الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي

بقلم عبد الجبار الرفاعي — يتبنى التصوفُ الفلسفي معرفياً رؤيةً توحيدية لا تتطابق ورؤية علم الكلام التوحيدية، إذ تبين هذه الرؤية كيفية مختلفة لخلق الحق للخلق، بوصف الخلق مظهراً من مظاهر وجود الحق. وكيف أن ذاتَ الحق من حيث هي ذات لا تكون علةً للخلق، بمعنى أن اللهَ لا يكون مبدأً وعلةً من حيث أحديته، إنما يكون مبدأً وعلةً من حيث هو خالق؛ أي في مرتبة تقع بعد الأحدية. ويشرح صدرُ الدين القونوي ذلك بقوله: “إن توجّه الحق لإيجاد الممكنات ليس من حيث أحديّة ذاته، فإن نسبة الاقتضاء الإيجادي إليها ونفيه عنها من هذا الوجه على السواء، إذ لا ارتباط للذات بشيء من هذا الوجه، ولا مناسبة تقتضي بالتأثير أو التأثّر، فإن الأحكام والاعتبارات مُستهلكةٌ في الأحدية، وإنما الموجب لإيجاد الأشياء هو حكم العلم الذاتي الأزلي، لحيطته وعموم حكمه وتعلّقه بذات الحق وأسمائه وصفاته ومعلوماته”.[1]

تهتم هذه الرؤيةُ ببيان حاجة الإنسان العميقة لصلةٍ مباشرةٍ بالله، يلتقي فيها الإنسان وجودياً بالحق، عبر رحلةِ صعودٍ من عالمه الأرضي إلى الحق، وعودتِه من الحق إلى الخلق.[2] ويتجلى الله روحانياً وأخلاقياً للرؤية التوحيدية في التصوف الفلسفي.

يدرس التصوفُ الفلسفي طبيعةَ الحياة الروحية، ويحلّل خبراتِ الروح وحالاتِها المتنوعة، ويعمل على التعرّف على هذه الخبرات والحالات، وبيانِ أنماطها وكيفياتها وحقيقتها، ويحاول الاستدلالَ عليها.

ظهرت النواةُ الجنينية للتصوف الفلسفي مبكراً في نصوص أبي يزيد البسطامي والحسين بن منصور الحلاج، ونضج بناءُ المنظومة المعرفية لهذا النمط من التصوف، واكتملت معالمُ أركانه النظرية في آثار محيي الدين بن عربي. وأسهم فيه شيخُ الإشراق شهابُ الدين السهرودي، وعبدُ الحق بن سبعين، وصدرُ الدين القونوي، وجلالُ الدين الرومي، وعبدُالكريم الجيلي، وعبدُالرحمن الجامي، وملا صدرا الشيرازي… وغيرهم.

ويصطلح بعضُ الدارسين على التصوف الفلسفي “التصوف المعرفي”، والشيعةُ المتأخرون يسمونه “العرفان النظري”، تمييزاً له عن “العرفان العملي” الذي هو التصوف العملي السلوكي.

يختلف التصوفُ الفلسفي عن “التصوف السني” الذي هو تصوف عملي ينشغل بالعبادة والزهد، ويلتزم في سلوكه بما تقرّره المدونةُ الفقهية، وهو تصوف انتهى عند بعض أتباعه أخيراً إلى ضرب من الرهبنة والغياب عن العالم، وحتى الشعوذة والدروشة البهلوانية.

المؤسفُ أن مآلاتِ التصوف الفلسفي أمست على الضدّ من بداياته، بعد أن فشل الأتباع في التقاط مغزاه الدقيق، وما يهدف إليه من بناء صلة حيوية للإنسان بالله، تحميه من اغترابه الوجودي.

الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوف الفلسفي تؤسّس لصلة عضوية متدفقة للإنسان بالله، ينبع منها فهمٌ مختلف للدين، وقراءةٌ روحانية وأخلاقية للنصوص الدينية، خلافاً للرؤية الكلامية التي تبتني على نفي هذا النوع من الصلة العضوية، وتفشل في صياغة هذا اللون من الفهم للدين، وتعجز عن تجاوز القراءات المغلقة للنصوص الدينية.

ويختزن هذا النمطُ من الاغتراب عنفَ الأديان، إذ كلّما تمادت الرؤيةُ التوحيدية في التجريدِ الذهني، وخلقِ هوةٍ لامتناهية بين الله والإنسان، تمادى الإنسان في العنف، لأن مثل هذه الرؤية لا تكون إلّا مجموعة من المقولات المحنطة والمفاهيم الساكنة، العاجزة عن إيقاظ الروح وإيقاد جذوة السفر إلى الله فيها. ذلك أن المقولات الاعتقادية المحنطة والمفاهيم الساكنة تنفي الإنسان في الظلام بعيداً عن الله، وتصيّر العقيدةَ ميكانيكية تقطع الصلةَ الوجودية بين الله والإنسان، وتمعن في تغييبِه عن ربه، ونبذه في محلّ موحش يتعذر عليه أن يلتقي الله فيه.

