروط التعبئة النفسية لمحاربته.

تلك تصورات نراها مزيجا بين العنصرية والانغلاق على الذاتية تجاه الآخر، معتنقي عقيدة محمد وقد تم تصويرهم على أنهم أناس أغبياء يعيشون في الفيافي يتقاتلون فيما بينهم، جاهلين بعقيدة الرب المسيحي.

والواقع أن هذه الصورة التي تمثلتها أذهان العامة من المسيحيين رجع صدى للدعاية المحمومة التي قادتها البابوية أثناء الحروب الصليبية، على أن أخطر ما فيها إسهامها في تأبيد الموقف النافر من الإسلام والمسلمين حتى أيامنا هذه. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن مرجعياتها اعتبارات دينية محضة، أو مدّ وجزر عسكريين فقط، لأن المدى الزمني الطويل الذي تشكلت فيه هذه الصورة لم يكن خاضعا لحسابات المؤسسة الكنسية وحدها وهو ما يفسّر عدم قدرة المخيلة الغربية، وربما عدم رغبتها في تجاوز الأحكام المسبقة عن الإسلام والمسلمين، رغم الاقتناع بحجم التشويهات التي اتصفت بها.

2- الروافد والمرجعيات:

في العصور الوسطى، استثمر الغرب المسيحي كل الوسائل الكفيلة بتكوين متخيل جمعي يعلي من شأن الذات، ويقدم الآخر في أشكال منتقصة شيطانية، محفزة على الإيمان بعدوانيته وشراسته إلى الدرجة التي يصل فيها الاعتقاد بأن مواجهة الإسلام “حرب على الظلام قصد إشاعة الأنوار”[16].

وسواء أكانت هذه العملية “إيديولوجيا” أو “دعاية” فإن ما أثار الانتباه عند الباحثين المهتمين، استعمالهم الكبير لقاموس المتخيل أو المخيلة، أو الإدراك، أو الصورة النمطية، وهو ما يضعنا مباشرة في قلب الإشكالية التي تحركنا منذ البداية باعتبار ما للمتخيل من دور حاسم في تشكيل النظرة الغربية القروسطية للإسلام والمسلمين. فإذا كانت الحضارات تنتصر – كما يزعم فرنان بروديل Fernand Braudel (1902-1985) لأنها تعرف كيف تمارس كراهيتها للآخرين، فهل يصحّ القول حينئذ، بأن التشويه الذي تعرض له الإسلام من طرف الأوروبيين عبّر عن حاجة ضروريّة “للتعويض عن شعورهم بالنقص”[17]. بمعنى هل أن التعبئة المسيحية حين قرنت الإسلام بالظلام والمسيحية بالنور، زرعت في الوجدان المسيحي الشعور بضرورة الانتصار على النقص لهزم الظلام الإسلامي؟ الجواب في هذه الحالة، أنه مهما كانت قوة الإسلام والمسلمين فإن المسيحيين من جهتهم قد ترسّخت لديهم القناعة بتفوقهم بفضل دينهم[18] ومن ثم فإن الصورة المشوهة عن الإسلام يتعين النظر إليها بأنها “إسقاط للجانب المظلم في الشخصية الأوروبية”[19].

إن التصور المسيحي للإسلام، أو ما يمكن لنا التعبير عنه بالوعي الضدّي بالآخر جاء نتاج الأدبيات التي وضعها رجال الكنيسة، وعلماء الكلام، والمؤرخون، والدعاة، لسبب بسيط وهو أن الرهبان والكهان وموظّفي الكنيسة الكبار هم الذين يدعون امتلاك مفاتيح المعرفة، وبعهدتهم وحدهم تناط تربية المؤمنين بكتاباتهم ودعواتهم[20].

في هذا السياق يشير “أليكسي جورافسكي Alex Georavsky” إلى أن تعرّف أوروبا على الكتابات الدينية والجدليّة المناهضة للإسلام قد مرّ عبر النموذج البيزنطي بالدرجة الأولى[21]، أي أنه مهما كان دور المسيحيين الشرقيين في التمهيد لعناصر الصورة المسيحية عن الإسلام فإن الوساطة البيزنطية أعطت لكثير من هذه العناصر بعدا ينشّط المخيلة ويحرّك الوهم أكثر مما يستدعي النظر العقلي الهادئ. وإن الإطار المرجعي لهذه الوساطة البيزنطية تمثله الأعمال التي تركها يوحنا الدمشقي John de Damas Jean Damascéne /(676م – 749م)[22] وكان الإسلام موضوعا لها.

● مقولات يوحنا الدمشقي رافدا من روافد المتخيّل:

لئن كانت نشأة يوحنا الدمشقي في بيئة عربية بيزنطية وإسلامية، فإنه ساهم بقدر مهم في إثراء الجدل الكلامي بين الإسلام والمسيحيّة، وإضفاء نوع من “العقلنة” على نمط المناظرة الذي دار حول قضايا لاهوتية بين علماء الكلام المسلمين وعلماء اللاهوت المسيحيين.

غير أننا نشير إلى أن يوحنا الدمشقي ساهم بشكل تأسيسي في رسم بعض ملامح المسلم، ذلك أنه حاول التشكيك بكون الإسلام دين إبراهيم من خلال وصفه المسلمين على نحو لا يخلو من مخاتلة بـ “السرااقنة”، فهو أول كاتب بيزنطي استخدم هذا التشويه الإيتمولوجي لأغراض الجدل العنيف وتحفيز الذاكرة، كما وصف المسلمين بـ “المفسدين”، وصوّر من جهة ثانية النبي محمدا على أنه واحد من “أتباع بدعة أريان” وبأنه استقى من الآريانية[23]Arianismee العقيدة التي تفيد بأن “الكلمة” و”الروح” لا يعدوان كونهما مخلوقين لله، واقتبس من النسطوريّة Nestorianisme[24] ما يتعلق بعدم تأليه الابن المتجسّد[25]، كما اعتبر يوحنا القرآن نتاجا “لأحلام اليقظة” والنبي محمدا “شخصا مضللا” وينتقد بقوة ما يعتبره “معاملة لا تليق بالنساء من قبل المسلمين”[26] ثم ينتهي معددا أهم الممارسات والمحظورات في الإسلام على الشكل التالي: الختان، عدم اتخاذ يوم السبت للراحة والعبادة، إلغاء المعمودية، إحداث تغيير في محرّمات الطعام ومنع شرب الخمر[27]. وبغض النظر عن التأثير الذي كان ليوحنا الدمشقي على المناخ الجدلي الكلامي الإسلامي، أو عن انتمائه “السامي” و”ثقافته السوريّة” أو حتى الاحترام الذي تمتع به من قبل المسلمين والمسيحيين، فإن هذا الرجل في نظر بعض الباحثين قد ناقش الإسلام “باعتباره بدعة”[28] بل إن “التصورات المتكونة عن الإسلام كبدعة مسيحيّة مرتدّة ومنشقّة، وعن محمد كنبيّ مزيّف انتقلت من سوريا إلى البيزنطيين ومنهم إلى الأوروبيين عبر شخصه”[29].

إن المتخيّل المسيحي في الزمن الوسيط قد بلور الصورة التالية عن الإسلام: “إنه عقيدة ابتدعها محمد، تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنه دين الجبر والانحلال الخلقي والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة”[30].

يُرجع الدارسون عنف الأحكام المتخيلة على الإسلام إلى طبيعة الشغف الإسلامي وما تولد عنه من إرادة القوة المتطلعة إلى انتزاع مناطق شاسعة من السيطرة المسيحيّة. ولم يمنع احتكاك المسيحيين الشرقيين بتحولات الواقعة الإسلامية وبنصوصها التأسيسيّة حرص الوساطة البيزنطية على تنشيط متخيل عدائي للإسلام أفضى إلى تكوين الصور النمطية المؤسسة للوعي واللاوعي المسيحي طيلة الزمن الوسيط”[31]

لقد خضعت هذه الصور النمطية إلى تطور خاص، تبعا لسيرورة المد الإسلامي، ولطبيعة النزاع الذي شهدته المنطقة المتوسطية وما جاورها بين الإسلام والمسيحيّة. ويجمع الباحثون على أن الإدراكات والصور الأولى التي كونتها المخيلة المسيحية عن الإسلام كانت باهتة وغامضة ولا تستند – باشتثناء حالات قليلة محددة مثل حالة يوحنا الدمشقي – إلى اطّلاع ومعرفة كافية بأصول الإسلام ونصوصه التأسيسيّة.

وفي كل الأحوال، فإن المسلمين شكلوا – ولمدة طويلة – بالنسبة إلى الغرب المسيحيّ “خطرا قبل أن يصبحوا مشكلة”[32]. وضمن جدلية المد والجزر هذه، والاحتكاك العنيف أحيانا، بدأت الصور المسيحية عن الإسلام تتحدد أكثر، دون أن يعني ذلك اقترابها أو مطابقتها للوقائع. فكلما توغّل الإنسان عميقا للبحث عن الأصول المباشرة لهذه الصور إلا صعب عليه التمييز بين ما هو واقعي وما هو متخيّل، بل إن البعد الأسطوري لهذه الصور يغدو حاسما في إعادة إنتاجها وتكريس معانيها في أعماق اللاوعي الجمعي، خصوصا أنها تعلقت بمنظومة دينية وثقافيّة تحمل كل عناصر الضدية بالنسبة إلى المسيحيّة.

إن ارتباط نمط الإدراك بالخلفيّة الدينية ينشّط لا محالة آليات المتخيل، ويجعل البعد الأسطوري يعيش حياة خاصة يغدو فيها الواقع بعدا يصعب القبض عليه، بل تصبح للأسطورة وظيفة تفسيرية لا يهم فيها إن كانت صائبة أو خاطئة، تعكس الواقع أو تشوّهه “مادامت قدرتها على التمثل تفرض ذاتها على الذاكرة الجمعيّة، وتجثم بكل ثقلها الواقعي على المستقبل.

هكذا، تساهم الأسطورة في تأسيس سلوكات في العمق، وبهذه الصفة تغدو مشاركة في الواقع[33].

3- مضامين الرؤية المسيحيّة القروسطية للإسلام:

نشير بدءا إلى أنّ العنف المتخيل والقسوة في الحكم على الإسلام والمسلمين قد استدعته شروط تنظيم الهجوم المضاد المسيحي على المد الجارف للتوسع الإسلامي، وهو تمدد كاسح شكل أكبر تهديد للوجود المسيحي في البحر الأبيض المتوسط، بل إنه أحدث قطيعة حاسمة بين المرحلة الرومانية التي كانت ترى في المتوسط مركز العالم والفضاء الاستثنائي للمسيحيّة وبين واقع جديد أعطى للعلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي أبعادا عميقة في العقل والوجدان، مما جعل المؤسسة الكنسيّة تشعر بحسرة لا متناهية على فقدان وحدتها الجغرافيّة والروحيّة.

وضمن هذا السياق، تندرج الحرب الرمزية والنفسية من خلال الانتقاص من كل مظاهر الواقعة الإسلامية نصوصا ونبيّا وحضارة وإنسانا، لإعادة بناء الوعي المسيحي بالذات، في سياق خلق صور قدحيّة للآخر، قصد التعويض عن الفقدان الكبير الذي أحدثه الإسلام في منطقة تعتبرها المسيحية مجالا حيويا منذ القديم. ولذلك عملت الظاهرة الصليبية بمراحلها المختلفة على “تكثيف الصور الأولى التي كونتها المسيحيّة الأوروبية عن الدين المنافس”[34]، وقد نجحت في ذلك إلى أبعد مدى لصدورها عن تأويلات وأخبار مغرضة ضد الواقعة الإسلامية تعكس بشكل ما، ذلك الشعور العميق بما سماه فرنان بروديل الكراهية.

إنّ أبعاد الصورة النمطيّة المشوّهة تمتدّ لتلامس أفقا تخييليا رحبا لم يضق به الوجدان المسيحي، بل استوعبه وتَمثَّله بشكل أرضى في داخله نزعة الحقد والتشفي. ونقتصر في عرضنا لهذه الأبعاد المشكلة لتلك الصورة على المسلّمات التالية:

  • الإسلام دين الوثنية: نسج الغرب المسيحي في الزمن الوسيط خطابا حول الإسلام تداخلت فيه المعلومة المنتزعة من سياقها وواقعها بالخيال المتدفق بالميل المقصود إلى التشويه، وتقديم الإسلام بكل الأشكال المتناقضة مع ماهيته وأصوله. ففي الوقت الذي نجد فيه الإسلام يتأسس على التوحيد قاعدة دينيّة ثابتة، نجد الخطاب المسيحي مراهنا على الترويج لما هو مناقض لهذه القاعدة بالذات، من خلال الادعاء بأن الإسلام ديانة وثنية تدعو إلى التعدد، ومؤسسها دجال وساحر ومنشقّ، وفي كل الأحوال لا يمكن أن تنطبق عليه صفات النبوة المشكوك فيها أصلا، لأن القول بأن محمدا أرسل إلى الناس لتصحيح التحريف الذي طرأ على اليهوديّة والمسيحيّة، وبأن كل ما هو جيّد في الإنجيل موجود في القرآن قول باطل لأن ذلك ينمّ عن “ادّعاء وجنون أكيد”[35].
  • الإسلام دين العنف: هو دين شعاره السيف والحرب والقتال، وهي صفات تمثل النقيض المباشر للمسيحيّة، إذ المسلم يتقدم إلى مساحة الإدراك المسيحي الأوروبي باعتباره رجلا محاربا، شرسا، متوحشا، يقوم بكل أنواع النهب والتنكيل خالقا بذلك وراءه تعاسة وشقاء لا يوصفان، فيصبح المسلم ممثلا لكل التعبيرات العدوانية، يحركه ميل قويّ للقتل حتى أصبحت القوة عنده، وعلى نطاق عام تقريبا، عنصرا مؤسسا للديانة الإسلامية وعلامة بديهية على الضلال[36].
  • الإسلام دين الشبقيّة: عمل رجال الكنيسة المسيحيين على بناء سيرة ذاتية للنبي محمد خاصة بهم، لعبت فيها المخيلة دورا حاسما في إنتاج الصور واختلاق الأخبار بدمج بعض التفاصيل القريبة من الصحة في قالب متخيل يجعل من التهويل والتضخيم قاعدة له، ومن توليد النفور والرفض غايته. فالنبي محمد عندهم رجل “شبقي” ينغمس في عوالم اللذة بشكل عبثي، يقول بتعدد النساء وبالتمتع بالحياة معهن، وفي العرف المسيحي الداعي إلى الورع والتقشف والتعالي عن اللذات والامتناع عن الزواج يمثل هذا السلوك قمة التفسخ والانحلال الأخلاقي، وهو ما استغله المسيحيون في كتاباتهم للتشكيك في نبوة الرسول، من منطلق إدراكهم بأن التحامل عليه، بما لم يثبتوه فيه بالدليل، أحسن وسيلة لنسف الإسلام، وتدمير صدقية رسالته، وزرع الشك لدى معتنقيه الذين يبقى الأمل في مشروعا تبشيريا قائما.

ولاستكمال المشهد، التجأت المخيلة المسيحية الغربية إلى استثمار كل أشكال التجريح والدعاية، وفي هذه الصورة كما في الصورتين السابقتين ينشط المتخيل بشكل لا حدود له قياسا إلى واقعيّة الأمور.

لقد نُعت المسلمون بكونهم يمارسون الشذوذ الجنسي، ولا يتورعون في جعل الجنس مسألة حيوية في علاقاتهم ووجودهم، وهذا ما يعبّر عن ضعفهم وعجزهم أمام غرائزهم وأهوائهم، فكيف لنبي ولمن اتبعه أن يدّعي الإتيان بمشروع إلهي وهو غير قادر على الترفع عن غرائزه البسيطة، والتحرر من إغراءات اللذة والحياة العابرة؟

خاتمــة:

إن الخطاب المؤسس للنظرة المسيحيّة للإسلام في القرون الوسطى ارتهن بقاموس لفظي كان فيه للوهم والمتخيل دور حاسم، فالوعي الضدّي بالآخر والإدراك القويّ للمنافسة، وما يفترضه ذلك من الاحتفاظ بالوجود ولّدا لدى المؤسسة الكنسيّة الشعور بضرورة القيام بردّ الفعل، فالتجأت من أجل تحقيق ذلك إلى كل الوسائل لشحن المتخيل الجمعي بالصور المضادّة للحقيقة المسيحية، سواء أقدمت هذه الصور في أشكال متخيلة تشوّه الإسلام باعتباره عقيدة، أو صورا كاريكاتوريّة تضخّم بعض الجوانب الواقعيّة، وتصوغها في قالب لا أخلاقي منفّر أو في صور انتقائيّة تجعل من بعض المواقف الإسلاميّة، ولا سيما في موضوع الجنس فرصة للتهويل لإنتاج ردود أفعال رافضة لهذا الدين، وخلق شروط التعبئة النفسية والمعنويّة لمحاربته.

