الفكر العربي الإسلامي ومطلب التجديد: حوار مع المفكّر اللبناني رضوان السيّد

بقلم مولاي أحمد صابر — “رضوان السيّد” كاتب ومفكّر عربي من لبنان. وهو أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، قسم الفلسفة. حاصل على الإجازة العالية من جامعة الأزهر، كُليّة أصول الدين (1970)، وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة توبنغن بألمانيا الاتحادية سنة 1977. له العديد من المؤلَّفات، والعديد من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في المجلات العلمية العربيّة والدوليّة. وهو يكتب أيضاً في الصحف والدوريّات.

وقد ارتأينا أن نُجري معه هذا الحوار الذي جاء تحت عنوان: “الفكر العربي الإسلامي ومطلب التجديد”.

مولاي أحمد صابر: الدكتور رضوان السيد، أنت رجلٌ غنيٌّ عن التعريف، لكنْ كيف تُقدّم نفسك للقارئ؟

أنا قارئٌ ودارسٌ للتجربة الفكرية والسياسية العربية والإسلامية في القديم والحديث.

مولاي أحمد صابر: لقد اشتغلتم وما زلتم على سؤال التجديد في الفكر العربي الإسلامي منذ عقود. ما هو تقييمكم المعرفي والمنهجي لهذا الفكر في الوقت الراهن؟

رضوان السيد: أوّل كتبي في مسألة التجديد أو الظواهر الجديدة في الفكر العربي الإسلامي صدر عام 1987، وكان بعنوان: الإسلام المعاصر. ومنذ ذلك الحين صدرت لي عدة كتب وعشرات الدراسات والمقالات في المسألة ذاتها. وكنتُ قد بدأْتُ حياتي العلمية أواخر السبعينات من القرن الماضي بدراساتٍ وكتبٍ ومقالاتٍ في التجربة الفكرية التاريخية للإسلام من الجوانب المفهومية، وما يزال هذا الاهتمام حاضراً بقوةٍ في عملي العلمي. لكنْ وكما سبق القول فإنني تنبّهْتُ بعد أواسط الثمانينات إلى مشكلات وإشكاليات الأزمنة المعاصرة على الأمّة والدين. ومنذ ذلك الحين، وبعد “الإسلام المعاصر”، وإلى جانب الدراسات والاستطلاعات التي نشرتُها في المجلات التي ترأستُ تحريرها، ظهرت لي كتبٌ في قراءة الظواهر الحديثة والمعاصرة، مثل: “سياسيات الإسلام المعاصر” (1997)، والصراع على الإسلام (2004)، ومقالة في الإصلاح العربي (2004)، والتراث العربي في الحاضر (2014)، و”أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي” (2014)، “والعرب والإيرانيون” (2014). وهكذا فقد كانت لي متابعاتٌ لمسألة التجديد مظاهرَ وضرورات على مدى عقدين وأكثر. وقد ظهرت لي، كما سبق القول، دراساتٌ في المجلات التي حرّرتُها عن الإشكالية ذاتها، مثل الفكر العربي (1979- 1985)، والاجتهاد (1988-2004)، والتسامح/ التفاهُم (2004-2014). وحُكْمي على التفكير في المسألة العربية/ الإسلامية الحديثة والمعاصرة أنه يعاني من فصاماتٍ هائلةٍ بين التشدّد الخارج عن كلّ حدّ، والغربة الخارجة عن كل حدٍ أيضاً. فهناك هُوامات متصاعدة عبر أربعة عقود في سياق ما صار يُعرفُ بظاهرة الإحياء الإسلامي، وهناك من جهاتٍ أُخرى تأليفٌ كثيفٌ في لعن الموروث الفكري لأمّتنا، وتجربتها الحديثة والمعاصرة. وبالطبع فإنّه ضمن هذا الفصام أو الانفصام يظلُّ سؤالُ التجديد وارداً أو ملحوظاً، وإنْ بأشكالٍ مختلفةٍ خفيّة أو ظاهرة. إنمّا لأسباب بنيوية وأُخرى جدالية لا يتحقق شيء من ذلك. اليساريون الذين صاغوا منظومات فكرية ضخمة في قراءة التراث وتفسيره يكرهون الدين أو يضيقون به ذَرعاً، وهم يقصدون بالتجديد أو النهوض تفكيك الدين تحت اسم تكسير الأرثوذكسيات. لكنهم لا ينجحون في ذلك، ليس لأنه مستيحل فقط؛ بل لأنّهم أيضاً مخطئون في الفهم والتشخيص للمشكلات والرهانات. هم يقولون إنّ الجمود متأصِّلٌ في الموروث القروسطي والمتخلِّف والمفوَّت والمفوِّت، ولذلك ظهرت الأُصوليات أو استمرّت، وتفاقمت في الحاضر تحت وطأة الحداثة. وهذا تشخيصٌ مُخطئٌ تماماً. فالأصوليات الانشقاقية باتجاهاتٍ مختلفة جاءت أو ظهرت على أنقاض التقليد وليست استمراراً له، وهي لا تستظلُّ به ولو شكلاً. أمّا الإسلاميون على اختلاف فِرَقِهم وتنظيماتهم فقد ظهروا قبل قرنٍ باعتبارهم أعداءَ التقليد، وأرادوا وعملوا – كما يقولون ـ على العودة للكتاب والسُنّة مباشرةً. والطريف أنهم وهم يعملون على التحويل في المفاهيم بقصد العودة لنصوص الشريعة أو مقاصدها في مواجهة التقاليد البالية والبدعية؛ عمدوا لإنتاج إسلاماتٍ جديدةٍ تماماً قائمة على أمرين: استعادة الشرعية الدينية والسياسية (فكر الهوية)، وأسلمة “الدولة” بالاستيلاء عليها من أجل تطبيق الشريعة على المجتمع وإقامة الخلافة. ولذلك فإنّ أفهامهم ومسالكهم وتصرفاتهم أسوأ من أفاعيل الحداثيين الذين يتجاهلون الدين أو يكافحونه. بالطبع فإنّ التفكير في التجديد أو التغيير ليس منحصراً في هذين الفصامين، لكنهما غالبان فيه. والملفت أنّ الأمر آل إلى هذين الانسدادَين في العقود الأخيرة، أمّا قبل ذلك فقد كان هناك ما صار يُعرف بالتيار الإصلاحي، والذي انصبَّ عملهُ على نقد التقليد الذي اعتبره مغلقاً، وعمل على فتح منافذ للاجتهاد والتجديد. وقد أنجز إنجازاتٍ كثيرةً على مدى حوالي القرن من الزمان. ومعظمُ الاتجاهات المُشرقة والواعدة في شتى مجالات التفكير في المسألة الإسلامية هي من إنتاج ذلك التيار بأجياله الثلاثة. وقد واجه بدءًا بخمسينيات القرن العشرين تحدياتٍ شرسةً من أصوليات الحداثيين والإسلاميين، إلى أنْ قضى نحبه أو كاد في الثمانينات من القرن الماضي.

مولاي أحمد صابر: سؤال التجديد في جزءٍ كبير منه ينصبّ حول إشكال التراث والمعاصرة. ماذا يعني التراث بالنسبة لك في علاقته بالتجديد وروح العصر؟ وهل المعاصرة نقيضٌ لكلِّ ما هو موروث، أم على العكس من ذلك؟ وماذا تعني المعاصرة بالنسبة لك؟

رضوان السيد: لقد كان من “سوء الطالع” كما يقول الأُدباءُ القُدامى أنّ قسطاً كبيراً من جهد المفكرين العرب في القرن العشرين انصبَّ على معالجة هذه الإشكالية، سواء بالتركيز على التوافق أو التنافي أو التوسط بين هذا وذاك. ولم يظهر سوءُ تلك المقاربة إلاّ عندما ازداد ارتباطها بالدين أو اعتبار الدين جزءًا من التراث الذي لا بد من دخوله في معالجة هذه الإشكالية. وقد كان شيخنا محمد أبو زهرة يفرّق بين الاجتهاد والتجديد. ويرى أنّ الاجتهاد خاصٌّ بالمسلك الديني، والتجديد الفكري والثقافي هو عملٌ من أعمال العيش المباشر في العصر والعالم. والطريف أن يكونَ ذلك رأي محمد أبو زهرة الشيخ المعمَّم؛ بينما كان أُستاذنا محمد البهي يرى – تبعاً لمحمد عبده الذي كتب عنه أُطروحته للدكتوراه- أنّ الإصلاح الدينيَّ ضروريٌّ ضرورةً مطلقةً للدخول في العصر والعالم. والذي أراه أنّ هذه الإشكالية مستعارةٌ أصلاً من المستشرقين، وما بدت استعارتُها منذ أواخر القرن التاسع عشر سلبيةً أو سيئة. فقد حمل المفكرون الاستعماريون على الإسلام باعتباره سبباً لتأخُّر المسلمين، وردَّ عليهم كثيرون منهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفيق العظم ..إلخ. وكان ذلك سبباً للتأسيس لتلك الإشكالية في الفكر العربي كُلِّه. لكنّ تلك الإشكالية كانت وقتها: الدين والعصر. بينما عنى المستشرقون بالتراث الإنجازات الفكرية والثقافية والأدبية واللغوية والتاريخية في الأزمنة الكلاسيكية. وكما انصرف المفكرون الأوروبيون في سياق التاريخانية وصناعة الانتماء والهوية إلى إحياء التراثين اليوناني والروماني؛ فإنّ المستشرقين في القرن التاسع عشر بالذات اعتبروا أنّ الموروث الفكري والأدبي العربي والفارسي والتركي ..إلخ يمكن أن يكون له دورٌ بارزٌ في النهوض وفي إعادة تحديد الهويات والانتماء. وإلى هذه النظرة في نشر النصوص ودراستها استند المثقفون النهضويون في أعمالهم الأُولى، دون أن يكونَ هناك تمييزٌ واضحٌ بالطبع أو تدقيق في علائق أو وشائج الفكري بالديني في الأزمنة الكلاسيكية. وازداد التدامُجُ بين الموروثين أو المواريث في المشكلات التي حصلت في حقبة ما بين الحربين العالميتين وبعدها؛ بحيث صار الحديث في الموروث أو التراث حديثاً في الدين، وصار الحديث في المعاصرة يقتضي اتخاذ موقفٍ من الدين أو المسألة الدينية. وقد درستُ هذه المسألة الإشكالية في كتابي الأخير (2014): “التراث العربي في الحاضر: النشر والقراءة والصراع”. والذي أراه بعد كلّ ما حصل أنّ المسألة الدينية في الحاضر ليست هي ذاتُها المسألة الفكرية والثقافية، والأمر أَوضح في الأزمنة الكلاسيكية. فالكتابةُ في التاريخ الثقافي العربي لا تختلف عن الكتابة في التاريخ الثقافي لأيّ أُمةٍ أُخرى. والتراث هو موضوع ذلك التاريخ الثقافي. وبالطبع فإنّ التفكير الديني والعلوم الدينية داخلةٌ في قسمٍ منها على الأقلِّ في التاريخ الثقافي. لكن هذا شيء، وما آلت إليه إشكالية “التراث والمعاصرة” شيءٌ آخَر. لقد فسد الموضوع، وينبغي تجاوُزُهُ، أو نظلّ نعمل في نطاق الفصاميات والقطائع. ليست المعاصرة “جوهراً”، وكذلك “التراث”. بل إنّ المعاصرة هي مناهجُ وطرائقُ وأساليبُ حديثةٌ في قراءة الموروث. وإن لم نحاول ذلك فسنظلُّ نعيد ونكرّر تجربة أو تجارب اليساريين والإسلاميين في إنتاج مقولاتٍ ضخمةٍ في تفسير التراث تفسيراً دينياً أو دنيوياً أو بين بين. الزمن زمن التاريخ وزمن الحاضر والمستقبل، والعرب يعيشون في هذه الأزمنة كُلِّها. ولا مكان لإشكالية التراث والمعاصرة فيها، بل للتاريخ الثقافي والعمل الفكري التجديدي والإبداعي. وليس معنى ذلك أنني أُحرِّمُ على الإسلاميين وخصومهم الحديث في الدين، لكنّ العقائديات والفصاميات سادت لدى الطرفين، ولا أرى مجالاً لقول المزيد.

مولاي أحمد صابر: ألا يقتضي الواقع اليومي في نظركم، أكثر من أي وقت مضى، نوعاً من التأسيس للفكر الإسلامي يأخذ بآليات المعرفة الحديثة والمعاصرة، ويستفيد من مختلف التجارب الإنسانية في التعاطي مع مرجعية الفكر الإسلامي بغية النظر إلى العلوم بشكل متكامل بدل تجزئتها إلى علومٍ شرعية وأُخرى عقلية؟

رضوان السيد: هذه التجزئة وقعت للأسف، وقد كان التقليديون والإصلاحيون والسلفيون ضدَّها ولأسباب مختلفة. فالإصلاحيون يرون أنّ الدراسات الدينية تستفيدكثيراً من العلوم العقلية القديمة ومن الفلسفات المعاصرة. أمّا التقليديون والسلفيون فقد وقفوا ضدّ تلك التجزئة؛ التقليديون لتفرقتهم القاطعة بين الأصيل والدخيل، والسلفيون لأنهم رأوا أنه لا مدخل للعقل في النصّ، باستثناء جزئيات الفقه المحدودة بحدودها. ونحن نعلم أنّ الدول الناشئة هي التي أحدثت هذه القسمة، وطعّمتْها من أجل التسويغ ببعض الأدوات والموضوعات التراثية. فجاءت المناهج هجينةً لأنّ التعقيل الفيبري (على سبيل المثال) لم يُداخِلْها. وعلى أي حال لقد فات الأوان. ونحن أمام واقع الفصام، وحتى الاجتهاد الديني يُعاني من أزمة مع أنه كان يسعى للملاءمة بقوة. اقرؤوا معي كتاب “الدولة المستحيلة” لوائل حلاّق، الصادر عام 2013 (قرأْتُه بسرعة في كتابي: أزمنة التغيير، الدين والدولة والإسلام السياسي، 2014). فقد كتب عشرات الكتب والمقالات عن جهود الملاءمة في الدراسات الفقهية الحديثة (بل والقديمة)، لكنه يقول الآن إنّ تلك الجهود ما كانت كافية، وإنه لا بد من الدولة العلمانية الحديثة بدون رتوشٍ ولا تلاؤمات: إمّا أنّ تقبلوا الدولة الدهرية، وتعتبروا الدين أخلاقيات وحسْب (على منهج طه عبد الرحمن) أو تقعوا ضحايا الفوات والتفويت والأُصوليات. تماماً مثلما قال لنا برنارد لويس وهنتنغتون بشأن صراع الحضارات. وقد كان لويس مذهولاً بالنموذج العلماني التركي، ولستُ أدري الآن ماذا يقول عن أردوغان وإسلاموياته غير المسالمة على الإطلاق. لقد انفجرت الفصاميات الدينية بأيدي الطغاة والمؤسسات الدينية التقليدية المحدَّثة. فماذا نفعل؟ هل نَعِظ في عظمة العلمانية المتدهِّرة، أم نظلُّ نعتبر الأصوليات عدواً للإمبريالية ونظام العالم المهيمن؟ أنا مع الدولة العصرية، ومع نقد المفاهيم الدينية المحوَّلة والمحوَّرة، وإعادة بناء المؤسَّسات الدينية لاحتضان الشباب وتهدئة غضبهم وإزالة مخاوفهم. ولا ينبغي التهيُّبُ أمام الطغيان القاتل سواء أكان دينياً أم سلطوياً. نحتاج إلى سلطاتٍ عاقلةٍ وحاضنة وغير قاتلة. ونحتاج إلى مفكرين ملتزمين بحقّ الأمة في الأمن والاستقرار والتنمية، لكي نعمل مع المؤسَّسات الدينية الناهضة على صرف الشباب عن أوهام الدولة الدينية سواء أكان النموذج داعشياً أوكان النموذج ولاية الفقيه.

مولاي أحمد صابر: كيف تفسِّرون الفصل المنهجي القائم بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية في مختلف الجامعات في الوطن العربي؟

رضوان السيد: ما عاد الفصل حادّاً. فقد قرأنا في كُليّة أصول الدين بجامعة الأزهر في الستينات نصوصاً فلسفيةً حديثةً وعقلانيات معتزلية وأشعرية. حتى في جامعة الإمام محمد بن سعود كُتبت أُطروحات في أُصول الفقه المعتزلي، وفي أعمال المجدِّدين المسلمين في الفقه والأُصول. وقد قرأْتُ عشرات الأُطروحات النقدية بالجامعة التونسية والجامعات المغربية، والتي تتوسَّل المناهج التاريخية الحديثة، وعلوم نقد النصّ، واللسانيات في “تحطيم” الأرثوذكسيات؛ وبخاصةٍ الأرثوذكسية السنيّة حتى في مسائل مثل تدوين القرآن والسيرة النبوية. وقرأتُ من جانب غير مختصين عشرات التفاسير العصرية للقرآن، حتى مللتُ وتعبتُ. فالمشكلةُ ليست في نقص الدراسات النقدية ذات المناهج الحديثة، بل هي في الروح الفصامي الخصوصي والمقاتل، والذي يؤثر في شبابنا ويدفعهم للاستشهاد والقتل بحجة حماية الدين من التحريف والتهميش. ومثقفونا بدلاً من التأمّل النقدي لهذا الوعي القاتل للدين والمجتمع ينصرفون إلى نقد “التقليد” الإسلامي الأشعري باعتباره المسؤولَ عن أُطروحات “أنصار الشريعة” والقاعدة وداعش وغيرها من الأُصوليات الانشقاقية القاتلة. إنها أُصولياتٌ منشقةٌ عن التقليد وليست استمراراً له. وقد كنتُ أستشهدُ بكارل ماركس بشأن استحالة تكرار التجارب التاريخية، وأنها إن كانت فهي إمّا مأساة أو مهزلة. لكنني أعرفُ الآن أنّ هؤلاء لا يقولون باستعادة التجربة التاريخية في مقولات مثل تطبيق الشريعة أو الخلافة. بل إنّ بينهم وبين التقليد والتجربة التاريخية وأفهامها أكثر من مائة سنة، جرت خلالها عمليات تحويل ضخمة للمفاهيم، بحيث صارت الشريعة في أفهامها (وهي الدين ذاتُه) غير مطبَّقة، وبحيث صارت الخلافةُ ركناً من أركان الدين؛ بينما هي حتى في زمن الراشدين نظام إنساني مصلحي وتدبيري كما قال كلُّ المتكلمين والفقهاء عبر العصور. لا بُدّ من استخدام الأدوات والمناهج الحديثة في قراءة التقليد ونقده بالطبع، وهذا ما أقصده بالتاريخ الثقافي والفكري. إنّما لا ينبغي التسليم للأصوليين بأنّهم عندما يقتلون الناس باسم الشريعة أو الخلافة إنّما يستعيدون “التقليد الأصيل”. التقليد الأصيل كان شأن المؤسسات الدينية في المذاهب الأربعة. لكنّ هؤلاء القتلة، ومنذ أكثر من قرنٍ، أعداؤه عودةً فيما يزعمون للكتاب والسنة، أي إلى ما قبل التقليد أو ما فوقه. لقد صار الجو كله عقائدياً، وما يزال مثقفونا الكبار ينعون على التقليد المتساقط جموده واستغلال الأُصوليين له. لقد أراد الإصلاحيون ـ كما سبق القول- إدخال الدرس الحديث لفتح التقليد، وإخراجه من جموده وانحطاطه كما قالوا. وقد حصل ذلك بعد جَهدٍ جهيد، لكنّ الإحيائيين الأوائل والثواني تجاوزوا ذلك كلَّه إلى اصطناع إسلامٍ جديدٍ باسم الكتاب والسُنّة.

مولاي أحمد صابر: هل هذا (الفصل) يرجع لطبيعة التعارُض بين هذه العلوم؟ وهل بالإمكان توظيف آليات العلوم الإنسانية في تفعيل العلوم الشرعية؟

رضوان السيد: هناك شيء من ذلك، وقد ظهر في النقاش بين الفيلسوف يورغن هابرماس والبابا السابق بنديكتوس السادس عشر. وقد بدا البابا منفتحاً ويريد إدخال العلوم الإنسانية في كلّ الدين مستنجداً بالمناهج التأويلية التي ما كان يقرّها من قبل، وبخاصةٍ في كتابه عن المسيح. لكنّ هابرماس بدا متكبراً وبعيداً، ورأيه أنّ البشرية ما عادت بحاجةٍ للدين في الحقيقة، لكنْ لم يكن لديه مانع في اقتراب الدين من الفلسفة وليس العكس. والذي أراه أنّ الفلسفة الحديثة كلّها لاهوت مسيحي أو يهودي، ومن ضمن ذلك تداولية هابرماس، واعترافية تلميذه أكسِل هونيت. أنا مع توظيف آليات العلوم الإنسانية في مجالات العلوم الدينية. وهذا أسهَل في الإسلام منه في اليهودية والمسيحية. فالعقائد الإسلامية الأساسية هي: الوحدانية، واليوم الآخر، والكتب والنبوات. وقد دُرست كثيراً في النقد التاريخي والموضوعي للعلوم الكلامية، وما تزال التجربةُ الفقهية الهائلة تحتاج إلى درس كثير، وكذلك مجموعات الأحاديث النبوية. ولا أرى أنّ الدراسات النقدية أثّرت أو تؤثر في إيمان الجمهور، وأنا شديد الاهتمام بذلك. وهناك دعواتٌ حادّةٌ منذ قرابة القرن للتجديد في علم الكلام مناهج وموضوعات. وأرى أنّ كتاب محمد إقبال (تجديد التفكير الديني في الإسلام) هو الأكثر جدوى وجدية.

مولاي أحمد صابر: فقدت الساحة الفكرية في العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة مجموعةً من الوجوه الفكرية… مثل الجابري وأركون ونصر أبو زيد. ما هو تقييمك العلمي والمنهجي لطروحات هؤلاء بشكل عام؟

رضوان السيد: لقد كتبتُ عن تجربتَي الجابري وأركون، ولم أكتب عن أعمال أبي زيد. ورأيي أنّ هؤلاء جميعاً وغيرهم من الأحياء ـ أطال الله أعمارهم ـ مثل حنفي وأومليل وسعيد بنسعيد وجدعان والشرفي، أسهموا على اختلاف اهتماماتهم في تقدّم الدرس الأكاديمي العربي والإسلامي. كلّ عمل أركون استحثاثٌ على استخدام العلوم الإنسانية في الدرس القرآني والإسلامي، وله تلامذةٌ في هذه الاتجاه. أمّا الجابري فقد صاغ أُطروحةً تأويليةً هائلة الاتساع للفكر العربي والإسلامي كلّه، وقدّم قبل وفاته بسنواتٍ قليلةٍ تفسيراً للقرآن. وأنا آخُذ على الراحلَين الكبيرين التسرُّع في قراءة التقليد، بل والعداء له من جانب أُستاذنا أركون على وجه الخصوص. ولا اعتراض لي على دراسات أبي زيد القرآنية ـ رحمه الله ـ، وهو مُحافظٌ بعكس اتهامات الأُصوليين له. ولا يُقارَنُ طرحه بأطروحات التونسيين الشديدة الجرأة على القرآن والسُنّة والسيرة. وأظنّ أنّ الدراسات الأكاديمية في الإسلام بشكلٍ عام أفادت من أُطروحات العروي والجابري وأركون. لكنها تدخل الآن بتأثير الغربيين في أطوار جديدةٍ ما أفاد منها غير العروي في السنة والإصلاح وديوان السياسة. وقد راجع فيهما أطروحاتٍ له من الستينات والسبعينات والتسعينات. أمّا الدراسات القرآنية ففيها زلازل وثورات بين الأُصوليات الجديدة الرامية لتحطيم النصّ، والأُخرى التي أحالته من جديد على اليهوديات والنصرانيات والمراحل الكلاسيكية المتأخرة. ولا يستطيع الأكاديميون العرب الذين يعرفون النصَّ القرآني معرفةً جيدةً أو جيدةً جداً أن يسايروا أحد هذه التوجهات الثلاثة. وكما يقول ابن خلدون في خواتيم بعض فصول مقدمته: (والله غالبٌ على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون).