وذلك ما قاد ابنَ تيمية وغيرَه من الفقهاء في الإسلام لتسويغ العنف بمختلف أشكاله، لأنه تمادى في بناء علاقة سلبية بين الله والإنسان، فرسم صورةً لله مفارقة للإنسان وغريبة عنه تماماً، وعمل على اجتثاثِ أيّة صلة مباشرة للبشر بالله، وتبعاً له قطع محمد بنُ عبد الوهاب أيَّة وشيجة وجودية للإنسان بالله، حتى أضحتْ زيارةُ النبي الكريم “ص” في مفهومه ضرباً من الشرك، فضلاً عن زيارة غيره من الأولياء، وهي رؤية تُفسّر التوحيد تفسيراً حرفياً مبسطاً، إذ تضع اللهَ في مقام قصي وتهبط بالإنسان إلى أحقر مقام، لا يتحقق فيه للإنسان أيُّ لقاء بالله، أو حضور بحضرته، فيعيش الإنسان حياةَ تشرّد مريرة.

الرؤيةُ للعالم في التصوف الفلسفي تقدّم تفسيراً للدين ولنصوصه يعيد للإنسان مكانتَه

المهدورة في الرؤية الكلامية للعالم، ذلك أنها تسمو به لمقام الإنسان الكامل، وكأنها تعمل على استدناء الإله وتعالي الإنسان ليلتقيا معا. إنها تؤسس لاهوتياً للتنوع والتعدّدية في العالم الأرضي، بوصف ما في عالمنا تجلياً لعوالم الربوبية وتنوّع الأسماء والصفات الإلهية فيها، فكلُّ إنسان في الأرض يمكن أن يكون مرآة تنعكس عليها هذه الأسماء، وتتخلق بهذه الصفات، حسب ظرف وعائها وطبيعة استعدادها.

لاهوتُ المتصوف لا يدعوه للاعتقاد بأنه الوكيلُ الوحيد لله، والناطقُ الحصري باسمه في الحياة، وأنه هو فقط من له الحقُ بامتلاك الحقيقية دون سواه، وإنما يمنحه رؤيةً للعالَم تسمح له بقبول تعدّدية المعتقَد واحترام الآخَر المختلف، بوصف الآخَر، مهما اختلف عنه، مظهراً وجودياً لاسم من الأسماء الإلهية المتنوعة. وهكذا تكون التعدديةُ في الأرض انعكاساً لتعددية الأسماء في العالم الربوبي.

كلُّ أشكال الاستبداد يقلقها لاهوتُ التعددية، لذلك تعمل على تحطيم الأسس الميتافيزيقية للتعدّدية، لأن الاستبدادَ يراها أخطرَ عدو يعمل على تفتيت بنيته اللاهوتية، لذلك يشدّد على استبعاد كلّ ثقافة ومعتقد ومقولة تنشد بناءَ الأسس الميتافيزيقية للتعددية.

الاغترابُ الميتافيزيقي

تفرضُ رؤيةُ الكائنِ البشري للعالَم الذي يعيش فيه كيفيةَ صلته بالعالَم، وتتحدّد تبعاً لها كينونةُ هذا الكائن، ويتشكّل نمطُ وجودِهِ. وتمثّلُ هذه الرؤيةُ إطاراً مرجعياً موجّهاً لتفكيرِهِ ومواقفِهِ وسلوكِهِ في الحياة.

لقد صنع علمُ الكلام رؤيةَ معظم المسلمين للعالَم، بعد أنْ تسيّدت الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين مبكراً الحياةَ الدينيةَ في عالم الإسلام، واستولت بالتدريج على شعورِ المسلم ولا شعورِه، وصاغت أشكالَ علاقته بذاته والآخر، وتشكّلَ في سياقها منطقُ التفكير الديني في الإسلام، وظهرت بصمتُها في تدوينِ مُختلَف علومِ الدين ومعارفِهِ. وانتهت إلى ضربٍ من الاغترابِ الوجودي للمتدين عن عالَمِهِ الذي يعيشُ فيه.