 


([1]) نشر في ملف بحثي بعنوان “الاسلام في الغرب”، إشراف بسّام الجمل، تنسيق أنس الطريقي.

[2] محمد الدعمي: “تحيّز الغرب لتصوراته في قراءة الإسلام” مجلة الكلمة، العدد23، السنة السادسة، 1999. (من الموقع الإكتروني للمجلة).

[3] أليكسي جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة: خلف محمد الجواد، سلسلة عالم المعرفة، طبعة الكويت 1996، ص 87. وتعتبر الدراسة من أفضل ما كتب عن تطور الرؤية الأوروبية للإسلام في العصور الوسطى.

[4] برنارد لويس: “اكتشاف المسلمين لأوروبا” ترجمة وتقديم: ماهر عبد القادر محمد، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1996، ص 49

[5] منى حماد: “صورة المسلمين في المصادر اللاتينية للحملة الصليبيّة الأولى” مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد13، عدد1، 1997، ص 259

[6] وردت هذه العبارة في خطبة البابا أوربانوس الثاني في مؤتمر كليرمونت المدينة الفرنسية سنة 1095، وهي خطبة اكتست بعدا حماسيا لاهبا الغاية منها تعبئة المسيحيين وتحفيزهم على محاربة المسلمين تخليصا للقبر المقدس/ للمزيد: أحمد الشامي، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، ط11، دار النهضة العربية، القاهرة 1985، ص 192

[7] الهرطقة: يطلق عليها أيضا لفظ الزندقة، وهي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرّة وخاصة الدين بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء منها بما يجعلها بعد التغيير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه هذه الهرطقة، وقد نشأت الهرطقة مفهوما في السياق المسيحي لكنها تنطبق في سياقات مختلف العقائد الدينية منها أو غيرها، وفي الإسلام تستخدم الزندقة أو البدعة للدلالة على ذات المعنى في سياق الجدل الكلامي بين مختلف الفرق.

[8] أول من بحث في هذا الموضوع هم المسيحيون الإسبان، وهي ريادة تحسب لهم لأسباب بديهية وهي أن سيطرة المسلمين على شبه الجزيرة الأيبيريّة دفعت هؤلاء الباحثين إلى إخضاع هذا الدين ومعتنقيه إلى الدراسة والتمحيص.

[9] اجتمع المجلس التاريخي بمدينة كليرمونت في مقاطعة أوفرني الفرنسية في نوفمبر من العام 1095م، وألقى البابا أوربانوس الثاني خطبة حماسية لاهبة عدّها بعض المؤرخين الأعظم في تاريخ العصور الوسطى، غايتها التعبئة والحشد لزحف صليبيّ مقدّس قصد تحرير أماكن الحج المسيحي من سيطرة المسلمين، ونقتطف من كتاب “قصة الحضارة” بعض ما جاء في هذه الخطبة: “على مَنْ إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم، أنتم مَنْ حباكم الله أكثر من أي أقوام آخرين بالمجد في القتال وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس مَنْ يقفون في وجوهكم، ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوّي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم…فليثر همتكم ضريح المسيح المقدّس، ربَّنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدّسة التي لُوّثت ودُنِّست …” لمزيد الاطلاع على ما ورد في نص الخطبة آنظر: وول ديورانت: “قصة الحضارة”، طبعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بيروت/ تونس 1998

[10] كثرت الآراء والاجتهادات في العصر الحديث حول تفسير معنى السراقنة والمقصد منها، فقد أرجعها البعض إلى أنها تعني “عبيد سارة” في إشارة إلى أن المسلمين هم من نسل هاجر زوجة النبي إبراهيم الثانية وكانت أَمَةً لدى السيدة سارة زوجته الأولى.

[11] محمد مؤنس عوض: “الرحالة الأوروبيون في مملكة بيت المقدس الصليبيّة”، ط1، شركة دار الإشعاع للطباعة، القاهرة 1992، ص 57

[12] المرجع السابق، ص 103

[13] محمد مؤنس عوض: مرجع سابق، 104

[14] المرجع نفسه والصفحة نفسها.

[15] أحمد الشامي: “تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في القرون الوسطى”، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة 1992

[16] W.Montgomery Watt; L’Influence de L’Islam Pour L’Europe Médiévale, Ed. Librairie Orientaliste Paul Genthmer; Paris 1974; P97.

[17] Ibid; P97.

[18] Ibid. P97.

[19] ibid. P97

[20] Simon Jargy, Islam et Chrétienté; Ed, Labor et Fides, Géneve 1981, P9.

[21] أليكس جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1996، ص 71

[22] يوحنا الدمشقي الملقب بـ” دقاق الذهب” لفصاحة لسانه، ولد باسم يوحنا منصور بن سرجون عام 676م وتوفي سنة 749م، يعتبر آخر آباء الكنيسة الشرقية بإجماع الباحثين، شكلت مؤلفاته مرجعا مهما لجميع لاهوتيّ القرون الوسطى، قضى حياة رهبانية نسكيّة طويلة وشاع نبأ قداسته في المسيحيّة الشرقية مبكرا. لمزيد الاطلاع على حياته وآرائه وآثاره، اُنظر: فيليب حتّي “تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين” ترجمة كمال اليازجي، دار الثقافة بيروت 1983، ص 116

[23] الآريانية، مذهب مسيخي ظهر في القرن الرابع الميلادي على يد كاهن من الإسكندرية اسمه آريوس (256م – 336م) يرى أن يسوع كائن فانٍ، وليس إلها بأي معنى وليس شيئا آخر سوى كونه معلما يوحى إليه، ومن الطوائف المسيحيّة التي تأثرت بهذه العقيدة “الوحدويون” طائفة منشقّة عن المعتقدات التقليدية في الديانة النصرانية، حيث لا تؤمن بألوهية المسيح ولا بالثالوث. ويعدّ آريوس من وجهة نظر الكنيسة الأرثودكسية هرطقيا أو زنديقا شكّل خطرا على العقيدة المسيحيّة طوال القرون العشر الأولى من تاريخ المسيحيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: نهاد خيّاطة: “الفرق والمذاهب المسيحيّة حتى ظهور الإسلام”، دار الإوائل، دمشق 2002، ص 81

[24] النسطوريّة: نسبة إلى “نسطور” بطريرك القسطنطينية، وهي العقيدة القائلة بأن يسوع المسيح مكوّن من جوهرين يعبّر عنهما بـ “الطبيعتين” وهما جوهر إلهي هو الكلمة وجوهر إنساني بشريّ هو يسوع نفسه، وحسب النسطوريّة لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشريّة والإلهية في شخص يسوع المسيح، بل هناك مجرد صلة بين الإنسان والألوهيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: عبد الملك خلف التميمي: التبشير في منطقة الخليج العربي، دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، 1982، ص 81

[25] دانييل ساهاس: الشخصيّة العربيّة في الجدال المسيحي مع الإسلام” مجلة الاجتهاد، العدد28، 1995، ص ص 126- 127

[26] المرجع السابق، ص 128

[27] المرجع السابق، ص 129

[28] أليكس جورافسكي، مرجع سابق، ص 71

[29] المرجع السابق، ص 73

[30] المرجع السابق، ص 75

[31] لم تكن الكنيسة المسيحية منسجمة ولا موحّدة، حيث كانت هناك فوارق عقائديّة ومؤسسية كبرى بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الأوروبية إلى درجة أن زوج “شرق/غرب” كان يعبر عن المسيحية نفسها قبل أن تنهض شروط التعارض بينها وبين الإسلام، ولأن تأويلات مختلفة كانت تعتمل داخل العقيدة المسيحيّة، فإن ما يهمنا نحن هنا هو الصور المشتركة التي أنتجتها المخيلة المسيحية حول الإسلام.

[32] Maxime Rodinson: La Fadcination De L’Islam; Ed. La decouverte, Paris 1989, P35.

[33] تييري هنتش: “الشرق المتخيل، رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي”، ترجمة غازي برّو وخليل أحمد خليل، الطبعة 1، دار الفارابي، بيروت 2004، ص 14

[34] تييري هنتش: مرجع سابق، ص ص 35-39

[35] Norman Daniel: Islam et Occident , traduit par Alain Spiess, Ed Du Cerf,Paris 1993, P49.

[36] Ibid. P 151.

 

المصدر: مؤمنون بلا حدود




المهدي الموعود بين الأديان المشرقية والأساطير الغربية

download

 

محمد يسري

 

سوشيانت.. المسيح.. المنتظر.. الموعود.. المهدي

كل تلك المسميات المختلفة، هي في حقيقة الأمر بمثابة تجسيد لفكرة واحدة، وهي تلك التي تؤمن بأن هناك شخصًا ما سوف يأتي في آخر الزمان ليصحح الأوضاع وينصر أهل الحق على أعدائهم من أهل الباطل.

ونستطيع أن نجد تواترًا عجيبًا لتلك الفكرة على امتداد التاريخ الإنساني في العديد من الأديان الأرضية والسماوية على السواء.

فالكثير من الأديان الشرقية الأسيوية القديمة تبنت فكرة المهدوية وانتظار الشخص الموعود في أدبياتها الأصيلة وكتبها المقدسة، فعلى سبيل المثال تواترت تلك الفكرة في الأديان البوذية والهندوسية والمزدكية، ولعل التجلي الأكبر لتلك الفكرة قد حدث في الديانة الزرادشتية التي انتشرت في بلاد فارس منذ ما يقرب من أربعة آلاف عام، حيث نجد الزرادشتية تبشر أتباعها بمقدم المخلص المعروف بـ «سوشيانت» الذي سيخلص البشرية من الكبت والحرمان ومن ضغوط الحكام الذين يسعون في الأرض فسادًا[1]، وقد تمت الإشارة إلى ذلك الموعود في عدد من  كتب الديانة الزرادشتية المقدسة، ومنها (كتاب أوستا – كتاب زند – كتاب رسالة جاماست).

أما في الديانة اليهودية، فإن الدارس للعهد القديم سوف يلاحظ أنه لا توجد إشارة واحدة واضحة أو صريحة تشير إلى انتظار مخلص منتظر عند اليهود في أسفار التوراة الخمسة[2]، وان كان هناك عدد من التأويلات المسيحية التي ترى أن عددًا من النصوص في العهد القديم ترمز إلى المخلص، ومن ذلك ما ورد في سفر التكوين حول «شيلون» الذي سيأتي وتخضع له شعوب، حيث تم تفسير كلمة شيلون بمعنى حاكم السلام[3].

وكذلك فقد وردت بعض الإشارات في سفر إشعياء[4] تلمح إلى أنه سوف يأتي زمن يقضي الله فيه على كل الجور والظلم الموجودين في العالم[5].

ومع مرور الوقت وازدياد الاضطهاد الواقع على شعب بني إسرائيل من القوى العظمى التي احتلت فلسطين وأخضعتهم مجبرين لسلطانها، ظهرت فكرة ترى أن أحد أبناء داود الملك سوف يظهر ويحرر العبرانيين من الظلم والجور الواقعين تحته، وأنه سوف يقيم ملكًا عظيمًا، وتم تخليد تلك الفكرة في كل من التلمود والمدراش[6].

ويرى العديد من الباحثين أن فكرة انتظار ملك مخلص من نسل داود هي فكرة فارسية الأصل، وأن اليهود قد اقتبسوها من الديانة الزرادشتية[7].

وبما أن اليهودية لم تهتم بالحياة الأخروية أو مسألة البعث والنشور بعد الموت، فإننا نجد أن المسيح المنتظر في العقيدة اليهودية كان يتم تخيله باعتباره ملكًا قويًا بيده سلطان يستطيع به أن يحقق السعادة والخير لبني قومه على الأرض في حياتهم، ولذلك السبب لم يتقبل اليهود أي شخص يدعي أنه المسيح دون أن تكون معه قوة كافية لتحقيق الملك والسيادة.

ولعل حالة (المسيح عيسى بن مريم) من أكثر الحالات التي تدل على ذلك، فقد رفض اليهود تصديق كونه المسيح المنتظر فناصبوه العداء واتهموه بالكذب، ذلك لأنهم كانوا ينتظرون ملكًاً قويًا يقيم دولتهم ويعيد بناء هيكلهم، فإذا بهم يجدون رجلا مسالما ينزع الى الإصلاح والتطهر دون أن يتخذ مسالك القوة والعنف.

وعبر التاريخ اليهودي الطويل، نجد أن الكثير من اليهود قد ادَّعوا أنهم هم أنفسهم المسيا أو المسيح المنتظر، ومنهم: ثيوداس – يهوذا الجليلي – بركوكبا – شبتاي صبي – يعقوب فرانك[8].

أما بالنسبة للدين المسيحي، فهناك اعتقاد بأن السيد المسيح سوف يعود مرة أخرى إلى الأرض حتى يقوم بمحاسبة البشر على ما ارتكبوا من أفعال؛ فكما ورد في إنجيل متى:

إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ يجازَى كل واحد بحسب عمله.[9]

وتعرف تلك العقيدة بـــ «باروسيا»، أي المجيء الثاني أو الظهور الثاني للمسيح. وكما هو واضح، فإنها تختلف كثيرًا عن فكرة قدوم المسيح في اليهودية، فبينما ترى اليهودية في مقدم مسيحها سبيلا لتحقيق السيادة والملك في الدنيا، فإن المسيحية تعتقد أن مقدم المسيح ما هو إلا مقدمة لنهاية العالم.

فإذا ما تركنا الأديان المشرقية بكل ما تحمله من طقوس مبطنة ورموز غامضة، وولينا وجهنا ناحية الغرب الأوروبي، فإننا لا نستطيع أن نزعم أن فكرة المهدية قد ظهرت فيه بشكل كامل أو واضح، ولعل ذلك بسبب ميل الشرق إلى الروحانيات والبواطن في الوقت الذي اتجه فيه الغرب للعكوف على دراسة الماديات والظواهر، ولذلك نجد أنه بينما كانت الفلسفة والمناهج العلمية التجريبية منتجات غربية صرفة، كانت الحكمة والتصوف والعرفان، في الوقت ذاته، ثمار أصيلة للحضارات المشرقية.

ويشرح الدكتور أحمد أمين سبب عدم ظهور فكرة المهدية عند الغرب، بقوله:

إن فكرة المهدية قد سادت الشرق أكثر مما سادت الغرب؛ لأن الشرقيين أكثر أملا وأكثر نظرًا للماضي والمستقبل، والغربيين أكثر عملا وأكثر نظرًا إلى الواقع، فهم واقعيون أكثر من الشرقيين؛ ولأن الشرقيين أميل إلى الدين، وأكثر اعتقادًا بأن العدل لا يأتي إلا مع التدين.[10]

ولكن على الرغم من ذلك، فإن بإمكاننا أن نجد بعض الأفكار والإشارات والإرهاصات الغربية التي ظهرت فيها بعض الجوانب المكونة لنظرية المهدية المشرقية؛ من أهم تلك الإشارات، ما تواتر في الميثولوجيا الإغريقية القديمة عن تنبؤات وتوقعات مستمرة بظهور عدد من الأبطال الذين سوف يغيرون من مصير مدنهم وشعوبهم، وارتباط مصير تلك الشخصيات بإقرار حالة من السلام والهدوء عقب تغلبهم وانتصارهم على قوى الشر، من تلك الشخصيات البطل بيرسيوس الذي استطاع قطع رأس ميدوسا، وأقر حالة من الرخاء بعد وصوله للملك.

كما أن العصور الوسطى في أوروبا، قد ذاعت بها العديد من القصص والنبوءات عن الشخص الموعود الذي سيقوم بفعل معين لا يستطيع شخص آخر أن يفعله، ومن ذلك أسطورة سيف الملك آرثر التي انتشرت بشكل كبير في معظم البلاد الأوروبية، وادَّعت أن المنقذ الموعود سوف يكون قادرًا على نزع سيف الملك آرثر من الصخر، وأنه سوف يحكم بعد ذلك ويقود شعبه للنصر.

وكذلك تسربت تلك القصص إلى كتاب «قرون»، الذي يعد أهم كتب ومؤلفات المنجم الفرنسي الشهير نوستراداموس، فقد ورد في ذلك الكتاب في النبوءة التاسعة والعشرين أنه سوف «ينطلق الزعيم الأسيوي من بلده ليعبر ابينين ويدخل فرنسا، وهو سيعبر السماء والأنهار والجبال ويرغم كل بلد أن يدفع الضريبة»، وفي موضع آخر من الكتاب يقول: «من الشرق، سيأتي القلب الأفريقي لإثارة القلق لهادري وورثة رومولوس».