مولاي أحمد صابر: وفقاً للتحولات الثقافية والسياسية التي عرفها العالم في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين والتي أفضت إلى نظام العولمة الذي تجاوز كلّ الحدود إلى درجة صار العالم فيها بفضل تكنولوجية الاتصال شبيهاً بالقرية الصغيرة، وفقاً لهذه التحولات ماذا يمكن أن تقول لنا ـ بصفتك أحد أبرز المشتغلين والمتخصصين في الفكر الإسلامي ـ عن الإسلام كمعطى تاريخي وحضاري وما سيحتاجه العالم الإسلامي ليكون في مستوى الزمن الحالي الذي تطبعه روح الفلسفة والعقل والعقلانية وكل ما له صلة بالحداثة؟ ألا تقتضي كلّ هذه التحولات بناء فكر ديني جديد ينسجم مع خصوصيات الزمن المعاصر في الوقت الذي نجد العالم الإسلامي اليوم مقسّماً بين سنة وشيعة و.. وهذه تقسيمات تشكلت وفقاً لأسباب ومتطلبات غير موجودة اليوم؟

رضوان السيد: هناك خمسة أحداث وقعت، واتخذت لشدّة تأثيرها أبعاداً رمزية في الوقت نفسه: الثورة الإيرانية (1979-1980) التي أقامت دولةً دينية. وهجمة القاعدة على الولايات المتحدة عام 2001. واحتلال الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق 2002و2003، ومحاولات توريثهما لإيران. والتدخل الطائفي الإيراني في خمس أو ست دول عربية لشرذمة المجتمعات والإسلام. وفشل الموجة الأولى من الثورات (2011- 2014) في إقامة أنظمةٍ مدنية، وظهور الإخوان وداعش والإيرانيين في قلب تلك الثورات ومن حولها، بحيث جرى حصارها بين الطغيان والأصوليات والإيرانيات والتركيات. هذا في المشرق، أمّا في مغرب العالم العربي فالوضع صعب بين الفوضى الليبية والعسكريتاريا الجزائرية. ولو فرضنا أنّنا سنستطيع التخلُّص من هذه الظواهر القاتلة والمحبطة خلال السنوات الخمس القادمة؛ فإننا نحن المشارقة سنكون مرهقين جداً، وقد خرب عمراننا التقليدي والجديد، وفقدنا نصف مليون إنسان نصفهم سقطوا على يد النظام في سورية، إضافة إلى اثني عشر مليون مهجَّر بالداخل والخارج. وإذا ظلّ أردوغان على هياجه وشعبوياته فإنّ المستقبل القريب لتركيا غير واعد. ولذا أرى أنّ الأمل (القريب دائماً) ينحصر في الدائرة الخليجية، وفي شرق آسيا، أي إندوينسيا وماليزيا. أمّا باكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى فأوضاعها في المدى القريب ليست أفضل من أوضاعنا بالمشرق العربي.

ولدينا مشكلتان أُخريان فظيعتان: الملحمة التي يكون علينا أن نخوضها في وجه الأًصوليات وإيران، والوجه الأسود للإسلام (السنّي) في العالم.

لقد أصدرتُ ثلاثة كتب عام 2014 كلها تدرس هذه المشكلات. والأوضاع الآن أسوأ من أوضاع العام 2004 الذي أصدرتُ خلاله كتابي: الصراع على الإسلام، وأنا أُتابع الأحداث عن كثبٍ في مقالاتٍ أُسبوعية، وأقترح بحسب الوسع والطاقة مخارج من الدم والطغيان والداعشيات والإيرانيات. وقد بلغتُ من الكبر عتيّاً (عمري خمسة وستون عاماً). وعندما أسترجع ما كتبتُهُ بمجلة (الفكر الإسلامي) عام 1968 عن المصالحتين مع الدين والجمهور ومع العالم، أجدُ أننا نحن ـ المثقفين ـ لم ننجز الكثير. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهذه الآيةُ أيضاً من تسليمات ابن خلدون في خواتيم فصول مقدمته.

مولاي أحمد صابر: كيف تنظر لمستقبل الفكر العربي والإسلامي؟

رضوان السيد: أعتقد أنني أجبتُ عن السؤال، ولا مزيد عندي. لقد سألوني الليلة (4/9/2014) في فضائية العربية عن أسباب ظهور الانتحاريين بين شباب السُنّة بلبنان، وقد فجّر أحدهم نفسَه قبل أيام مع داعش ببغداد، فبدأْتُ أذكر الأسباب: من الفقر إلى الخوف إلى حسن نصر الله، ثم قرّرتُ التوقف، وقلتُ مرةً واحدة: نحن مذنبون في جهازنا الديني والتربوي، أو لأقل لكِ بصراحة: لا أعرف، فقد صارت المعرفةُ مخيفةً مثل الجهل ذاته.

[1] نشر هذا الحوار في مجلة يتفكرون عدد 5




تعرّف على مولانا جلال الدين الرومي: حوار مع الباحث خالد محمد عبده

Khaled

حوار: عزيزة السبيني — اختتم معرض الكتاب في بيروت دورته الستين، بمشاركة 180 دار نشر لبنانية و75 دار نشر عربية. وأثناء زيارتنا لجناح دار مداد، وهي من الدور اللبنانية حديثة النشأة، والمتخصصة بالمخطوطات التاريخية، وبالفكر الصوفي، التقينا بالباحث المصري المختص بالتصوف، خالد محمد عبده، الذي وقع كتبه عن مولانا جلال الدين الرومي، وهي: مولانا جلال الدين الرومي.، وترجمة رباعيات جلال الدين الرومي، ودراسة حول أثر الرومي في الدراسات الصوفية في الهند، وأخيراً كتاب المستشرقون والتصوف الإسلامي، يتحدث عن أثر الفكر الصوفي في دراسات المستشرقين.
توجهنا إليه بجملة من التساؤلات حول جلال الدين الرومي، والإشكاليات التي أثيرت حوله، وحول تجربته الصوفية. والآتي نص الحوار:
*من هو جلال الدين الرومي، وما الأثر الذي تركه في الطرق الصوفية الشرقية، ولماذا تأخر العرب في معرفته؟

**عبده: بداية، لا بد من التعرّف على ولادة مولانا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ، هذه المدينة التي ينسب إليها كبار العلماء والفلاسفة والفقهاء، وأبوه بهاء الدين ولد، الملقب بسلطان العلماء، عالم دين، ورجل صوفي، اضطر للهروب من بلخ أثناء الغزو المغولي الذي دمر المدينة، فتوجه بهاء الدين إلى مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور، التقى الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار النيسابوري، الذي أهدى إلى جلال الدين الرومي كتابه ( أسرار نامه)، وظلَّ الرومي معجباً بالنيسابوري طوال عمره، ويردد (لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع، بينما لا أزال أنا في الزاوية من دهليز ضيق).
أما لماذا تأخر العرب في معرفة الرومي، فالحقيقة أن العرب تأخروا حديثاً في معرفته، لكن العرب عرفوه منذ فترة مبكرة جداً، ولو عدنا إلى كتب التراث الإسلامي سنجد في التراجم، وفي طبقات الحنفية- باعتباره فقيهاً حنفياً- الكثير عنه، وخاصة في بلاد الشام، لأنه تلقى علومه الشرعية فيها، وفي بدايات القرن التاسع عشر، أحد المريدين لمولانا وللطريقة المولوية، أعجب بالرومي، وترجم المثنوي من الفارسية إلى اللغة العربية، ومنذ العام 1920، بدأ الاهتمام بمولانا الرومي على نطاق واسع، فترجمت أقواله، وأعيدت ترجمة المثنوي غير مرة مع شروحات وتفسير، وأهم ما نقل عن الرومي، هو ما ترجمه عبد الوهاب عزام الذي ترجم مختارات من قصص الرومي، وقام بنشرها في الصحف والمجلات، ثم بعد ذلك جمعها في كتاب اسمه (فصول من المثنوي) ووضع له مقدمة طويلة عن جلال الدين الرومي.

*وفي العصر الحديث، هل ما كتب عن الرومي يليق به وبفكره؟
** هناك الكثير من الكتابات والمؤلفات عن مولانا جلال الدين الرومي، لكن هذه المؤلفات ليست على مستوى واحد من الفكر والبحث والتدقيق، ويكفي الإشارة إلى ما كتبه الأستاذ عبد السلام كفافي، الذي ترجم أجزاء المثنوي، وكتب عن الرومي وتصوفه، وشرح طريق الصوفية عنده، والفن، والسماع، والموسيقى. وبعد عبد السلام كفافي، جاء تلميذه إبراهيم الدسوقي الذي أخذ عنه الاهتمام بالمثنوي، وقام بترجمته إلى العربية في ستة مجلدات، وتتالت بعد ذلك الدراسات، هذا في مصر. أما في العراق فقد ترجم الشاعر محمد مهدي الجواهري المثنوي كاملاً، وفي سورية ترجم الشاعر الفراتي مختارات من المثنوي. أما الأستاذ عيسى علي العاكوب، فترجم كل ما كتب الرومي، وبخاصة، ديوان (فيه ما فيه) ثم ترجم (رسائل مولانا جلال الدين الرومي)، وترجم أيضاً (المجالس السبعة)، وكل ما كتبه الدارسون العرب والمستشرقون، أمثال (آن ماري شميل) و (إيفا دوفيتري ميروفتش) التي اعتنقت الإسلام بعد أن قرأت الرومي وترجمت رباعياته إلى الفرنسية.

*ماذا عن حضور الرومي في الهند؟
**لم يقتصر أثر فكر جلال الدين الرومي الصوفي على العالم العربي، بل تعدى أثره هذه الحدود ووصل إلى الهند وباكستان، وفي الرصد الذي أجرته المستشرقة (آن ماري شميل) عن حضور الرومي في العالم الإسلامي، تتحدث عن سلطان اسمه جلال الدين أكبر، الذي اهتم بالرومي، وجعل في قصره مجلساً أسبوعياً لقراءة أشعاره، وأصبح هذا المجلس تقليداً عند السلاطين الذين حكموا بعده، وكل سلطان كان يكلّف أحد رجالاته بترجمة ونسخ أجزاء من المثنوي، فأصبحت هناك شروحات كثيرة باللغة الفارسية واللغة الأوردية، وعندما نتحدث عن أول سيرة محققة ومدققة للرومي في العصر الحديث، صدرت في الهند فكانت على يد مولانا شبلي النعمان، ركز فيها على جلال الدين الرومي كمتكلم أي عالم كلام، وأشار إلى المناطق الغامضة في تراث الرومي في الوقت الذي كانت فيه معظم الدراسات تركز على الرومي كمريد صوفي. والذي كتبه النعمان أثّر في كل من جاء بعده كالشاعر محمد إقبال وأبي الحسن الندوي، الذي أدرك أن الهدف من التجربة الصوفية عند الرومي هو سيادة الإنسان، وأن يكون بالفعل سيداً على الأكوان، كما خلق في الأصل.

المستشرقون وجلال الدين الرومي

*تشير آن ماري شميل إلى ثلاث شخصيات أثّرت في مولانا جلال الدين الرومي، هي شمس التبريزي، وصلاح الدين زركوب، وأخيراً حسام الدين شبلي، هل هناك ما يثبت ذلك؟
**مرت حياة الرومي بمراحل عدة، وكما ذكرت في البداية، أن الرومي هاجر مع والده من بلخ في أفغانستان إلى قونية، ووالده رجل صوفي وله مريدون وتلامذة فنشأته كانت في بيت صوفي، وفي قونية تتلمذ على يد برهان الدين محقِّق الترمذي، ثم توجه إلى حلب للدراسة، ومنها انتقل إلى دمشق، فتلقى العلوم الشرعية وتفقه بالفقه الحنفي، والتقى بالشيخ محيي الدين بن عربي في السنوات الأخيرة من عمره، وكان بينهما أحاديث ومساجلات. ويروى أن ابن عربي رأى الرومي يمشي خلف والده بهاء الدين، فقال: “يا سبحان الله! بحر يمشي خلف بحيرة!”، يعود الرومي إلى قونية ويلتقي (شمس التبريزي) وينضم إلى حلقته، وهذه المرحلة كما يقول عنها الرومي، هي مرحلة الانصهار (ثم نضجت فاحترقت). علاقة الرومي بالتبريزي لم يفهمها الباحثون، لأنهم غير قادرين على فهم الفكر الصوفي بشكل علمي ومدروس، وعدم الفهم هذا هو سبب التشويش الذي أثير من قبل بعض الأصوليين السلفيين حول علاقة الرومي بشمس التبريزي. وتشير الكثير من المصادر إلى أن شمس التبريزي قد استحوذ على روح الرومي ومشاعره مما دفع مريديه، كما أُشيع، إلى اغتياله. وبعد اختفاء شمس، أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي المعروف بـ”السماع”، ثم نظّم ديوان شمس تبريزي، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإنْ كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس.

أما الشخصية الثانية في حياة الرومي، فهي شخصية صلاح الدين زركوب، وعلاقته به كعلاقة الرومي بوالده، وصلاح كان أحد مريدي والد الرومي، فتعلق به الرومي بعد وفاة والده لأنه جمع بين شخصية والده، وشخصية الإنسان النقي، البسيط، الأمي. ونأتي إلى الشخصية الثالثة وهي شخصية حسام الدين شلبي، هو كاتب عند مولانا، فكان الرومي يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها. فهو من كتب المثنوي، وكل إلهامات الرومي.

*المستشرقون والتصوف الإسلامي، عنوان كتابك الأخير، كيف قرأت العلاقة بين الاستشراق والفكر الصوفي؟

**رحلة الاستشراق مع التصوف هي رحلة طويلة، وعلينا ألا ننكر فضل المستشرقين في نشر الأفكار الصوفية في الغرب وفي العالم العربي، وعلينا أن ندحض كل الأفكار التي تقول إن المستشرقين يدسون السم في العسل، أو أنهم يهتمون بالجانب الجمالي فقط من الإسلام.
المستشرقون اهتموا بالتصوف، وضربوا أمثلة ممتازة جداً، فلو ذكرنا الحلاج في العصر الحديث يجب أن نذكر (ماسينيون) الذي واظب لأكثر من ثلاثين عاماً على تحقيق أعمال الحلاج، ولو ذكرنا الرومي في العصر الحديث أيضاً، علينا أن نذكر نيكلسون، وآن ماري شميل، في الحقيقة هناك مدارس استشراقية اهتمت بالفكر الصوفي أكثر من اهتمامنا نحن كعرب وكمسلمين، كالمدرسة الاستشراقية الألمانية.

الطريقة المولوية
لم نشأ أن نختم الحوار دون الحديث عن الطريقة المولوية التي أسَّسها جلال الدين الرومي في تركيا، ونظَّمها بعد وفاته ابنُه الأكبر سلطان وَلَد، ومن سماتها وخصائصها التي عُرفَتْ بها الرقص المعروف أو السماع، الذي أعطى مريديها اسم (الدراويش الدوَّارين)، وأصبحت من أشهر الفنون، ذات طقس له رمزيته. فالثياب البيض التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الكفن، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد ترمز إلى شاهدة القبر، والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة، والدورات الثلاث حول باحة الرقص ترمز إلى الأشواط الثلاثة في التقرّب إلى الله، وهي: طريق العلم، والطريق إلى الرؤية، والطريق إلى الوصال. أما سقوط المعاطف السود فيعني الخلاص والتطهّر من الدنيا، وتذكِّر الطبول بالنفخ في الصُّور يوم القيامة، ودائرة الراقصين تُقسّم على نصفَي دائرة، يمثّل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثّل الآخر قوس الصعود أي صعود الروح إلى بارئها؛ ويمثّل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها؛ أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثّل القانون الكوني ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.

المصدر: الميادين نت
قونية، الباحث خالد محمد عبده، مولانا جلال الدين الرومي، التصوف، رقصة الدراويش، الطريقة المولوية، الطريقة النقشبندية، ابن عربي، المثنوي،




حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية

مسجد السيدة مريم، مسجد العلويين في طرطوس
مسجد السيدة مريم، مسجد العلويين في طرطوس

“خاص” – “حوارات نت” – اللاذقية — خلال الأزمة السورية برز الحديث بشكل كبير عن العلويين ومعتقداتهم وصدرت فتاوى بحقهم تدعو إلى تكفيرهم وإخراجهم من الدين وبالتالي قتلهم وذبحهم في ظل غياب العلويين إعلامياً أو تغييبهم قصداً. وقد أجرى مراسل “حوارات نت” في اللاذقية حواراً مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد حول عقائد العلويين وتمايزهم عن المذاهب الأخرى وحول الافتراءات والتهم التي توجّه ضدهم.
والدكتور أحمد كاتب ومحاضر وباحث سوري من مواليد عام 1979 يعمل مدرساً في كلية الاقتصاد في جامعة تشرين في سورية، باختصاص الإحصاء والبرمجة- اقتصاد قياسي. له العديد من الكتب والمؤلفات والأبحاث المنشورة وقيد الإنجاز في المجالات الدينية والأدبية والاقتصادية والعلوم الإنسانية وفي مجالات أخرى، منها: “نور الهداية لأهل الولاية”، “نبض لصفصاف الفضاء”، “نهر العسل”، “مناجاة مع قائد الأمة”، “الاقتصاد السياحي”. والآتي نص الحوار :

Ahmad-Adib

*هناك بين العلويين من يدعو إلى إنهاء السرية والتقية في المذهب العلوي هل ترى إمكانية ذلك؟

– الحديث الديني لا يمكن أن يؤخذ بالرأي والقياس بل يجب أن يعتمد على النص القرآني والنبوي والإمامي، ومن هنا نؤكد على وجوب تعريف التقية انطلاقاً من قول رسول الله: “إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم النّاس بقدر عقولهم”، كما نؤكد على وجوب المحافظة على التقية وعدم التفكير بإنهائها مطلقاً لأنها أمر منصوص عليه في قول أمير المؤمنين الإمام علي: “صن دينك وعلمك الذي أودعناك، ولا تُبدِ علومنا لمن يقابلها بالعناد، واستعمل التقية في دينك، وإيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التّقيّة التي أمرتُك”، لذا فإننا لا نحلُّ عقداً لله قبل أن يحله عاقده، لكن بالمقابل يجب التأكيد على أن التقية ليست خاصة بالعلويين إذ تحدث بها علماء الشيعة وأئمة المذاهب الأربعة، وهي أمر إسلامي اتبعه المسلمون في بداية الدعوة المحمدية قبل أن تنتقل من السر إلى الجهر.

*ما هي حقيقة القول بأن عقيدة العلويين ليس الإيمان السري ولكن الاعتقاد في السر الذي يحتوي على ملء الله وكليته المطلقة؟

-من المعروف أن كل المذاهب لديها تعاليم سرية، لكن السرية وفق نهجنا العلوي لا تعني إخفاء تعاليمنا عن الآخرين، بل تخص علوماً لاهوتية يبلغها خاصة الخاصة الذين نذروا نفوسهم للرحمن ففتح الله عليهم وأمدهم بمعارف لدنية خالصة فحفظوها من الضياع ومن أن تقع بأيدي المارقين فيفرطوا بها ويحرفوها عن مسارها اقتداءً بقول السيد المسيح: “لا تطرحوا درركم قدّام الخنازير لئلا تدوســــها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم”، وهذه الأسرار لا تتعلق بطقوس ومعتقدات بل بأسرار معرفية يراها الناس لكن لا يعرفونها كما قال الإمام جعفر الصادق: “سرّ الله مبثوثٌ بين خلقه لا يعرفه أكثرهم، ولو أراد لعرَّفهم، فما لله سرٌّ إلا وهو على ألسن خلقه، ولا له حرزٌ أكبر من جهلهم به”.

*ما هي رؤية العلويين عن الله والتفسير الصوفي أو الباطني للقرآن الكريم؟

-حين تسأل عن رؤيتنا لله فلا يمكنني أن أجيبك إلا بآية النور، وحين تسأل عن توحيدنا لله فالجواب في سورة الإخلاص، ولا نقول أن هناك تفسيراً صوفياً للقرآن، بل نقول: إن هناك وجوهاً ظاهرة وباطنة نأخذ بها جميعاً لقول الإمام جعفر الصادق: “إنّ كتاب الله على أربعة أشياءٍ: العبارة والإشارة واللّطائف والحقائق: فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء”.

*هل تعتقدون بألوهية علي وما هي مرتبته والفرق بينه وبين النبي؟

-ما جرى من اتهامات لنا كان مدعاةً لقتلنا، لكننا نلتزم قول الإمام علي حين سئل: هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: “ما كنت أعبد رباً لم أره”، فالإمام علي هو الوصي ولا نقلل من شأنه لدرجة دون الوصاية، كما أن السيد محمد هو النبي ولا نرفع من شأنه لدرجة فوق النبوة، فالوصل بينهما لا يمكن لأحد أن يحده لقول رسول الله: “أنا من علي وعلي مني”، لكن الفصل يتمثل في قول الرسول: “ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”، ويبقى في نهجنا العلوي أن الولاء لله ورسوله لا ينفع بدون الولاء لعلي لقوله تعالى في خطبة الوداع: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”.

*ما هي فكرة أن الأنبياء لدى العلويين هم شخص واحد يتجلى في كل فترة في نبي؟

-الأنبياء في نهجنا العلوي ليسوا أشخاصاً بشريين، بل هم أنوار الله لقول الإمام جعفر الصادق: “إنا معاشر الأنبياء لا نحمل في البطون ولا نخرج من الأرحام لأننا نور الله الذي لا تناله الأدناس”، وبالتالي فإن مقولة أن الأنبياء شخص واحد خاطئة، والصحيح هو ما ورد في الآية: “لا نفرق بين أحد من رسله”.