ففي لاهوتِ المتكلمين يغتربُ الإنسان وجودياً عن الله، لأن ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكي علاقةَ السيد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقة مالك برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، ويمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرفَ بكل شيء في حياتهم. وقد وُلدت عقيدةُ الجبر في أفق هذه الرؤية مبكراً، وأصبحت منبعاً لشرعنة الأشكال المتنوعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. وحاولَ بعضُ الفقهاء تسويغَ استبدادِ الحاكم في أدبيات الأحكامِ السلطانية، وتفويضه بحقِّ الاستحواذِ على السلطةِ واحتكارِها، وبحقِّ ممارسةِ كل ما من شأنه تدبير الشأن العام وبسط الأمن مادام عادلاً. ولا أدري كيف يمكن أنْ يجتمعَ الضدان (الاستبداد/العدالة) في أفعالِ وأوامر شخصٍ واحد، على نحوٍ يكون عادلاً في استبدادِهِ، ومستبداً في عدالتِهِ، وهو ما تفنَّن بعض المتكلّمين في تسويغِهِ، عندما نحتوا صورةً لله تحاكي شخصيةَ المستبدّ الظالم في أوامرِهِ، لكنَّه العادلُ مع خلقِهِ في تلك الأوامر.

إن الصورةَ التي صاغها المتكلّمون لله في كتاباتهم لا يتجلى فيها شيءٌ من رحمته، بل تظهر قاسيةً شديدةً، حيث عمل المتكلمُ على رسم صورةِ الخالق بوصفه مُعاقِباً لخلقه عقاباً مريراً، ومعذِّباً لهم عذاباً مريعاً، ومتسلِّطاً عليهم، يراقب كلَّ زلّةٍ أو خروجٍ عمّا فرضته تلك الصورةُ من أوامر ونواهي تتسع لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلّبت صورةُ الالهِ المرعبِ وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمستْ ما يشي بمحبةِ اللهِ لخلقِه، ورحمتِه، وعفوِهِ وتوبتِهِ ومغفرتِهِ لهم. من هنا نشأ جدلٌ واسعٌ بين المتكلمين حولَ مصير فاعل الكبيرةِ، حتى قال بعضُهم بخلوده في النارِ.

ولم تشأ تلك الصورةُ قبولَ التنوّع والاختلاف الطبيعي بين البشر، ولم تكفل حقَّ تكرار الخطأ للكائن البشري، ولم تقبل إلّا النموذج الواحد الذي صاغه علمُ الكلام، وهو نموذج يجب أنْ يتماثلَ فيه كلُّ البشر الذين يعيشون في الأرض أمس واليوم وغداً.

وكان من نتائج صورة الله هذه، بناء علاقة عدائية بين الله والإنسان، لأن رسمَ صورة مرعبة لله تقود الإنسان للنفور منه، والإنسان بطبيعته ينفر من كل ما هو مرعب، ولا ينجذب إلّا لمن كان محبوباً جميلاً.

قادتْ تلك الصورةُ المكفهرةُ الإنسان للهروب من الله، أثر ما أثارته من ذعر، وكآبة، وربما غثيان. فإنه لا يمكن أن يحبَّ الإنسان عدوَّه، أو يظل محايداً حياله، بل عادةً ما يلجأ لمقاومته، فإن لم يستطعْ يلجأ للاحتماء بالاختباءِ والغيابِ عنه تماماً. وعندما يحتجب الإنسان عن الله يحتجب اللهُ عنه. عندئذٍ ينتهي الحالُ بالإنسان للسقوطِ في الاغترابِ الوجودي، أو “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي هو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن الاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي والأيديولوجي. إنه ضياع كينونة الكائن البشري وتشرّدها عن أصل وجودها.

الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالها لا يتحقق ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الوجودي “الإلهي”. وهو ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ هيغل الذي يرى أن الاغتراب ينشأ من وعي الإنسان بالهوة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية “الروح المطلقة” أو العالم المثالي؛ فالإنسان يكون مغترباً عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ فيورباخ الذي يرى أن خيالَ الإنسان هو من اخترع فكرةَ الإله، وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الإنسان مُستلَباً، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء بينما سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ ماركس الذي جعل سببَ الاغتراب استغلال الرأسمالي للعامل، واستلاب قيمة عمله الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي ككائن بشري، واغترابِه عن عملية الإنتاج، واغترابِ العمال بعضِهم عن البعضِ الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ فرويد، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجود الحضارة واستلابها لغرائز الإنسان، إثر ما يحدث من تعارض بين متطلبات بناء الحضارة، وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلبات مضادة.

الاغترابُ الميتافيزيقي أنطولوجي، تتهشم فيه كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلص منه الإنسان إلّا ببناءِ صلةٍ حيةٍ ديناميكيةٍ بالله، تتحقق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحول الوجود إلى مسكنٍ يقيم فيه. وحيث يسكن الإنسان الوجودَ لن يعود غريباً، ذلك أنه عندما يجد ذاته يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقته بإلهِهِ، فيتحول من عداءٍ إلى حب، بل قد يتسامى الحبُّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحبيبُ هو الأنا.