بل إن تلك الفكرة قد بلغت من القوة والتأثير ما جعلها تخرج من حدود الإطار الديني التقليدي، وتقتحم الفكر الحداثي المادي الغربي، حتى أن السينما الغربية قد تناولتها في واحد من أشهر أفلام الخيال العلمي، وهو فيلم «ماتريكس matrix» الذي جسد فيه الممثل الشهير كيانو ريفز، دور (نيو) الذي هو المعادل الموضوعي لشخصية المسيح أو المهدي في الأديان السماوية.


[1] عباس محمود العقاد، توحيد وأنبياء، ص757.

[2] د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي (أطواره ومذاهبه)، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م، ص113.

[3] متى المسكين، تاريخ إسرائيل، ص370.

[4] إشعياء، 1:11-16.

[5] روبن فايرستون، ذرية إبراهيم، ص36.

[6] المرجع نفسه، ص37.

[7] د. أحمد شلبي، اليهودية، ص211.

[8] د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي، ص131-151.

[9] إنجيل متى 16: 27.

[10] د/أحمد أمين، المهدي والمهدوية، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة،1951م، ص6.

 

المصدر: اضاءات




قوافل الحج في العصر العثماني

تأثيرات عثمانية في مواكب الحج ومعالمه
تأثيرات عثمانية في مواكب الحج ومعالمه

لقد كانت السمة الدينية من أهم السمات التي اتسمت بها تشريعات الدولة العثمانية؛ فقد كان للهيئة الإِسلامية وضع معترف به، وكان يطلق على رئيسها لقب المفتي أو مفتي إستانبول، ثم تَغير هذا اللقب إلى “شيخ الإِسلام” الذي كان يشرف على الهيئات القضائية والهيئات ذات الطابع والنشاط الديني. وكان السلاطين أنفسهم حريصين على تدعيم سلطته، فقد كان شيخ الإِسلام يصدر فتوى تجيز الحرب، دفاعا، أو هجوما، وعقد الصلح، وغير ذلك من الأحداث الجسام.

وقد كان من مظاهر اهتمام الدولة العثمانية بالدين والعالم الإِسلامي اهتمامها بمنصب نقيب الأشراف.

كما كان الاهتمام الكبير بالحجاز من السمات التي حافظ عليها كل السلاطين العثمانيين؛ فقد كان الحجاز وما يحويه من أماكن إسلامية مقدسة تابعا للدولة العثمانية، مما أضفى عليه مركزا دينيا مرموقا في جميع أرجاء العالم الإِسلامي. وقد أعفت الدولة العثمانية منطقة الحجاز من أداء الضرائب، بل أقر لها سليم الأول ثلث ما كان يجبى من مصر. كما أوقف خراج اليونان عند فتحه على الحرمين الشريفين. ولم يكن الاهتمام وقفا على الأماكن، بل تعدّاها إلى المواطن، فقد أُعفِي سكان الحجاز من التجنيد، وأبقت الدولة على الحكم الذاتي المتمثل في نظام الشرافة؛ وكل ما كانت تفعله أن ترسل فرمانا تحدد فيه إمكانات واختصاصات وواجبات الشريف الجديد عند تعيينه، وتوصيته ببعض الوصايا التي كانت تنصب في أغلبها على حماية الحجاج في أموالهم وأرواحهم، وأن يقسم بالعدل الصرة الهمايونية بين الأهالي، وكذلك المؤن القادمة من مصر، وأن يسعى لبسط الأمن على الطرق. وكان أمير مكة المكرمة يتمتع -في التشريفات- بأسمى مقام في صف الصدر الأعظم في الآسِتانة والخديوي في مصر وترتب له العطايا من قبل السلطان.

ولكن الشيء الذي أولته الدولة العثمانية جل اهتمامها، هو قوافل الحج والإشراف المباشر والفعلي على الحج، واعتبرت هذا العمل واجبا يقع على عاتقها، باعتباره الركن الخامس من أركان الإِسلام، وأن عليها تيسير الحج أمام الراغبين فيه، فأنشأت قوافل الحج، واهتمت بالطرق؛ فأقامت الحصون، وحفرت الآبار على طول طرق الحج، وشجعت على إقامة الخانات، وأقامت المخافر، وكانت تشرف على قوافل الحج الرئيسية التي كانت تخرج من أنحاء الدولة كافة في مواعيد محددة كل عام، وتضع لها قوة تحرسها، يقودها أحد كبار العسكريين، الذي كان يسمى “سَرْدَارُ الحج”. وكان على رأس كل قافلة أمير للحج، وكثيرا ما كان أمير الحج يتولى قيادة الجيش المرافق للقافلة، وخاصة قافلة الحج الشامي.

وكانت أهم قوافل الحج في العهد العثماني:

أ. قافلة الحج الشامي: وتضم حجاج بلاد الشام والجزيرة وأذربيجان والقوقاز والقرم والأناضول والبلقان، وحجاج إستانبول نفسها، وكان عددها يتراوح ما بين ثلاثين وخمسين ألفا.

وقد كان السلطان العثماني يشرف بنفسه على ترتيب وإعداد هذه القافلة وخروجها من مدينة إستانبول. وكانت القافلة تقطع الطريق التجاري حتى تصل إلى دمشق، ومنها إلى أراضي الموآبيين القدماء، ومن بلاد معن عبر صحراء مزريب إلى مدائن صالح حتى تصل القافلة إلى المدينة المنورة.

وكان السلطان العثماني يصدر أوامره إلى الولاة لتسهيل مهمة مرور القافلة، وأن يتولوا مهام حراستها حتى تصل إلى حدود الولاية المجاورة، فيتولى الوالي الجديد استقبالها وتأمين مسيرتها عبر ولايته، حتى تصل سالمة إلى نهاية ولايته وهكذا.

وقد كانت القافلة وعلى رأسها أمير الحج تعبر هذه الولايات وسط حفاوة واهتمام بالغ، ويتسلم أمير الحج بصك شرعي أموال الأوقاف والهدايا المرسلة إلى أهالي الحرمين الشريفين، وإلى الحرمين الشريفين ذاتهما، من بسط وتحَف ومصابيح وشمعدانات ومواد غذائية وما شابه ذلك.

ب. قافلة الحج المصري: وتضم حجيج مصر وشمال أفريقيا، وكانت من أهم القوافل خلال العصر العثماني، حيث كانت تضم المحمل المصري وكسوة الكعبة المشرفة الجديدة. وكانت تتحرك من القاهرة خلال الأسبوع الأخير من شوال من كل عام، وسط احتفالات عظيمة تتم تحت إشراف الوالي نفسه. وتقطع المسافة في 37 يوما، سالكة طريق السويس وسيناء والعقبة ثم تلتقي في بعض الطرق مع قوافل الحج الشامي، وفي بعض السنوات كانت تستقل السفن من السويس إلى جدة، أو من الموانيء المصرية الأخرى المواجهة لجدة.

ج. قافلة الحج العراقي: وتضم حجاج العراق وفارس، وتسلك الطريق الذي يعبر جزيرة العرب نفسها. وكان كثير من حجاج فارس والخليج العربي واليمن يفضلون طريق البحر والسفن البحرية.

د. قافلة الحج اليمني: وتضم حجيج اليمن والهند وماليزيا وأندونيسيا، وينضم إليهم حجاج الحبشة والصومال والأفارقة الذين يصلون إلى مصوع وسواكن وموانيء اليمن.

كانت القوافل تضم عناصر مختلفة؛ ففيها الأمراء، والأثرياء، والتجار ومعهم تجاراتهم، والفقراء والمعدمون. وكان كلٌّ حسب قدرته يرافق القافلة، ففيها الهودج وفيها الجمال والخيول، وفيها الرجالة من البدو والفقراء.

وقد كان الولاة يقومون باستئجار الجمال والخيول لحمل مهمات القافلة، ويتعاقدون على ذلك قبل موسم الحج بوقت كافٍ، ويتفقون على ذلك مع مشايخ الأعراب والبدو الذين يعيشون في المناطق التي تسلكها القوافل.

وأهم الطرق التي كانت تسلكها القوافل بين الحرمين الشريفين هي:

  1. الطريق السلطاني: أي الطريق الرئيسي، وكان على حجاج القافلة التي تسلك هذا الطريق أن يتجمعوا عند وادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة للاتجاه إلى المدينة المنورة. ويتزود الحجاج فيها بما يلزمهم، ثم يتجهون إلى بئر عسفان، وتسلك طريقها حتى تصل إلى رابغ التي تفترق عندها الطرق، وإن كان أكثرها استعمالا هو الطريق السلطاني.

كان الحمّالة هم الذين يحددون أماكن التوقف، وكانوا يفضلون تلك التي تضم آبارا للتزود بالمياه. وتعودت القوافل أن تدخل المدينة في اليوم السادس من خروجها من رابغ. وهذا الطريق السلطاني كان هو الطريق المعتاد بالنسبة لقوافل الحج وقوافل المحامل. وبالرغم من قلة مياهه فإن مطالعه ومنازله الوعرة كانت شبه معدومة، ولكن كانت تبعد عنه بعض الشيء سلاسل جبلية مكنت بعض عربان البدو من مهاجمة هذه القوافل، مما دفع قوافل الحجاج المسلمين ومواكب التجار إلى أن يسلكوا الطرق المسماة بالطرق الفرعية لعمرانها وعدم خطورتها.

  1. الطريق الفرعي: هو الطريق المؤدي من رابغ إلى المدينة المنورة عن طريق “بريدة”. والذين يودون السفر عن طريق “الطريق الفرعي” يتجمعون عند “المرحلة”، التي تسمى آنذاك “بئر رضوان”، وهي تبعد مسيرة ثنتي عشرة ساعة من رابغ، ويتزودون بالمياه والمؤن، ثم يسلكون الطريق مارين بقرية “أبي ضياعة” و”ريان” و”أم العيال” و”مضيق” و”صمد”، ثم تمر القوافل من المنطقة المنخفضة التي تسمى الغدير التي تتجمع فيها مياه الأمطار فتحولها إلى ما يشبه البحيرة.

الطريق الفرعي الثاني المؤدي إلى المدينة المنورة هو طريق غابر، وبالرغم من أن المسافة عبر هذا الطريق كانت تقطع في خمسة أيام من مكة إلى المدينة، فإنه طريق جبلي، كثير المطالع والمنازل، مما جعله صعب المنال بالنسبة للجمال التي غالبا ما تكون محملة بأشياء ثقيلة، وتجعل قطع الطريق مرهقا، كما أن كثرة الجبال تجعله مرتعا لقطاع الطرق والأشقياء، مما يدفع الجمالة إلى الابتعاد عنه وعدم سلوكه، إلا أن قِصَرَه بالنسبة للطريق السلطاني والطريق الفرعي تجعل منه معبرا مطروقا من قبل المشاة، أو من يمتطون صهوة الخيول، أو من قبل فرسان الخيالة والهجانة التابعين لقوة الدولة العثمانية، والمنوط بها حفظ الأمن وحماية مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتورد بعض كتب التاريخ أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قد سلك هذا الطريق عند هجرته الميمونة إلى المدينة المنورة.

وهناك أيضا الطريق الشرقي الذي يربط المدينة المنورة ومكة المكرمة، وهو طريق كبير ومتسع إلى حد ما، وكثيرا ما تسلكه القوافل المترددة بين المدينتين المقدستين، وهو الطريق المفضل عند قوافل المحمل، والقوافل التي كانت تحمل الصرة، وخاصة في المواسم التي كانت تشتد فيها الحرارة، وتزداد فيها حملات الخارجين على القانون، وتسلطهم على الطرق الأخرى.

وعرف بهذا الاسم لوقوعه على الطرف الشرقي من بلاد الحجاز، وتصل القوافل التي تقطع هذا الطريق إلى مرحلة بئر الليمون بعد مسيرة أربع عشرة ساعة، ثم بئر برود الذي تفضل القوافل الاستراحة عنده، والتزود من مياهه العذبة. وبعد المرور من بضع آبار ومراحل أخرى تصل القوافل إلى “بركة زبيدة”، وهي البركة التي أمرت السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد بتشييدها لتجمع فيها مياه السيول في هذه المنطقة.

ومن الطرق الفرعية التي تسلكها القوافل بين المدينة المنورة ومكة المكرمة أيضا طريق ينبع البحر. فينبع البحر تعد مرفأ المدينة المنورة. والقوافل المتجهة إلى البلدة الطيبة تصل أولا إلى “بئر سعيد” ثم قرية “صفراء”، وعند هذه القرية يلتقي طريق ينبع البحر مع الطريق السلطاني؛ ومن ينبع حتى طيبة الطيبة خمس مراحل سيرا بقوافل الجمال. والمعروف أن المرحلة هي مسيرة يوم واحد بالجمال، أي مسيرة سبعة وعشرين ميلا. وتمر القوافل التي تسلك هذا الطريق بقرية بدر المباركة، ويقرأون الفاتحة على أرواح شهداء بدر الكبرى، وهذا الطريق سهل ومستوٍ مما يشجع القوافل على عبوره.

أما أشهر الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة، وكانت تسلكها قوافل الحج القادمة من بلدان العالم الإسلامي فكانت سبعة طرق، وبيانها كالتالي:

  1. طريق الشام

هو الطريق الذي كانت تسلكه قوافل الحج القادمة من الشام وكذلك قافلة محمل الشام. وكانت قافلة الشام تتحرك في أغلب المواسم في الخامس عشر من شوال تحت رئاسة أمير الحج، وكان يتولاها في العادة والي سوريا. وقبل التحرك يجري احتفال كبير ينظمه قائد الجيش الخامس، وبعد القيام بالتشريفات المعهودة في مثل هذه الأمور تخرج القافلة من الشام من “قبة الحاج”، التي كانت تعد نقطة البدء للقافلة، ومنها إلى الكسوة حيث ينضم إليها الحجاج الذين تجمعوا في “مزريب”، ثم تتجه مجتمعة إلى المراحل التالية.

ومن المناطق التي تمر بها القافلة عبر هذا الطريق منتزه مزريب في حوران، وبجوار عين مزريب أمر السلطان سليم الأول ببناء قلعة -مازالت أطلالها باقية حتى الآن- لحماية قافلة الحج، ثم الزرقاء فالبلقاء، ثم القطرنة حيث القلعة التي شيدها سليمان القانوني بجوار البركة التي أمر بإعادة تطهيرها بعد أن كانت قد تساوت مع الأرض. ومن القطرنة تتابع القافلة سيرها حتى الكرك، ثم عنيزة، فقلعة معان. وهذه المنطقة تسجل كتب التاريخ أنها كانت مقر إقامة بني أمية، وأمر السلطان سليمان القانوني بإقامة قلعة وحفر بئر فيها. ومن معان إلى ظهر العقبة نحو »ذات الحج«، وفي ذات الحج أو حجر هذه أمر القانوني بإقامة قلعة لحماية القوافل من غارات البدو والأعراب، وتشتهر بتمورها وثمارها الجيدة. ومنها إلى »قاع البسيط« فتبوك ثم أخيضر التي تقع في منتصف المسافة بين مكة والشام.

وقد كلف السلطان سليمان القانوني عند جلوسه على العرش سنة 926هـ – 1520م واليه على الشام مصطفى باشا ببناء قلعة أخيضر، وبعدها تصل القوافل إلى بركة المعظم، ثم جبل الطاق الذي عقرت فيه ناقة النبي صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم مبرك الناقة، ثم قرى صالح، ثم ديار ثمود، وهي تلك المنازل التي نحتت في الجبال، وفيها مسجد النبي صالح عليه السلام، ومنها إلى العلا التي تبعد عن المدينة المنورة بست مراحل، وهي من ملحقات المدينة المنورة؛ وأمر السلطان القانوني بتجديد قلعتها وحصنها لحمايتها من غارات الأعراب. ومنها إلى شعب النعام ومنزل فحلتين، ثم وادي القرى الذي تكثر فيه المياه والغابات، وأبيار علي رضى الله عنه، وفيها يحرم الحجيج جميعًا. ومنها تمر القوافل بقبور الشهداء، ثم الجديدة وقاع البرو وبلاد طارق وعقبة السويق؛ ومنها إلى عسفان حيث الآبار النبوية المأثورة، وبعدها تدخل القوافل إلى مكة المكرمة في أوائل ذي الحجة من كل عام، بعد أن تكون قد قطعت المسافة من المدينة في مائة وست ساعات.