*هل هناك اقتباسات لدى العلويين من الديانات الأخرى، المسيحية واليهودية، وما هو تفسير ذلك؟

-فكرة الاقتباس من الديانات الأخرى محاولة لتشويه نهجنا العلوي واتهامنا بإدخال الإسرائيليات إلى معتقدنا وهذا محض افتراء، لكننا نؤمن بكلام موسى وعيسى وسليمان وداؤود وكل الأنبياء، ونستشهد بأقوالهم ونلتزم بتعاليمهم، كالتزامنا بكلام الرسول وأهل بيته، وهذا الجمع لا يتعلق بمعتقدات الأقوام الأخرى لأن المعتقدات هي صياغة رجال الدين في كل الطوائف، ونحن لا نتبع في نهجنا العلوي مقالات الرجال بل أقوال المعصومين لقول الإمام جعفر الصادق: “من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنة زالت الجبال قبل أن يزول”.

*ما هي عقيدة التناسخ أو التقمص لدى العلويين والتي يرفضها السنة والشيعة وألا يتعارض ذلك مع مبدأ الجزاء يوم القيامة وهل تؤمنون بالجنة والنار؟

-نهجنا العلوي لا يقر بالتناسخ بين المؤمنين بل بالتّقمّص، والتّقمّص لا يعني انتقالاً عشوائيًّا للنفس بين جسد وآخر دون ترتيبٍ أو انتظام، لأنّ هذا مرفوض لدينا، فنحن نؤمن بالتقمص كحقيقة دينية وعلمية ولدينا الكثير من الأدلة والإثباتات على وجوده وقد ذكرت جزءاً منها في كتابي “نور الهداية لأهل الولاية” علماً أن هذا لا يتنافى مع مبدأ الجزاء يوم القيامة ولا ينفي وجود الجنة والنار، لأن العدل الإلهي يقتضي أنه لا أحد منّا يستطيع أن يحقّق ذاته الكاملة، أو تبلغ نفسه الاطمئنان إلا عندما يصفّي نفسه من شوائبها وأخطائها، وهذا كما نعلم لا يكون في حياةٍ واحدةٍ، فبعد الوفاة تجزى كلّ نفسٍ بما قدّمت، وتساق حسب أعمالها أثناء ارتباطها بالجسد السابق، فمصير الإنسان مرهونٌ بأعماله السابقة، وبمدى اكتسـابه وتقدّمه في اختباراته، والكسـالى على حالهم مقصّرون متبلّدون، ولا يصفى المؤمن حتّى لا يبقى حقٌّ من حقوق الله إلّا أقامه وعمل به على قدر استطاعته، ولا بابٌ من أبواب الباطل إلّا رفضه وتجنّبه، وعند قيام الساعة، تكون الجنة هي المأوى للمؤمنين، والنار هي المثوى للكافرين، خالدين فيها أبدًا.

*هناك من يميّز العلويين عن الشيعة والسنة بكونها مذهباً ثالثاً وعرفانياً وان مذهبهم ليس نمطاً فقهيا ً، فما هو تعليقك؟

-نهجنا العلوي يتميز عن المذاهب الأخرى بمفهوم العبادة التي تركز على المعرفة والدراية لا على التشريع والرواية، فنحن ندرك أن العبادة لا تتحقق إلا باقترانها بالمعرفة كما قال رسول الله: “أفضلكم إيمانًا أفضلكم معرفةً”، لكن هذا التمايز بيننا وبين غيرنا لا يعني العداء، فنحن لا نعادي أحداً، بل نصد الهجوم والإساءة المقترفة بحقنا، فعندما تأتي أيادٍ ناشزة وغادرة لتنال منا عبر كتب مسمومة ومقالات موهومة، فالحق المشروع لنا أن نرد ونبرئ أنفسنا من الافتراءات والتهم.

*يرفض بعض العلويين فكرة الفرقة الناجية، ويقول إن العلويين يؤمنون بأن الناس الطيبين موجودون في جميع الأديان والطوائف، ما هو تعليقك؟

– لا أحد يمكنه أن يرفض فكرة الفرقة الناجية المنصوص عليها في حديث رسول الله المعروف، لكننا نفهمها في جوهرها لا من ناحيتها السطحية، فالإيمان والنجاة وفق نهجنا العلوي لا يرتبطان بالانتماء الطائفي والنسب الطيني على نحو ضيق، بل يرتبطان بالولاء الخالص لذلك نقر بوجود رجال اختصهم الله لإعلاء كلمته في أي مكان وأية بقعة، وهم المذكورون في قوله تعالى: “وما يعلم جنود ربك إلا هو”.

*يتحدث البعض أن المذهب ظهر في القرن العاشر ميلادي الرابع هجري، وأن تسمية العلويين حديثة فما هي التسمية السابقة وما هو تعليقك على التسمية؟

-هناك اختلاف حول التسمية المطلقة علينا، لكننا كنا دائماً ندعى “خواص الخواص” في عصر الأئمة المعصومين الذين فرقوا الناس إلى عوام وخواص وخواص الخواص، ومنذ أيام الإمام الحسن الآخر العسكري كنا ندعى بالنصيريين نسبة إلى السيد أبي شعيب محمد بن نصير الذي قال فيه الإمام العسكري: “محمد بن نصـير حجّتي على الخلق، كلّ ما قال عني فهو الصّادق عليّ”، وهذا فخر لنا رغم أنه تسبب لنا بالكثير من القتل والذبح بسبب فتاوى الغزالي وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والدعاة العثمانيين، لكننا على طريق الصحابة المكرمين الذين ناولوا الشهادة عقوبة لهم على ولائهم الخالص كأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري… إلخ، أما تسمية العلويين فأطلقت علينا إبان الاحتلال الفرنسي لسورية لأسباب سياسية واجتماعية، وأياً كانت التسمية فهي لا تغير من جوهر نهجنا العلوي النصيري الخصيبي إطلاقاً.




آية الله مفيد الفقيه: افتتحت حوزة النجف الأشرف في لبنان لتبليغ الرسالة المقدسة

الشيخ مفيد الفقيه خلال اللقاء مع الدكتور هيثم مزاحم
الشيخ مفيد الفقيه خلال اللقاء مع الدكتور هيثم مزاحم

حوار نت — كفرا – جنوب لبنان — حوار: د. هيثم مزاحم — آية الله حجة الإسلام والمسلمين العلامة الشيخ مفيد الفقيه من عائلة علمية معروفة في بلدة حاريص العاملية في جنوب لبنان، جده المرحوم الشيخ يوسف الفقيه ووالده حجة الإسلام المغفور له الشيخ علي الفقيه، أحد علماء جبل عامل البارزين، وعمّه المغفور له آية الله العلامة الشيخ محمد تقي الفقيه(قده).
درس الشيخ مفيد الفقيه في النجف الأشرف المقدمات والسطوح وبحث الخارج على كبار العلماء والمراجع، أبرزهم آية الله السيد محسن الحكيم وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي وآية الله السيد الشهيد محمد باقر الصدر. عاد إلى لبنان سنة 1990م ولم يستطع العودة إلا بعد الانتفاضة الشعبانية في العراق، حيث فقد في خضم تلك الأحداث ولديه، الشيخ مهدي والشيخ هادي، وصهره -وهو ابن أخته- الشيخ صادق ابن الشيخ محمد رضا الفقيه، ولم يعرف مصيرهم بعدما إعتقلتهم قوات النظام البعثي الصدامي خلال خروجهم من النجف الأشرف أثناء الانتفاضة.
أسس حوزة “جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية” في منطقة الحوش- في مدينة صور جنوب لبنان سنة 1990، وفي سنة 1999م تمّ انجاز مبنى الحوزة في بلدته حاريص، ثم أنشأ فرع آخر لها في صور. ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً يواصل الشيخ مفيد الفقيه تدريس بحث الخارج ويشرف على حوزة “جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية” في صور وحاريص، لتدريس علوم الإسلام الأصيل. زرنا الشيخ الفقيه في منزله في حاريص وأجرينا معه حواراً حول دراسته والحوزة وبعض آرائه العلمية. توفي اليوم في الثالث من نيسان – أبريل 2016 ونعيد نشر الحوار الذي أجري معه في صيف 2012.

* سماحة الشيخ مفيد الفقيه نود أن نسمع منكم نبذة موجزة عن حياتكم، أين ولدت وأين درست ومتى انهيت الدراسة؟
ولدت في في النجف الأشرف عام 1937م، وبدأت دراستي في النجف عام 1952. درست المقدمات والسطوح عند مختلف الأساتذة الكبار. بداية شرعت بدراسة المقدمات عند عمي آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه، ثم درست عند الشيخ علي الحلي سماكة الجزء الأول من الكفاية، وعند السيد إسماعيل الصدر مبحث الاستصحاب من رسائل الشيخ الأعظم، وعند الشيخ علي الحلي المكاسب. ودرست عند الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر الجزء الثاني من الكفاية. ثم حضرت دروس “الأصول اللفظية” بالنحو المسمى “خارج” من أولها إلى آخرها لم يفتني منها شيء لأني لم أتغيب عن درسه يوماً أبداً. وكان السيد الصدر(ره) يبتهج لذلك، وكنت أكتب الدرس وأعرضه عليه فيعلّق عليه، وأحيانا يكتب عبارة “أحسنتم كثيرًا”. ثم حضرت عليه شطراً من الأصول العملية. وكنت الوحيد من بين طلاب السيد الصدر الذي كتب الأصول اللفظية، وانفرد أخي الشيخ يوسف رحمه الله بكتابة الأصول العملية كاملة. توقّفت عن حضور درس السيد الصدر أيام الاضطرابات التي انتهت بشهادته رضوان الله عليه. والتحقت بدورة آية الله السيد الخوئي الفقهية والأصولية، فحضرت دورة الأصول كاملة وجميع أبحاثه في الفقه على العروة الوثقى، وبعضاً من مباحثه الأخرى، وكتبت جميع ذلك. كما كنت أحضر بحث سيدنا الأعظم آية الله السيد محسن الحكيم، وكان يباحث في أواخر العروة الوثقى، فحضرت عليه “كتاب الضمان” من أوله إلى آخره. وبعد ذلك حضرت دروس بحث الخارج عند المرجع الراحل آية الله الإمام السيد الخوئي، ولنحو 30 سنة بين عامي 1962- 1991.

*ما الفائدة من دراسة البحث الخارج لمدة 30 سنة؟

لقد درّس السيد الخوئي الفقه بأكمله ولم يترك شيئاً أبداً إلا ودرّسه، الموجود في الرسائل العملية وغير الموجود فيها، فاضطررنا للحضور.

*بماذا تميّز السيد الخوئي عن غيره من الفقهاء؟

السيد الخوئي يعرف بأنه أستاذ الفقهاء، أي الفقهاء الموجودون في هذا العصر والذين تخرّجوا على يده، ومدرسة السيد الخوئي ما زالت مستمرة حتى الآن.

*من كان من أبرز زملائك في الدراسة؟

من بين الزملاء آية الله السيد محمود الشهرودي، وآية الله السيد كاظم الحائري، والسيد علي مكي، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشيخ حسن العسيلي، والسيد محمد حسين فضل الله.

*ماذا عن حوزة جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية التي أسستموها. متى تأسست؟ وبما تتميّز عن غيرها؟

بعد قدومي إلى لبنان وعلى طبيعة العلماء لم أستطع إلا أن أستمر في دوري كحامل رسالة مقدسة تستوجب التبليغ، ففتحت منزلي في صور لكل راغب بالعلم، وبدأت بالتدريس وحيث شاع الخبر في المنطقة ونواحيها وكثر الطلاب الساعون إلى التعلّم بين يدي وتكاثر عددهم. وبقدر ما كان يتسع صدري لطلاب جدد كانت مساحة المنزل المتواضع تضيق فقضت الحاجة بالتوسع باستئجار إحدى الشقق القريبة، التي ما لبثت أن ضاقت بدورها أمام تزايد الطلاب. واستمر هذا الضيق إلى أن ساق الله خبراً حمله رجل الأعمال الحاج سعيد علي أحمد، الذي أخذ على عاتقه بناء حوزة للطلاب، والذي سارع إلى بناء الحوزة وإلى شراء شقة ينتقل إليها الطلاب ريثما ينجز بناء الحوزة. وتأمن بعمل الخير هذا الحد الأدنى لمواصلة التدريس حتى العام 1999، تاريخ إنجاز بناء الحوزة في حاريص بشكل تام، والتي بدأ التدريس فيها بدءاً من العام ،1999 فانضمت إلى سائر الحوزات العلمية الكبرى في لبنان والعالم الإسلامي لتأخذ موقعاً متقدماً في ميدان نشر الرسالة الإسلامية وتبليغ أحكامها وفقاً للمذهب الإسلامي الجعفري الأصيل.

*ما هو الهدف من تأسيس حوزة جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية؟

المرتجى من تأسيس هذه الحوزة، والطموح هو الحفاظ على العقيدة والمساهمة في رعاية شؤون الأمة والإبقاء على باب الاجتهاد مفتوحًا. الحوزة تتميز بأنها تجمع تحت سقفها كل الأطراف في المناسبات الدينية العامّة من كل الجهات والأحزاب.

كم عدد الطلاب في الحوزة؟

هناك 70 طالباً.

هل لا تزالون تدرسون البحث الخارج في الحوزة؟

نعم

ما هي الدروس التي تُدرّس في الحوزة؟

تُدرّس على النهج المتعارف في حوزات النجف وقم وجبل عامل، أي الحوزات القديمة، وعلى النهج التقليدي القديم، حيث نرى أنه أعمق وأوسع من جهة المنهج إلى حد الآن. فكل المحاولات الموجودة الآن في تجديد بعض الكتب وتطويرها كلها عيال على الكتب القديمة التي ندرسها.

يقال إن الكتب القديمة فيها الكثير من المطالب التي لا يحتاجها الطالب حالياً، بينما يقول البعض إن الكتب الجديدة تكرّر الكتب القديمة بأسلوب جديد، ما رأي سماحتكم؟

الكتب الموجودة الآن ليست مكرّرة بل فيها آراء مستجدة ومواكبة للتطورات الموجودة في المجتمعات.

لا تحتاج المناهج الدراسية إلى تطوير مع تطوّر علوم اللغة والعلوم الاجتماعية والطبيعية كي يستطيع العلم الديني الارتقاء إلى مستوى العصر الحديث؟
لا يوجد من المناهج ما يخضع للتطوير في المقدمات التي لا بدّ منها في كل علم تُبنى نتائجه على الاستدلال، وكذلك لا معنى للتحدث عن التطوير في النتائج الفقهية. كما لا معنى للتطوير في كيفية الاستدلال المبني على أسسٍ منطقية ثابتة، ولا في الأدلة نفسها من حيث ما تنطوي عليه من العناصر الموصلة للنتيجة المطلوبة. وكذلك علم الأصول، فإنه عبارة عن قواعد عقلية ونقلية ثابتة، تختلف الآراء في توثيقها وتقعيدها إيجاباً أو سلباً، سعةً أو ضيقاً. ومن يتساءل عما هو المقصود بتطوير المناهج غير التوضيح والتبسيط بنحو يصبح المطلب سهل التناول لكل أحد، حيث تكثر الشكوى من صعوبة المطالب وتعقيدها، وهذا غير موجود إلا في علم الأصول. نقول له إن صعوبة المطالب ودقتها، أمرٌ واقع لا بديل عنه. وأما التعقيد في العبارة فهو مسلم، ولكن طبيعة المطالب في كثير من الأحيان هي التي تعطي صفة التعقيد للعبارات المغلقة، وأساليب الطرح غير المألوفة عند من يدخل ابتداءً في علم الأصول، وأما المتدرج، فلا يحتاج إلى أكثر من أستاذ مستوعب للمطالب، وعنده ثروة من ألفاظ اللغة العلمية، وقدرة بيانية.

*ماذا عن الاستفادة من العلوم الأخرى لتطوير علم أصول الفقه وعلم الكلام والفلسفة وغيرها من العلوم الدينية؟

إضافة علوم أخرى إلى مقدمات العلم التصوّرية والتصديقية، فهذا يعني علماً آخر غير علم الأصول والفقه، مع أن ما يحتاج إليه علم الأصول والفقه من العلوم الأخرى مأخوذ بعين الاعتبار. ولذلك دخلت كثير من مسائل العلوم الأخرى في هذا العلم بمقدار الحاجة، كإحدى المقدمات التي يحتاجها الباحث للتوصل إلى النتيجة القطعية، حيث يأخذ الأصولي الفقيه منها حاجته، ويستعين بها حسب المورد الذي يريد الاستدلال عليه، لأنه سيحتاج إلى نتائج من أكثر العلوم، لأن الشريعة مستوعبة لكل ما في هذا الوجود، فهو محتاج إلى مسائل من علم الهيئة والفلك، والفلسفة والرياضيات والطب والهندسة، لا بمعنى أن يكون طبيباً وفيلسوفاً، بل بالمعنى الذي أشرنا إليه. فالعقيدة تحتاج إلى علم الفلسفة، والمصلي والصائم يحتاج إلى علم الفلك والأهلّة في قبلته ومواقيته. ولا تخفى الحاجة إلى الرياضيات في المواريث والوصايا والمعاملات التي تقع بين الناس، كما لا تخفى الحاجة إلى بعض النتائج الطبية في علم الأجنة والتوليد، لتعطى لها صفة الشرعية أو تسلب عنها. أما تغيير الكتاب أو تبديله بأسلوب وبآخر، فهذا ليس من تطوير المنهج، بل هو من التوضيح الذي لا بد منه. إن أساطين العلماء توصلوا إلى أعلى المراتب في سبر أغوار علم الدين بالمنهج الموجود في الحوزات، وكل ما ذكروه هو تطوير وتبسيط كامل للمسألة من جميع جهاتها التي لها أدنى صلة بأي علم من العلوم، فقد تدرجوا في علم الأصول بقسميه (اللفظية والعملية) إلى أن استوعبوا كل مسائله التي لا بد من الاحتياج إليها أو يحتمل الحاجة إليها ولو من ناحية علمية، حتى وصل الأمر إلى كتابي الكفاية والرسائل. أما كتاب الكفاية للمحقق الخراساني (قده)، فهي السبب الأساسي في طرح مسألة التطور والتوضيح، نظراً للتعقيد في صياغة عبائرها، وهذا الذي ذكرنا أنه طرح وجيه. ولكن المسؤولية تقع على المدّرسين، وليس عيباً في الكتاب ومطالبه أن تكون عباراته مغلقة لدقة مطالبها، لأنه كتاب وضع للتدريس.

*ماذا عن الاستفادة من علوم اللغة في تأويل النص الديني؟

في النص الديني نحن نعتمد على القرآن الكريم والسنة، فالقرآن الكريم جاء خطاباً لكل البشر، لكل إنسان بحسب عصره، وكذلك السنة هي قديمة ولكن نتعامل معها وكأنها موجودة الآن.

*يقال عن سماحتكم إنكم رجل دين تقليدي يرفض الدمج بين الدين والسياسة، ماهو ردكم؟

الدين هو سياسة شؤون الأمة في كل ما تحتاج إليه كأفراد ومجتمع مع الآخرين ومع أنفسهم ومع الكون في جميع الأحوال.

*لكم كتاب بعنوان “ولايه الفقيه في مذهب أهل البيت عليهم السلام”، فما هي رؤيتكم لولاية الفقيه؟

لا إشكال في ولاية الفقهاء على الإفتاء والقضاء الشامل لإقامة الدولة الإسلامية بنظام قابل لكل تفاصيله لأحكام الشريعة الإسلامية الخالية من التأويل والعناوين التي تخضع الموضوع لحكم من الأحكام الشرعية قهراً والخالية من الأحكام الإلهية التي تخلق حكماً لم يكن موجوداً في الشريعة.

*هل هي ولاية عامة للفقيه أم خاصة ومحدودة؟

ولاية عامة بالإفتاء والقضاء مع كل ما يحتاج إليه مع بسط اليد. ولكن ليس على أساس أن تحدث حكماً ولائياً. فالفقيه ولي فيما يحتاج إلى الولاية وهو غير ولاية الأولياء الجبريين كالولاية على النفس والمال مثلاً والعرض، فإن هذه لا تحتاج إلى ولاية حتى مع التعارض مع المصالح العامة، وإنما تحتاج إلى إعمار قواعد التزاحم بين المصالح والملاكات. ولا فرق في ذلك بين أن تكون صلاحية الفقيه من باب الحسبة أو من باب الولاية الثابتة بالنص إلاّ في القيمومة التي يجعلها الولي. فإنها تزول بزوالها بناءً على الحسبة ولا تزول بناءً على الولاية هذا من الناحية النظرية الفقهية. وأما من ناحية الممارسة والتطبيق فنحن نؤمن بدين الإسلام بأنه عقيدة راسخة نقية ونظام شامل كامل للإنسان بكل شؤونه وحيثياته بالتعامل مع الله والكون والإنسان. قال الله تعالى:آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فولاية الفقيه حكم واقعي صادر من الإمام المعصوم بمقتضى ولايته العامة المطلقة في كل شؤون الشريعة ومتفرعة عن جانب وحيثية من حيثيات ولايته وليس بديلاً عن كل جوانب ولاية الإمام(ع). فإن ذلك يعني دعوة العصمة للفقيه – عصمنا الله من الزلل. ونستخلص من ذلك أن الفقيه الولي الحقيقي من قبل صاحب الأمر هو الذي يمارس عملية الجهاد في سبيل الله بأعلى مراتبها، والتي هي كما قال رسول الله الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، بالمفهوم الواسع الذي يتفرع عليه كل مصاديق الجهاد بالمال والنفس. ونرى أن ولاية الفقيه طبّقها آية الله العظمى السيد علي السيستاني حفظه الله في الحركة الأخيرة التي صحح بها الثورة وحمى الشعب العراقي وحمى التشيّع.

*ما هو تصوّركم لتطوير العمل التبليغي في لبنان؟

العمل التبليغي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل مراتبه وتعليم الناس الأحكام الشرعية وكل ما يحتاجون إليه في حياتهم العملية.

*لماذا لا تتصدّى للمرجعية وتصدر رسالة عملية؟

أنا من القائلين:”سعيد من اكتفى بغيره”. فعندما توفي السيد الخوئي، عدنا إلى المرجع آية الله السيد علي السيستاني. وكنت من أوائل الدعاة لمرجعية السيد السيستاني، ومعنا آية الله السيد محمد سعيد الحكيم وآية الله الشيخ اسحق فياض.

*تصدرون في الحوزة مجلة رسالة النجف فمتى تأسست؟ وما هي أهدافها؟

تأسست مجلة “رسالة النجف” عام 2005، عندما طُرحت بعض العقائد التي لم تكن تنسجم مع العقيدة الشيعية الصحيحة في نظرنا، وعلّق عليها الكثير من المراجع مثل السيد السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم ومراجع في إيران كالشيخ جواد التبريزي. وكان رأيي هو أنه إذا أردنا أن نناقش أية فكرة فيجب أن لا نطعن بالأشخاص أبداً، بل نتكلم بالعقيدة ونناقشها ضمن المنطق والعقيدة والأدلة الصحيحة. وحرّمت أن يذكر اسم أي شخص لا لعناً ولا شتماً ولا إهانة، فطرح فكرة تأسيس مجلة تكون جامعة لمسائل النجف.