ولا يعني الخلاصُ من أنواع الاغترابِ الأخرى الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الوجودي، إذ بعد أن تنقطع صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويشعر أنه يفتقدها. وعندما يفتقد الإنسان ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظي، وربما يتردى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية.

ويمكن العثور على الجذور العميقة للعنف في الاغترابَ الميتافيزيقي، فقد كشفت الدراساتُ الأنثروبولوجية عن اقترانِ العنف بالمقدّس. وتشير الكتبُ المقدّسة كالتوراة والقرآن إلى أن أولَ عملية عنف دموي في الحياة البشرية، قتل فيها أحدُ أبناء آدم أخاه، كانت أثر نزاع على قربان إلهي.

ونشأ اغترابُ الإنسان الوجودي عن الله عن إسقاط المتكلمين لصورة المستبدّ على الله. فقد تورط المتكلمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة التوحيد وصفات الله وأفعاله، وكان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمط علاقةَ الله بالإنسان. ووُلدت نظريةُ التكليف في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق نظرية التكليف. وتبعاً لذلك أنتجت هذه الرؤيةُ التوحيدية، التي يغترب فيها الإنسان وجودياً عن الله، فقهاً عنيفاً.

الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي عالجت الاغترابَ عن الله، ببناء صلة وجودية بين الله والإنسان، إذ يسافرُ الإنسان في ضوء هذه الرؤية إلى الله حتى يصلَ إليه، ويحضرَ في حضرته، كذلك يقترب اللهُ من الإنسان، حتى يصيرَ الإنسان مرآةَ الله وأظهرَ تجلياته، كما يشرح ابنُ عربي ذلك في مفهوم الإنسان الكامل، وأسفارِ الإنسان في عوالم الأسماء والصفات الإلهية، وكيف يصعد الإنسان في سُلّم تلك العوالم، ويتسامى ليتصل وجودياً بالحق. في إطارِ هذه الرؤية تتلاشى المسافاتُ بين الإنسان ومقامِ الربوبية، ويتخلص الإنسان من اغترابه الوجودي عن الله، فيكفّ الدينُ عن أن يكونَ منبعاً للعنف.

عندما نتحدث عن التصوفِ الفلسفي، وكيفيةِ رسمه لوحةً ميتافيزيقية مختلفة تماماً عن لوحة المتكلمين، لوحة يتصل فيها الإنسان بالله وجودياً، فيحرّره من اغترابه الوجودي، وتبعاً لذلك يتحرّر المتدينُ من الحاجة للعنف، فإن البحث يتناول الموضوعَ من زاوية تنشد الكشفَ عن أثر الاغتراب الوجودي، بوصفه يشكل البنية العميقة لظهور العنف. ولسنا بصدد استبعاد الأسباب الثقافية والأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية المختلفة للعنف، والتي لا يمكن نفي الأثر المباشر لها في ظهور الأنواع المتنوعة للعنف وتطور أساليب ممارسته.

صلة أفقية لا عمودية

ترتسم خرائطُ الاعتقاد في ميتافيزيقا التصوف الفلسفي بصورة تتبدّل فيها كيفيةُ صلة الإنسان بالله، إذ تصبح الصلةُ في سياق هذه الرؤية أفقيةً لا عمودية، بمعنى أنها صلةٌ قريبة جداً “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”[3]، لا تقوم على الاستعباد “سيد/عبد”، بل تقوم على المحبة “محب/محبوب”. وأسمى ألوان العبادة ما كان منبعُها الحب. ما يفسد العبادةَ في سياق هذه الرؤية كراهيةُ الخلق، يقول ابن عربي: “فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات”[4]، مثلما تفسد العبادةُ لو اتخذ الإنسان المعبود صنماً، حتى لو كان هذا المعبود هو الله.

وبتعبير أوضح، إن العلاقةَ بالله لا تبتني هنا على نظرية التكليف بمفهومها الكلامي، التي يكون فيها موقفُ الإنسان منفعلاً سلبياً، بل إنها تبتني على نظرية يكون فيها موقفُ الإنسان متفاعلاً إيجابياً، ذلك أن جوهرَ الصلة بين الإنسان والله، من منظور هذه الرؤية التوحيدية، هو الحب المتبادل: “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”.[5] ففي تصنيفه للحب إلى ثلاثة أشكال يشرح ابنُ عربي معنى الحب الإلهي بقوله: “وحب إلهي: وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه. كما قال: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. ونهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهراً للحق”.[6]