  1. طريق مصر

وقد جرت العادة منذ القدم أن يصحب أمير الحج المصري المحمل وسط احتفال كبير من القاهرة متجها إلى بركة الحاج. وهناك يلتقي بجموع قافلة الحج المصرية، حيث يتجهون سويا إلى هدف البويب، ثم يتجه الموكب بعد ذلك إلى الحمرا، حيث أقامت السلطات المعنية آنذاك عدة أبنية وسقاية ماء ليتزود منها الحجاج؛ ومنها إلى بركة عجرود التي تقع تجاه السويس وتسمى أيضا “عيون موسى”، وكان بها خان كبير منذ زمن قانصوه الغوري. ثم تتحرك القافلة إلى منصرف، وفيها بعض المنخفضات التي يظن أن ملوكا سابقين قد حفروها في العصور الغابرة للربط بين البحرين الأبيض والأحمر، وهي التي حفرت مكانها قناة السويس. ومنها إلى قبيبات، ثم أول التيه حيث على الجانب الأيمن جبل الطور والجانب الأيسر جبل العريش. وفي وادي النعمان قام والي مصر علي باشا بتوسيع الحصن والسقاية لخدمة الحجاج، ويقوم الحراس بملء حوض الفسقية قبل وصول الحجاج، وبعدها تتابع القافلة سيرها حتى مغارة شعيب وعيون القصب وشرم ومويلحة، وفيها دار قايتباي، ثم بطن كبريت فأزلم فالوجه فجبل الزيت حتى ينبع، وتستمر القوافل من العقبة حتى رابغ، ثم تواصل سيرها في الطريق المعروف حتى مكة.

  1. طريق عدن

تخرج القافلة وسط احتفال مشهود من لحج إلى يكرد، ثم تعز، ثم وادي الحسنا، ثم تنزل القوافل إلى »حيس«. وكان المحمل اليمني يخرج من عدن عندما كانت تحت الإدارة العثمانية، ومنذ سنة 963هـ بدأ الوزير مصطفى باشا والي اليمن في تنظيم موكب المحمل الشريف باسم محمل صنعاء اليمن على إثر صدور فرمان له بهذا الصدد.

يتحرك الموكب من حيس إلى زبيد فرفع، ومنها إلى بيت العقبة الصغير، ومنها إلى قطيع، ثم المنصورية، ثم يتابع الموكب سيره في الطريق المعهود.

أما حجاج شحر فإنهم يتجهون إلى حضرموت برا، ثم إلى صنعاء، ثم ينضمون هناك إلى قافلة صنعاء، ويتجهون سويّاً إلى مكة المكرمة، ومن شَحر إلى حضر موت خمسة منازل، ومنها إلى صنعاء أربعة منازل. وعلى حجاج ظفار الذين يودون الاتجاه إلى صنعاء برّاً أن يقطعوا خمس عشرة مرحلة سيرا، ثم ينضمون إلى جموع الحجيج التي احتشدت هناك لمواصلة السير سويا.

  1. طريق عمان

يمثل طريق عمان الطريق الرابع بين الطرق التي تسلكها قوافل الحج الإِسلامية. ويتجه حجاج عمان بعد أن يخرجوا من حصن المدينة إلى “تروى”، ثم إلى “عجلة”، ومنها إلى “عصوه”، ثم بئر السلاح، وبعد ذلك تشد الرحال نحو مكة. والطريق من الحصن حتى مكة عشرون مرحلة، ولكن لصحراويته وندرة مياهه فإن حجاج عمان يفضلون التوجه والعودة بطريق البحر.

طريق الحسا

وهو الطريق الذي كانت تسلكه جموع حجاج نجد والجزيرة مارين بالدرعية فشعرا ثم مرقب، ومن هناك مرورا ببعض المراحل، حتى ذات عرق حيث مكان إحرام سكان نجد فساحة الكعبة المشرفة.

  1. طريق البصرة

تتحرك القافلة من البصرة إلى الدرهمية، ثم إلى صفوان، ثم إلى منـزل “جهر”، وتحط رحالها للتزود بالمياه والمؤن، ثم تتجه إلى حصن النبي موسى الموجود في “أضافا”، وبعدها تتحرك القافلة مارة بالعديد من المواقع والمنازل، حتى تصل أيضا إلى “ذات عرق”، التي تعد ميقات حجاج نجد والبصرة، حيث يحرمون فيها ثم يتجهون إلى بستان بني عامر، فمكة المكرمة حيث بيت الله الحرام.

  1. طريق بغداد

يتجمع حجاج فارس وأذربيجان وغيرها من هذه المناطق في بغداد، وتتحرك القافلة من بغداد حتى تنزل بهضبة (صرصران)، فينضم إلى الموكب جموع أخرى من الحجاج متجهين نحو هضبة (قراشر)، ومنها إلى شط الفرات، ثم إلى الكوفة، فمشهد علي المسمى (سد بيداء النجف)، ومنه إلى “متعب”، ومن هناك إلى “فرع” مرورا بكثير من المراحل، حتى يلتقي بقافلة واسط في المكان المسمى “ثعلب”، ثم تتابع القافلة سيرها.

ويزدان الطريق من بغداد إلى مكة المكرمة بالأبنية وأسبلة المياه والخانات وغيرها من الأبنية رفيعة المستوى، وخاصة تلك التي أمرت ببنائها السيدة “زبيدة” زوجة هارون الرشيد العباسي، والسلطان ملكشاه السلجوقي. وقد حافظ عليها وعني بها السلاطين العثمانيون جميعا.

ولحماية طرق هذه القوافل كانت الدولة العثمانية تقيم الحصون والقلاع والمخافر على طول الطرق، وتوفر لها القوات التي تقوم بالحراسة وكسر شوكة قطاع الطرق والبدو والخارجين عليها. وأقامت في المدينة المنورة قلعة كبيرة وفرت لها القوات اللازمة لحفظ الأمن في المنطقة. كما كان محافظ المدينة يختار من بين كبار الضباط الذين يستطيعون القيام بالمهام المنوطة بهم على أحسن وجه، وكان يجمع في يديه بين السلطتين المدنية والعسكرية، وكان المحافظ يلقب أحيانا بشيخ الحرم النبوي. كما أنشأت الدولة العثمانية قلعة في مكان مناسب من مضيق الجديدة بناء على طلب من الأهالي لحفظ الأمن.

كما كان الجيش السابع الميداني خاصًّا بولاية اليمن، وكانت وحداته كلها تتألف من عساكر نظامية، وكانت فرقة الحجاز المرتبطة بهذا الجيش عبارة عن ثلاث آيالات مشاة ونصف آلاى خيالة وبطارية مدفعية. وقد حرصت الدولة على وضع محطات حراسة بجوار آبار المياه على طرق القوافل، وخاصة قافلتي الحج الشامي والمصري.

ولوقف التهديدات الخارجية لقوافل الحج والأماكن المقدسة قامت الدولة العثمانية بعمل حزام أمن حول الحجاز، يمتد هذا الحزام من سواكن وموانيء اليمن وخليج البصرة وجدة والسويس. ولقد وضعت الدولة في حسبانها أيضا حماية طرق التجارة الشرقية الوافدة من الهند.

وكانت الدولة العثمانية فيما بعد تسعى لتطوير وتنظيم موانيء جدة والحديدة وينبوع، وإقامة الأرصفة والمرافيء، وجعلت هناك أسطولا مقيما من السفن العثمانية للعمل بشكل منتظم بين السويس وعدن. وكانت هناك تقارير تقدم من حين لآخر إلى السلاطين العثمانيين تطالب بضرورة إصلاح وتنظيم وحماية الموانيء الممتدة من العقبة حتى باب المندب؛ كما كانت هناك سفن بريدية “بوسته” تعمل بانتظام بين إستانبول والحديدة، لنقل البريد والجنود بين موانيء البحر الأحمر والحجاز.

موكب الصرة السلطانية

ثم تم استحداث “صُرَّه آلايي”، وهي القوات التي كانت تقوم بالإعداد للاحتفال لخروج الصرة والمحمل وموكب الحج من أمام القصر السلطاني، ثم يناط بها الحفاظ على الصرة والمحمل وقافلة الحج، حتى تصل وتعود في أمن وسلام. وكانت هذه القوات دائما في رفقة هذه المواكب، وكانت تسير برا حتى سنة 1864م مستخدمة الجمال والبغال والخيول. وبعد هذا التاريخ شرعت الدولة بإرسالها عن طريق السفن الحربية إلى بيروت أو السويس ومنها إلى جدة أو ينبوع، ثم تكمل رحلتها برفقة قوات الحجاز إلى أماكن الشعائر الدينية. وبعد افتتاح خط السكة الحديد الحجازي 1908م كانت ترسل هذه القوات أيضا برفقة هذه المؤن والهبات والأوقاف، ولا تفارقها إلا بعد أن تصل إلى هدفها. وكانت هذه القوافل إذا ما خرجت برا تتحرك من إستانبول في الثاني عشر من رجب، ولكن بعد ما تقرر إرسالها عن طريق البحر أصبحت تخرج في الخامس عشر من شعبان من كل عام. كما كان أمين الصرة الهمايونية يُختار في معظم الأحيان من بين كبار العسكريين المشهود لهم بالتميز العسكري والتدين وحسن السير والسلوك والتقى الورع وطهارة اليد والعدل، حتى يشرف بنفسه على القوات المرافقة للمحمل، وقافلة الحج. كما يقوم بتسليم الفرمان الخاص بتوزيع أموال الصرة الهمايونية على الحرمين الشريفين وأوجه التصرف والصرف منها إلى شريف مكة ومشايخ الحرمين الشريفين، بحضور رجالات الدولة العلماء وقادة القوات الموجودة في كل من مكة والمدينة وجدة والطائف، وأمراء قوافل الحج. وكان يشرف بنفسه باعتباره ممثلا للسلطان العثماني على أداء المناسك وحفظ الأمن والأمان خلال موسم الحج كله، إلى أن تغادر القوافل كلها المدينتين المباركتين عائدة إلى بلادها، فيعود أمين الصرة بعد أن يكون قد أشرف أيضا على توزيع الأوقاف والمخصصات على أهالي الحرمين، فيقدم تقريرا مفصلا إلى الصدر الأعظم وشيخ الإِسلام في الآسِتانة، وبعدها يمثل بين يدي السلطان ليقدم تقريره عما أنجزه في موسم الحج ومرئياته ومقترحاته للموسم القادم.

الكاتب: أ.د. الصفصافي أحمد القطوري (رحمة الله عليه)

المصدر: مجلة حراء




أوروبا وذكرى مرور عشرة قرون على كتاب «المناظر» لابن الهيثم

كتاب الحسن بن الهيثم ومآثره العلمية
كتاب الحسن بن الهيثم ومآثره العلمية

بقلم: محمد حسين أبو العلا – صحيفة الحياة –
لعل الحركة العلمية المعاصرة، مهما امتدت أشواطها وتوالت إنجازاتها الرفيعة، تظل مدينة بتلك الإرهاصات أو الإشعاعات الفكرية والعلمية للتراث العربي، ذلك التراث الذي ظل مصدر خصوبة وبؤرة تنوير لآماد غير قصيرة في عمر الحضارة الإنسانية. وليس لهذا التراث فضيلة الإثراء المعرفي والتراكم العلمي فحسب، وإنما تعود فضيلته الكبرى إلى تغيير طبيعة الوعي العام الذي اجتاز آفاقاً جديدة استناداً إلى تلك الجذور الأصيلة التي أرساها في بؤرة هذا الوعي، فخلق فيه نوعاً من الغيرة جعلته يحيد عن ماضيه مستلهماً ضرورة فكرة التقدم والارتقاء تحقيقاً لوضعية كونية أرادها لذاته نبذاً لعصور الانكفاء والتراجع التي مارسها طويلاً.
وها هو الآن يجدد وعيه باستحضار تلك الإرهاصات البراقة احتفاءً وإشادة بالعالم العربي البارز ابن الهيثم في ذكرى مرور عشرة قرون على ظهور كتابه «المناظر»، ذلك الكتاب الذي كرس للعديد من الأصول المنهجية وأطاح الكثير من النظريات العتيقة ممثلاً بذلك سلطة علمية يستشهد بها ويرجع إليها باعتبارها كنزاً إنسانياً يعلو على المتغيرات ويستمسك بالثوابت الأبدية. وتنبري منظمة اليونسكو الآن لتنظيم مؤتمر بعنوان «ألف اختراع واختراع» تقدم خلاله أبحاثاً ودراسات عن العصر الذهبي للعلوم في الإسلام كمجتمع قائم على المعرفة «ابن الهيثم نموذجاً»، وكذلك مساهمات ابن الهيثم في العصر الذهبي في الإسلام. وهو ما يردنا بالضرورة إلى مراجعة أحدث الإصدارات عن ابن الهيثم ومآثره العلمية للدكتور أحمد فؤاد باشا، تلك التي خطها في حرفية أكاديمية ورصانة مطلقة ووعي بقيمة التراث العربي ممثلاً في رمز من رموزه مع استقصاء بديع في طرح إشكالية التعامل مع التراث قومياً وعالمياً في إطار ما يتجلى من ملامح الاهتمام الدولي بالتراث العلمي. ولعل كتاب «المناظر» يعد عملاً موسوعياً وملحمة علمية نقلت عن العربية إلى اللاتينية وظلت مرجعاً للأوروبيين في علم الضوء خلال القرون الوسطى وإبان عصر النهضة الأوروبية.
وتكمن إبداعية المنهج العلمي لابن الهيثم وغيره من صفوة العلماء الذين تشربوا تجليات الحضارة الإسلامية في مبدأ الاندماج بين العلم والحكمة أو الحقيقة، فلا فصل بين تحليل العلاقات التي تصل الأشياء بعضها ببعض والتي تبرز القوانين التي تنطوي تحتها قواعد هذه الأشياء وبين ربط هذه العلاقات الجزئية مع ذلك الكل الذي يكسبها معنى ودلالة، وهنا يكون العلم من وجهة النظر الإسلامية دنيوياً بعلاقته مع الأشياء ويكون في الآن ذاته مقدساً لصلته بالخالق، ورسوخ هذا المعنى في فكر الباحث ووجدانه هو جوهر الشخصية العلمية لعلماء الحضارة الإسلامية، وهو ما يعد بالنسبة إليهم تحصيلاً منيعاً ضد صراعات المذاهب الفلسفية على اختلاف توجهاتها ومناحيها.
ولا ينازع أي من العلماء ابن الهيثم في نسبة علم البصريات بأكمله إليه، فهو أحد العلوم الفيزيقية المعنية بدراسة الضوء وخواصه وظواهره وتطبيقاته، وتنبثق أهميته من كونٍ ذي انعكاسات مباشرة على تقدم أفرع أخرى مثل علوم الفلك والفضاء والكيمياء والطب والصيدلة والجيولوجيا والنبات والحيوان. ولقد حظيت المنهجية الصارمة بقسط وافر في فكر ابن الهيثم، إذ اعتمد على مبدأ الشك العلمي لدى الذات الباحثة سواء قبل الشروع في إجراء التجارب حول ظاهرة ما أم حتى بعد الوصول إلى نتائج، وهو بذلك يضع مبدأ الشك في إطار منهج نقدي تجريبي قادر على بلوغ الحقيقة العلمية الجزئية بأعلى درجة ممكنة من اليقين، وهو ما تمايز به ابن الهيثم عن فيلسوف العلم كارل بوبر؛ صاحب مبدأ قابلية التكذيب ومنطق الكشف العلمي.
وفي الإطار نفسه يطرح الكتاب فكرة أن عبارات ابن الهيثم كافة إنما تعكس في كلياتها خصائص العلم التجريبي ومقومات نجاح البحث العلمي الذي افتقدها كل من المنطق الأرسطي والمنهج البيكوني، إذ إنه كثيراً ما كان يلجأ أرسطو إلى القياس النظري المجرد كلما حاول تفسير الظواهر الطبيعية وهو ما أدى بالفعل للوصول إلى نتائج صادقة قياساً إلى المقدمات لا قياساً إلى معطيات الواقع وهو ما قطع الصلة بالابتكار والتقدم المعرفي، لذا كان حرصه على الاحتكام إلى التجربة وذلك بإعادة إجراء التجارب على عدد من القواعد التي توصل إليها الأقدمون إنطلاقاً من عجز المنطق الصوري المتبع في الوصول إلى هذه القواعد. وبصفة عامة فالقواعد التي وضعها فيلسوف العلم الإسلامي ابن الهيثم لمنهج الاستقراء في العلوم الطبيعية التجريبية، تمتاز بأنها ليست مجموعة محددة من الخطوات التي تلتزم ترتيباً معيناً ليس لها أن تتجاوزه أو تعدله مما يضفي عليها قدراً كافياً من المرونة يحول دون جمودها أمام حركة العلم أو تطوره.
ولقد أوجز الغرب معرفته العميقة بابن الهيثم في أنه مثَّل فلسفة معرفية جديدة ذات تاريخ تقدمي لتقنية قديمة، إذ بدأ من ملاحظة لظاهرة بصرية في الغرفة المظلمة ثم ارتقى إلى نموذج الآلة المعرفية الكاملة.
ولعل كل ذلك يحرك لدينا تساؤلات شتى على غرار: لماذا لم ينتبه العالم العربي والإسلامي إلى ذكرى مرور ألف عام على صدور كتاب عربي علَّم العالم وكان مصدراً حيوياً للإشعاعات العلمية المعاصرة؟ وما هي طبيعة المشاركة الفاعلة على الصعيد العربي تجاه احتفال أسطوري تقيمه منظمة عالمية لعالم عربي له من الأصالة العلمية والرصانة الفكرية ما يجعله معاصراً فذاً؟ ومنذ متى كان العالم العربي والإسلامي مشاركاً في تلك التظاهرات العلمية أو المناظرات الثقافية أو العقائدية؟ وإلى متى تظل المخطوطات العربية متناثرة في مكتبات العالم كآيا صوفيا، الفاتيكان، طهران، باريس، برلين، بنكيبور في الهند، فضلاً عن مكتبة المتحف البريطاني ومراكز الأبحاث على تعدد توجهاتها؟ ألا تتفتق الذهنية العربية الإسلامية يوماً ما عن إدراك أهمية اكتشاف مكنونات تلك المخطوطات بالشكل الذي يمكن أن يقدم إضافات علمية لم يفطن الغرب إليها حتى الآن؟ وكم مرة احتفى عالمنا العربي والإسلامي بأثر تراثي جديد أو بقامة ثقافية أو فكرية أو دينية كابن سينا، ابن خلدون، ابن عربي، الكندي، ابن طفيل، المعري وغيرهم؟ وكيف نحقق الولاء والانتماء للتراث العربي؟ وأي آلية يمكن أن نوظفها لإزالة تلك الجفوة؟
إن درامية التعامل مع التراث لن تنتهي إلا بانتزاع تلك الوصمة الثقافية المتمثلة في ازدواجية الاعتزاز به وإجلاله مع الجهل بقيمته.