*ما هي أبرز مؤلفاتكم؟

كتاب “العقل في أصول الدين”، كان أول كتاب أصدرته. وكتاب المواريث وكتاب الوصايا وهما كتابان في مجلد واحد. وكتاب الوصايا كتبته تقريراً لأبحاث السيد الخوئي (قده). كتاب الطلاق (على متن الشرائع). وهو أول المباحث الفقهية التي باشرت بتدريسها في لبنان في حوزة “جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية”، وكتاب “المكاسب من كتاب التجارة”، وكتاب النكاح (على متن العروة الوثقى) في جزئين، و”الخيارات من كتاب التجارة”، ومباحث القبلة والستر والساتر (على متن العروة الوثقى)، وهو تقرير لأبحاث السيد الخوئي، وكتاب “قواعد فقهية”، وكتاب “ولاية الفقيه في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)”، وهو يشتمل على عرض استدلالي موضوعي لمهمات المسائل المتعلقة بولاية الفقيه. وهناك كتب لا تزال مخطوطة بينها “كتاب القضاء وأحكام الدعاوى والشهادات”، وكتاب “العقل في فروع الدين”، وهو عرض وافر -على طريقة الأصوليين- لجملة من المسائل الأصولية كان للعقل دخالة فيها. هذا بالإضافة إلى كتب كثيرة في جلّ أبواب الفقه الشريف، لا تزال مخطوطة.




غرايبة: يتعذّر فهم الدين وتجنب التطرف في غياب الفلسفة والفنون

gharaybeh

إبراهيم غرايبة هو كاتب وباحث أردني، من مواليد بلدة الهاشمية في محافظة عجلون العام 1962. حصل على شهادة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات من جامعة الملك عبد العزيز في السعودية، ثم شهادة الماجستير في العمل الاجتماعي من الجامعة الأردنية.

عمل في الكتابة الصحفية والبحث منذ العام 1985، وله مقالات منشورة في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية والأجنبية. صدرت له مجموعة من الكتب والروايات وقصص الأطفال، منها: جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وشارع الأردن، والخطاب الإسلامي، والأردن القادم، والسراب (رواية)، والصوت (رواية)، وجزيرة العنقاء (رواية للناشئة)، وقطرة ماء تروي قصتها (قصة للأطفال).

قدم مجموعة من الدراسات وأوارق العمل في العديد من المؤتمرات، يعمل في الجامعة الأردنية منذ العام 2009 باحثاً في مركز الدراسات الاستراتيجية، فمديراً للدائرة الثقافية منذ 2011، ورئيساً لتحرير مجلة “أقلام جديدة” الصادرة عن الدائرة.

وغرايبة عضو في نقابة الصحفيين الأردنيين، وجمعية المرصد للتنمية السياسية، والجمعية الأردنية لحقوق الإنسان، والمنتدى العالمي للوسطية.

وفيما يلي نص الحوار:

منى شكري: المتتبّع للمناهج المدرسية في العالم العربي، يلحظ إهمالاً للجانب الإبداعي والفني، من جهة وحظراً للفلسفة والفكر، من جهة أخرى، ما السبب برأيك؟

إبراهيم غرايبة: الواقع أنّه أمر محير، ويبدو أنّ الإجابة واحدة أو أكثر من الاحتمالات التالية: ديني يحرم الفلسفة والفنون على مخططي المناهج والتعليم في وزارات التربية والتعليم. أو احتمال آخر عائد إلى عدم إدراك أو عدم اقتناع بجدوى الفلسفة والفنون والإبداع وأهميتها في التعليم، إلى جانب عجز وضعف في قدرات مخططي التعليم والسياسات العامة ومهاراتهم.

وسبب آخر قد يعود إلى موقف أوليغارشي (أقلية نخبوية احتكارية) استعلائي للنخب المخططة للسياسات العامة والتعليم يعكس عدم احترام للمجتمعات والشعوب، ولا يراها جديرة بثقافة وفنون وآداب رفيعة، ولا يرى المواطنين سوى أتباع لا يحتاجون إلا إلى خبرات ومهارات تقنية، فضلاً عن موقف أوليغارشي خائف من تأثير الفلسفة والفنون السلبي من وجهة نظره في الناس والمواطنين؛ لأنه يدفع إلى التمسك بالحريات والتفكير الناقد ورفض التلقين.

منى شكري: إلى أيّ مدى يمكن لتدريس الفلسفة والفنون أن تحصّن الطلبة من التطرّف؟

إبراهيم غرايبة: لا يمكن فهم الدين فهماً إيجابياً وبالتالي تجنب التطرف والكراهية إلا بالفلسفة والفنون، فالفلسفة هي الأداة المنهجية في معرفة حقائق الأشياء ومن دونها فإنّ اللغة، بما هي وعاء النص الديني، لا تمنح المعنى والدلالة والتأويل، أو أنّه لا يمكن إدراك ذلك إدراكاً صحيحاً. وأمّا الفنون فهي أداة التعبير عن الأفكار والمشاعر والأحاسيس والخيال وتحويلها إلى معرفة ترشد الإنسان وترتقي به، وهكذا لا يمكن فهم الدين فهماً صحيحاً من غير فلسفة ولا يمكن تطبيقه تطبيقاً صحيحاً من غير فنون.

منى شكري: يرى كثيرون أنّ الخطاب التنويري، ما يزال نخبوياً، كيف يمكن نشر الفكر التنويري بين شرائح المجتمع المختلفة؟

إبراهيم غرايبة: الفكر التنويري بما هو مستمد من الفكر والمناهج العلمية ويعتمد كثيراً على الفلسفة والفنون ويحتاج إلى مجهود فكري وارتقاء روحي ونفسي يكون بطبيعة الحال فيه صعوبة وربما قسوة وملل، والمشكلة الأخرى في الفكر التنويري أنّه في تعرضه للتهميش والإقصاء من قبل السلطات السياسية ومخططي السياسات التعليمية والثقافية لم يتح له تطوير نفسه ليكون في محتوى قابل للاستيعاب والتدريس في المدارس والجامعات، ولكن إذا تشكلت إرادة سياسية واجتماعية للاهتمام بالفكر التنويري فسوف يكون ممكناً في مدة زمنية قصيرة أن ينتج نفسه في صيغ وأدوات قابلة للاستيعاب في كل المستويات العمرية والتعليمية، بل ويمكن تصميم ألعاب للأطفال وقواعد للسلوك الاجتماعي واليومي مستمدة من الفكر التنويري والفلسفة والتراث العلمي والفني العربي والعالمي.

منى شكري: للجامعات دور تنويري، كيف تشخص واقع الجامعات العربية حاليّاً بهذا الخصوص، هل فقدت وظيفتها التنويرية وهل تعيش جامعاتنا حالة غياب ثقافي؟

إبراهيم غرايبة: الفكرة الظاهرة – وأرجو أن أكون مخطئاً- أنّ الجامعات العربية لم تَعُد تؤدي دوراً تنويريّاً ولا تساهم في بناء الثقافة والفنون والإبداع لدى الطلبة، ولا تقدم أو تنتج مشروعات للخدمة العامة والاجتماعية والعمل التطوعي، ليس ثمة نشاط ثقافي ومسرحي وفني حقيقي يمكن ملاحظته في الجامعات الأردنية ولا يبدو ثمة إقبال على الأنشطة والبرامج الثقافية القليلة التي تنظم في الجامعات.

وبالطبع فإنّ الجامعات جزء من الدولة والمجتمعات، وليست معزولة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، بل هي تعكس الحالة الاجتماعية والثقافية السائدة، ولا يمكن الحديث عن أداء وتقدم ثقافي وفني من غير دوافع فردية واجتماعية نحو الثقافة والفنون.

منى شكري: لماذا ينفر كثير من المتديّنين من أيّ خطاب ديني مستنير؟

إبراهيم غرايبة: ربما يعكس النفور المنتسب إلى الدين من الخطاب المستنير مصالح مؤسسات وأفراد قائمة على التبعية والتقليد، ففي ظل حالة من التفكير العلمي والمنهجي وإخضاع فهم الدين وتطبيقه ودراسته للمناهج العلمية واستخدام المصادر المعرفية والعلمية المتعددة في فهم الدين سيجري أيضاً تغيير جوهري في طبيعة المؤسسة الدينية والمشتغلين في العلوم والوظائف الدينية ودورهم، وفي التراكم الطويل والراسخ للعداء للفلسفة والتنوير تشكل فهم منتسب إلى الدين يحرم المناهج العقلانية والفلسفية في قراءة الدين.

منى شكري: لجأت بعض الدول منها؛ مصر والأردن لمنع كتب ابن تيمية باعتبارها بيئة خصبة لتفريخ متطرفين حيث تضم في ثناياها فتاوى تحض على التكفير والقتل، في حين رفض آخرون المنع باعتباره مصادرة لحرية الفكر وأنّ ما تضمه كتب ابن تيمية فيه الكثير من الإيجابيات؟ في حين وقف بعضهم على الحياد معتبرين أنّ الفكر يُقارَع بالفكر لا بالمنع أو الحرق؟ أين يقف إبراهيم غرايبة من هذا؟

إبراهيم غرايبة: الأصل أنّ الدولة محايدة تجاه الدين، وليس لها دور ديني في المساجد والمؤسسات الدينية أو في المؤسسات التعليمية وكذلك في الإدارة والسياسة العامة، وليس مطلوباً من الدولة أن تدير الشأن الديني حتى لو كان هذا الدور تنويريّاً، والمفترض أن تكون الاتجاهات الدينية هي اتجاهات مجتمعية وفردية مستقلة عن الدولة ومؤسساتها، ومن الناحية التقنية فإنّه لم يعد ممكناً حظر كتاب من التداول، ولكن الدولة بامتناعها عن أداء دور ديني فإنّها في طبيعة الحال تجفف جزءاً كبيراً من مصادر التطرف والتعصب، وإن بقيت في إطار تداول اجتماعي غير رسمي فإنّ الدولة تملك بدون حظر المصادر التراثية بحسناتها وسيئاتها أن تشجع وتهيئ المجال لبيئة اجتماعية وثقافية قائمة على الجدل والتفكير الحر المستقل، ويمكن أن تمنع الدول بالقانون الدعوة إلى التعصب والكراهية في الإعلام والتعليم والنشر، وإن اختارت فئة بعد ذلك وجهة متشددة في فهم الدين فإنّها بحكم القانون يحظر عليها أن تدعو إلى التعصب والكراهية.

منى شكري: نعاني -إن استطعنا القول- من “أزمة تصنيم الأشخاص” ولا ينطبق هذا الأمر على الرموز الدينية فحسب، بل يتعداه إلى بعض الشخصيات السياسية والثقافية وحتى الفنية؟ فمن ينتقد شخصية ما تصوب سريعاً أصابع الاتهام نحوه، وتبدأ حملات التخوين والتكفير…إلى آخره من تهم مُعلَّبة. إلامَ تحيل هذا “التصنيم”؟

إبراهيم غرايبة: تتشكل “عبادة الأشخاص” في بيئة من ضحالة التعليم والثقافة والفنون وضعف المدن والمجتمعات وعدم تمكينها من إدارة شؤونها وولايتها على احتياجاتها ومؤسساتها .. وتنظيمها، وبذلك لا تنشأ مشاركة ثقافية واجتماعية عامة تمنح المواطنين ثقة بالنفس وشعوراً بالمساواة والمسؤولية.

منى شكري: شئنا أم أبينا الموقف السياسي للمبدع العربي له ثمن لا بد أن يدفعه، متى يمكن أن يتوقف دفع هذه الفاتورة؟

إبراهيم غرايبة: ما قيل عن الشأن الديني يقال أيضاً عن الشأن الثقافي والفني فذلك مسؤولية المجتمعات وليس الدولة، وعندما تدير المجتمعات شأنها الثقافي فإنّها تنشئ مواردها ومؤسساتها المستقلة عن السلطة وتحمي بذلك المثقفين والمبدعين من تهديد السلطة ومن إغوائها أيضاً، لا يمكن الحديث عن حماية المثقفين من غير حماية الثقافة نفسها، وإذا لم تبادر المجتمعات إلى إنشاء منظومتها الاقتصادية والاجتماعية المستقلة عن السلطة فإنّها تفقد وجودها وتتحول إلى دائرة حكومية، وليس متوقعاً في هذه الحالة من الحكومة إلا أن تنحاز لمصالحها ومواقفها، حتى في حال حظيت المجتمعات بمسؤولين حكوميين متحمسين للثقافة والإبداع فإنّها حالة تظل تحت رحمة مزاج السلطة.

منى شكري: في زمن الحرب الذي نعيش أنّى لثقافة الحب أن تنتشر لنزع بذور الحقد والكراهية؟ من أين نبدأ بعد أن وصل السيل الزبى؟

إبراهيم غرايبة: يبدأ التقدم بمشاركة المجتمعات على قدم المساواة مع الحكومات والشركات في تنظيم (وإدارة) الموارد والتشكلات التي تجري حولها؛ المدن والأسواق والمؤسسات، وأن تمكن الحكومات المدن والمجتمعات من المشاركة والولاية على شؤونها واحتياجاتها وخدماتها الأساسية، وفي ذلك تنشئ المجتمعات القيم والثقافة التي تحمي مصالحها وتطور مواردها؛ أي عندما يتحول الحب والتضامن والازدهار إلى مصلحة مباشرة تسعى إليها المجتمعات وتحميها، إذ يجب أن تلاحظ المجتمعات العلاقة بين مصالحها وتقدمها وبين الاعتدال والتقبل والسلام والتعددية والتنوع، وأن تدرك عملياً ضرورة المشاركة العالمية وأن تكون جزءاً من العالم يتقبلها وتتقبله، وسوف تلاحظ بالتأكيد أنّ التطرف والكراهية يلحقان بها ضرراً كبيراً وتدفعان بها إلى العزلة والتهميش، وفي عبارة مختصرة يبدأ الاعتدال والتقدم أيضاً بتنظيم المجتمعات وتشكلها حول مواردها ومؤسساتها.

حوار: منى شكري

المصدر: مؤمنون بلا حدود




جوسلين دخليّة: السلطة والأهواء في ديار الإسلام

المؤرخة الفرنسية -التونسية جوسلين دخليّة
المؤرخة الفرنسية -التونسية جوسلين دخليّة

السلطة والأهواء في ديار الإسلام

حول الصور السلبيّة العنيدة بخصوص الاستبداد الشرقي أو عدم توافق الإسلام مع الديمقراطيّة، تجيب جوسلين دخليّة من خلال التحقيق التاريخي حول أشكال السلطة في المجتمعات الإسلاميّة والمنطق الذي ينتظمها مبيّنة مدى شطط هذه الرؤية الفقيرة معرفيّاً وغير المتوائمة مع حقائق التاريخ، وهي تقوم من خلال عملها الغزير، الممتدّ من البلاطات السلطانيّة في العصور الوسطى إلى تونس الحديثة، بإعادة تحديد معالم منطقة البحر الأبيض المتوّسط، داعية من خلال ذلك إلى التفكير بشكل مختلف في تاريخ أوروبّا نفسه. وتعمل جوسلين دخليّة حاليّاً مديرة للبحوث في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعيّة بباريس، وهي مختصّة في تاريخ العالم الإسلامي ومنطقة البحر المتوسّط، ولها عديد الأعمال المهمّة المنشورة في هذا الصدد. ونحن ننقل لها هذا الحوار إلى اللغة العربيّة اعترافاً منّا بفضلها العلمي ومجهوداتها في نفض الغبار عن تاريخنا، وتبديد بعض الصور النمطيّة السائدة عنه في الدوائر الأكاديميّة الغربيّة.

– تُغطّي أعمالك حقلاً هائلاً من تاريخ العالم الإسلامي والمتوسّطي، من العصور الوسطى حتّى وقتنا الحاضر. وقد قمتِ بتسليط الضوء، في أعمال أضحت مرجعيّة، على تقليد سلطاني في ممارسة السلطة مناقض تماماً للصورة السلبيّة – التي ما تزال للأسف سائدة – حول وجود سلطة استبداديّة و/أو ثيوقراطيّة في ديار الإسلام. كما درست كذلك التبادلات الثقافيّة بين الضفّتين الشماليّة والجنوبيّة للبحر الأبيض المتوسّط وصولاً إلى تناول قضايا الاندماج في المجتمع الفرنسي المعاصر. بين التاريخ والإناسة وعلم الاجتماع، أين تقفين؟

نُشرت بعض أعمالي ضمن سلسلة مختصّة بالإناسة، وأخرى ضمن سلسلة مختصّة بعلم الاجتماع. ولكن هذا الأمر مجرّد تصنيف من قبل الناشرين. حين بدأت الاشتغال بالتاريخ في الثمانينيات، كانت الإناسة التاريخيّة في أوجها، وكنتُ أتعامل آنذاك سواء في منطقة بريطانيا (Bretagne) أو منطقة البورغون (Bourgogne) مع الراهن، في تقاطع مع البحث في محفوظات الأرشيف. بدأت العمل على النصوص الإسلاميّة في القرون الوسطى دون الإحساس بأيّ تناقض بين المنهج التاريخي والمنهج الإناسي. وقد كان علماء الإناسةٍ في تلك الفترة – بمن فيهم إرنست غيلنر (Ernest Gellner) وكليفورد غيرتز (Clifford Geertz) وجميع الذين اهتمّوا بشمال أفريقيا وبشكل عامّ بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والعالم الإسلامي – جزءاً من قراءاتنا ومرجعيّاتنا وأدوات أبحاثنا حول العالم العربي.

وفي وقت لاحق، بدأت أعرّف نفسي أكثر فأكثر بوصفي مؤرّخة. مؤرّخة بأدوات ربّما أكثر تنّوعاً ممّا عند زملاء آخرين، حيث أخذت مسافة أكبر، لا من الإناسة، بل من النياسة (الإثنولوجيا). وقد بدأ البحث الميداني – وهو بالنسبة لي شيء أساسي وخلاّق جدّاً – يبدو لي تدريجيّاً كممارسة عنيفة. فأن تحلّ عند غرباء لتلقي عليهم أسئلة، أمر لا يخلو من فضول، وهذا يزعجني، حتّى وإن كانوا يعرفون بدورهم أيضاً طرح أسئلة مزعجة. هذا العنف موجود كذلك، بشكل من الأشكال في منهج المؤرّخ، إذ يحدث أحيانا أن أعثر على محفوظات في الأرشيف تعطي الانطباع بأنّني أخترق الحياة الخاصّة لأناس ماتوا منذ قرون. هذا الغوص الحميمي الذي يمكن أن يُسعد بعض المؤرّخين، يعطيني شعوراً بممارسة شكل من أشكال العنف البعدي. فاكتشاف حالة زنا، على سبيل المثال، يجعلك تحسّ أحياناً بأنّك لست في مكانك.

وكنت أعتقد أنّني تأثّرت كبير التأثّر في هذا الخصوص بجميع التساؤلات حول الاستشراق التي بدأها إدوارد سعيد. في الواقع، عندما بدأت دراساتي التاريخيّة كانت معركة الاستشراق محتدمة، وكان كتاب سعيد قد صدر للتوّ (نُشر في عام 1978). ولكنّ هذه المعركة لم تمسّني. وكانت خطوتي الأولى التحرّك والعمل داخل المجتمع التونسي الذي أنحدر منه. ولفترة طويلة، كان اهتمامي منصبّاً بالدرجة الأولى على تحريك المجتمع التونسي أو المجتمعات المغاربيّة. ويجب أن أقول، إنّه لم يكن لديّ في ذلك الوقت اهتمام كبير بقضايا نظرة المستشرقين هذه، وبالتالي، لم أعمل كثيراً على المجتمع الاستعماري بصفته تلك. وإذا كان هناك من منطق في رحلتي البحثيّة، فهو على كلّ حال نتاج هذا الالتزام.

الثقافة السلطانية، تقليد سياسي منسيّ

– استخدمت في عملك كمؤرّخة الكثير من القصص والحكايات والأخبار. تحدّدين ما تسمّيه “أأنماطاً أساسيّة” لسرديّات السلطة في العالم الإسلامي، وتقومين بقولبتها في سياقات من أجل فهم أفضل لنطاق صلاحيّتها. هل من توضيح للطريقة التي وضعت بها هذا المنهج؟

حين نعمل على الإسلام، كما هو الحال في العمل على مناطق ثقافيّة أخرى بلا شكّ، فإنّنا نواجه مسألة اتّساق ثقافة ما (أو عدم اتّساقها)، فضلاً عن الروابط بين مختلف مكوّناتها؛ أي بين الثقافة المحلّية والثقافة العالمة العابرة للقوميّات على سبيل المثال. تطرأ لحظات خلال العمل الميداني ينتابك فيها شعور بأنّ تلك الأنماط الثقافيّة تستغرقك، وتجد نفسك تنتقل من نمط إلى آخر، ومن موقع إلى آخر، وكأنّها هي من يقود خُطاك. فحين يبدأ شخص ما في سرد قصّة وليّ صالح – وأنت تعرف من خلال قراءاتك أنّها نفس القصّة الموجودة في الجزائر وفي المغرب، وربّما حتّى في مصر – فستكون فوراً في مواجهة مسائل الاتّساق الثقافي بين المرويّات وتسلسلها الهرمي. وبهذا، فإنّ دراسة الأنماط تسمح بمساءلة الاتّساق الثقافي في مجمله، وكذلك حدوده: في كثير من الحالات التي قمت بدراستها، لا شيء يشير إلى أنّ هذا التماسك الثقافي متوقّف على الإسلام. وعلى سبيل المثال، فإنّ قصص النبيّ سليمان تسمح بإقامة جسر مع ثقافات الجانب الآخر للبحر المتوسّط. ومن هنا يأتيني الشعور بأنّ الثقافات شبيهة بالسّديم، لا بمعنى أنّها مجموعات كثيفة، مغلقة ومتّسقة، بل بمعنى أنّها مجموعات فضفاضة وتتميّز بعلاقات تشابك واحتضان دائمة.