وفي ضوء هذه الرؤية تتقدم الرحمةُ على العنف. الرحمةُ تؤنسن البشرَ، وتعبّر عن أسمى أنماط علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. المتصوف يرى أن ما تنجزه الرحمةُ في الحياة يعجز العنفُ عن إنجازه. وقد لخص ابنُ عربي ذلك بقوله: “اعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء وجوداً وحكماً، وأن وجود الغضب من رحمة الله بالغضب. فسبقت رحمته غضبه، أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه.. فكل من ذكرته الرحمة فقد سعد، وما ثم إلّا من ذكرته الرحمة. وذكر الرحمة الأشياء عين إيجادها إياها. فكل موجود مرحوم… والرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، وهي الموجبة للحكم، وهي الراحمة. والذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به، وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه، وهو الراحم، ولا يكون الراحم راحما الا بقيام الرحمة به. فثبت أنه عين الرحمة”.[7]

بخروج التصوفِ الفلسفي من قفصِ المتكلمين في تفسيرِ صلةِ الإنسان بالله، واجتراحِه لتفسيرٍ مختلف، أسّس لرؤية توحيدية كانت أثرى منبع لتكريس النزعة الإنسانية في الدين، إذ مادام الخالقُ يتجلى في مرآة الخلق، فلا سبيل يوصِلُ إلى الخالق خارجَ السبيل الذي يوصِلُ إلى الخلق، وان أقصر طرق مشاهدته هي مشاهدة مرآته.

ينشد هذا الفهمُ للدين الوصولَ إلى الله عبر الإنسان، لذلك تتغلب فيه المقاصدُ الإنسانيةُ في كلِّ فعلٍ على الفهمِ الحرفي الذي يتورط في الاستغراق في الشكل ويهدر المضمون. حتى إنه لا يكترث أحياناً بنصّ صريح، عندما يعتقد أن الالتزامَ به حرفياً يضيّع عليه إنقاذَ حياة إنسان؛ فهو مثلاً يقدّم إطعامَ الجائع على الحج، لأن ايمانه يدعوه لتغليب ما هو أخلاقي على كلّ أمر آخر، مهما كان، وإن كان منصوصاً عليه. يقول أبو يزيد البسطامي: “خرجتُ إلى الحج، فاستقبلني رجلٌ في بعض المتاهات، فقال: يا أبا يزيد إلى أين؟ فقلتُ: إلى الحج. فقال: كم معك من الدراهم؟ قلت: معي مئتا درهم. فقال: طُف حولي سبع مرات، وناولني المائتي درهم، فإن لي عيالاً، فطفتُ حوله، وناولته المائتي درهم”.[8]

ذلك بإيجاز شديد المدلولُ الاجتماعي الإنساني للاهوت التصوف الفلسفي، وكان هذا الفهمُ في كلّ الأديان على الضدّ من فهم الاستبداد للدين، فقد أدرك الاستبدادُ مفاعيلَ هذا النمط من الفهم الإنساني للدين وتأثيرَه في تهشيم مرتكزات تسلطه وسطوته على حياة الناس، فأصرَّ على نبذه ومطاردته.

المعيار الأخلاقي في التفكير الفقهي

يتحرك التفكيرُ الفقهي المنبثقُ من رؤيةٍ كلاميةٍ في أفق مفاهيم لا تتبصر ما هو أخلاقي، لتضعه معياراً حاكماً في فهم مدلول الآيات والروايات التي يوظفها في الاستنباط، وإنما يحرص هذا التفكير على مراعاة القوالب الراسخة لأصول الفقه والأدوات المتوارثة في عملية فهم الآيات والروايات، التي يتمسك بها الفقيه ليحدّد في ضوئها فتوى تقرّر موقفاً حيالَ واقعة حياتية. حتى الفقهاء الذين يذهبون إلى أن العقل أحد مصادر الاجتهاد، ورغم تسويغهم للاستناد إليه في الفتوى إلا أنهم يرون “كل ما يثبت بالدليل العقلي، فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة”[9].

ولو قرأ خبير كيفية تشكيل مدونة الفقه في الإسلام يجد اهتمام المجتهد يتركز في استنباط الفتوى على الوفاء لأدوات الاستنباط ومدى الدقة في استعمالها وتطبيقها، لذلك يقبل المجتهد على الدوام الفتوى الناتجة عن التطبيق الصحيح لهذه الأدوات في فهم الآيات والروايات، بغضّ النظر عن مضمونها الأخلاقي. وقد أفضى ذلك إلى أن بعض الآراء في مدونة الفقه الإسلامي كانت على الضدّ مع أحكامِ العقل العملي “الأخلاقي”، كما في باب الحيل الشرعية وغيرها.