* كاتب مصري




آثار السُلطانة هويام في طرابلس

Sultan_Salim

كارين بولس – موقع”ليبانون ديبايت” –

مُسلسل “حريم السُلطان” وتسميته الحقيقية “القرن العظيم”، وفق ما أكَّد مسؤول لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري، ارتبط باسم السلطانة هويام التي أصبحت تمثل أيقونة الجمال وفتاة أحلام الكثيرين نظراً لجمالها الجذاب وأنوثتها الطاغية.

السلطانة هويام كما أوردها مسلسل حريم السلطان التركي، يطلق عليها اسم “حُرُم سلطان”، على حد ما أكَّد تدمري لموقع “ليبانون ديبايت”. و”حُرُم” هي زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني ووالدة ابنه وخليفته سليم الثاني، وهي التي “أوقفت أبنية عدّة في طرابلس واشترت أبنية بواسطة سماسرة لكنها لم تزر المدينة”.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر أيضاً، “توسعت طرابلس باتجاه أحياء الزاهرية والقبة والحدادين وشارع العجم ومحيط مقهى موسى في باب الرمل، كما شقت طرقات وشوارع الحديثة مثل شارع عزمي، وشيدت سكك الحديد”. ومن أبرز فنون العمارة التي شيدت خلال العهد العثماني خان الصابون، الذي أكَّد تدمري إنه “جرت توسعته خلال عهد السلطان سليمان القانوني، الذي أوصت زوجته “حُرُم سلطان” (أو هويام كما عُرفت في المُسلسل) بأن يُخصّص ريعه للحرم المكي الشريف، وبرج ساعة التل والجامع الحميدي في طرابلس والميناء، وخان العسكر، وجامع محمود بك، والبوابة الرئيسية للقلعة، والتكية المولوية وسواها”.

التكية المولوية في طرابلس
التكية المولوية في طرابلس

و”التكيّة” هي موقع أثري يُجاور ضفة نهر “أبو علي” منذ أكثر من 400 سنة، قامت في زمن العثمانيين ولغرض إيواء الفقراء والمحتاجين، ومن هنا جاء معنى اسمها “التكيّة” أي الاتكاء والاستناد باللغة التركية.

و”التكيّة” مؤلّفة من ثلاث طبقات، أوضح تدمري، لافتاً إلى انَّ “إحداها تستقبل الدراويش و”الملا” وقاصدي العلم والتصوف وفقاً للطقوس المولوية، وتضم قاعة تعرف بـ”السمع خانة” حيث تجري العروض، مثل الفتلة المولوية والإنشاد الديني، تقابلها قاعة للزوّار بينهم أعيان المدينة يشاهدون منها العروض الجارية، ويتبع لها المسجد حيث تقام الصلاة، وفيها قسم يُقيم فيه آل المولوي”.

وعملية ترميم “التكيّة” أُنجزت أو تكاد، وهي ممولة من المؤسسة الدولية التركية للتنمية “تيكا”، وآمل تدمري وهو أحد القيّمين على مشروع الترميم “تحويل هذا الصرح الى مكان لاستقبال الزوار والى متحف للطريقة الصوفية ومركز ثقافي، وتحويل المساحة الخضراء المحيطة به الى حديقة تكمل جمال البناء وتتكامل معه، على أن تضم مسرحاً مكشوفاً لإقامة العروض المولوية في الهواء الطلق”.

السلطانة هويام
السلطانة هويام




الإمام ابن الجزري شاهداً على انتصار العثمانيين في نيقوبوليس عام 1396م

بقلم: حاتم الطحاوي- صحيفة الحياة – الإمام المقرئ محمد بن محمد بن محمد بن الجزري (751 – 833هـ/ 1350 – 1430م) الذي لقّبه ابن العماد الحنبلي بمقرئ الممالك الإسلامية كانت له مكانته البارزة في علم القراءات. درّس في دمشق قبل أن يصل إلى بلاد الروم (العثمانيين) حيث استقبله السلطان بايزيد الأول (يلدرم) الذي احتفى به في شكل يليق بمكانته العلمية.
تحدث ابن الجزري عن قيامه بالقراءة «تحت قبة النسر من الجامع الأموي»، ووصل إليه في الشام العشرات من المريدين من بلاد المغرب والأندلس وبلاد اليمن والهند، فضلاً عن آسيا الصغرى من أجل الاستماع إليه والتعلم على يديه.
بعد ذلك تحدث عن إقامته في مصر، ثم خروجه منها على متن سفينة من ميناء الإسكندرية وصلت إلى ميناء السويدية في أنطاكية عام 798ه/ 1395م. وهناك احتفى به شيخ القراءات أمين الدين محمد التبريزي ولازمه أياماً وقرأ عليه القرآن الكريم بالقراءات العشر حتى أجازه ابن الجزري. بعد ذلك انتقل ابن الجزري من أنطاكية إلى مدينة لارندة (قونية) عاصمة القرمانيين حيث احتفى به أيضاً السلطان علاء الدين بن قرمان. ومن هناك توجه إلى مدينة بورصا حيث التقى رفيقه الشيخ الخطيب عبدالمؤمن الرومي الفلكاباذي الذي وصفه بأنه كان مبرزاً في علم القراءات، إضافة إلى صلاحه وورعه.
حدث ذلك كله قبل أن يلتقي الإمام ابن الجزري السلطان العثماني بايزيد يلدرم الذي استقبله أفضل استقبال وقام بتقديره وإهدائه الكثير من المماليك والجواري. كما طلب منه الإقامة الدائمة لدى العثمانيين مع منحه مئتي درهم في شكل يومي من أجل توفير حياة مريحة وهادئة.
أشار ابن الجوزي إلى أنه قابل منحة وكرم بايزيد برد فحواه أنه ما أتى إلى أراضي العثمانيين إلّا من أجل نشر القراءات وإفادة من يرغبون في تلقي العلم على يديه، بخاصة ممن لا يقدرون على الارتحال إليه في الشام أو مصر. غير أن رد السلطان العثماني كان قاطعاً بأنه قد انتوى فتح مدينة القسطنطينية عاصمة البيزنطيين، لذا فإنه يطلب منه مرافقته إلى هناك من أجل تحقيق هذا العمل الجليل. فما كان من ابن الجزري سوى أن طلب أن يسبقه إلى المدينة، وهو ما دفع بايزيد إلى الأمر بتجهيز رحلة الإمام إلى أسوار القسطنطينية بعد ذلك ذكر ابن الجزري وصوله إلى حي «غلطه» المواجه للمدينة، ومكوثـــه هـــناك أياماً حتى وصول السلطان العثماني لمحاصرة القسطنطينية.

Ottoman_war2

ولأنه كان موجوداً في معية بايزيد، لاحظ أن الأخير نما إلى علمه تحرك حملة عسكرية صليبية كبرى تألفت من الكثير من الجيوش المسيحية الأوروبية بقصد مهاجمة العثمانيين. وعلم بتقدمها وعبورها نهر الطونة (الدانوب). كما أشار ابن الجزري إلى تغيير السلطان العثماني استراتيجيته العسكرية، فلم يقم بانتظار وصولهم إليه، بل قام برفع الحصار وفضّل التوجه لملاقاة الحملة الصليبية الجديدة قبل وصولها.
هكذا، كان ابن الجزري أيضاً في معية الجيش العثماني الذي توجه لملاقاة الصليبيين في سهول مدينة نيقوبوليس Nicopolis عام 799هـ/ 1396م. كما حدثنا عن دوره في محادثة السلطان وجنوده في فضائل الجهاد، وما أعدّه الله من نعم للصابرين والشهداء.
ولفتت نظره عملية استطلاع العثمانيين عن أعداد تلك الحملة المسيحية فذكر – في مبالغة – أنهم قدّروا عددها بمئتي ألف فارس. غير أنه ذكر أنه شاهد في طليعة الجيش الأوروبي ثلاثين ألف محارب من مدينة جنوا الإيطالية.
وعلى رغم أن الإمام لم يخبرنا عن أعداد قوات الجيش العثماني، فإن لدينا معلومات – مبالغاً فيها أيضاً – من المصادر الأوروبية تحصي عددها بمئتي ألف محارب.
ولأنه كان شاهد عيان على الانتصار العثماني الكبير في نيقوبوليس، فقد وصف ذلك النصر بأنه كان عبارة عن «ملحمة عظيمة لم يكن مثلها في الأعصار». فقد عاش الإمام ابن الجزري بنفسه تلك الموقعة المروعة التي دحرت فيها جيوش العثمانيين القوى الأوروبية الصليبية بعدما شتت شملها، وأجبر قائدها ملك المجر على الهرب بصعوبة بعد نجاحه في الفرار من قبضة العثمانيين بعد اجتيازه نهر الدانوب باتجاه الغرب. وتابع أيضاً الأحداث التي جرت بعيد المعركة مباشرة، بخاصة أمر السلطان بايزيد بقتل جميع الأسرى الأوروبيين، باستثناء صغار السن منهم، أو وفق كلماته «من كان منهم صبياً قد ناهز الاحتلام».

السلطان يايزيد
السلطان يايزيد

ويجب أن نتوقف هنا قليلاً لنشير إلى وجود شاهد عيان على معركة نيقوبوليس من الجانب الصليبي، هو الفارس يوهان شيلتبرغر، الذي أسره العثمانيون عقب المعركة، والذي نجا من القتل بفضل حداثة سنّه، وأكد الكثير مما رواه الإمام ابن الجزري، بخاصة مسألة استثناء العثمانيين من هم دون العشرين من القتل.
غير أن ما لم يذكره كل من المسيحي شيلتبرغر ولا المسلم ابن الجزري أن أمر السلطان بقتل جميع أسرى موقعة نيقوبوليس كان له ما يبرره لدى العثمانيين، لأنه كان بمثابة رد فعل على سلوك القوى الأوروبية ضد المسلمين، وذلك بعد قيام الكونت دي نافار وملك المجر بإعدام جميع الأسرى المسلمين بعد سقوط راهوفا Rahova في قبضتهم. وهو الأمر الذي أثار غضب السلطان بايزيد، ما دفعه إلى اتخاذ ذلك التصرف ضد الأسرى المسيحيين.
على أن الغريب أن الصغير شيلتبرغر، بعدما عفا السلطان العثماني عنه وضمّه إلى حاشيته، لاحظ أن مستشاري بايزيد طلبوا منه التوقف عن قتل الأسرى عندما حل المساء. ووجه الغرابة هنا أن الإمام ابن الجزري – الذي كان من حاشية السلطان – لم يذكر ذلك في شهادته، واكتفى بذكر أن بايزيد «أمسك منهم اثني عشر من ملوكهم».
والحقيقة أن السلطان العثماني تمكن في أعقاب المعركة من أسر المئات من كبار القادة والأمراء الأوروبيين، بخاصة الفرنسيين الذين تم التعرف إلى مكانتهم العالية بفضل ما قاموا بارتدائه من زي فاخر ميّزهم عن بقية الجنود، فتم الحفاظ على حياتهم لأن العثمانيين رأوا فيهم مصدرا ًيمكن أن يوفر لهم الأموال الطائلة مقابل إطلاق سراحهم. وكان من بينهم الفارس الشهير بوسيكيو Bouciquoi العظيم الشأن في فرنسا، والذي تم إطلاق سراحه بعد ذلك مقابل فدية كبيرة. غير أن السلطان العثماني دفع مقابل ذلك التصرف ثمناً باهظاً في ما بعد، إذ لعب بوسيكيو دوراً خطيراً ضد العثمانيين إبان معاودة السلطان بايزيد حصاره القسطنطينية. فقد أرسله الملك الفرنسي شارل السادس Charles VI (1382 – 1422م) لتقديم المساعدة للإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغس Manuel Palaelogus (1391 – 1425م) ضد هجمات العثمانيين. وبالفعل نجح بوسيكيو في كسر طوق الحصار البحري الذي فرضه السلطان بايزيد على القسطنطينية، ونجح في التسلل إليها حيث قاد عملية دفاع ناجحة عن المدينة ساهمت في إفشال الحصار العثماني للعاصمة البيزنطية.
وعلى أية حال فقد أشار ابن الجزري – عن حق – وبطريق غير مباشر، إلى تعدد جنسيات المحاربين الأوروبيين في موقعة نيقوبوليس، وذلك بعدما ذكر أنه بعد المعركة منحه السلطان بايزيد ستة من الأسرى «لم يكن واحد منهم يعرف لغة الآخر. لأن كلّاً منهم من بلاد غير بلاد الآخرين، وطائفة غير طائفتهم». وإذا كان شيلتبرغر أشار في مذكراته إلى أن جنود صليبية نيقوبوليس تألفوا من قوات فرنسية وإنكليزية وصربية ومجرية وبلغارية وإيطالية وغيرها، فمن الطبيعي أن يكون من نصيب الإمام ابن الجزري – الذي لم يشر سوى إلى العنصر المجري والإيطالي – أسرى لا يعرفون لغات بعضهم بعضاً. وكان من عادة العثمانيين منح الأسرى الأوروبيين كهدايا إلى حكام الدول الإسلامية وقادتها.

Nikopolos_war3

ونعرف من خلال حديث البافاري شيلتبرغر أن السلطان بايزيد قام بإرسال الكثير من الأسرى عُقيب نيقوبوليس إلى بقية الممالك الإسلامية تعبيراً عن النصر العثماني المبين. وذكر على سبيل المثل أنه تم إرسال ستين أسيراً هدية إلى السلطان المملوكي الظاهر برقوق (1390 – 1399م) في القاهرة. وأن شيلتبرغر نفسه كاد يرسل في معية هؤلاء الأسرى لولا سابق إصابته بجروح خطيرة في نيقوبوليس، ليدفع به القدر إلى حاشية السلطان بايزيد. كما أن لدينا مصدراً أوروبياً آخر هو ما كتبه البندقي مانويل بيلوتي Emmanuel Piloti الذي شاهد كثراً من الأسرى الفرنسيين والإيطاليين في بلاط السلطان المملوكي في مصر. ووفق كلماته «… لقد رأيتهم جميعاً في قصر السلطان في القاهرة، وتحدثت معهم وكانوا جميعاً من الشبان الحسني الخلقة الذين تم اختيارهم بعناية».
ويمكننا القول في النهاية أن ما أورده الإمام ابن الجزري عن انتصار العثمانيين على حملة نيقوبوليس 1396م، هو في غاية الأهمية لسببين موضوعيين، الأول أنه كان شاهد عيان على المعركة نفسها كما رأينا، والثاني لأنه يعد مصدراً تاريخياً غير مباشر ومجهول حول تلك المعركة التي مثلت علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين المسلمين وأوروبا في نهايات العصر الوسيط.