إنّ دراسة الأنماط يجب أن تتمّ على مستويات ومقامات مختلفة، وهي تسمح أوّلاً، بمقاربة المعيار، فكتب نصائح الملوك، في جميع أنحاء العالم الإسلامي ومن العصور الوسطى إلى القرن التاسع عشر، تُرسي معايير الحكم السلطاني الرشيد، وتكرّس ممارسة ملموسة للسلطة الملكيّة. وحين تؤكّد تلك الكتب مثلاً على وجوب أن يخصّص الأمير يومين من الأسبوع على الأقلّ لاستقبال رعاياه، فإنّنا نكون إزاء عدد من القصص والأساطير حول الأمراء الصالحين الذين احترموا بالفعل نظام الاستقبال هذا. ومن خلال تدقيق المنهج وحصر التحقيق في مكان معيّن، فإنّه يمكننا تحديد الممارسات الاجتماعيّة الواقعيّة التي تتوافق مع ذاك النمط، فمن خلال التقاطع مع أنواع أخرى من النصوص، يمكننا استقاء معلومات تسمح، على سبيل المثال، بتحديد ما إذا كان السلطان الفلاني حاضراً أو غائباً عن ديوانه أيّام الثلاثاء والخميس. فيما يتعلّق بعملي الخاصّ، تجاوزتُ هذه المقاربة العامّة جدّاً للأماكن العامّة كما في كتابي ديوان الملوك (Le Divan des rois)، واتّبعت مقاربة أكثر واقعيّة بشأن الأزمات السياسيّة في كتابي إمبراطوريّة الأهواء (L’Empire des passions). وأنا أعتبر الكتاب الذي أعمل عليه حاليّاً حول الحريم السلطاني، بمثابة الجزء الثالث من هذه السلسلة. فأنا أخوض فيه في تفاصيل سلالة حاكمة – أو تقليد سلطاني على الأقلّ – في سياق وطني محدّد، هو المغرب الأقصى، بهدف دراسة تفاصيل العهود وممارسات السلطة نفسها، وصولاً إلى بعدها النوعي الاجتماعي. وهذه فرصة لكتابة تاريخ النوع – بما في ذلك تاريخ خصيان القصر ووصيفاته – ولكن أيضا تاريخ العبوديّة، بل إنّه يمكن إثبات أنّ كون المرء عبداً في هذه المجتمعات، لا يعني بالضرورة أن يكون في أسفل السلّم الاجتماعي. وأنا أحاول في الجملة أن أفهم نظام الهيمنة في جميع مكوّناته، هيمنة النوع بطبيعة الحال، ولكن أيضا هيمنة “العرق”، والمكانة، والحرّية، إلخ.

وأنا أهتمّ بالمغرب الأقصى لأنّه موضع، كما غيره، لتمثّل خيالي للحريم ولاستشراق خاصّ بمسألة الحريم. لكنّه أيضاً موضع مثير للاهتمام بوجه خاصّ، لأنّه كان بلداً يحتلّ في السابق مكاناً مهمّاً في تمثيل الاستبداد الشرقي. التفكير في الاستشراق يعطي عادة مكانة مركزيّة للإمبراطورية العثمانيّة ولفارس. ولكنّنا ننسى أنّه يوجد كذلك، بالنسبة لرجال العصر الحديث ونسائه، قطب آخر للسلطة الاستبداديّة، وهو المغرب الأقصى الحاضر بقوّة خاصّة في الاستشراق الإنكليزي. كما أحاول أيضاً أن أفهم نوعيّة التنافذ والتبادل الذي كان موجوداً مع أوروبّا بخصوص النماذج السياسيّة التي كانت قائمة آنذاك. فالمغرب الأقصى بلد مثير بخصوص هذه النقطة، لأنّه في تفاعل قويّ جدّاً – سلمي أو نزاعي – مع أوروبّا، والحال أنّ صورته اليوم هي صورة بلد شديد الانكماش على نفسه ومنغلق داخل خصوصيّاته، تماماً كما كان اليابان في إحدى لحظات القرن التاسع عشر. إذن، هذه فرصة لمعرفة ما ينتقل من مجتمع إلى آخر، ومن أحد جانبي عالم البحر المتوسّط إلى الجانب الآخر، في ما يتعلّق بالتمثّلات السياسيّة.

– في كتابك ديوان الملوك، تكشفين عن وجود ثقافة سلطانيّة غير لاهوتيّة، مستقلّة عن السلطة الدينيّة. هل يمكنك الحديث عن ظروف نسيان هذا التقليد الذي ما يزال متجاهلاً إلى حدّ كبير في جميع النقاشات التي تتناول خصوصيّة السلطة في ديار الإسلام؟

حين كنت يافعة، شعرت بالحاجة إلى التفكير في هذه المسائل. وحين بدأت دراساتي في التاريخ، كانت الثورة الإيرانيّة قد اندلعت بالفعل قبلها بعدّة سنوات. كان يوجد تفكير معلّق في الهواء حول مسألة الثيوقراطيّة الإسلاميّة، وكانت كثير من التحاليل المتسرّعة تعرّف الإسلام بأنّه نظام حكم ثيوقراطي بطبيعته. كنّا نظن أنّه لا يمكن للعالم الإسلامي أن يغدو ديمقراطيّاً. وقد طلبت منّي مجلّة النوع البشري (Le Genre humain) في وقت لاحق، حين أصبحت مؤرّخة محترفة، مقالين صغيرين للنشر، أحدهما حول مسألة “هل الإسلام متوافق مع الديمقراطيّة؟”، والآخر حول مسألة العلمانيّة. ويجب عليّ أن أقول إنّ هذين النصّين القصيرين – وكنت قد كتبتهما بسرعة– يعبّران بطريقة ما عن اعتقاد راسخ لديّ إلى حدّ اليوم، وخاصة بعد قيام الثورة التونسيّة.

إنّ هذا التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة، يجعل من الممكن اليوم تناول مسألة صعود الإسلاميّين إلى السلطة، وإظهار كيف أنّها مفهومة عادة من خلال فكرة أن تكون المجتمعات الإسلاميّة بطبيعتها “متأخرّة” عن العالم الغربي. يرى البعض أنّه لا بدّ من فرض استقلال السياسة بذاتها تدريجيّاً، في حين أنّنا نجد في الأدب السلطاني (أدب نصائح الملوك، ولكن أيضا نصوص الأخبار) أشكالاً من الاستقلال الذاتي للسياسي في المجتمعات الإسلاميّة منذ القرن الثامن أو التاسع للميلاد. لقد كانت أرضيّة الاستقلال الذاتي للسياسي بالفعل موجودة، ويكفي – بطريقة ما – إبرازها وإعادة الشرعيّة إليها (لأنّها كانت قد استبعدت مع استبعاد مجمل النظم السياسيّة الإسلاميّة، لاسيّما بسبب عدم قدرتها على مقارعة المستعمر). المشكلة هي أنّه نُظر إلى مجمل السلالات الحاكمة الإسلاميّة الكبيرة تقريباً في القرن العشرين على أنّها المسؤولة إمّا عن الإفلاس المالي، أو عن التواطؤ مع المستعمرين. لقد تمّ إلقاء الطفل مع مياه الحمام من خلال رفض كلّ هذه الأدبيّات السياسيّة ورفض من كانوا يجسّدونها بشكل سيّئ. لقد طرح المفكّرون الإصلاحيّون لعصر النهضة – هذه الحركة المهمّة جدّاً في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي نعيد اليوم اكتشافها أكثر بفضل الثورات العربيّة، والتي كان مكوّنة من اتجاهات محافظة وكذلك ليبراليّة – الحاجة إلى إصلاح أساسي عميق في العالم الإسلامي لمقاومة الضغوط الاستعماريّة الغربيّة. إلاّ أنّ المشكلة التي سادت تاريخيّاً داخل هذه التيّارات كانت تغريب القانون والنماذج السياسيّة، إلخ. ونتج عن هذا أن تمّ تناسي المبادئ السياسيّة مثل العدالة وإعادة التوزيع، على سبيل المثال، والتي كانت أساس الحكمة العلمانيّة والدنيويّة التي كانت تسمّى: الثقافة السلطانيّة.

كما تمّ أيضاً تناسي فكر قديم يعالج العلاقة بين الأمير والشعب؛ فعلى غرار أيّ فكر سياسي “ما قبل حديث”، إن جاز لي استخدام هذا التعبير الغائي، فإنّ الثقافة السلطانيّة هي دوماً نخبويّة؛ فحين تكون هناك بيعة لسلطان جديد، فإنّه يوجد دائماً فرق بين البيعة الأولى المخصوصة بالنخبة، وبين بيعة عامّة الشعب. هذه الأنظمة الإسلاميّة لم تخترع الاقتراع الشعبي – وهو على أيّ حال اختراع متأخّر جدّاً في الأنظمة الديمقراطيّة. ولكن يوجد، رغم كلّ شيء، في هذه الأدبيّات السياسيّة وفي جميع تلك الممارسات مفهوم للشعب ينبغي دراسته من أجل إعادة صياغته. تونس بصدد خوض تجربة الاقتراع الشعبي، مع تجارب انتخابيّة صعبة ومؤلمة، نظراً لما قد تتسبّب فيه من عدم يقين ومن انكسارات. أجد أنه من المهمّ إظهار كيف كان يوجد، في كلّ هذا الأدب السياسي القروسطى والحديث، ولكن أيضا في كلّ أدب الأخبار، اهتمام كبير بعامّة الناس، ونظرة مساواتيّة إلى حدّ ما لعالم الرعيّة. إنّنا نكتشف بالفعل، بطريقة نمطية لكنّها متكرّرة، عرضاً مبالغاً فيه للرجل العامي المعوز الذي تمثّل الدولة ملاذه الوحيد، وهي لا تدافع عن ثروته فحسب، بل عن كرامته أيضاً. ويتعلّق النمط المتكرّر بورود أحد الرعايا طالباً عدل السلطان، ويكون فقيراً أو شيخاً أو مريضاً… ويمثّل الشّيخ الذي لا يملك غير حماره يتكسّب به، والعجوز التي لا عائل لها، رعايا لا منصف لهم إلاّ الدولة والسلطان العادل. يوجد هنا شيء ضروري لبناء سياسي للديمقراطيّة اليوم، انطلاقاً من الموارد الذاتيّة، لا من المرجعيّات المستوردة والمنقولة عن الغرب فحسب.

وبالطبع، يمكننا أيضاً قراءة هذا التاريخ السياسي برمّته في ضوء علاقات التبعيّة الشخصيّة والمحسوبيّة، وهي اليوم محلّ وصم. فإذا ما قرأتم، على سبيل المثال، مذكرّات ابن خلدون (1332-1406) أو مذكّرات مؤلّفين آخرين من العصور الوسطى أو الفترات اللاحقة، فستجدون أنّهم في الغالب أدباء بلاطات (في الجمع لأنّهم ينتقلون غالباً من بلاط إلى آخر). وتلعب مسألة المحسوبيّة والرعاية دوراً حيويّاً، ولكنّه نفس الدور الحاسم الذي تلعبه في جميع البلاطات، سواء في أوروبا أو في أيّ مكان آخر. وفي هذا الشأن، فإنّ الأمر ليس خاصيّة للعالم الإسلامي الذي يرتبط في كثير من الأحيان بصور المحسوبيّة والفساد، بل إنّه يوجد بالفعل كذلك في الفكر السلطاني – وهنا من المهمّ استكشاف حقل سياسي كامل – مفهوم الصالح العامّ ورؤية معيّنة لدور الدولة. وعلى سبيل المثال، يروي المؤرّخ الشهير الطبري (839-923) قصّة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز (682-720) وإطفائه النور بعد الانتهاء من مراقبة الحسابات مع كاتبه، كي لا يبذّر أموال دافعي الضرائب. وبصفتي مؤرّخة، حتّى ولو كانت هذه الأمثلة الملهمة تبدو مثيرة للسخرية، فإنّني أشعر بواجب لفت الانتباه إلى هذا النوع من الأدب. ومن الواضح، أنّ الأمر لا يتعلّق بإعادة اختراع الديمقراطيّة بلغة مخصوصة ونابعة تماماً من العالم الإسلامي، ولكن يجب علينا أن نتجاوز فكرة أنّ هذا الأمر اختراع غربي، وما علينا سوى نقله واستزراعه في الإسلام. يجب علينا بدلاً من ذلك بيان وجود أوجه تشابه ورأسمال تاريخي وإيديولوجي يسمحان لنا بتقدير هذا التراث الديمقراطي بالقوّة، ومن ثمّة إحيائه من داخل العالم الإسلامي.

– من بين الصور النمطيّة السائدة عن الاستبداد الشرقي، هناك بالطبع صورة السلطان المتقلّب المستبدّ، الخاضع لأهوائه، وغير العقلاني. وبدلاً من تجنّب هذه المسألة التي سبق أن تناولتها في كتابك امبراطوريّة الأهواء، نجدك تظهرين، في مواجهة الموقف الاستشراقي، منطق العواطف والصداقة والتقارب بين الأفراد في اشتغال سلطة السلطان منذ القرن التاسع. هل يدخل هذا البحث أيضاً في سياق التزاماتك السياسيّة أو المدنيّة؟

سبق أن قلت، بطريقة مفارقة، أنّ معركة الاستشراق لم تكن حافزاً لي، لأنّني أردت التفاعل في المقام الأوّل مع رفاق وأصدقاء وزملاء من منطقة المغرب، ولأنّ الجدل الدائر حول إدوارد سعيد، وإن كان مدهشاً كما قد يبدو اليوم، فإنّه كان في الواقع ضعيف التأثير على الجامعات المغاربيّة. كنت أرغب في العمل لفائدة تونس، بشكل ما، حتّى وإن كان يبدو في هذا القول بعض نزعة وطنيّة. كان هناك في العقد الأخير من القرن العشرين، مع الحرب الأهليّة في الجزائر، وحرب الخليج الأولى بالطبع، نوع من اليأس السياسي، وأردت مصالحة الناس المتجذّرين في التاريخ العربي أو الإسلامي مع هذا التاريخ، أي مصالحتهم مع الفكرة التي يحملونها عن أنفسهم وعن إرثهم السياسي. إنّها الرغبة التي زادت أيضا مع كلّ التوتّرات التي مررنا بها في فرنسا بشأن الإسلام في نفس الوقت مع ما يسمّى أزمة الحجاب.

فعندما بدأت العمل، كانت توجد حالة من عدم المساواة النظريّة والمنهجيّة، حيث كان المؤرّخون الفرنسيّون ومدرسة الحوليّات يصمّون آذانهم تجاه أيّ صوت آتٍ من منطقة المغرب، بل وحتّى من بقيّة أوروبّا أو الولايات المتّحدة أيضاً. ومن ثمّة كانت وضعيّة هيمنة التاريخ الفرنسي النظريّة والمنهجيّة هي المنتشرة في جميع الحالات. ولم يكن هذا الوضع يبدو مشيناً في حدّ ذاته، ولكنّني أردت الحصول على اعتراف بكرامة الحقل التاريخي العربي، وجعل الأمثلة التاريخية القادمة من العالم العربي مألوفة، حيث لا نحبسها في تاريخ مبتسر وخصوصي. وفي هذه السبيل، كان لا بدّ من نقض هذه الخصوصيّة وتبديدها. ثمّ، ومع كلّ التوتّرات المتولّدة عن حرب الخليج الأولى، وتفشّي العنصريّة في تلك الفترة – بما في ذلك داخل الأوساط الفكريّة – وكراهيّة الإسلام المتنامية، لم تعد مشكلتي التوفيق بين أوساط المثقّفين الفرنسيّين والعرب، بل العمل، وإن بشكل متواضع، على تفكيك الأحكام المسبقة في الكتابات التاريخيّة وتقديم النفع الفكري لقرّاء أضعهم أساساً في منطقة المغرب. وقد كان من المهمّ بشكل عامّ أن تكون لدينا نظرة أقلّ سلبيّة للديناميّات السياسيّة في العالم الإسلامي؛ وكان علينا أن نُظهر أنّ لها منطق واتّساق، وأنّ الأمر جميعه لا يتعلّق باستبداد فظّ غير مؤسّس، أو بعواطف مدمّرة لا أساس لها.

ومن هنا، كان الهدف من كتاب إمبراطوريّة الأهواء، هو معرفة ما كان وراء بعض الأزمات السياسيّة الكبرى الموسومة بالعاطفة، لنرى ما أوجه التشابه بينها – لأنّه كان يوجد دائماً ذاك “المحيط الثقافي” المتميّز بتكرار نفس القصص واستعادة نفس الأنماط -، ولكن أيضاً لنرى كيف يمكن أن تًفهم قصص تروي الأزمة وانخرام التوازن والتعثّر، على العكس من ذلك من قبل المراقبين الغربيّين بوصفها تعبيرة عن وضعيّة بنيويّة ودائمة. ولنأخذ على سبيل المثال، تقتيل الوزراء البرامكة من قبل الخليفة هارون الرشيد (763-809) في العام 803. إنّها قصّة أسطوريّة في جانب منها، مشوبة بالعاطفة، مع مسرحة العلاقة الثلاثيّة بين السلطان وشقيقته ووزيره الذي هو نديمه/صديقه/عشيقه. ولكن، في ما وراء الحكاية، يبيّن التاريخ دور مسائل النوع الاجتماعي والجنسانيّة في الدوافع السياسيّة نفسها، من أجل شرح انقلاب الخليفة على الوزير، خاصّة وأنّها تستعيد نمط الخليفة الذي يعتمد بكيفيّة عاطفيّة وعشقيّة على وزير. ونحن نجد عدداً من الأنماط المماثلة في أماكن أخرى في العالم الإسلامي وفي فترات مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الإعدام الدموي، المفاجئ والوحشي الذي قام به سليمان القانوني (حوالي 1494-1566) تجاه وزيره/صديقه/حبيبه إبراهيم باشا (حوالي 1494-1546) هو جدّ صادم للغربيّين. وقد حاولت أن أفهم مغزى هذه الانقلابات السياسيّة، وهي فترات تشهد بالفعل شكلاً من أشكال انقلاب التوازن يسعى من خلالها السلطان معاودة الانطلاق على أسس جديدة من الثقة مع رعاياه. وقد كان هذا الأمر ممكناً خاصّة، وأنّ هؤلاء الحكّام كانوا يعتمدون على إدارة مكوّنة من عناصر في معظمها غريبة ومرتزقة وصلت عن طريق جدارتها، ويمكن بالتالي التخلّص منها بطريقة وحشيّة لإرسال رسالة سياسيّة أو لإعادة تشكيل أسس انتداب الموظّفين السياسيّين. ومع ذلك، فإنّ هذه التشابهات بين وضعيّة وأخرى، لا تنتمي لهويّة مطلقة. فنموذج الارتزاق الذي أسماه إرنست غيلنر (Ernest Gellner) “المبدأ المملوكي” حاضر في جميع أرجاء العالم الإسلامي، ولكن بدرجات متفاوتة، وليس أبداً في شكله الخالص؛ إذ توجد دوماً نسبة من النخب المحلّية ممثّلة في جهاز الدولة، بما في ذلك الإمبراطوريّة العثمانيّة. كما يمكن أيضاً لمبدأ الارتزاق المبني على الجدارة، إذا ما اشتدّ نفوذه، أن يؤدّي إلى شكل آخر من إضعاف السلطة. فإذا ما أعطينا وزناً كبيراً للأسر المحلّية الكبرى، فسنكون أمام خطر أن تتقدّم عائلة أخرى وتطيح بالسلالة الحاكمة. ولكن عناصر مرتزقة قويّة جدّاً يمكنها أيضاً إسقاط العرش. وهذه هي الحال المعروفة لوزراء أصبحوا أمراء في القصر، ليصبحوا بدورهم خلفاء أو سلاطين. فإذا ما فسح المجال واسعاً أمام هذه العناصر الدخيلة، فإنّ الأمر ينطوي على خطر حدوث ثورات داخل القصر تؤدّي إلى خسارة السلطة. فالمسألة إذن، مسألة توازن، ولكن ثورات القصر من الناحية الإحصائيّة على أيّ حال، ليست أكثر عدداً في هذه السياقات الإسلاميّة منها في سياقات أوروبّا الغربيّة. والسلالة العثمانيّة على وجه الخصوص هي مثال جيّد على الديمومة، إذ امتدّت من القرن الخامس عشر إلى أوائل القرن العشرين.

أوروبّا والإسلام، تاريخ تبادلات وصراعات

– في باكورة كتبك، كانت أوروبّا حاضرة في تحليلك للسلطة الإسلاميّة، ولكن بصفة أساسيّة من منظور المقارنة. ثمّ أضحيت مع بداية الألفيّة أكثر اهتماماً بالعلاقات والاتصالات التي توحّد وتقسّم أوروبّا والإسلام. وكتابك “لغة مشتركة” (Lingua Franca) دالّ في هذا الصدد على مقاربة جديدة، تحاول أن تفكّر بانسجام في العلاقة والصراع في عالم المتوسّط.

ساهم في ذلك أمران: رحلة داخليّة وشخصيّة من جهة أولى، والتطوّر العامّ للتأريخ من جهة ثانية. وقد سبق أن طرحتُ مسألة حضور أوروبّا بالفعل في امبراطوريّة الأهواء. فمن خلال البحث عن كثب في بلاطات المجتمعات الإسلاميّة، وجدتُ عدداً كبيراً من المسيحيّين. وقد أثار حضورهم ودورهم في الأجهزة السياسيّة اهتمامي بدرجة كبيرة، وخاصّة المسألة التي ما تزال حاضرة، وهي معرفة ما يمكن أن يكونوا أخذوا معهم من تمثّلات سياسيّة أوروبيّة (ما الذي أمكنهم أخذه مثلاً من جون بودان Jean Bodin؟) هذا سؤال لم يكن باستطاعتي الإجابة عنه، ولكنّني كنت أتمنّى معرفة ما إذا كان جميع هؤلاء الفاعلين السياسيّين متزامنين، وهل كانوا يتقاسمون في نفس الوقت نفس المفاهيم المتعلّقة بالسلطة، بفعل وجود كلّ هؤلاء المسيحيّين المارّين بالبلاطات الإسلاميّة أو الذين تمّ استدماجهم فيها بصفة مستدامة. وبالتدريج، بدا لي أنّه لا يمكن تصوّر عدم وجود شكل من أشكال التبادل، ومن تأثير متناظر للإسلام على أوروبّا. وفي خضمّ هذه التساؤلات، تولّد لديّ اهتمام باللغات المنطوقة في العالم الإسلامي وفي منطقة المتوسّط ضمن التبادل بين المجتمعات. فاللغة المشتركة (Lingua Franca) أمر تسهل ملاحظته في المصادر، وكأنّها أمر بديهي. ولطالما أشار العديد من المؤرّخين في كتاباتهم إلى استخدام هذه أو تلك من المجموعات “اللغة المشتركة”؛ فقد كان المؤرّخون يعرفون ما هي، دون أن يسعوا فعلاً إلى تفحّصها بشكل محسوس.

فبالنسبة إلي، كان يوجد في تلك اللغة شكل من أشكال الرومانيّة (romanité)؛ أي عنصر لاتيني وأوروبي يمثّل جزءاً لا يتجزّأ من تاريخ المجتمعات المغاربيّة، تمّ تناسيه بفعل القوميّة في أعقاب إنهاء الاستعمار. وقد وجدتُ أنّه من المؤسف أن تنقطع هذه المجتمعات عن موروثها الروماني، ولم أكن الوحيدة في هذا المسعى، إذ هو يتزامن مع حركة قائمة داخل التأريخ المغاربي، تخصّ إعادة تأهيل جميع “المارقين”، وهو الاسم الذي يُطلق على سبيل المثال في العصر الحديث على أولئك الرجال الذين اعتنقوا الإسلام وانخرطوا بشكل خاصّ في الأجهزة السياسيّة الإسلاميّة. لقد كانت مسيرة انفتاح “متوسّطي” تصوّر بكلّ طواعيّة المجتمعات الإسلاميّة بوصها مجتمعات تسامح، وحامية لغير المسلمين. لقد كان هناك نوع من التمجيد الرسمي، بما في ذلك في تركيا، لعنصر الانفتاح والتسامح هذا الذي كان يُسمّى المجتمع الفسيفسائي والمتعدّد الثقافات.