ونتيجة لهيمنة الفقه على الحياة، واتخاذه مرجعية في التفكير والسلوك، اختلط معنى الأخلاق بالفقه في عالم الإسلام، بل تسيّد فهمٌ لدى المسلم يختصرُ كلَ ما هو أخلاقي بما هو فقهي، حيث اقترن في الوجدان الإسلامي الواجبُ بالمعنى الفقهي بمفهوم الحُسْن بالمعنى الأخلاقي، واقترن المحرّمُ بالمعنى الفقهي بمفهوم القُبح بالمعنى الأخلاقي، مع أن الحُسْنَ والقُبحَ من أحكام العقل العملي “الأخلاقي”، وأحكام هذا العقل لا تتطابق دائماً مع أحكامِ الواجب والمحرّم في مدونة الفقه الإسلامي.

لقد تصدّعت الأخلاقُ في مدونة الفقه الإسلامي، ولم تكترث هذه المدونةُ بالنزعة الإنسانية في الدين، بعد أن ربطت كل معنى أخلاقي وإنساني بالفقه، وشدّدت على الصلة العضوية بينهما، وكأنه لا أخلاقَ خارجَ المدوّنة الفقهية، حتى صارت هذه القضيةُ واحدةً من المسلّمات المضمرة في العقل الفقهي. وذلك ما ضيّع شيئاً من معاني الأخلاق.

الفقهُ معرفةٌ دنيويةٌ تخضع للإطار المرجعي للفقيه، لذلك قد يستنبط فتاوى لا تتطابق بالضرورة مع أحكام العقل الأخلاقي. فهمُ الفقيه للنصوص يلتبس بذاته كما تلتبس كل عملية تفسير وفهم بذات المفسّر، وتتحكم بهذا الفهم رؤيتُه للعالم. والكثيرُ من فقهاء الإسلام تنبثق رؤيتُهم للعالم في أفق الرؤية الكلامية، وتأسر آراءَهم مقولات المتكلمين، بوصفها مسلّمات مضمرة تتحكّم بتفكيرهم، وتحدّد كيفية استدلالهم، وتوجّه اختياراتِهم عند تعارض الروايات واختلافها.

إن غيابَ المرجعية الأخلاقية في الاستنباط الفقهي يقود إلى نتائج تنقض مقاصدَ الشريعة أحياناً. فمثلاً نرى بعضَ الفقهاء يجيزُ سرقةَ المال العام بعنوان انه مالٌ مجهول المالك، ونجد تسويغاً عند فقهاء آخرين لهجاء غير المسلم، بل نجد اليوم من يجيز التشفي بغير المسلم حين تصيبه الكوارثُ الطبيعية، وغيرها من المواقف المستهجَنة أخلاقياً، باعتبارها ليست قبيحةً من منظور العقل الفقهي، مادام يجري عليها تطبيق القوالب الموروثة في الاستنباط.

وأتذكر أني ناقشتُ أحدَ الأعضاء المعروفين في الجماعات الدينية، عندما كان يزوّر العملةَ العراقية في أحد البلدان، ويهرّبها بكميات كبيرة للعراق، سنوات الحصار في تسعينيات القرن الماضي. فقلت له: لماذا تفعل ذلك، أليست هذه جنايةً على شعبنا الجائع المنكوب؟

أجابني: لقد حصلتُ على فتوى بجواز ذلك من فلان فقيه.

فقلت له: أنا خبيرٌ بالفقه، وهذا فعلٌ تمقته كلُّ شرائع السماء والأرض. فأخذ يزايد ويتبجح قائلا: نحن نتمسك بفتاوى الفقهاء، ولا نفعل ذلك اعتباطاً، وتزوير النقود واحدة من الوسائل التي نقاوم فيها نظام صدام حسين.

قلت له: أنا لا أعبأ بفقه لاأخلاقي يدمّر الأوطان. أنت لا تقاوم نظام صدام بفعلك هذا. أنت تحارب أهلنا في العراق، وتعمل على الإجهاز على شعبنا الجريح، لأنك تدمّر اقتصادَه، عندما تغرق الأسواق بالعملة المزوّرة، وكأنك لا تدري أن التزوير يحرق العملة الوطنية.

ولو لم تلتزم المرأةُ المسلمةُ مثلاً ببعض تفاصيل الحجاب الجزئية المنصوصة في المدونة الفقهية، وأخرجت من تحت غطاء رأسها خصلةَ شعر، فإن ذلك يعدّ سلوكاً مستهجناً من منظور فقهي يخلّ بمكانتها، وإن كانت هذه المرأةُ تصلي وتؤدي العبادات، وإن كان لسانُها وقلبُها وعينُها وسلوكُها نقياً، وأوقفت كلَّ حياتها لفعل الخير والعمل من أجل إسعاد الناس.

لكن انتهاكَ مسلمة أخرى لأحكام العقل الأخلاقي، ربما لا يخلّ بمكانتها في نظر البعض، مادامت ملتزمةً حرفياً بحدودِ الحجاب في المدونة الفقهية، حتى لو كان ذلك الانتهاكُ محرّماً فقهياً أحياناً، كالاغتياب والكذب والبهتان، والتجاوز على حريات الناس وحقوقهم .