* أستاذ في كلية الآداب – جامعة الملك فيصل




حكاية طباعة المصحف في مصر

سماح عبدالمنعم السلاوي – صحيفة الحياة
لم يعرف المصريون الطباعة إلا في فترة الاحتلال الفرنسي 1798-1801، فأتيح للمرة الأولى نشر الكتب بآلة، وأمكن الاستغناء عن النُساخ، ولذلك كانت صناعة الطباعة من الأشياء التي أثارت دهشة الشعب المصري وأعجب بها الكثيرون من المشايخ وأعضاء الديوان والمثقفين، منهم الشيخ المهدي والفيومي والصاوي والشيخ البكري. ورحلت المطبعة مع الحملة وظلت مصر لا تعرف الطباعة حتى العام 1822 حينما أراد محمد علي باشا النهوض بالبلد في التخصصات والمجالات المتنوعة، فاستحق عن جدارة لقب صانع النهضة المصرية الحديثة. وكان التعليم أول ما اهتم به محمد علي لثقته بأن العلم هو الوسيلة القوية لتحقيق أهدافه التنموية، ولذلك اهتم بشدة بالنهوض بالطباعة باعتبارها أهم وسيلة لنقل الحضارة والثقافة الأوروبيتين، فأرسل بعثات علمية إلى إيطاليا للتخصص في فن الطباعة؛ وعلى رأسها نيقولا مسابكي أفندي الذي عاد إلى مصر عام 1233هـ/ 1819، ومعه ثلاث طابعات وتولى إدارة المطبعة وعاونه أربعة من خريجي الأزهر. وكانت المطبعة تطبع الكتب المدرسية ودفاتر الديوان واستمر التطوير فيها في عهود خلفاء محمد علي وأصبح اسمها المطبعة السنية ثم الأميرية.
أما فكرة طبع القرآن الكريم فلم تخطر ببال محمد علي باشا منذ البداية وعندما فكر في ذلك وجد معارضة من علماء الأزهر وظل الأمر محرماً بمقتضى فتوى، وكذلك جرى تحريم طبع الكتب الدينية؛ بناء على حجج واهية، منها أن مواد الطباعة منافية للطهارة، وعدم جواز ضغط آيات الله بالآلات الحديدية، واحتمال وقوع خطأ في طبع القرآن. وهذه المعارضة كانت أمراً طبيعياً أقرته ظروف وطبيعة الحياة في ذلك العصر، فالطباعة فن جديد، ولم يكن العلماء عرفوا ماهيته بالضبط، إضافة إلى أنهم اعتادوا كسب قوتهم من نسخ الكتب. ولكن في العام 1832 أمر بطبع أجزاء من المصحف لتلاميذ المدارس، ثم صدر أمر إلى مدير مطبعة بولاق بطبع المصحف، وأمر الشيخ التميمي؛ مفتي الديار المصرية بوضع خاتمه على المصحف ليكون بيعه وتداوله أمراً مشروعاً، وتم توزيع المصحف المطبوع على المدارس والأزهر الشريف واستمر ذلك حتى وفاة محمد علي. ولذا يُعتبر مصحف محمد علي أول مصحف مصري مطبوع. وبلغت عنايته بالمصحف أن خصص جزءاً من مطبعة بولاق عُرف باسم مطبعة المصحف الشريف واختار لها رئيساً مستقلاً وشغل تلك الوظيفة عبد الرحمن أفندي عام 1260هـ/ 1845م. ولكن في عهد الخديوي عباس حلمي الأول وجد علماء الأزهر أخطاء في مصحف محمد علي، واستغلوا ضعف الخديوي وعدم رغبته في النهضة والتطور فلم يهتموا بتصحيح المصحف واستطاعوا إقناعه بمصادرة تلك المصاحف ومنع تداولها، فأصدر العام 1853 منشوراً بجمع المصاحف المطبوعة وتحريم تداولها ومعاقبة من يخالف ذلك الأمر، كما أصدر أمراً لمحافظ الإسكندرية في العام التالي بإعدام المطبوع من المصاحف.
ولكن تلك المصاحف تم تخزينها في مخازن ديوان الجهادية، وكان عددها 296 مصحفاً، وعندما أراد الخديوي سعيد أن يوزع بعض المصاحف على تلاميذ المدرسة الحربية سأل علماء الأزهر في ذلك فأفتوا له بأنه يمكن تصحيح الأخطاء في المصاحف ثم توزيعها على التلاميذ وكان عددها اثنين وخمسين مصحفاً، أما بقية المصاحف فتم عرضها على خطاط يدعى الشيخ عبد الباقي الجاري، وقام بتصحيح مئة وخمسين مصحفاً حتى يوم 8 شعبان 1274هـ/23 آذار (مارس) 1858م، وتبقى عشرة مصاحف تم تصحيحها في خلال شهر، وسبعة وخمسون مصحفاً تم الانتهاء من تصحيحها خلال أربعة أشهر، كما اتضح بعد التحري والفحص أن هناك مئة وأربعة وثلاثين مصحفاً من تلك المصاحف المصححة تخص أشخاصاً منهم الحاج عثمان وكان له مئة وثمانون مصحفاً والحاج أمين وله ست وعشرون مصحفاً وقد كلفا الحاج حسن بتصحيحها، فأمر الخديوي أن تصحح على نفقة الحكومة وتعاد النسخ الشخصية إلى أصحابها، أما الباقي فيوزع على الأماكن الطاهرة للتلاوة فيها أو على المدارس والمكاتب التي تحتاج إلى ذلك.
وفي عهد الملك فؤاد طُبِع المصحف مرة أخرى عام 1918 في المطبعة الأميرية وقام على تصحيحه وتدقيقه الشيخ محمد خلف الحسيني؛ شيخ المقارئ المصرية، وحفني ناصف؛ المفتش الأول للغة العربية في وزارة المعارف العمومية، ومصطفي عناني المدرس بمدرسة المعلمين الناصرية، وأحمد الأسكندري، ونصر العادلي رئيس المصححين في المطبعة الأميرية تحت إشراف مشيخة الأزهر الشريف، وتمت مراجعته في 1918، وتم جمعه وترتيبه في المطبعة الأميرية، وطبع في مصلحة المساحة عام 1924. وكانت هذه هي الطبعة الأولى، وسمي بالمصحف الملكي المصري، وجاء على أحسن وجه من حيث ترقيم الآيات وعلى أساس علمي قويم، فقد اُتبعت في عد الآيات طريقة الكوفيين عن عبد الله بن حبيب السلمي عن علي بن أبي طالب، وبحسب ما ورد في كتاب «ناظمة الزهر» للشاطبي وشرحها للشيخ رضوان المخللاتي، وكتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي، وكتاب البيان للشيخ محمد متولي.
وبحسب ما جاء في مؤلفات هؤلاء العلماء تم تحديد عدد آيات القرآن بـ 6236 آية، والدائرة المُحلاة التي في جوفها رقم تدل على انتهاء الآية وبرقمها على عدد تلك الآية من السورة. ويقع مصحف الملك فؤاد الأول في 826 صفحة. ولكن في عهد الملك فاروق، وجد علماء الأزهر أخطاء في المصاحف التي طُبعت في عهد أبيه؛ فمنها أخطاء في الرسم العثماني وأخطاء في ضبط أواخر الكلمات في بعض السور القرآنية وكذلك أخطاء في الوقوف؛ حيث وجد العلماء أن هناك أخطاء واضحة في أكثر من ثمانمئة موضع، ثم طُبعت نسخ أخرى وقام بمراجعتها الشيوخ المصححون أنفسهم، وبالتالي وقعوا في الأخطاء السابقة نفسها، بالإضافة إلى طباعة مصاحف أخرى في المطابع الأهلية سواء كانت مطابع آلية أم حجرية على النسخة السابقة بمعرفة الشيخ محمد علي خلف الحسيني، وبموافقة اللجنة المعينة بقرار الملك فؤاد الأول بكل ما فيها من أخطاء سابقة. فلما تقررت إعادة طبع ذلك المصحف في عهد الملك فاروق، تألفت لجنة للمراجعة والتدقيق من الشيخ علي محمد الضباع؛ شيخ المقارئ المصرية، والشيخ عبد الفتاح القاضي المشرف على معهد القراءات، ومحمد علي النجار من كلية العلوم، والشيخ عبد الحليم بسيوني المراقب في الأزهر الشريف، فأتمت مراجعة المصحف وتصحيحه تحت إشراف مشيخة الأزهر وراجع عملها الشيخ عبد الرحمن حسن وكيل الجامع الأزهر وتم إعداد المصحف وطبعه بمصلحة المساحة، أما ترتيبه فتم في مطبعة دار الكتب المصرية، وكانت تلك الطبعة الثانية للمصحف الشريف وصدرت العام 1371هـ/ 1952 وكانت أصح وأجمل الطبعات، ثم توالت الطبعات في المطابع الأميرية وغيرها حتى اليوم، وعُرِف بمصحف بولاق، أو المصحف الأميري، أو المصحف المصري، أو مصحف دار المساحة، أو مصحف دار الكتب، فهي مسميات لمصحف واحد وهو الذي كتب حروفه الخطاط جعفر بك. وتمت كتابته وضبطه بما يوافق رواية حفص عن عاصم وأُخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها الخليفة عثمان بن عفان إلى البصرة والكوفة والشام ومكة ومصحف المدينة المنورة ومصحفه.
وبالتالي جاء ذلك المصحف موافقاً لنظيره من المصاحف الستة السابق ذكرها، وأخذ ضبطه حسب ما جاء في كتاب «الطراز على ضبط الخراز» مع إبدال علامات الأندلسيين والمغاربة بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه المشارقة، واُتبعت في عد آياته طريقة الكوفيين بحسب ما ورد في كتاب «ناظمة الزهر»، وكتاب «تحقيق البيان».
أما بيان السورة مكية أو مدنية فقد أخذ من الكتاب السابق ذكره وكتب القراءات والتفسير. أما علامات الوقف فمما قرره الشيخ محمد بن علي خلف الحسيني شيخ المقارئ المصرية آنذاك، وبيان السجدات من كتب الفقه في المذاهب الأربعة، وبيان السكتات الواجبة عند حفص من الشاطبية. وتوالى طبع المصاحف وكانت مصر تسند رئاسة اللجنة إلى شيخ عموم القراء واستمر ذلك حتى عهد الشيخ محمد الضباع (ت 1367هـ/1956) ثم أسندت إلى مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف وقد اصطلحت تلك اللجنة على العلامات الدالة على الضبط واصطلاحاته في صورته الأخيرة ووضعت في آخر كل مصحف ليرجع إليها.

* باحثة مصرية




التكتيك العسكري للجيش الإسلامي في الحروب الصليبية

بقلم: أنيس الأبيض – صحيفة الحياة –
ليس من شك في أنّ الحروب الصليبية كانت أول حرب عالمية عرفها التاريخ، إذ لم يسبق للقارة الأوروبية قبل هذه العاصفة الجنونية أن اهتزت بأسرها لعاطفة واحدة وعملت لقضية واحدة، وزحفت في جيش موحد وهدف واحد. فلقد كان دعاة الحرب الأوروبيون يصوّرون المسلمين لأبناء أوروبا على أنهم آكلة لحم البشر وذئاب الإنسانية وأعداء المسيح وغير ذلك من الصور التي يقول المؤرخ الإنكليزي جيبون Gibbon عنها: «ولم تكن هذه التهم سوى نتيجة الجهل والتعصب، وهي صور ينفيها القرآن الكريم ويكذّبها تاريخ الفاتحين العرب وتسامحهم مع المسيحية في الحياة العامة وفي الشرائع والقوانين.
وإذا كانت شهادة الأهل ذات دلالة خاصة وأهمية كبرى، فإنّ المؤرخ رنسيمان يصرّح، بأنّ المسيحيين كانوا أسعد حظاً في الغالب تحت حكم جماعات المسلمين منهم تحت حكم ملوك الرومان، حيث تمتّعوا بحرية التجارة، والعيش في ظلال الأمن، ولم يرهقهم المسلمون بالضرائب كما كانوا يعانونه من قبل، على أنّه إذا كانت هناك حوادث وقعت على الحجاج، فإنّها لا تعدو أن تكون حوادث فردية لا يخلو منها بلد وعصر، بل كان يلقاها المسيحيون أنفسهم على أرض أوروبا. ومن الظلم الواضح أن تتخذ الأحداث الفردية قاعدة عامة للحكم وترتيب النتائج. فالغرض من قيام تلك الحروب بأية وسيلة، كان واضحاً بتجسيم الحوادث الفردية القليلة وتهويلها واستثارة للنفوس.
ويكفي أن نستشهد أيضاً بما قاله «منرو» في هذا الشأن: «كانت الفظائع المنسوبة إلى المسلمين ممزوجة بكثير من التوابل… لتوافق روح ذلك العصر الذي كان أشد توحّشاً من عصرنا هذا».
أما ما قاله «برنار دي فيس» في مذكراته فهو كان لإبطال افتراءات المبالغين: «إنّ الإسلام سائد فوق تلك الربوع بين النصارى والمسلمين، حتى أنني لو كنت مسافراً ونفق بعيري أو حماري الذي ينقل أمتعتي على الطريق، وتركتها كلها من دون حارس أو رقيب وسرت إلى أقرب مدينة لأجلب لي بعيراً أو حماراً آخر، لوجدت عند عودتي أنها على حالها لم يمسها أحد».
إنّ المكانة التي يشغلها فن الحرب في اهتمامات المجتمعات العصرية لا تحتاج إلى برهان لأهميته وأثره في إعداد القوات المسلحة للدولة وتحديد أطر الاستراتيجية العامة وفن العمليات والتكتيك. ولعل دراسة فن الحرب أيام الحروب الصليبية تحمل الكثير من الفوائد. كما أنّ دراسة هذه الحقبة من تاريخ فن الحرب والنتائج التي نجمت عنها من الناحية العسكرية الحربية تتطلب الكثير من الجهد والوقت.
ولعل اختيارنا هذا المقال للنشر هو الوقوف على الطرائق العسكرية التي اعتمدها الجيش الإسلامي ومن خلال ما كتبه كاتب أجنبي هو الدكتور ريسي سميل. فهو بريطاني يتحدث من وجهة نظر غربية ويعتمد مصادر غربية أو عربية مترجمة من اللغات الأجنبية، إلا أنّه مع ذلك لم يستطع إخفاء حقيقة العبقرية العسكرية التي اعتمدتها الجيوش الصليبية أثناء معارك الالتحام بين الطرفين.
كما أنّه لا بدّ من التنويه بأهمية الإنجاز الكبير الذي قام به العميد الركن محمد وليد الجلاد بترجمة كتاب ريسي سميل، «فن الحرب عند الصليبيين في القرن الثاني عشر (1097 – 1193م)» إذ أمكننا من خلال قراءة هذا الكتاب معرفة الدور الذي قام به المترجم، والذي توخّى الموضوعية التامة والأمانة المطلقة في الترجمة ونقل النص من الإنكليزية إلى العربية مستعيناً بعدد من المصادر العربية أو المنقولة إلى اللغة العربية لتحقيق بعض التواريخ والأحداث والأسماء. مع التدقيق على أقوال الكاتب وآرائه في ذيل الكتاب.