– ويمكن بالتالي أن تُوظّف هذه الأعمال سياسيّاً؟

صحيح أنّ زين العابدين بن عليّ أو ملك المغرب قد اعتمدا هذه الصورة، مع تركيز خاصّ على أشكال اليهوديّة المغاربيّة. لقد كان ذلك بالخصوص خلال فترة انغلاق الاتحاد الأوروبي تجاه الجانب الآخر من المتوسّط، بما في ذلك ما يتعلّق بمنح تأشيرات الدخول إلى أوروبّا. وفي مواجهة هذا الانكفاء الأوروبي، رفع الحكّام المغاربيّون صورة منطقة منفتحة ومتسامحة.

ولكن بالنسبة لمؤرّخ، فإنّ تجنّب البُعد النزاعي لهذه التبادلات أمر غير وارد. ما كان يهمّني في تلك الأعمال المبكّرة حول اللغة، كان بصفة خاصّة إعادة اكتشاف هذا العنصر الروماني، وقد أبهرني قليلاً وأعجبني كثيراً، داخل اللغة العربيّة. بعد ذلك، بقدر ما كانت الأمور تزداد صعوبة في فرنسا وأوروبّا (خصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001)، بقدر ما ازدادت رغبتي في إضفاء بعد آخر لهذا البحث في اللغة المشتركة. لقد أردت أن أبيّن أنّه يوجد، رغم التوتّرات الجيوسياسيّة، تقاربات ثابتة دائماً، من الألفة والتفاعل والتجارة والتبادل والتعارف، أنشأتها تلك الصراعات ذاتها. فالتبادل والصراع بعدان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، بما في ذلك في عمليّات الاسترقاق والوقوع في الأسر، وفي أشدّ الحكايات عنفاً. لقد أردت أن أبيّن وجود تشابك قويّ جدّاً، يمرّ أيضاً عبر إنتاج لغة مشتركة، وهي لغة تقارب بالطبع، ولكنّها لغة غير سلميّة، إذ يتمّ استخدامها تحديداً لتعيين التمايز والتباين. فاللغة المشتركة وَاسِمٌ قويّ للغيريّة. وبهذا الاستخدام، فإنّنا نتكلّم معاً ونتاجر معاً، ونربح معاً، أو عند الاقتضاء ننام معاً، إلاّ أنّنا نبقى دائماً في علاقة غيريّة قويّة.

– لقد عمّقت الكتب التي شاركت في الاشراف عليها لاحقاً هذا التحليل، سواء من خلال دراسة الحضور الإسلامي في أوروبّا أو الاضطرابات التي نتجت عن وضعيّات الاتصال والتلاقي هذه. ما هو وجه المتوسّط الذي يجب أن نتذكّره في نهاية المطاف؟ هل يتعلّق الأمر بفضاء عبور، فضاء تداول وتبادل شبيه بالمحيط الأطلسي أو المحيط الهندي؟

سأجيب أوّلاً، بأنّنا لا نصنع التاريخ وحدنا. وكما قلت سابقاً، فقد تغيّر المشهد التأريخي بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهو ما تسبّب في نفع كبير. فنحن لم نعد منذ عشر سنوات في تلك الوضعيّة التي كانت فيها النماذج التأريخيّة الفرنسيّة والأوروبيّة مهيمنة. فبفضل الإشكاليّات التي طرحها التقسيم المناطقي لأوروبّا، والتاريخ المتّصل، والتاريخ العالمي، وصلنا إلى رؤية أكثر توازنا للعالم، لا وجود فيها لانطباع بأنّ الديناميكيّة التاريخيّة مدفوعة من قبل الكتلة الأورو-أمريكيّة. وهذا ما سمح ببروز وجهة نظر أكثر توازناً للمتوسّط ​​نفسه. فبعض الإشكالات، على غرار مسألة الانحدار مثلاً، لم تعد رائجة تقريباً اليوم. لقد شكّك التأريخ للإمبراطوريّة العثمانيّة بقوّة في فكرة انحدار العالم الإسلامي – وهي فكرة ما تزال شائعة حتّى الآن على نطاق واسع بين عامّة الناس، بسبب تأثير كتابات برنارد لويس (Bernard Lewis) في جزء كبير منها. فوفقاً لهذه الفكرة، إذا كان العالم الإسلامي قد تعرّض إلى حدّ كبير إلى الاستعمار، فإنّه ذلك يعود إلى أنّه كان قد وهن ومات، ولم يقدر على تجاوز منعطف الحداثة، وفشل في التطلّع نحو أوروبّا، ولم يكن له فضول تجاه الآخر، ولم يتعلّم لغات أوروبّا. هذه نقطة، يمكن تفنيدها تماماً بالإشارة إلى غياب تعلّم عالم وكتابي بالتأكيد، ولكن كانت توجد معرفة واقعيّة ومعيشيّة باللغات الأوروبيّة. إنّنا إزاء تغيّر كامل للنموذج، يتّجه نحو شكل من أشكال تكافؤ التواريخ، هو ما أريد المشاركة فيه والدفاع عنه، وإثباته.

كيف علينا، إذن، التفكير في المتوسّط؟ يبدو لي أنّ أحد المزالق كان يتمثّل، في السياق المتوسّطي، في استيراد نماذج مرتبطة باكتشاف أمريكا. وهذا يعود، كما أعتقد، إلى أعمال تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov) حول اكتشاف أمريكا وصدمة الغيريّة[3]. وقد حاولت أن أبيّن، من خلال نصّ صغير نشرته مؤخّراً، كيف تمّ التفكير في العام 1830 وغزو الجزائر على أساس غزو أمريكا – في هذا النوع من صدمة الآخر – والحال أنّ المجتمعين الفرنسي والجزائري كانا قد عاشا طوال قرون في علاقة تعارف وألفة[4]. وإذا ما كانت هناك صدمة، فقد كانت صدمة العنف وقلب توازن القوّة وتوازن الاغتراب، ولكنها ليست بالتأكيد صدمة الاكتشاف. هذا هو الأساس الذي حاولت مع العديد من الزملاء بناء تاريخ المسلمين داخل تاريخ أوروبا. إنّه ورشة تاريخ لم يأت بعد، أضئنا بعض معالمه وأقمنا عناصر أساسه.

من جهة أخرى، فإنّ ما نقوم به اليوم من تركيز على الوسطاء وتمجيدهم، أمر يسبّب لي مشكلة؛ ففي الحالات التي تكون فيها الغيريّة قوية وحقيقيّة، كما هو الحال في أمريكا، نحن بحاجة إلى أطراف نتخاطب معها، وإلى مترجمين، وإلى وسطاء رسميّين. ولم تكن هذه هي الحال في السياق المتوسّطي، حيث يوجد عدد من الناس يتحدّثون اللغات الضروريّة للتواصل، ويمكنهم أن يكونوا مخاطبين مفترضين. توجد حالات عبور ثابتة من جانب إلى آخر، لكنّها بقيت طويلاً غير مقدّرة حقّ قدرها. لقد أشرتُ مراراً على سبيل المثال إلى عمل المؤرخ المغربي أحمد بوشارب الذي اقتصر اهتمامه فحسب على العلاقات بين المغرب الأقصى والبرتغال، والذي يظهر أنّ الفترة ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر شهدت تحوّل عشرات الآلاف (حوالي 60 ألف إذا لم تخنّي الذاكرة) من المغاربة إلى البرتغال، سواء للاستقرار بها بشكل دائم أو لفترات (غالباً ما يتعلّق الأمر بقبائل تهاجر هروباً من قحط أو من أزمة سياسيّة).

لا مندوحة إذن، من إعادة تقييم كيفي وكمّي لهذه التمازجات ولهذه الهجرات التي باتت تتجاوز سجلّ المقارنة. نعم، وجدت وضعيّات وساطة قويّة، فليون الأفريقي (1490؟ – 1550؟) لم يكن أكذوبة! ولكن ما يجب البحث عنه، في رأيي، هو بالأحرى شخصيّات تافهة من هذا القبيل، إذ من شأن تمجيد الوسطاء أن يعود بنا دوماً إلى فكرة صدام الحضارات والتمايز الثقافي، والتعارض مع المجتمعات المتماسكة والمنغلقة بالمعنى الثقافي. ولسعة صدره – ومن أجل تبرير التداول التاريخي – يميل المؤرّخ من ثمّة إلى شرح بيان أنّه يوجد، بين حضارة وأخرى، مترجمون ووسطاء ثقافيّون يتقنون رموز كلا الجانبين، ويقومون بالتالي بترجمات. هذا هو بالضبط ما يزعجني: كلّما فكّرنا من خلال مصطلحات الوساطة، زاد اعتقادنا في وجود شكل من أشكال الركود والجمود في قلب المجتمعات. إنّ لهذه الفكرة المتعلّقة بركود المجتمعات، وأن لا سبيل للتغيير والحراك إلاّ من خلال بعض الوسطاء، عواقب وخيمة، خصوصا داخل المجتمعات الإسلاميّة. أوّلاً، لأنّها متّهمة أكثر من غيرها بالسلبيّة – مع كل ما يوحي به ذلك ضمنيّاً من انحدار. ومن يتمّ وضعه بعد ذلك بوصفه وسيطاً ومترجماً؟ إنّها الأقلّيات الدينيّة في الغالب. وبهذا نجد خطاطة – كما هو الحال في أواخر الستّينيات – يكون فيها نقلة الحداثة، والعناصر الديناميكيّة في المجتمع، ينتمون إلى الأقلّيات اليهوديّة، ومسيحيّي الشرق واليونانيّين والأرمن والموارنة… ومن هنا، يتمّ حبس المسلمين في فرضيّة التقليد وتعلّقهم بما هو ساكن وخامد. إلاّ أنّنا حين عملنا أنا وزملائي حول المسلمين في تاريخ أوروبا، اكتشفنا أنّ وراء النقلة الأوسع شهرة (مثل نقلة الثقافة من مترجمي النصوص، وهم من المثقّفين الموارنة والأرمن)، نعثر على مسلمين أيضاً، وإن بشكل أكثر محدوديّة وأكثر انطماساً.

المتوسّط، سلسلة متّصلة

– سواء بوصفك مؤرّخة فرنسيّة أو تونسيّة، يحصل لدينا انطباع أحياناً، من خلال هذه المحادثة، أنّ “النحن” التي تستخدمينها تحيل على طوائف مختلفة الانتماء، قوميّة أو مهنيّة. ودون إجبارك، بأيّ شكل من الأشكال، على تحديد موقعك أو تبرير اختياراتك، ماذا يمكننا أن نستنتج من هذا التردّد؟

بالنسبة إلى الكثيرين من أصحاب الجنسيّة المزدوجة، حدث على مدى العقود القليلة الماضية في جميع أنحاء العالم بعض وعي جماعي بأنّ الهويّة يمكن أن تعمل بطريقة كاملة الشرعيّة من خلال جنسيّة مزدوجة (وضمن انتماء مدني وسياسي مزدوج). إنّها وضع جديد وغير مسبوق لشرعية الانتماءات الوطنية الثنائيّة أو الثلاثيّة، ومن هنا سيولة هذه “النحن”. ولكنّي عشت وضعي دوماً في فرنسا تحت إحساس بنوع من الدين تجاه تونس ومنطقة المغرب. كنت أشعر دائماً بأنّني لم أنتقل إلى فرنسا إلاّ منذ وقت قصير – لأنّني لم أنتقل إليها إلاّ في وقت متأخّر جدّاً، في سنّ الثامنة عشرة من أجل الدراسة. إنّه شكل من أشكال الثمن الواجب دفعه لقاء كوني أتمتّع بظروف جيّدة للعمل من أجل تونس. هكذا عشت الأمر. وأنا أشعر ببعض الخجل حين أقول هذا القول اليوم، لأنّه يتضمّن قسطاً من السذاجة بلا شكّ، ولكنّني أعتقد أنّه قول صادق تماماً. ومن هنا هذه الـ”نحن” التي يحدث أن أستخدمها. لقد كانت أيضاً “نحن” انكفاء، لأنّني لم أعد، حين كنت في أوج التسعينيات، أتعرّف على نفسي في خضمّ النقاشات الفرنسيّة الفرنسيّة، بما في ذلك النقاشات الأكاديميّة والجامعيّة. لقد كنّا كباحثين في شؤون العالم العربي أو الإسلامي، محبوسين داخل نوع من الغيتو العلمي. وكان يحيط بجميع الأعمال التي يمكن أن ننتجها حول العالم الإسلامي، شكل من أشكال عدم الاهتمام وعدم الثقة. لقد كنّا محبوسين داخل نوع من الخصوصيّة الناجزة مسبقاً.

وقد بدأت لحظة القطيعة هذه، كما سبق أن ألمحت، في فترة حرب الخليج الاولى لتتفاقم وتصل أوجها في الحادي عشر من سبتمبر ونجاح أطروحات صموئيل هنتنغتون (Samuel Huntington) حول صدام الحضارات. بعدها، شعرت بتحسّن في المناخ على الأقلّ فكريّاً. هل حصل لدينا وعي بأنّنا استخدمنا نماذج شديدة الاختزال؟ وأنّه لم يكن نملك الأدوات الصحيحة للفهم؟ لقد سجّلنا عودة اهتمام عامّ بالعالم الإسلامي، مع ظهور جمهور جديد أيضاً، هو جمهور الشباب الأكثر تعاطفاً والساعى إلى مزيد الفهم. وفي ما يخصّني، وجدتني حريصة، بتشجيع من طلاّبي على وجه الخصوص، على متابعة وجهة نظر مواطنيّة من خلال البحث في العلوم الاجتماعيّة. وقد شعرت بذلك وكأنّه نوع من الواجب، مع انطباع بأنّه لا يمكننا أن نعمل ونقول الأشياء حول العالم العربي والعالم الإسلامي بنفس الطريقة حول مواضيع أخرى. لقد نجم شكل من أشكال الواجب المدني والأخلاقي عن الأثر الحاسم الذي يمكن أن يولّده كلّ عرض حول الإسلام. فكتابي “إسلاميّات” (Islamicités) الذي صدر في عام 2005، وقد تضمّن جزءاً من رؤيتي لمنطقة المتوسّط وللغة المشتركة، لم أرده كتاب بحث، بل مساهمة في النقاش المدني. لقد كان الطلاّب المهتمّين بالعالم الإسلامي يعربون خلال الحلقات الدراسيّة عن سخطهم عمّا كانوا يسمعونه عن الإسلام والمسلمين بعد عام 2001، وكان لديهم نوع من الحنق تجاه الأكاديميّين الذين لم تكن لديهم، كما يرون، مواقف حاسمة وردود فعل كافية. وقد كتبتُ هذا الكتاب في جزء كبير منه من أجلهم، حيث كنت أفكّر في الاستجابة بطريقة أو بأخرى إلى طلب الحصول على تدقيق لبعض النقاط المطروحة من قبل الأكاديميّين، شرط ألاّ تكون منحازة بصورة كاريكاتوريّة للإسلام أو ضدّه، وتطرح التساؤلات بشكل مختلف. إلاّ أنّ كتاب “إسلاميّات” كان أكثر كتبي إثارة لمتاعب النشر. فعلى الرغم مما كان له من تأثير في الخارج، فإنّه لم يلق أيّ صدى تقريباً داخل فرنسا، حيث لا تلقى الطروحات المتباينة نسبيّاً، لأنّها تاريخيّة، وهذا أمر ذو دلالة عميقة، طريقها أو هي تمرّ بصعوبة داخل تلك السياقات التي تطغى عليها العاطفة.

– يمكن للمرء أن يتصوّر، وهو يستمع إليك، أنّ الدور المنوط بعهدة الأكاديميّين هو تحديداً دور النقلة والوسطاء، ولكنّك تقولين في نفس الوقت أنّك لا تحبّين صورة الوسيط. هل الأكاديميّون مجرّد رقباء على ما يقال حول هذا أو ذاك من التخصّصات، أو لديهم دور آخر، أكثر خصوصيّة، عليهم القيام به؟

في حديثك عن “الرقابة”، لا أدري إن كنت فهمت موقفك كما ينبغي. في الواقع، يوجد نوع من الموقف المنطقي عند الباحثين (بمن فيهم الباحثون المهتمّون بالمناطق “الغريبة”) يقتضي – وإن بشكل لا واعٍ – تقوية خصوصيّة مجال عملهم. وكما قال لي أحد أصدقائي ذات يوم، فإنّه لا يمكن لأحدنا أن يقول: “عملت لمدّة اثني عشر عاماً حول سكّان أفريقيا الاستوائيّة للوصول إلى استنتاج مفاده أنّهم كانوا مثلنا تماماً”. يوجد تأثير معاكس يتمثّل على أيّ حال في تضخيم التميّز أو المبالغة فيه. وما أعتقد أنّ لنا فيه كباحثين مسؤوليّة، هو ربّما كيف يمكننا تقليص هذا الشعور بالتميّز. أنا لا أريد أن أقول إنّ منطقة البحر المتوسط ​عالم مبهم، وإنّه لا فرق بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، بل على العكس من ذلك. فنحن نلحظ اختلافات كبيرة جدّاً، على سبيل المثال، في النظم الإداريّة وفي النظم السياسيّة، وهي ترتبط بعوامل تتعلّق بمقتضيات الحكم التي سبق لنا ذكرها بخصوص حكم الأجدر أو المرتزقة. ولكن هذه الاختلافات ليست بالضرورة أكبر في ضفّة دون أخرى من البحر المتوسّط ممّا يوجد داخل أوروبّا نفسها، حيث يمكن للمرء أن يجد اختلافات سياسيّة ودينيّة وحالات انشقاق لا تقلّ عنها أهمّية. ومن هنا، فإنّ دورنا كباحثين هو، أيضاً، تنسيب هذه الاختلافات، والتصدّي لخطاب ناجز مسبقاً حول الاختلاف الثقافي، في الوقت الذي كنّا نواجه فيه، كمواطنين، في جميع الأحوال نظاماً يروّج على نحو متزايد للثقافة بوصفها الملاذ الأخير لتفسير الأمور. أعتقد أنّه يمكننا أن نقدّم أيضاً تعريفات أخرى للثقافة ورؤى أخرى للمجتمعات التي تبدو لي أكثر تميّزاً بعلاقات تمادّ متبادل. هذا هي نظرتي للمتوسّط: علاقات تمادّ متبادل لا تعني أنّ كلّ شيء ممكن وأنّ كلّ شيء يمرّ. توجد نقاط توقّف، ومواضع غير قابلة للتفاوض، ولكن توجد أيضاً وضعيّات تواصل. وفكرة التواصل هذه هي الأكثر أهمّية بالنّسبة لي.

– هذا التساؤل حول الحلقة المتّصلة للتمثّلات والممارسات هو في الحقيقة في مركز التحليل الذي قدّمته للثّورة التونسيّة في كتابك الأخير. لقد بدا الحدث غير مفهوم وغير متوقّع في نظر المعلّقين الغربيّين إلى درجة أنّهم أنهم ساهموا في تكريس نظرة قديمة جدّاً عن جمود المجتمع التونسي وقصوراته. ما رأيك في هذه الأحداث وفي القراءة التي اقتُرحت لها؟

نحن نمرّ من مفاجأة إلى أخرى مع الثورة التونسيّة. صحيح أنّه وجدت لحظة من النشوة بعد الثورة – وهي لحظة رائعة بالتأكيد لا يجب أن ننكرها -، حيث كان لدينا انطباع بأنّ الأمور قد تتغيّر لأتفه الأسباب. إلاّ أنّنا اكتشفنا نضجاً سياسيّاً خفيّاً جعل منّا قادرين أن نعمل، من يوم إلى آخر، بطريقة مختلفة. صحيح تماماً أنّ تونس تعمل اليوم بطريقة مغايرة، ولا يجب أن ننسى ذلك أبداً، حتّى في لحظات الإحباط. فالمجتمع التونسي، مع كلّ ما يمكن أن يقال عنه، قد تغيّر تماماً. ولم يعد العالم هو نفسه، حيث غدت حريّات الفكر جدّ مدهشة وحاضرة في جميع مستويات المجتمع، وإنّني لأتساءل في الحقيقة إذا ما كانت تلك الحرّيات لا تعود إلى حرّية التعبير التي نجدها في الشهادات التاريخيّة. وحول هذه النقطة الأخيرة، أنا لا أريد أن أتسرّع، ولكنّها تذكّرني بالعديد من الأخبار التي تتحدّث عن المقابلات التي يمكن خلالها لأيّ كان أن يقابل الأمير، ويتحدّث إليه بكلّ حرّية دون رهبة. لقد وصف العديد من المراقبين الأوروبيّين أيضاً تلك الحالات التي نلحظها اليوم، كما هو الحال عندما نستوقف في الشارع، لا الرئيس ووزرائه فحسب، ولكن أيّ نائب في البرلمان أيضاً. فلا مندوحة من يقدّم كلّ شخص كشفاً عن أداء مهامّه، وهنا القرابة المدهشة مع ممارسات موثّقة في مصادر العصور الوسطى والحديثة…

ألا تعيدنا الصعوبات الجارية إلى فكرة أنّ المجتمعات الإسلاميّة لم تُخلق للديمقراطيّة؟ إنّه لمدهش جدّاً في الواقع أن يدعو المثقّفون التونسيّون اليوم إلى استبداد مستنير. هذا شيء لا يمكن تصوّره بالنسبة إلي. ولكن أعتقد أن الخطأ الذي ارتكبناه جميعاً أنّنا اعتقدنا أنّه يكفي استنساخ نظام ديمقراطي أثبت جدواه برمّته، في حين أن ما يجري حاليّاً هو اختراع شيء جديد لا نعرف ماذا سيكون، والذي لا يعطينا الدستور التونسي الجديد سوى بداية فكرة عنه. إنّه شيء جديد يتخلّق أمام أعيننا، ومن هنا جاء البطء، وغالباً الصعوبات التي تواجه العمليّة الجارية.

حوار: محمد حاج سالم

المصدر: مؤمنون بلا حدود




لطيفة الكرعاوي: أهمية المتخيل في دراسة الأديان

لطيفة القرعاوي
لطيفة القرعاوي

لطيفة كرعاوي باحثة تونسيّة في اختصاص الحضارة، متحصّلة على شهادة الماجستير في اللغة والآداب والحضارة العربيّة برسالة بحث عنوانها: “صور الفردوس والجحيم في المتخيّل الإسلامي” تحت إشراف الأستاذ فرج بن رمضان، وقد نُشر هذا العمل في كتاب بدعم من مؤسّسة مؤمنون بلاد حدود والمركز الثقافي العربي.

والباحثة مهتمة بمبحث المتخيَّل، وشاركت في بعض الندوات العلميّة، وبصدد إعداد أطروحة دكتوراه في موضوع: “المتخيَّل الجغرافي الإسلامي بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية” تحت إشراف الأستاذ بسام الجمل، وتنتمي إلى وحدة البحث في “المتخيَّل” التابعة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، ولها مجموعة من المقالات والدراسات قيد النشر.