الرؤية الجمالية للعالَم في التصوف الفلسفي

حاجةُ الإنسان للجمال حاجةٌ أبدية، والمتعةُ الجمالية التي تحدث عند تذوق تجليات الجمال في العالم رافدٌ أساسي للسلامة النفسية والتربية الروحية. يرى المتصوفةُ تجلياتِ الجمال الإلهي في العالم، ويرون الإنسان مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال. ولكلّ شيء في نظرهم جمالٌ يشاكله. ويتسع الأفقُ الروحي للجمال في رؤيتهم ليكون أفقاً كونياً مشتركاً، لا تضيق فيه مضائقُ الزمان والمكان وطبائعُ العمران وأحوالُ الانسان.

جمالُ العالَم أحدُ أهم العناصر المُلهِمة في الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي، فهو يعمل على تحرير الإنسان من اغترابه الوجودي، ويدعوه للتفاعل الإيجابي مع كلّ ما حوله. كلُّ إنسان يرى العالَم جميلاً لا يشعر بالغربة، ذلك أنّ من يعيش في عالَم يتذوق تجلياتِ جماله يعيش سلاماً روحياً، وكلُّ من يعيش سلاماً روحياً يحيا الخلقُ بجواره في سلام.

لقد عالجتْ الرؤيةُ التوحيدية للتصوف الفلسفي؛ ذلك عندما جعلت الجمالَ أحدَ أركانها الأساسية، وهو ما تشرحه مدونتُه في موارد عديدة، فابنُ عربي مثلا يتحدث عن جمال العالَم بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلّا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلي إلّا العالَم… فأوجد الله العالَم في غاية الجمال والكمال خلقاً وإبداعاً، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلّا هو، فأحب نفسه، ثم أحب أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالَم على صورة جماله، ونظر إليه فأحبه حب من قيده النظر، ثم جعل عز وجل في الجمال المطلق الساري في العالم جمالاً عرضيا مقيداً، يفضل آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”.[10]

يقترن الوعي الجمالي عند ابن عربي وغيره من المتصوفة بالمحبة إثباتاً ونفياً، إذ يكون الجمالُ ضربا من المحبة والمحبةُ ضربا من الجمال. لا محبةَ مالم يكن المحبوبُ جميلاً. عندما يلتقي الإنسان بالجميل كأنه يلتقي نفسه، لأنه يرى صورتَه فيه.

بعض المتصوفة، كجماعة المولوية التي أسّسها جلالُ الدين الرومي، تقترن لديهم التربيةُ الروحية بالموسيقى والإنشاد والرقص الدوار. ولم تمنعهم من ذلك مواقفُ كثير من الفقهاء التي تحرّم اقتناء الآلات الموسيقية، وتحرّم العزف عليها، وتمنع استماعه.

ما يدعو الإنسان للنفور من العالَم والشعور بالغربة مما حوله هو رؤيةُ العالَم مشوّهاً قبيحاً. لذلك يهتم المتصوفةُ بالتعبير الجمالي عن الدين، بوصفه ضمانةً لإحياء رسالة الدين في كل عصر، خاصة عندما يتفشى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

التنوع والاختلاف

كان ومازال عالَمُ الإسلام محكوماً برؤية توحيدية كلامية، يشعر الإنسان فيها أنه موجودٌ في منفى لا يلتقي فيه مع الله، ولا يتذوق تجليات جمال العالَم. وهي رؤيةٌ سلبية إقصائية، غيرُ منفتحة على الفِرَق والمذاهب والأديان والثقافات، في سياقها تشكّلت المدونةُ الفقهية، وانبثق منها معظم ما يتحكّم في سلوك المسلم من ثقافة ومعايير في العلاقات الاجتماعية والشؤون المعيشية.

تجاهلتْ رؤيةُ المتكلمين التنوعَ في الحياة البشرية، ولم تعبأ بالحق في الاختلاف، لذلك لم تجد التعدديةُ الفضاءَ الملائم لولادتها في تربتها، بعد أن حصرت الحقيقةَ والحقَ والنجاةَ في الفرقة الناجية.

وتبتني رؤيةُ المتكلمين على مُسلّمات ومُصادرات معرفية مضمرة، تقول بنهائيةِ المعرفة الدينية وأبديتها، وبلوغِها مدياتِها القصوى لدى السلف، وبراعتِهم في اكتشاف الأصول والقواعد الكلية لكل ما تتطلبه معرفةُ الدين وقراءةُ نصوصه في زمانهم وكل زمان، ولعلّ أوضحَ ما يشي بذلك القولُ الشائع: “ما ترك الأوَّلُ للآخِر شيئاً”.