التكتيك العسكري

الأسلوب العسكري
إنّ الغاية من هذا المقال هي إلقاء الضوء على الأسلوب العسكري الذي اعتمدته الجيوش الإسلامية، وبالتحديد القوات السلجوقية والأيوبية في قتالها ضد الفرنجة، إذ ليس من شك في أنّ الجيوش الصليبية التي نظمها حكام أوروبا، ودعا إليها كثر من الباباوات، بداعي حماية الأماكن المسيحية المقدسة من اعتداءات المسلمين. قد اعتمدت هي الأخرى أسلوباً معيّناً في القتال ضد الجيوش الإسلامية. لذلك، رأت الجيوش الإسلامية نفسها مضطرة لمجاراة الصليبيين في التكتيك العسكري، بل التفوق عليهم بدليل أنّ كثراً من المؤرخين الأجانب أشاروا إلى بعض الصفات العسكرية التي اتصفت بها هذه القوات.
كما فعل « فلتشر» في وصفه للجيش الإسلامي الذي لاقى الفرنجة، إذ يأتي على ذكر سمتين رئيسيتين كانتا تتركان بصماتهما دائماً على المراقبين الغربيين، وهما «صرخات القتال الرهيبة» و «القرع الوحشي للطبول».
وإذا أردنا أن نلقي نظرة على تنظيمات الجيوش الإسلامية، فإننا نلاحظ أنّ معظم هذه القوات كانت في تلك الحقبة تضم فرساناً من طراز مختلف، كما هو شأن القوات السلجوقية. وربما كان السبب في ذلك وجود خليط من المقاتلين ينتمون إلى سكان المناطق الغربية من آسيا في صفوف قواتهم.
ويذكر المؤرخون العرب جنود المشاة في أحيان كثيرة على رغم أنّ وظيفتهم العسكرية لم تذكر بجلاء تام. ومما لا شك فيه أنهم كانوا مطالبين بالقيام بواجبات الإيواء والتموين. وكانوا يثبّتون جدارتهم عند القتال في الأراضي الوعرة. فعندما خرج جيش دمشق للدفاع عن المدينة ضد الفرنجة عام 1126م، كان برفقة كل خيّال في المعركة جندي مشاة إلا أنّ المشاة لم تكن تذكر على وجه العموم إلا عندما يعمل السيف في رقاب الجانب الخاسر. كذلك توجد إشارات إلى خيّالة لم يكونوا مسلحين بالقسي.
كان أعظم خطر داهم يواجهه الفرنجة في قتالهم تكتيك رماة النبل الراكبين (النبّالة من الخيالة). ولقد تناولت المؤلفات العسكرية البيزنطية هذه الطرائق بالتحليل المفصّل، ووصفها كذلك المؤرخون المحدثون الذين استعانوا – إلى درجة كبيرة – بوصفين مختصرين ومتشابهين، كان أحدهما ترجمة حرة لنص منقول بالفرنسية عن وليم الصوري في القرن الثالث عشر، بينما ظهر الوصف الآخر في نسخة متأخرة من تتمة تاريخ وليم الصوري.
ويبدو أنّ «أومان وغروسيه» استخدما هذه الفقرات أساساً في إيراد وصفهما الخاص للطرائق الحربية السلجوقية على رغم أنهما لم يصرحا بذلك. ولكنهما لم يقدما وصفاً شاملاً للتكتيك السلجوقي كما لم يفعل ذلك أي باحث آخر لهذا الموضوع. وربما كان الوصف الذي قدّمه «دليش» أفضل الموجود وقد اعتمد هو كذلك وبصورة أساسية على ما ذكره «فلتشر» فقد جاءت الصورة التي رسمها تخطيطية إلى درجة الجمود وليست حقيقية، إذ إنّ طرائق الحرب التي تبنّاها الفرنجة في سورية تحددت جزئياً بالتكتيك السلجوقي التقليدي، ومن المهم جداً أن تفهم هذه الناحية فهماً صحيحاً.

الأسلحة
كان الجزء الفعّال من الجيش السلجوقي – كما كان شأن الفرنجة – يقاتل على متن الخيل، ولكن من الواضح – بالاستناد إلى جميع السجلات المعاصرة – أنّ المقاتلين في هذا الجيش كانوا أسرع من الفرنجة وأكثر مرونة في المناورة منهم. ولقد عزي ذلك إلى سرعة عدو خيولهم ورشاقتها وخفة أسلحتهم، إذ كان القوس سلاحهم الرئيسي. ولكنهم كانوا يحملون الترس والرمح والسيف والهراوة كذلك. وهناك دليل جيد على أنّ الرمح والترس كانا أخفّ وزناً مما لدى الفرنجة. وعندما لم يكن التفوق العددي إلى جانب السلاجقة كان الفرنجة يملكون الميزة في الالتحام. وربما يلفت النظر هنا استخدام رمح أطول من جانب بعض العرب كما يذكر «أسامة بن منقذ».
ويبدو أنّ الرمح الذي يستخدمه المسلمون كان أخف بكثير. ولم يكن الرمح الفرنجي مصنوعاً من خشب السنديان أو البلوط، وإنما كانت قناته من القصب مع أسلحة من الحديد ولم تكن تروسهم أيضاً دفاعية طويلة على هيئة الحداة كما كانت تروس الفرنجة، إنما كانت تبدو على شكل مخبات مستديرة صغيرة أقل مناعة في الدفاع ولكنها تملك ميزة الخفة.كان المسلمون بفضل خيولهم وأسلحتهم أخف حركة من الفرنجة، وقد استغلوا هذه الحركة في أربعة أوجه رئيسية:
أولها أنها كانت تمكنهم من البقاء بعيداً من العدو واختيار اللحظة المناسبة للالتحام معه، وكان الفرنجة في أوروبا متمرسين على مواجهة العدو وهو راكب. ولكن الأوروبيين هناك كانوا مثلهم ويستفيدون من ثقل خيولهم وسرعتها لإضفاء زخم إضافي في حملهم على العدو. الأمر الذي كانت له أهمية كبرى وفاعلية كاملة، إذ كان موجهاً ضد تشكيلات العدو المتماسكة فقط. أما النبّالة المسلمون فلم يكونوا يشكّلون هدفاً من هذا القبيل. وإذا ما شنّ الهجوم عليهم كانوا متأهبين للفرّ مبتعدين، وعندما يتوقف العدو عن المحاولة كانوا يكرّون هم أنفسهم مرة ثانية.
ولقد لاحظ الكتّاب اللاتين هذه المميزات في بداية القرن وفي نهايته على حد سواء. وقد يتفرّق المسلمون ويتشتّتون في جميع الجهات ولكنهم كانوا يعودون دائماً للقتال، فتراهم يكرّون تارة ويفرّون أخرى. ولا يرون في الفرّ غضاضة لأن التقهقر في اعتقادهم لا يقل شأناً عن المطاردة.
والوجه الثاني أنهم كانوا يطبّقون أسلوب التقهقر المضلل، وقد يمتد تقهقرهم أحياناً بضعة أيام، ويهدف دائماً إلى إرهاق الفرنجة، وإبعادهم عن قواعدهم. وكثيراً ما كانوا يضعون طعماً لاجتذاب الفرنجة نحو مكمن مهيأ، وكان ذلك عبارة عن قوة صغيرة من الخيّالة كفيلة بإغواء العدو بتدميرها وحفزه على مطاردتها. وعندما ينطلق الفرنجة لمهاجمتها كان الطعم يتوجه بمطارديه باتجاه الكتلة الرئيسية التي تبقى مختفية حتى اللحظة الحاسمة. وكانت مثل هذه الخطة تكفي لتحقيق نجاح ضئيل، أو كسب معركة كاملة طبقا للمستوى الذي تطبق فيه.
والوجه الثالث أنّهم كانوا يستفيدون من حركتهم لمهاجمة جناحي العدو ومؤخرته. فما إن تسنح لهم الفرصة حتى يحوموا حوله كالنحل ويهاجموه من جميع الجهات ويحاولوا الإحاطة به إحاطة السوار بالمعصم مثل «الحزام أو هالة القمر في قبة السماء» أو «كالكرة حول محورها» أو «كما لو كانوا يحاصرون مدينة»، فإذا لم يستطيعوا الإحاطة بالعدو التفوا عليه من جانب أو من الجانبين مثل الهلال، وربما كان اتباع مثل هذا التكتيك نتيجة للتفوق العددي، إلا أنّه كان يشكّل دائماً جزءاً أساسياً من طريقة الجيش الإسلامي في خوض الحرب. وكان يطبّق دائماً مهما كان عددهم. وكان على الفرنجة أن يراقبوا ظهورهم باستمرار، إذ كان ذلك شكلاً من أشكال الهجوم لم يعهدوه في خبرتهم العسكرية في أوروبا، وملزمين حياله باتخاذ إجراءات تكتيكية خاصة في الشرق.
أما الوجه الرابع لاستخدام الجيش الإسلامي لحركتهم فهو مهاجمة العدو وإرغامه على القتال أثناء المسير. ولم يكن ذلك ممكنا إلا إذا كان المهاجم قادراً على التحرك بسرعة أكثر من سرعة خصمه وإلى مدى أبعد منه. وكانت تلك الطريقة مستجدة على الفرنجة من طرائق فن الحرب، وتثير غيظهم في شكل خاص، لأنهم كانوا يهوون ترتيب فصائلهم قبل الشروع بالقتال، ويميلون إلى دخول المعركة بتنظيم جيد، وكان الخطر الرئيسي يتأتى من ميل المسلمين إلى الهجوم من الخلف، فعندما يهاجمون رتلاً سائراً كان جهدهم الرئيسي ينصبّ دائماً على المؤخرة، وكانت المشكلات التي تواجه القائد في هذه الظروف من أجل الإبقاء على سيطرته أكبر بكثير مما لو ركّز المهاجم جهوده على المقدمة.
وقد ترك شهود عيان تسجيلات كثيرة عن تطبيق مثل هذه الأساليب التكتيكية ضد أرتال الحملة الصليبية الثانية، عندما حاولت اجتياز آسيا الصغرى عام 1147م، وضد قوات «فريدريك برباروسا» الذي سار على المحور نفسه في عام 1190م، وقد اضطر الفرنجة في سورية لاتخاذ إجراءات مضادة أكثر من مرة لمجابهة مثل هذا الهجوم، وكان يعار اهتمام كبير لتنظيم حرس المؤخرة وقيادته نتيجة لذلك.
كانت السمة التكتيكية الثانية التي اشتهرت بها القوات السلجوقية والأيوبية بعد قدرتها الحركية، اعتمادها على رماة النبل (النبّالة) وكان هؤلاء ماهرين في استخدام القسي على متون الخيل والرمي منها من دون توقف أو ترجّل، وكانوا بذلك قادرين على الجمع بين رمي السهام واستخدامهم التكتيكي لحركتهم التي سبق وصفها. حتى إنّهم كانوا قادرين أثناء الفرّ على الالتفات إلى الخلف وإطلاق سهامهم على مطارديهم وهم على ظهور الجياد. وبالاستناد إلى استخدام الكتّاب اللاتين المتكرر كلمات كثيرة مثل (زخات المطر) و (مدرار) و (وابل) و (غزير، كثير) عند وصفهم حجم رماية النبل من جانب المسلمين، من المرجّح أن يكون معدل الرمي عالياً جداً. ويبدو أنّ القوس والنبل كانا سلاحين خفيفين، وكان النبل يخترق دروع الفرنجة من دون أن يجرح جسم لابسه غالباً، حتى إنّ الكتّاب كثيراً ما يستخدمون صورة النيص (حيوان من القوارض يشبه القنفذ) لتصوير مظهر الرجال أو الحيوانات الذين تعرّضوا لرماية النشّابين.
كان الاستخدام التكتيكي لهؤلاء النبّالة يهدف إلى تحطيم تماسك العدو، ويمكن تحقيق ذلك بتكبيده الخسائر ليس بالرجال فحسب، بل بالخيول أيضاً.
وقد سجّل شاهد عيان أنّ مختلف الحملات الصليبية التي عبرت آسيا الصغرى خلال القرن الثاني عشر تعرّضت لإنهاك شديد نتيجة خسائرها بالخيول، إذ كثيراً ما كانت تعاني نقصاً بالعلف والمياه، كما كان لحم الخيل مطلوباً لإطعام الحجيج. أضف إلى ذلك أنّ عدداً كبيراً من الخيول كان يقتل بسهام المسلمين. وكان ذلك الخطر يظل قائماً كلما لجأ الفرنجة إلى ميدان القتال طوال القرن الثاني عشر، إذ كان الفرنجة يعتمدون الهجوم الراكب لتحقيق النصر في المعركة بينما كان المسلمون يدركون تماماً أهمية تدمير خيول الفرنجة.
كانت السهام – إلى جانب الخسائر التي تحدثها – تتسبّب في خلق توتر نفسي بين صفوف الجنود الذين تنهال عليهم. ولما كانت أفضل طريقة مؤكدة لتحييد الأسلحة القاذفة المعادية هي الاقتراب من الجنود الذين يستخدمونها ما أمكن ذلك، فقد كان المسلمون يلجأون دائماً إلى استفزاز الفرنجة وتحريضهم على الهجوم وترك تشكيلاتهم من طريق الرماة.

الالتحام
لم تكن حركة المسلمين ورمايتهم كافيتين وحدهما لتحقيق النصر لهم، إذ إنّ هاتين الوسيلتين ليستا إلا لإضعاف العدو. أما هزيمة العدو النهائية في ميدان المعركة، فلا يمكن تحقيقها إلا بالقتال القريب والالتحام معه بالرمح والسيف والهراوة، وعندما كان يجد المسلمون أنّ الفرصة مواتية للالتحام مع العدو، كانوا يعلّقون أقواسهم على مناكبهم وينقضّون على الفرنجة بغية حسم الموقف عنوة.
وقد رسم كل من «فلتشر» و «رالف» في سجلاتهما صورة للمسلمين وهم يهاجمون بالسهام أولاً، ومن ثم بالرماح والسيوف. ونلاحظ أنّ المرحلتين المذكورتين في معركة ساحة الدم ومعركتي «هاب» و «حطين» وعند «أرسوف». ويلاحظ أنّ السلاجقة لم يتعجّلوا الالتحام مع العدو لأنهم كانوا يرغبون بادئ ذي بدء في تحقيق أكبر تفوّق يمكن بلوغه من طريق الرمي والحركة. لقد كان التكتيك الذي يطبّقه المسلمون تعبيراً طبيعياً للسلوك الفطري الذي يفترض ضرورة تحقيق الجيش كل ميزة ممكنة على خصمه قبل أن يتورط في معركة لا رجوع عنها. وكانوا يحقّقون تلك الميزة بالمفاجأة أحياناً، ويكون العمل التمهيدي غير ضروري وقتذاك. أو يضطرهم العدو اضطراراً للالتحام الفوري بالقتال رغم إرادتهم. ولكن المسلمين كانوا يظلّون عادة بعيدين من العدو محتفظين بحريتهم في الاختيار. فإما أن يطوّروا المعركة أو يتخلوا عنها. ولا يعرّضون أنفسهم للقتال القريب إلا عندما يهيئون له الظروف المناسبة بالرمي والحركة.




مدينة حائل في كتابات المستشرقين والرحالة الأتراك والفرس والهنود

بقلم: عمرو عبدالعزيز منير – صحيفة الحياة –
أدب الرحلات الغربي، وآثار الرحالة، تعد امتداداً لحركة الاستشراق والمستشرقين. والاستشراق بحد ذاته هو من تراث الإمبراطوريات الغربية التي كانت – ولا تزال – تحرص على دوام مصالحها في الجزيرة العربية. وحتى الرحلات العلمية ذات الطابع الأكاديمي كانت مرتبطة بالسياسة أكثر من ارتباطها بالعلم والحضارة، ونادراً ما حادت عن أهدافها السياسية بالإضافة إلى الأهداف العلمية التي ساعدت على توفير معلومات مهمة حول أوضاع هذه المنطقة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والجغرافية والعمرانية، والإستراتيجية والتاريخية، أو عن الحياة البيئية أو الشعبية والتي كانت جميعها تحت مجهر البحث والنقاش في المؤتمر الدولي الذي عقد أخيراً برعاية الأمير سعود بن عبد المحسن آل سعود؛ أمير منطقة حائل، على هامش «ملتقى حاتم الطائي» الثاني الذي ينظمه «نادي حائل الأدبي الثقافي» بالتعاون مع المؤرخ الحائلي خليف بن صغير الشمري؛ رئيس اللجنة العلمية للملتقى تحت عنوان «حائل في عيون الرحالة».
عالجت غالبية الأوراق المقدمة محاور تختص بتاريخ مدينة حائل – شمال السعودية – السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، عبر تناول رحلات الغربيين الذين قدموا إلى المدينة خلال القرنين الـ18 والـ19 والذين كان لبعضهم أكثر من سبب أو هدف في آن واحد أدت، وغيرها إلى توافد عدد من الرحالة الأوروبيين إلى جزيرة العرب وحائل لرصد أوضاعها السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وغير ذلك، الأمر الذي استلزم من الباحثين الاعتماد على الأرشيفات العثمانية والإنكليزية والأميركية والنمسوية (أرشيف الأكاديمية النمسوية للعلوم) إضافة إلى نماذج من رحلات الغربيين والهنود والفارسيين. كما عالج بعض الأبحاث الحياة العلمية والثقافية في حائل وقامت بعرض وتحليل عدد من المخطوطات التي تناولت ذلك. بينما ركز بعض الأبحاث على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحياة الشعبية والعمرانية. كما على عملات حائل ونقوشها وآثارها ومدينة جبة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وقصر النايف- الذي أسس عام 1171هـ /1757م والذي كان يعد – محطة أساسية للرحالة. نذكر من الأوراق بحث البروفسور رسول جعفريان من طهران «طريق جبل شمر في الرحالات الإيرانية في العصر الصفوي وبداية العصر القاجاري 900 إلى 1220 هـ دراسة مقارنة». وأوضح أن المعلومات حول طريق الحج الإيراني من ناحية نجد وحائل في العصر الصفوي والنادري والزندية (من نحو 900 إلى 1200 هجرية) قليلة جداً، عكس عصر القاجاري (من نحو 1200 إلى 1320 هجرية) ذات المعلومات الوفيرة، وقدم دراسة مقارنة للعصرين، مؤكداً تغيير المسار الفارسي من نجد إلى طريق جبل شمر.