*****

سامح محمد إسماعيل: يلعب المتخيَّل دورًا كبيرًا من حيث دلالته الأنثروبولوجية التي قد تحمل تأويلا للعالم كما يقول جيلبار دوران، ويشق طريقه بوصفه قانونا وضعيا للعالم، كيف يلعب المتخيل دوره في تشكيل العقل الجمعي ومنطلقاته؟ وإلى أي مدى يمكن اعتباره مصدرًا من مصادر المعرفة؟

لطيفة كرعاوي: تعطي النظريات الحديثة المشتغلة بمبحث المتخيَّل أهميّة كبيرة للمتخيل، بما في ذلك جيلبار دوران حتى إنه يعطيه مكانة أهمّ من العقل؛ فالمتخيّل هو منطلق معرفة كل شيء بما في ذلك المتخيّل الجمعي وحتى عمل العقل نفسه.

دوران ينقد التصور السائد الذي يعطي العقل أهميةً قصوى على حساب الخيال، أو من يجعله تابعا له، والحال أنّ نشاط الخيال قد يكون سابقا للعقل. لهذا يؤكد أنّ الأكاذيب أولى بالاعتبار من الحقائق، ويبدو بالنسبة إليه أنّ “الأكاذيب الحيويّة”، والعبارة له، هي الأصح والأكثر صلاحية من “الحقائق القاتلة”.

سامح محمد إسماعيل: هناك ارتباط مّا بين المتخيَّل والأسطورة، خاصة فيما يتعلّق بالبنى الرمزيّة وسيميائيّة الخطاب القائم على نظام لغوي معيّن، فكيف يمكن في هذا السياق المعرفي رصد الحدود الفاصلة بين المتخيَّل والأسطورة، خاصة فيما يتعلَّق بالفعاليّة الرمزيّة والدلالات الإشاريّة؟

لطيفة كرعاوي: أعتقد أنّ العلاقة بين المتخيَّل والأسطورة وثيقة الصلة، متينة الروابط، ولا يمكن دراسة أيّ منهما بمعزل عن الآخر، وإنْ كان حقل المتخيَّل أشمل من الأسطورة وغيرها. فالأسطورة هي بمثابة الرحم الذي تنبعث منه الصور مترجمةً للهواجس والأحلام والآمال والرغبات، وكل تمثّلاتها للوجود معبرةً بها منذ الأزل عن ثنائية الحياة والموت، وهي أيضا من أقدم النصوص التي يجد فيها المتخيّل ضالته؛ فيتجلّى فيها كأبرز وأعمق ما يكون التجلّي، فينتعش وينهل من المخزون الرمزي الذي يستبطنه المتخيّل الجمعي. بيد أنّ الأسطورة كلام منكر لتخيّليته ومن ثمَّ منكر لرمزيته، فالشعوب والجماعات لا تعترف عادةً بأنّ أساطيرها هي أساطير كما يراها الآخر، بل هي في نظرهم حقائق، وهي لا تعترف بالأسطوريّة إلا متى تعلّق الأمر بالآخر.

سامح محمد إسماعيل: في مرحلة ما قبل الديانات الإبراهيمية استلهم العقل الجمعي طروحاته وفق عقلية العصر، وطورها قدر المستطاع لتلائم ظروف واقعه المعاش، وتطور نظمه السياسية والاجتماعية، فمثلا جاءت نظرية الملك الإله لتواكب نشأة الدولة، وتطورت نظريات نشأة الخليقة وفق المتغيرات السوسيولوجية، وحاجات العقل الجمعي لترسيخ ثوابت بعينها ومنظومة قيم تتماهى وحاجات الإنسان، كيف يمكن أن نقترب أكثر من هذا، ونرصد بعضا من تلك المؤثرات التي شكلت الوعي الديني في تلك المرحلة الباكرة من التاريخ الإنساني؟

لطيفة كرعاوي: تطور الوعي الديني للعديد من الشعوب القديمة من مرحلة تعدّد الآلهة بتعدّد الظواهر الطبيعيّة ووظائفها إلى مرحلة الإله الواحد المتحكم في جميع المظاهر الطبيعية، وتجاوز نفوذ الإله المدينة الواحدة، ليصبح الإله المسيطر على المناطق الواسعة، أو هو الإله “القومي” الذي يمتد نفوذه امتداد نفوذ الدولة أو الإمبراطورية المهيمنة. وفضلا عن هذا لم تعد الشعوب تنظر إلى آلهتها على أنها تلك التي تسكن المعابد أو الهياكل، بل آثرت تجريدها والسمو بها إلى السماء لا الأرض، فتشكل الوعي الديني وفقا لمعطيات الواقع زمانيا ومكانيا، ويمكن أن نرصد هنا وهناك عديدا من المؤثرات التي تداخلت فيها عناصر الطبيعة بعوامل التطور الاجتماعي والاعتبارات السياسية والصراعات العسكرية.

سامح محمد إسماعيل: تمثل الديانات الإبراهيمية تقدّما ملحوظا في سياق تطوّر الوعي البشري وإدراكه للعالم الغيبي، خاصة فيما يتعلّق بمسألتيْ التوحيد وخلود الروح، هل ثمّة مؤثّرات سابقة على تلك المرحلة ساعدت على تشكل هذا الوعي وترسيخ منطلقاته؟

لطيفة كرعاوي: تُقدّم الديانات المكرّسة لمقولة الإله الأوحد نفسها على أنّها ممثّلة للدين الحقّ وللحقيقة، على خلاف الأديان الأخرى التي تتّهمها بالشرك والوثنيّة والضلال، بيد أنّه من الصعب التسليم بأنّ التوحيد بدأ مع الأديان التوحيديّة الثلاثة المعروفة، أي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، لابدّ من وجود إرهاصات سابقة لليهودية، ولا شكّ في أنّ فكرة التوحيد وكل ما يتعلق بها من تفاصيل العالم الأخروي بما في ذلك خلود الروح قد مرّت بمراحل من الاختمار قبل أن تستقرّ في شكل ديانة منظّمة منتهية، ولا شك في أنّ هذا الاختمار ساهمت فيه أديان سابقة بشكل أو بآخر، قليلا أو كثيرًا، إلى أن استوى توحيدًا خالصًا.

لا أحد بإمكانه أن ينفي أنّ اليهوديّة، باعتبارها أولى الديانات التوحيديّة الرسميّة خطت خطوات مهمّة في مجاليْ التوحيد والتجريد، لكن هل يستقيم الحديث عن الديانة اليهوديّة مثلا بمعزل تام عن الوسط الديني الكنعاني وعن الأصول الأولى للتوحيد الإبراهيمي “الإيلي”؟ وهل يمكن الحديث أيضا عن “يهوه” إله العبرانيين بمعزل عن “إيل” إله كنعان ومنافسته للإله “بعل”؟ إضافة إلى هذا، كان للبابليين والفرس والمصريين إرثا دينيا وحضاريا عريقا سابقا لليهوديّة. فالبابليون، مثلا، قطعوا مراحل مهمّة في علم الفلك، ومالت معتقداتهم إلى التجريد أكثر فأكثر، وبدأت أفكار التوحيد لديهم تتشكل، واليهود تأثروا كغيرهم من الشعوب بالأفكار والمعتقدات الدينيّة البابليّة والسومريّة والآشوريّة والمصريّة وغيرها، ويبدو أثر الأديان السابقة لليهودية فيها في مواضيع مختلفة اقتبستها منها، على غرار فكرة الثواب والعقاب والصراط والجنة والشيطان والملائكة وغيرها من المواضيع. في تاريخ مصر القديم، نجد للتوحيد جذورا ممثّلا في الملك أخناتون، ومعلوم أنّ أخناتون سابق لليهودية ولعهد موسى. الزرادشتيّة بدورها خطت خطوات مهمة في اتجاه التوحيد فقد رفضت تعدّد الآلهة ورأت في الإله “أهورا مزداه” (Ahura Mazdah) رمزَ الحكمة والحب والخير.

هذه الأمثلة وغيرها تدفع الباحث إلى القول: أولا، إنّ فكرة التوحيد وما يتعلق بها ليست من اكتشاف الأديان التوحيديّة الثلاثة، رغم أنّ هذه الأخيرة تشكّل حلقة مهمّة في تطوّر الوعي الديني وإدراكه للعالم الغيبي وفي تاريخ تطوّر الأديان من الشرك إلى التوحيد، وما يُحسب لها أنّها نظّرت لفكرة التوحيد وأدخلتها ضمن منظومة كاملة. ثانيا، إنّ التوحيد نتاج لتراكمات وتأثيرات أديان سابقة، ثالثا، تبدو فكرة التوحيد هاجسَ كل ديانة متطورة، رابعا وأخيرًا إنّ التوحيد كان من نتائج آخر مراحل الصراع بين الديانات الأموميّة والبطريركيّة.

سامح محمد إسماعيل: الحياة الآخرة تمثل مقاربة ذهنية لتصورات العقل البشري عن النعيم اللامحدود والعذاب اللامحدود، فكيف لعب المتخيّل والموروث كلاهما دوره في تشكّل هذه التصورات؟ فالفردوس ابن الواقع البشري، وكذلك الجحيم، فالنخيل والأعناب والرياحين والرمان والحور الحسان كلها نماذج حسية تنتمى للبيئة التى تمّ فيها تداول النصّ المؤسّس؟ وكذلك تمثل النار نموذج الألم الحسي الأقصى في زمن الرسالة، فهل يمكن القول إن النص ابن البيئة؟ وابن العصر؟ وهل يمس ذلك قداسته؟

لطيفة كرعاوي: إن خصيصة المتخيّل أنّه يوسّع الأفق: فهو، وعلى طريقته، يفصّل ما هو مجمل ويشرح ما هو مبهم ويشخّص ما هو مجرّد ويضخم ما هو مألوف ويبسط ما هو معقد، ويعوض ما هو مفقود، إنه إجمالا يعزف على الأوتار الحساسة في الإنسان والرغبات الكامنة فيه ترغيبا وترهيبا.

لا يمكن بحال لدارس المسائل الدينية أن يغض الطرف عن الجغرافيا، فالجغرافيا تساعدنا على فهم منطق الدين، الحيوانات مثلا، حيث تعامل القرآن مع الحيوانات التي يعرفها المسلم في بيئته، أكيد يمكن القول إن النص ابن البيئة، وابن العصر؟ في مسائل عديدة، فالسور المدنية مثلا مرتبطة بظروف بعينها، أمّا في الاهتمامات ذات الأبعاد الإنسانية الكونية؛ فهنا يصبح القرآن غير مقيد بزمن مثل: برّ الوالدين، صلة الرحم، الإحسان، الصدق.

وأعتقد أن ذلك لا يمس قداسة النص، فكلما تمكنا من تطبيق مناهج متطورة على القرآن، كلما استطعنا الخروج بنتائج جديدة، فما قام به محمّد أحمد خلف الله في الفن القصصي في القرآن، لا يمكن بأي حال أن يمس قداسة النص أو يسيئ إليه.

سامح محمد إسماعيل: تمثل النصوص الثواني نموذجا لسطوة المتخيَّل على النص المؤسس، حيث يصبح فض الاشتباك بينها وبين التاريخ الذي تتبدى فيه، وتستقي مادتها منه أمرا عسيرا، كيف يمكن التعاطي مع النصوص الثواني التي اكتسبت قداسة، وأصبحت مصدرا للتشريع رغم تاريختها وتموقعها في عصر بعيد بات مفارقا لما نعيشه؟

لطيفة كرعاوي: الجواب في نهاية السؤال الذي طرحتَ: الحل هو الإقرار بنسبيتها وإنسانيتها وتاريخيتها، وإخضاعها لمناهج النقد التاريخي وتفكيكها للوقوف على حقيقتها، ثم الانطلاق لمساحات أكثر اتساعا ورحابة، المشكلة أن النصوص الثواني أصبحت مصدرا رئيسا من مصادر التشريع، حتى باتت تتجاوز النص المؤسس، وفي بعض الأحيان تهمشه، بدعوي أنها تشرحه وتفسره، وهو ما يقف أمام استلهام روح النص، والوقوف على منطلقاته الحقيقية وجوهر رسالته.

 




نوع جديد من الحوارات الدينيّة

interfaith

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: د. حمادي المسعودي*– ”الفريق الإسلامي المسيحي للبحوث“ هو فريق بحث في الديانتين الإسلامية والمسيحية، يتكوّن من أصدقاء بحّاثة من مسلمين ومسيحيين؛ نَهَضَ تجمّعهم سنة 1976 بعد ندوة طرابلس(ليبيا) مباشرةً، وكانت الندوة تدور حول موضوع ”الحوار الإسلامي المسيحي“. وقد فكّر بعض الباحثين المشاركين في هذه الندوة في إمكان إقامة نوع جديد من اللقاءات الفكرية الدينية، ورأى هؤلاء أنّ الأمر مرغوب فيه وجدير بالاهتمام.

في ظرف سنة اجتمع خمسة عشر فرداً أصدقاء مسلمين ومسيحيين ينتمون إلى بلدان مختلفة، في مدينة فوكلوز (Vaucluse) في فرنسا، على هامش ندوة ”اليهودية والإسلام و المسيحية“ المنعقدة في نوفمبر 1977.

تدارس أعضاء المجموعة مشروع تكوين فريق بحوث إسلامية مسيحية. ثمّ أعدّوا نصّاً يضبط ”التوجّهات العامّة من أجل حوار حقيقيOrientations générales pour un dialogue en vérité“، واقترحوا موضوعات للدراسة، منها موضوع ”الكتاب“ و”الكتب المؤسِّسة للديانتين المسيحية والإسلام“ و”العقيدة والسياسة“. لكنّ الموضوع الأوّل هو الذي استقطب اهتمام الحاضرين، وحظي بالقبول، فوُزّعت الأعمال على باحثين من تونس والجزائر والمغرب وفرنسا، وجاءت المحاور على النحو التالي:
-كلام الله، القراءة، الكتاب.
2-التفاسير المسيحية والإسلامية.
3-تقبّل المؤمن و الجماعة في الزمن الحاضر للكتاب.
4-كتاب البعض من زاوية نظر الإيمان لدى الآخرين: القرآن في منظور المسيحيين والكتاب في منظور المسلمين.

ومن أبرز مؤلّفات الفريق: “هذه الأسفار التي تسائلنا، الكتاب والقرآن(1987)Ces Ecritures qui nous questionnent, la Bible et le Coran“؛ ”الإيمان والعدالة(1993)“ Foi et justice؛ ”التعدّدية واللائكيّة(1996)”Pluralisme et laÏcité“؛ ”الخطيئة والمسؤولية الأخلاقية في العالم المعاصر(2000)Péché et responsabilité éthique dans le monde comtemporain“

شروط الانتماء إلى الفريق

يُشترط في الانتماء إلى هذا الفريق التكوين الجامعي الحديث حتّى يتيسّر التعاون بحسب منهج مشترك، و يُطلب كذلك البُعدان: النقد والموضوعية، وفي هذه الحال ينبغي التخلّي- قدر المستطاع- عن الأفكار المسبقة.

وتُطلب الصداقة-كذلك- في المنتمي إلى الفريق لأنّ الصداقة تضمن حرّية التعبير والصراحة وتجنّب العداء والخطاب السجالي. فالمرء لا يكون صريحاً تمام الصراحة إلاّ عندما يكون وسط أصدقائه، وأصل نشأة هذا الفريق هو تجمّع أصدقاء مسيحيين ومسلمين. و يمكن أن نذكر من الشروط ما يلي:

-التكوّن في متطلّبات البحث العلمي.

-التكافؤ في العدد بين المسلمين والمسيحيين.

-الإلمام بالمناهج والطرق الجديدة في البحث.

-عدم وجود تمثيل رسمي لأيّ سلطة: وهذا الشرط يعني أن يكون عمل الفريق بحثاً علمياً خالصاً بعيداً عن التجاذبات السياسية. فالطابع الخاصّ غير الرسمي هو الذي يضمن حرّية البحث.

– المعرفة الكافية بالتراث الديني لدى الآخر: إذ إن أعضاء الفريق واعون تمام الوعي بأهمّية المعرفة الشاملة للدين على المستويين: مستوى ديانة الذات ومستوى ديانة الآخر، لأنّ الدراسات الدينية القديمة و الحديثة غلب عليها جهل الأنا ديانة الآخر. وكان أعضاء الفريق واعين بالمناهج العقيمة التي عالجت الظاهرة الدينية، وهي مناهج لم يستطع أصحابها دراسة الظاهرة دراسة علمية موضوعية بسبب تدخّل الحسّ الديني لدى الدارس، لذلك غلب على هذه الدراسات الجانب الدفاعي والتبريري والتمجيدي. ويمكن أن نلاحظ هذا العيب في أغلب ما كُتب في الثقافة العربية الإسلامية(انظرعلى سبيل المثال في مؤلّفات أحمد شلبي).
إنّ الظاهرة الدينية لم تُعالج مستقلّة عن الحسّ الديني لدى الدارس، فالإسلام نُظِرَ إليه في الغرب من منظور مسيحي (مدى تطابق الإسلام مع المسيحية)، والمسيحية نُظر إليها من خلال القرآن (مدى مطابقتها للقرآن). لذلك كان كلّ دارس يتّخذ نصوصه الدينية مقياسًا يقيس به دين الآخر. لكن ألا يمكن أن يُطلب من المنتمي إلى هذا الفريق أن يكون حاذقاً للغة الآخر حتى يتيسّر التواصل من ناحية و يتمكّن الدارس من قراءة النصوص في لغة أصحابها؟ من المعروف أنّ أغلب الدراسات الاستشراقية التي كُتبت عن الإسلام كانت تعتمد القرآن المترجم، فهل استطاعت تلك الترجمات أن تنقل بدقّة معاني القرآن؟ ألم تكن ترجمات القرآن في أغلبها غير وفيّة للنصّ الأصل؟ ألم تكن لغة القرآن عصيّة الفهم على أهل لغة الضاد؟

– الاحترام المتبادل بين أطراف الحوار: تقوم العلاقة بين طرفيْ الفريقين على الاحترام المتبادل لدى كلّ منهما لعقيدة الآخر “فالمسيحي لا يطلب من المسلم أن يؤمن بالعقيدة المسيحية القائلة بألوهية المسيح. والمسلم لا يطلب من المسيحي أن يعترف بأنّ القرآن هو خاتم الوحي وبأنّ محمدًا هو خاتم الأنبياء”. فالحوار بين الطرفين لا يعني تخلّي أحدهما عن عقيدته. وقد أكّد نصّ التوجّهات أنّ أعضاء الفريق مخلصون لعقيدتهم منفتحون على عقيدة الآخر، وهم لذلك يرفضون أيّ شكل من أشكال التوفيق بين الديانتين، هذا التوفيق الذي يرمي إلى طمس الاختلافات الجوهرية بين الديانتين.

هدف الحوار بين الأطراف

إنّ هدف الفريق لا يتمثّل في محو الفوارق ولا في التقليل من شأنها ولا في السكوت عنها، بل يتمثّل في الاعتراف بهذه الفوارق باعتبارها حقيقة قائمة وفي وضعها موضعها الحقيقي. يعلن الفريق أنه لا يعمل على التوفيق بين أشياء لا يمكن التوفيق بينها، وهو لا يعمل على محو الفوارق الجوهرية ولا على البحث عن حلّ وَسَطٍ قد يوفّق بينها على حساب الحقيقة، وهو أمر يدلّ على وعي أعضاء الفريق بالتباين الجوهري بين مقولات الديانتين المسيحية والإسلام و يجعلنا نتساءل: لماذا هذا البحث المضني الذي ينهض به أعضاء الفريق طوال سنوات عدّة إن لم يكن من أجل تقريب وجهات النظر بين الطرفين؟ لذا يمكن أن نقول إن الهدف من هذه اللقاءات والحوار يكمن في السعي الجادّ لدى الطرفين إلى تبيّن حقيقة الديانة المسيحية من جهة وحقيقة الدين الإسلامي من جهة ثانية، وإن هذا السعي ينمّ عن سوء فهم لكلتا الديانتين لدى الطرفين، بخاصّة إذا وضعنا في الاعتبار علاقات العداء والتطاحن التي سادت العصور الماضية بين المسيحية والإسلام وبلغت ذروتها أثناء الحروب الصليبية، ولا نعتقد أن مراحل العداء كانت غائبة عن أعضاء الفريق، فهي حاضرة في الذهن، نلمس تجلّيَها منذ الأسطر الأولى في مقدّمة كتاب ”هذه الأسفار التي تسائلنا، الكتاب والقرآن“. فعمل الفريق ينطلق من وعي أعضائه بالفوارق بين الديانتين، ووجود مثل هذا الشعور لا يخيف أصحابه لأنه سيكون مدار بحث وحوار بين الطرفين، والمهمّ بالنسبة إلى أعضاء الفريق أن لا تكون الفوارق خاطئة أو متوهّمة. و قد عبّر أفراده عن هدفهم فقالوا إنه يكمن في تحديد التباعدات الجوهريّة (Divergences essentielles) أينما توجد فعلاً، وليس أين توضع في غالب الأحيان انطلاقاً من مواقف متصلّبة.

إنّ هذه الفكرة تؤكّد من جديد أن التباعد بين المسيحية والإسلام لم يكن في الغالب قائماً على أسس سليمة. ويصرّح أعضاء الفريق أنّ التباعد لا يقوم فقط بين المسلمين من ناحية والمسيحيين من جهة ثانية، وإنّما يمكن أن يقوم بين المسلمين في ما بينهم وبين المسيحيين في ما بينهم. فالتباعد ليس مقصوراً على ديانة مقابل ديانة أخرى لأنه يمكن أن يوجد داخل الدين الواحد (السنّة والشيعة في الإسلام و الكاثوليك والبروتستانت في المسيحية).

إن أعضاء الفريق واعون بأنهم يعيشون عصر التقاء الثقافات والتقارب بين الناس وأنّ كل فرد مدعوّ إلى تحليل جديد لأسس عقيدته وإلى المعالجة النقدية لتطوّر سنّته الدينية. هذه المعالجة، وهذا التحليل لا يمكن أن يتمّا في إطار دائرة مغلقة. إذ تدعو مقتضياتُ العصر الجميعَ إلى قبول النظرة الناقدة بحيث لا يمكن لأحد أن يعرف نفسه حقّاً ما لم يُعر اهتماماً لنظرة الآخر نحوه. لكن هذه النظرة لا ينبغي أن تكون تمجيدية أو سجالية.

إن مشروع الفريق مهمّ لأنّه خطّط لدراسة الظاهرة الدينية في الإسلام وفي المسيحية دراسة جديّة وصريحة تنأى عن الصياغات الكلاسيكية، وتقترح منهجاً جديداً في معالجة المسائل. وإذا كان للمشروع من أهمّية، فلأنّ أصحابه مستقلّون في الرأي، غير تابعين لأيّ سلطة أدينيةً كانت أم سياسيةً. وهو مهمّ كذلك لأنه يسعى إلى إبراز الفوارق بين الديانتين لدراستها من دون أن يَعْمَدَ إلى طمسها أو التقليل من شأنها أو التوفيق بين متناقضاتها. وقد وعد المنتمون إلى الفريق بأن تكون الدراسة معمّقةً قائمةً على الاحترام المتبادل لعقيدة كلّ طرف، نائيةً عن المنزع التمجيدي والسجالي الغالب على جميع الدراسات الدينية المعاصرة.

*مدير مدرسة الدكتوراه – جامعة القيروان- تونس

المصدر: نشرة أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي




نهاد عوض: مؤسسات تشيطن المسلمين والبيت الأبيض يثق ببرامجنا

مدير مجلس العلاقات الأمريكية - الاسلامية
مدير مجلس العلاقات الأمريكية – الاسلامية

تتصدى الجالية الإسلامية في أميركا لتزايد الحملات المضادة للإسلام، المعروفة بـ «الإسلاموفوبيا»، وهي لا تتوقف عند الولايات المتحدة وحدها، بل تأخذ طابعاً غربياً أكبر في أحيان كثيرة.

مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية «كير» تحمّل الجزء الأكبر في التصدي لتلك الظاهرة العابرة للقارات، وكشف خيوطاً تحاك بأيدي جمعيات أميركية تراعي مصالح إسرائيل، لتعبئة العالم بظاهرة «الإسلاموفوبيا».

وكشف المدير التنفيذي لمجلس العلاقات نهاد عوض عن وجود 36 مؤسسة أميركية تدير حملة «الإسلاموفوبيا»، معتبراً تلك الظاهرة في أوج نشاطها ضد المسلمين في أميركا، إذ أنفق على الحملة خلال أربعة أعوام نحو 119 مليون دولار، منذ عام 2008.

وأكّد في حوار مع «الحياة» أن المسلمين في أميركا «يواجهون مشاكل عدة تتمثل في وقوفهم سداً منيعاً ضد «الإسلاموفوبيا»، وشح الموارد المالية، إضافة إلى أن الأحداث في العالم الإسلامي وخصوصاً الشرق الأوسط تحرجهم في أميركا.

وأشار إلى أن اللوبي الإسلامي الذي بدأ يتشكل يلقى قبولاً لدى الإدارة الأميركية وصنّاع القرار في البيت الأبيض، ويتم التعامل معه وفقاً للدستور الذي يكفل الحق للجميع، مضيفاً أن «الجمعيات اليهودية التي تراعي مصالح إسرائيل سعت إلى تدريب موظفين في الإدارة الحكومية على كيفية التعامل مع المسلمين، وتحاول فرض 80 قراراً ومشروعاً تخدم التخويف من المسلمين وحرمانهم من حقوقهم». وبيّن أن منظمة «كير» تمتلك 33 مكتباً في الولايات المتحدة، وهي مستقلة برأيها السياسي عن أي دولة عربية وإسلامية أو جماعة إسلامية، وحتى عن الحكومة الفيديرالية الأميركية، معتبراً أن ذلك منحها مساحة واسعة في التعاطي مع الأحداث السياسية، والدفاع عن الحقوق الواجبة للمسلمين الأميركيين. في ما يأتي نص الحوار:

> كيف تتعامل معكم المؤسسات الأميركية الأهلية والحكومية في ظل المشاكل المتفاقمة في العالم الإسلامي. هل تعانون من المضايقات؟

– مؤسستنا عريقة وهي أكبر مؤسسة إسلامية تعمل في المجالين السياسي والقانوني، كما نعمل أيضاً على تعريف المجتمع الأميركي بالإسلام وتعاليمه، وننشئ تحالفات لخدمة مفهوم التعايش والدفاع عن العدالة، ولدينا 33 مكتباً في أميركا، ومقرنا الرئيس في واشنطن، وسقفنا عالٍ جداً على المستوى السياسي والإعلامي والاجتماعي، على رغم ما يحدث في العالم من مضايقات للمسلمين.

> ما هي المضايقات التي تتعرض لها منظمتكم؟

– التضييق على الإسلام والمسلمين في شكل عام، هو جزء من واقع المسلمين الذين يعيشون في الغرب، والسبب يعود إلى التوتر السياسي بين دول الغرب والمجتمعات الإسلامية، ولهذا انعكاس سلبي على المسلمين في الغرب، وعلى حقوقهم والسياسات التي تمارس عليهم أحياناً في شكل رسمي.

وفي الولايات المتحدة أكثر ما يواجه المسلمين ظاهرة «الإسلاموفوبيا» التي تصل الآن أوجها، من جانب اليمين المتطرف الذي يعادي الدين الإسلامي ويراه خصماً استراتيجياً ودينياً، كما يرى المسلمين في الغرب امتداداً لهذا الخصم.

> كيف تتعاملون مع اليمين المتطرف والمضايقات؟

– نحاول ألا نخضع لمثل هذا التطرف، إذ نواجهه بكل ثقة، ونمارس حقوقنا كمواطنين في لنا ما لغيرنا، وعلينا ما عليهم قانونياً، ونستحق المعاملة بالمساواة وفق الدستور الأميركي، وهذا يعتبر سنداً لنا، ويكفل لنا المساهمة في المجتمع، فالمسلمون مثقفون ومتعلمون ويمثلون قوة للدولة، وهم ساهموا في صناعة حضارتها بعلمهم، والمنظمة الآن تعتبر الواجهة السياسية للمسلمين الأميركيين.

> ما هو موقف الحكومة الأميركية الرسمي، هل أثّر اليمين المتطرف في قراراتها؟

– السياسة الأميركية قسمان، هي السياسة العامة والسياسة الأمنية، فالسياسة العامة تنظر إلى المسلمين الأميركيين على أنهم مساهمون في المجتمع وجزء مهم من النسيج الوطني، وذلك يظهر جلياً في خطابات الرئيس باراك أوباما، ونشكره على هذا.

لكن السياسة الأمنية نتحفظ عنها، فحتى عندما تتحدث بإيجابية عن المسلمين الأميركيين تضعهم في إطار الأمن والسلامة، لكننا نفضل تعريف المجتمع بالمسلمين من خلال ما يقدمونه، لا من خلال المنظور الأمني، ونحاول أن ننسلخ عما يحدث في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، لأننا مستقلون بأنفسنا كمسلمين في أميركا. وهنا لا يمكن أن ننكر أن ما يحدث في العالم العربي يؤثر في حقوقنا في شكل يومي وفي السياسة الأميركية التي لا تنظر فقط إلى الحكومات المسلمة والعربية بمنظور شائك، بل وصلت نظرتها هذه إلى الأفراد من المسلمين الأميركيين.

مهمتنا هي الفصل بين الخوف الإعلامي والسياسي من الإرهاب وربطه بالإسلام، والواقع الحقيقي الأميركي الإسلامي الذي لا يختلف عن المكون المسيحي أو المكوّن اليهودي الأميركي.

أمتنا تضعنا تحت «المجهر»

> إذاً، أنتم تواجهون إحراجاً في الولايات المتحدة نتيجة ما يحدث في العالم الإسلامي والشرق الأوسط؟

– تحرجنا أحداث الشرق الأوسط، بل تضعنا تحت المجهر، ويدفع المسلمون الأميركيون البسطاء والأطفال في مدارسهم ضريبة هذه الأحداث، بل يتهمهم البعض بالإرهاب. والاعتداء عليهم في المدارس العامة ظاهرة منتشرة تؤججها قنوات تلفزيونية أبرزها شبكة «فوكس FOX»، ووسائل إعلام أخرى تتهم الإسلام بالإرهاب. ويدفع الأطفال المسلمون ضريبة ذلك نفسياً.

> وماذا في وسعكم لمواجهة حملات العداء هذه؟

– نحاول أن نواجه بقدر إمكاناتنا، وقد يفاجأ القارئ عندما يعلم أننا كشفنا جزءاً من شبكة «الإسلاموفوبيا» التي تعمل في شكل ممنهج ضد المسلمين في الغرب وتشوه الإسلام. هذه الشبكة تضم 36 مؤسسة متفرغة في الولايات المتحدة لتشويه المسلمين ومناهضة الوجود الإسلامي في أميركا، وتعتبر هذه المؤسسات مصدر الحملات العدائية وظاهرة «الإسلاموفوبيا»، كما اكتشفنا أنها أنفقت خلال حملاتها منذ عام 2008 وحتى 2012 نحو 119 مليون دولار، ولدينا تقارير رسمية مالية تثبت ذلك حصلنا عليها من وزارة المال بحكم القانون.

واكتشفنا أيضاً الشبكة العنكبوتية التي ترافقها المؤسسات الإعلامية في إلصاق التطرف والعنف بالإسلام والمسلمين. ومشاركتنا السياسية جزء من الحل لهذه الممارسات والحوار الاجتماعي، وهذا ليس حلاً للإسلام والمسلمين فقط، وإنما أيضاً لأميركا نفسها، وأن نضع المسلمين الأميركيين في الخريطة السياسية والنقاش السياسي لإسماع صوتهم، وهذا حق لهم. والتحدي الذي يواجهنا في المنظمة أن نوضح للمسلمين الأميركيين البالغ عددهم سبعة ملايين، حقهم في الدفاع عن أنفسهم بالطرق القانونية، بل أيضاً الدفاع عن المصلحة الأميركية في أسس العدالة الخارجية بالنظر إلى المسلمين كشركاء لا أخصام.

> ما هو التحرك الذي قمتم به بعد اكتشاف المؤسسات التي تشوه صورتكم؟

– تم التواصل مع الحكومة الفيديرالية لقطع علاقاتها مع تلك المؤسسات، والتي اكتشفنا أيضاً أنها تدرب بعض الدوائر الحكومية على كيفية التعاطي مع المسلمين الأميركيين، وانتقدنا توقيع العقود معها، وكانت لنا جلسات استماع في الكونغرس، ووعدت الحكومة الأميركية بإلغاء عقودها مع الكثير من تلك المؤسسات ومراجعة المواد التدريبية التي تستخدمها، وهذا تقدم كبير في مكافحة ظاهرة «الإسلاموفوبيا». إضافة إلى ذلك أطلقنا موقعاً إلكترونياً عن ظاهرة «الإسلاموفوبيا» على الإنترنت، كما أصدرنا تقريرين عن شرعنة الخوف من المسلمين على الموقع، والتقرير الثاني هو الأضخم الذي كشف الشبكة وحجم تمويلها وأعمالها.

ذريعة مكافحة «الشريعة»

> بعد تحرككم في الكونغرس والحكومة في كشف هذه الشبكة، ما هي برامجكم المجتمعية للتحذير منها؟

– تم التواصل مع وسائل الإعلام وفصائل المجتمع الدينية، وبناء تحالفات مع المجتمع الأميركي لرفض الحملات الموجهة ضدنا، وإدانة خطاب الكراهية وعدم استضافة مطلقيه والتخلي عنهم. ونجحنا إلى حدٍّ كبير في هذا المجال.

وللعلم فإن هذه الشبكة المؤدلجة ضد الإسلام والمسلمين، حاولت تقديم 80 قراراً ومشروعاً في مختلف الولايات الأميركية والمجالس النيابية لتحريم الممارسات الإسلامية، وذلك بذريعة مكافحة الشريعة، وفي مضمونه محاولة إسكات الصوت المسلم وحرمان المسلمين من حقوقهم، ونجحت في بعض الولايات للأسف، لكنها فشلت في الكثير منها.

من هنا، نتحدث عن خطر التخويف من الإسلام وتحريض المجتمع ضد المسلمين، واستصدار القوانين لتحريم الممارسات الإسلامية، ونحن نجابه مؤامرة كبيرة ليست بالمعنى التقليدي، إذ إن لديها بنية تحتية تنفق الملايين على مكافحة الوجود المسلم الأميركي.

> في رأيك ما سبب وجود هذه المؤامرة؟

– الجهل جزء كبير منه، وهذه المجموعة تتقاطع مصالحها مع اليمين المتطرف، والمجموعات الموالية لإسرائيل التي ترى في الإسلام خصماً لها ويؤثر سلباً في دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، على رغم أن جاليات يهودية عدة ترفض الممارسات الإسرائيلية.

«اللوبي الإسلامي» بدأ

> ما الذي يمنعكم من امتلاك القوة الإعلامية والمادية لمواجهة تلك التحالفات ضدكم؟

– لا يمنعنا شيء، ونحن نسير في هذا الاتجاه، ومكاتبنا منتشرة في الولايات، لكننا لا نستطيع اختصار الماضي الذي نشأت وكبرت عليه الجالية الموالية لإسرائيل في أميركا، يصل عمرهم إلى 150 عاماً، وعمر المسلمين في أميركا قصير مقارنة بهم، لا يزيد عن العشرات من السنين انشغلوا خلالها بالبنية التحتية لهم، وببناء مراكز إسلامية، ونحن لا نتقاضى الدعم المالي من الحكومة الأميركية ولا من حكومات أخرى، إذ إن أميركا ترفض دعم أي جهة أو منظمة أو ديانة، ونحن ننفق على برامجنا ومؤسساتنا من مواردنا الذاتية.

وتم إنشاء 2200 مسجد في أميركا بنفقة المسلمين الخاصة، والأولوية كانت موجهة في السابق نحو البنية التحتية والحفاظ على الهوية الإسلامية وبناء المدارس الخاصة، بينما أصبح العمل السياسي الآن مهماً لمنظمة «كير» ومثيلاتها، وأهمية التوعية للكونغرس والمجتمع الأميركي بأهمية المسلمين وحقوقهم، أي ما يسمى «اللوبي الإسلامي».

> إذاً، أنتم لا تستقون مواردكم من خارج أميركا، من جمعيات الدعم الإسلامية في الدول الإسلامية والعربية؟

– كثرة المخاوف والتهديدات التي تواجه المنظمات الخيرية جعلت التبرع لها أمراً مقلقاً لدى البعض، لكننا لا ننكر أن التبرعات التي تصلنا من الأفراد أو الجمعيات الخيرية شحيحة جداً، فأكبر تحدٍّ يواجهنا بعد «الإسلاموفوبيا» هو قلة الموارد المالية.

> هل هناك دول عربية أو تحزبات إسلامية وعربية تقف ضدكم؟

– لا يوجد من يقف ضدنا في العالم العربي والإسلامي، لا دول ولا أفراد ولا جماعات.

> وماذا عن سياسة التصنيفات في العالم الإسلامي أو الدول العربية بتصنيفكم مرتبطين بجماعة دون أخرى كالجماعة السلفية، أو «الإخوان» المسلمين؟ بمعنى هل لديكم ارتباط مباشر بتلك الجماعات؟

– لا نرتبط بجماعة «الإخوان المسلمين» أو السلفية وغيرهما من الجماعات. نحن مؤسسة أميركية لا تحسب على دولة أو تيار أو جماعة، وهذا يعطينا درجة كبيرة من المسؤولية والاستقلالية والاحترام، إضافة إلى أن عدم توافر دعم حكومي لنا يمنحنا مجال انتقاد الإدارة أو مدحها، فعند المدح لا يكون هذا تملقاً وعند النقد لا نخاف منهم. والمنظمة تضم أعضاء مسلمين ومسيحيين ويهوداً ولا دينيين أيضاً، ويقود بعض مكاتبنا في الولايات الأميركية أعضاء مسيحيون، بل إن رئيسة الدائرة القانونية في «كير» سيدة مسيحية، وتعتبر المنظمة من أكبر المؤسسات المتنوعة من الجمهور والإدارة، على رغم أننا نواجه حملات التشويه التي لحقتنا أيضاً في الشرق الأوسط، لإحباط عملنا.

> عندما تتعارض مصالحكم وآراؤكم مع المواقف الأميركية الرسمية، كيف يتم التعامل مع صنّاع القرار في البيت الأبيض الأميركي؟

– نحن نعيش في دولة ديموقراطية، لكنها ليست كذلك 100 في المئة، إنما تحاول أن تكون كذلك، ونحن في المنظمة جزء من هذه المحاولة، والمعادلة الأميركية تحاول أن تصنع نموذجاً ديموقراطياً، ما يجعلنا نتفق مع الكثير من تلك السياسات ونثني عليها.

ولكن، عندما نشعر بوجود مخالفة تستهدف المسلمين، نواجهها، لأننا نثق بالدستور الذي يعطينا الحق في محاججة الإدارة الأميركية، وهذا لا يفسد لنا قضية مع الإدارة، إذ إن هناك حواراً وتفاهماً وخلافاً أيضاً، وهو ما نعيشه في باحة من الديموقراطية، أحياناً تضيق وأحياناً تتسع، وليست سيئة أو نموذجية. وقد وافقت آراؤنا الكثير من القرارات الأميركية، ويتم الرجوع إلينا في الكثير من القضايا.

المصدر: الحياة




رضوان السيد: نواجه انفجاراً عقائدياً

د. رضوان السيد يُحاوره عمرو عبد المنعم
د. رضوان السيد يُحاوره عمرو عبد المنعم

رضوان السيد مفكر لبناني رزين. انشغل بمجالات البحث والفكر والثقافة وعلم الاجتماع السياسي منذ عقدين أو يزيد من الزمان. يقول إن الإسلام السياسي المتطرف نشأ منذ سبعين عاماً ولا نستطيع القضاء عليه في عام أو عامين.
التقته شبكة الإعلام العربية “محيط” على هامش “مؤتمر الفتوى.. إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل”، وكان لنا هذا الحوار الذي فتح لنا أبواباً كثيرة على منافذ للمعرفة وطرق الفهم والتحليل، حين تحدّث السيد عن دوافع التطرف والإرهاب الفكري والمادي الذي تمارسه جماعات العنف السياسي في مصر والعالم العربي وغيرها من الموضوعات الهامة التي وجدنا إجابات لها في السطور التالية :

كيف ستتمكن الدول العربية من مواجهة التطرف والإرهاب؟

نحن الآن نواجه انفجارا عقائديا حقيقيا فى فهم وتطبيق ديننا وينبغي أن نفعل أي شيء لتلافى تلك الآثار التي تترتب علي ذلك من أجل إعادة الاستقامة والسوية الى الدين .
فالأزهر يعقد مؤتمرات ضد التطرف والإرهاب و دار الإفتاء انتهت للتو من عقد مؤتمر للفتوى يهدف إلى مواجهة التطرف والتشدد، إذ إن كل خرق وثغر وتشتيت كان قد حدث ينبغي أن يسدّ وتملأ فراغاته لأن ديننا ومجتمعاتنا في خطر محدق .
هل تمتلك مؤسساتنا الدينية القدرة والعقلانية لحسم المعركة ؟
نعم المؤسسة الدينية قادرة بوحدة العقيدة والعبادة والفتوى والإرشاد على القيام بهذه المهمة. ليس هذا فقط، بل ينبغي أن تتولاها أيضاً المؤسسات الرسمية لنعيد تسكين الإسلام فى المجتمعات والحواضر ونعيد السوية إلى ديننا .
ولذلك، فإنّ مؤتمراً مثل مؤتمر الفتوى الذي عقد بالقاهرة مؤخراً، أراه مفيداً جداً، لأنه يجمع علماء مصر ونخباً من علماء العرب والمسلمين من خارج مصر لحثّ سبل مواجهة الخلل العقائدي و التطرف الفكري وكيفية التعامل مع المبهم والغامض من القضايا الدينية من جهة أخرى. وكما نظرت فيها من قبل وزارة الأوقاف فإن هناك خللاً من جهة إعادة تكوين وتربية وتدريب الأئمة الذين يملكون قدرة وتأثيراً على الناس بشكل مباشر.
هل “داعش” تشكل خطراً على الأمة أكبر من التيارات الجهادية والإسلامية الأخرى؟
هذان مساران وليس واحداً في تلك المسألة؛ الأول هو بروز جماعة الإسلام السياسي وكلّ المقولات والنقولات الموجودة الآن، من وعن داعش وتنظيم القاعدة والجهاد المتشددة والجماعات الأخرى، هي في الأصل نتاج أفكار الإسلام السياسي، وجميعها يريد تطبيق الشريعة ـ كما يقولون ـ ولكن الإخوان مثلاً يرون أن تطبيقها سيكون أولاً عن طريق الانتخابات، ثمّ الوصول إلى الهدف المرغوب فيه، في حين يرى الجهادي أن انتهاج سبل وطرق العنف أقرب إلى صحيح الدين وأشدّ تأثيراً للوصول للهدف المرغوب .
وأيّ الطريقين أسهل في الوصول للغاية المنشودة ؟
كلاهما مرّ وصعب، ولكن هذا الثاني (أي العنيف) قطع حبال الود والتفاهم معنا قطيعة كاملة، ونفد رصيده، بمعنى أنه بدأ يقتلنا. ثمّ نحن ندافع عن أنفسنا، فكيف تحاوره وهو يقتلك أو يسبي نساءك أو يغتصبهن. كلّ هذه الأمور ما عاد يمكن الصبر عليها. قال الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، ومنهم بالفعل من يخرجوننا من ديارنا. انظر ـ مثلاً ـ يوجد مليون ونصف المليون سنيّ هجّروا في العراق، عندما استولت داعش على ديارهم، لأنهم لا يريدون مبايعتهم؛ ولذلك هؤلاء قتلة ومجرمون، ولا أدري كيف نحاورهم .

أما الفريق الثاني، إذا أرادوا الحوار وثبت أنهم لا يمارسون العنف ولا يحاولون زعزعة نظام الدولة فينبغي الاستجابة لهم لأنهم فريق من الناس، ومبدئياً لا مشكلة في الحوار، ولكن بشروط، إذ إنّ ما نواجهه الآن شيء هائل وفظيع. وأنا تحدثت معهم في الأردن ولبنان وسوريا، ووجدت أكثرهم لا ينتهج عنفاً ولا يميلون إليه، ولكنهم لا يعرضون شيئاً يمكن أن يكون بادئة لحوار، وما زالوا يعتبرون أنفسهم أنهم ممثلون للإسلام.
وما رأيك في مساندة مراصد التفكير والفتاوى أمام الهجمة الشرسة لإعلام داعش الإلكتروني؟
نعم يجب أن تتم مساندتها. والحقيقة أنّ جهات الفتوى المعتمدة والصحيحة أصبحت تملك وسائل حديثة وتكنولوجية متقدّمة لمكافحة مثل هذه الافتراءات، فضلاً عن التركيز على أمور الدعوة .
وأرى أن كفاحنا يجب أن يعتمد على شقين، الأول لمن ثبت أنهم يشاقون الدين ويكفرون المسلمين، والآخر يخصّ تحصين الشباب ومنعهم أن يميلوا أو ينضموا إليهم، ويُمكن تحصينهم عن طريق عرض الإسلام الصحيح والإسلام الوسطي من كلّ جهات التأثير .
إذن من أين نبدأ؟
نبدأ من تربية جيل واعٍ خلوق على علم ودراية بمفاهيم الإسلام الصحيحة، ويزداد التركيز على دار الإفتاء المصرية للعمل على مواجهة التطرف والمتطرفين ومنعهم من استعمال المساجد لنشر دعوات العنف، وتحدّد من له الحق في الفتوى، ومشيخة الأزهر تعمل أيضاً على كلّ المستويات .
والإسلام السياسي تشكّل في حوالى ستين أو سبعين سنة، فلا يمكن إزالته في سنة أو اثنتين، ولكننا بدأنا، ولا يجب أن نتوقف لأنها ليست خطراً على الدول فقط، بل خطر على المجتمعات وعلى الدين.

المصدر: شبكة الإعلام العربية