حائل

وقدم مارسيل كوبرشوك؛ من هولندا، في بحثه «القهوة والشعر البدوي في جبال شمر: رحلاتي إلى حائل في عام 1988» فصولاً من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي في جبل شمر عبر تجربته الذاتية وزيارته للمنطقة في ثمانينات القرن الماضي مقارناً بين مشاهداته وتجربته الذاتية ومشاهدات الرحالة الذين سبقوه مثل أعمال تشارلز داوتي الذي زار حائل في أواخر القرن الـ 19. ورصد سهيل صابان؛ من جامعة الملك سعود، في بحثه «رحلات الأجانب إلى حائل من واقع وثائق الأرشيف العثماني»، توجه العديد من الرحالة الأجانب إلى حائل في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بعضهم بعلم السلطات العثمانية التي حصلوا منها على أذون السفر، مثل نولده الروسي/الألماني. أما البعض الآخر فقد توجه إلى المنطقة من دون الحصول على موافقة تلك السلطات، مثل شارل هوبير الذي طلب بعد قدومه إلى حائل، السماح له بالتجول في منطقة المدينة المنورة. وعرض أهم ما احتواه الأرشيف العثماني من كتابات هؤلاء الرحالة، وخطاباتهم وتقاريرهم التي أرسلوها إلى الحكومة المركزية في إسطنبول، وتقارير عن رحلات هؤلاء الرحالة الأجانب: الإنكليز والفرنسيين والروس والنمسويين وغيرهم ممن قدموا إلى شمال الجزيرة العربية في مختلف الأعوام.
عالجت هويدا عزت محمد؛ من جامعة المنوفية في مصر في ورقتها «حائل في أدب رحلات الحج عند الإيرانيين»، مدى اهتمام الرحالة والأدباء الإيرانيين قديماً وحديثاً بتسجيل رحلاتهم للحج عبر طريق حائل القديم، والمنهج الذي اتبعه الرحالة الفرس في تدوين رحلاتهم، وأهم أدواتهم المستخدمة، والمصادر التي اعتمدوا عليها، ومدى تدخل العنصر الأيديولوجي لديهم عند حديثهم عن تلك الأماكن العربية منذ رحلة ناصر خسرو التي وقعت أحداثها في القرن الخامس الهجري ما بين عامي (1045م – 1052م)، (437 – 444هـ ) مروراً برحلات العصر القاجاري الذي يعتبر عصر ازدهار أدب الرحلات. وتناول الفنلنديان كاي أورنبيري وباتريسيا بيرغ «حائل في رحلة المستشرق الفنلندي والمستكشف جورج أغسطس والين (1811-1852) في الشرق الأوسط 1843-1850»، وكان والين طلب الحصول على منحة سفر إلى شبه الجزيرة العربية لدراسة اللهجات البدوية والحصول على بعض المعلومات عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية. وبدأ رحلاته من القاهرة يوم 11 نيسان (أبريل) 1845 قاصداً الجزيرة العربية، فزار معان والجوف وجبة وحائل التي وصل إليها في 21 أيلول (سبتمبر) 1845. ومكث هناك لمدة شهرين كضيف على الأمير عبد الله بن رشيد، ثم زار المدينة المنورة ومكة وجدة والسويس وعاد إلى القاهرة يوم 14 آذار (مارس) 1846.
وعرض الباحث الإنكليزي بيتر هاريغان؛ من جامعة أوكسفورد في بحثه «الخيول العربية الأصيلة في حائل» مدى إسهام حائل في تربية الخيول العربية الأصلية ذات الأنساب العريقة. وتطرق محمد خير البقاعي إلى ملامح جبل شمر وحائل في كتاب «الجزيرة العربية المعاصرة» لأدولف دافريل (1822-1904م). وتكمن أهمية البحث في اعتماده على مجموعة كبيرة من كتب المستشرقين والرحالة عن الجزيرة العربية والدين الإسلامي. وعرض لما ذكره المؤلف عن جبل شمر وحائل من حياة اجتماعية وثقافية وسياسية لحائل والجزيرة العربية. وعرضت النمسوية أنيكا كروبف في بحثها عن السلام والحرب في إقليم حائل، للملامح السياسية لحائل من خلال الوثائق والأرشيفات النمسوية والألمانية. أما علي بن سالم النصيف؛ من كلية الملك خالد العسكرية، فقدم بحثاً عنوانه «التركيبة الاجتماعية للجيش في عملية بناء الدولة في الجزيرة العربية في القرن 13هـ/19م: دراسة انثروبولوجية تاريخية في ضوء كتابات الرحالة الأجانب في شمال الجزيرة العربية»، واتخذ من نموذج إمارة حائل مثالاً لدراسته معتمداً أساساً على ما ورد في كتابات الرحالة عن مجتمعات شمال الجزيرة العربية وحالتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. وكان من أهم مصادره كتابات داوتي وموزل وبلنت ووالين (فالين) وبلغريف وبوركهارت وغيرهم. وناقش تحولات البيئة الاجتماعية ومدلولات تركيبة المجتمع في إمارة حائل من ثلاثينات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين.
وتطرق عبد الله الشمري إلى «صورة حائل في كُتب الرحالة الأتراك» من خلال رحلة سويله مز أوغلي، وهو كتاب نادر استطاع مؤلفه تجميع وترتيب عدد كبير جداً من المعلومات والملاحظات التي تدور حول أوضاع الجزيرة العربية وحائل ومنطقة نجد، والتدابير المهمة التي يجب اتخاذها في هذه المناطق، التنظيمات السياسية والإدارية والمحلية التي كانت سائدة وقتئذ. وتعرض عبد الله بن إبراهيم العسكر من جامعة الملك سعود في بحثه «رسائل غيرترود بيل من حائل: منهج غير متبع في كتابات المرتحلين الغربيين»، لمجموعة رسائل غيرتورد التي تصل إلى 1600 رسالة وتحوي معلومات ثرية جداً واعتمد في ورقته على الرسائل التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمنطقة حائل ويصل عددها إلى أربعين رسالة.
وتناول خليف بن الصغير الشمري في بحثه المدهش «جبل شمر… حائل في الرحلات الهندية والفارسية»، قسماً رئيساً من الرحلات الشرقية التي زارت منطقة حائل وما يحيط بها مع عرض متكامل لطريق الحج العراقي الذي كانت تفد من خلاله أعداد من الحجاج من بلاد المشرق عبر حائل، وقدم نماذج للرحلات الهندية مثل رحلة حافظ الكربلائي والرحلات الفارسية مثل رحلة محمد ولي ميرزا قاجار، ورحلة عصمت السلطنة ابنة فرهاد ميرزا 1297هـ ، وحائل في كتاب مؤلف فارسي مجهول. وأما خاتم فضي الشمري، فأكد في ورقته «مجتمع حائل وعاداته وتقاليده من خلال كتابات الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر الميلادي»، أن دراسة تاريخ العادات والتقاليد في مجتمع حائل، لم تحظ بالعناية الكافية من قبل الباحثين، وهو أمر يُعزى إلى شح النصوص التاريخية وندرتها النسبية.
وأنهى الملتقى جلساته بالتوصية بضرورة توجيه الجهود لدراسة تاريخ المدن السعودية دراسة علمية وأكاديمية تشارك فيها جامعات المملكة بما تملكه من كوادر علمية وبشرية، إذ يأتي الاحتفاء بتاريخ المملكة ومدنها كأحد عوامل بناء هويتها الذاتية وترسيخ أثرها الإيجابي في بناء قوة الأمة والمملكة ودعم شبكة النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي.

* كاتب مصري




السلطان عبد الحميد بين مذكراته ودراسة عن سيرته

خالد عزب – الحياة –
كتابان صدرا في القاهرة، الأول هو مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني التي كتبها بعد عزله ونشرته «دار الحياة»، والثاني دراسة للسيرة الذاتية للسطان عبد الحميد الثاني كتبها المؤرخ التركي سليمان جوقة باش وترجمها للعربية عبد الله أحمد ابراهيم ونشرها المركز القومي للترجمة.
السلطان عبد الحميد الثاني، هو السلطان السادس والثلاثون فى تاريخ الأسرة العثمانية التى حكمت طوال ستة قرون، جلس على عرش السلطنة 33 عاماً انتهت بإقصائه عن الحكم يوم الثلثاء 27 نيسان (أبريل) 1909 ميلادية، كان عمره آنذاك سبعة وستين عاماً، وقضى تسع سنوات رهن الحبس في قصر اليهودي الآلاتينى Allatini، ثم نقل بعد ذلك ليلقى في غياهب سجن قصر بيرلي في إسطنبول حتى وافته المنية يوم الأحد 10 شباط (فبراير) 1918 ميلادية.
تعرّض السلطان عبد الحميد لهجوم حاد بعد إقصائه عن العرش، وإخضاع شخصيته للتقييم اليوم بات حاجة ملحّة، بخاصة أن الاهتمام بشخصه يأتي في إطار الصراع الأيديولوجي في المنطقة العربية بين أنصار ما يسمى الخلافة الإسلامية وبين الدولة الوطنية.
السلطان عبد الحميد اتخذه الإخوان المسلمون رمزاً لإحياء الخلافة الإسلامية، ونشروا أول ترجمة لمذكراته في مجلة «المجتمع» الكويتية التي لها صلات بجماعة الإخوان، وكان ترجمها الدكتور محمد حرب ونشرت في طبعات عدة، غير أن طبعة «دار الحياة» التي صدرت في القاهرة مؤخراً امتازت بعدد من التعديلات والإضافات والمقارنات منها:
– الإفادة من مذكرات كبار رجال السياسة العثمانية للسلطان عبد الحميد. وقد عثر الدكتور محمد حرب على بعضها في المكتبات القديمة في إسطنبول، ومنها:
* مذكرات علي سعيد بك، من المقربين للسلطان، وتكشف جوانب من نيات السلطان.
* مذكرات طلعت باشا غريم السلطان، ومن أكبر المعادين له، وقدمت معلومات جديدة عن قضية فلسطين وعن موقف حكومة الانقلاب من ضرورة إقامة دولة لليهود في فلسطين.
* قام الدكتور محمد حرب بمقارنة ما جاء في مذكرات السلطان بمذكرات الانقلابيين في مسائل تهم القارئ المسلم عموماً والعربي خصوصاً مثل: المخابرات، الديموقراطية، وفلسطين.
فالقارئ لمذكرات السلطان عبد الحميد الثاني ومقدمة الدكتور محمد حرب سيتعاطف مع السلطان، لكن الناقد للتاريخ سيتوقف كثيراً لينقد السلطان وحركة الاتحاد والترقي التي أطاحت به ولم تحافظ على الدولة العثمانية بل قلّصت أراضيها وخاضت الحرب العالمية الأولى من دون حسابات دقيقة، من هنا تجيء أهمية قراءة السيرة الذاتية التاريخية التي كتبها المؤرخ التركي سليمان جوقة باش، معتمداً على الوثائق التاريخية، ومذكرات الأتراك والأوروبيين عن السلطان عبد الحميد الثاني.
يعود الفضل للسلطان عبد الحميد في بعث روح الخلافة الإسلامية في الدولة العثمانية فقد كان آخر محاولة لإحياء دولة إسلامية يدمج العرب والترك في دولة واحدة، وهو عكس خطاب مناهضة من أنصار تركيا الفتاة التي قامت على القومية التركية. شهد عهد السلطان عبد الحميد الثاني احتلال فرنسا تونس وبريطانيا مصر، ووقف عاجزاً مضطرباً في مواجهة ذلك، كما شهد عهده بدايات تدفّق منظّم لليهود، إلا أنه رفض منح فلسطين لليهود، كما أنشأ خط سكة حديد الحجاز الذي يربط مكة المكرمة بإسطنبول، ومشروع الجامعة الإسلامية، وأحيا الاهتمام بالعلوم الشرعية، كل هذا بعث روحاً مختلفة في الدولة العثمانية لسببين:
الأول: مواجهة الاستعمار الأوروبي الذي طالما سعى إلى تفتيت واحتلال ولايات الدولة العثمانية.
الثاني: إعادة الروح للدولة وبعث القوة فيها.
هذا البعث في حقيقة الأمر كان أداة لمحاولة إنقاذ الدولة العثمانية التي كانت في طورها الأخير كدولة، ولم تستطع أن تجدّد من أساليب حكمها فسقطت في بؤر الصراعات المتعددة مع أطرافها.
يبرز مؤرخ السلطان عبد الحميد الثاني صفاته ومنها عشقه لشيئين أولهما: الأرض التي تعني الوطن، وثانيهما: العرش الذي يعني السلالة الحاكمة، وقد استطاع حماية هذين الشيئين وصيانتهما بنفسه من دون أن يثق بأحد، فقد اعتمد على إدارة مركزية قوية ونقل السلطة من يد رئيس الوزراء إليه، فعطّل العمل بالدستور وألغى مجلس المبعوثان (البرلمان).
كان السلطان عبد الحميد الثاني في بداية حكمه حسن النية ذا شخصية تتّصف ببناء عقلي ونفسي سليم، كما كان يشدّ الانتباه إلى تديّنه وتجنّبه كل مظاهر التبذير والإسراف وعدم تعاطي المشروبات الكحولية، كان كثير التجوال والتطواف بين الناس، ويصلّي بينهم في المساجد، ويتحدّث مع الناس الذين يتصّل بهم معتبراً نفسه إنساناً عادياً، نابذاً وراء ظهره قواعد التشريفات الضيّقة.
استيقظت في نفس السلطان عبد الحميد الثاني حالة شديدة من الخوف والفزع خشية خلعه وعزله، وبدأ يرتاب في كل إنسان، فحادثتا العزل والإقصاء اللتان تعرض لهما أخوه وعمه لم يبرحا خيال السلطان عبد الحميد، ما جعله يعقد العزم على تأسيس جهاز مخابرات قوي وفي هذا يقول: «لقد شكّلت جهاز البوليس السري من جديد حتى لا أتعرّض للتعاسة والبؤس والشقاء، وكانت تقارير البوليس السري والمخابرات والصحف تقدم إلي كل يوم».
عُزل السلطان عبد الحميد الثاني، وخسرت تركيا الحرب العالمية الأولى، وتقلّصت مساحة أراضيها فصارت دولة بعد أن كانت إمبراطورية، لكن الملفت للنظر هو خصوم السلطان عبد الحميد الثاني الذين ذهبوا لأخذ رأيه حتى بعد عزله، وكذلك جنازته التي ينقلها لنا مؤرّخه على النحو التالي «كان اليوم التالي لوفاته يصادف يوم الإثنين، حيث تمّ نقل نعشه إلى قصر طوب كابي جرياً على الأعراف المتّبعة، ودُفن بناء على وصيته في مقبرة جدّه السلطان محمود.
سار في جنازته جموع غفيرة من الخلائق الذين ارتفعت أصواتهم بالصراخ والعويل قائلين: لا تتركنا يا أبانا وإلى أين أنت ذاهب، كان هؤلاء الناس يعيشون تحت وطأة الألم الشديد الذي أصابهم بسبب فقدانهم أبناءهم في الحرب العالمية الأولي والعذابات التي ذاقوا مرارتها نتيجة هذه الحرب المريرة.
«إن من كانوا يحتقرون عبد الحميد ويزدرونه قد التفوا حول نعشه بكل إجلال وتوقير وجعلوا يديمون النظر إلى جسده المسجى بنظرات مغرورقة بالدموع، وهم يكنّون كل تقدير وإعزاز وإعجاب بهذا الداهية السياسي والعبقري الفذ، ولكن بعد فوات الأوان. أسرع أعداء عبد الحميد وأصدقاؤه إلى جنازته يودّعونه في رحلته الأخيرة ولم تشهد إسطنبول طوال تاريخها مثل هذا الزحام. أما الصدر الأعظم طلعت باشا فكان يغطّي وجهه بيده اليمنى وهو يمشي خلف التابوت ويجهش بالبكاء… لقد فاضت روح عبد الحميد إلى باريها قبل أن تلفظ الإمبراطورية العثمانية آخر أنفاسها.