الرؤيةٌ التوحيدية التي تبناها التصوفُ الفلسفي رؤيةٌ إيجابية، منفتحةٌ على الفِرَق والمذاهب والأديان والثقافات، لكنها ظلتْ مُحاصَرةً في حدود نخبة ضيقة على الدوام، ولم تسمح لها السلطاتُ السياسية والدينية بالعبور من الهامش إلى المركز في حياة المسلم.

هذه الرؤيةُ تحرص على اكتشاف التنوّع في الحياة البشرية، وتعتقد بالحق في الاختلاف، لذلك وجدت التعدديةُ الفضاءَ الملائم لولادتها في تربتها، لأنها لم تحصر الحقَ والنجاةَ في الفرقة الناجية، وأدركت أن الطرقَ متنوعةٌ للوصول إلى الحقيقة، وأنها متعددةٌ بتعدّد وجوهِها.

وتبتني رؤيةُ التصوف الفلسفي على مُسلّمات ومُصادرات معرفية مضمرة، مضمونها لا نهائية المعرفة الدينية ولا أبديتها، وعدم بلوغ هذه المعرفة مدياتِها القصوى في أيّ زمان، وليس هناك أصولٌ وقواعد أبدية يمكن استعمالها لكلّ زمان في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، فكلُّ عصر ينتج أصولَ فهمه للدين وقواعدَ تفسيره لنصوصه، في سياق تطور علوم الإنسان ومعارفه. المعرفةُ الدينية حقلٌ من حقول المعرفة العامة، وهي محكومةٌ بمنطق الخطأ والصواب وتطور الوعي المحكومةِ به معارفُ وعلومُ الإنسان كلّها.

في ضوء هذه الرؤية “نستطيع أن نتعاطى مع المدونة التفسيرية والكلامية والفقهية الموروثة بوصفها معرفةً بشرية تنتمي إلى سياقات تلقي وقراءة النص الديني في مراحله المتنوعة. ما يعني أن كلَّ عصر ينتج مدونتَه الخاصة، وهي مدونة لا يتسع كلُّ ما فيها للعصور كافة، ولا تستوعب عناصرُ الفهم فيها الآفاقَ التاريخية المختلفة”.[11]

ما يبقى لنا من التصوف اليوم

اكتنفت نشأةَ التصوف وحضورَه في الحياة الإسلامية الكثيرُ من الملابسات والظروف المتغيرة، التي جعلت العديدَ من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين والساسة يناهضونه ويُحذّرون المسلمين من الانخراط فيه. معظمُ الخلفاء والسلاطين والإقطاعيين ينفرون من التصوف، بوصفه يقترن غالباً بالزهد والتقشف، وتبخيس الجسد، ورَفَضه كثيرٌ منهم بوصفه احتجاجاً صامتاً على سياسات استبداد الحكام، وترفهم وغرقهم في الملذات الحسية.

كما رفض فهمَ المتصوفة جماعةٌ من المحدّثين والمفسرين، بوصفه أُغرم بتفسير باطني إشاري للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأدان هذا الفهمَ الفقهاءُ والمتكلمون، وقالوا بضلاله وتكفيره وخروجه عن الملة. وقد كانت وما زالت المرجعيةُ الشرعية في الاجتماع الإسلامي يتوارثها الفقهاءُ والمتكلمون حتى اليوم. ولم تكن لأقطابِ التصوّف وأعلامِه مرجعيةٌ في الفتوى أو إصدارِ أحكام التكفير أو الضلال. إذ لم تخرج حرفةُ التكفير عن الفقهاء والمتكلمين في الاجتماع الإسلامي.

التصوفُ ضربٌ من الاحتجاج على ضيقِ مجالات الحرية التي صادرتها السلطة، وضيقِ مجالات التفكير التي صادرها علمُ الكلام، وضيقِ مجالات الحياة التي خنقها الفقه. وكانت ردودُ أفعال التصوف انسحابَ الأعمّ الأغلب من المتصوفة من الحياة، والتشديدَ على الخلاص الفردي، عبر الخروج من العالم، بل والخروج من الجسد، والغيابَ عن المجتمع، والذي أفضى لدى بعض الجماعات الصوفية إلى ألوانِ من التدجين على نبذ الدنيا، إلى الحد الذي “حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[12]، وانشغل بنبذِ الحاجات الأساسية للجسد، والتنكرِ للحاجات النفسية والعاطفية، كالحاجة للجمال والابتهاج، والتورط في ممارسات هي أقرب للشعوذة منها للتربية الروحية أو تكريس الصلة بالله، والتضحيةِ بالكرامة الإنسانية، وعدمِ العفافِ في العيش، كما يفعل ذلك الشحاذون من المتسكعين الدراويش. حتى انتهت مآلاتُ الكثير من الجماعات الصوفية إلى محاكاة شكلية زائفة للمشايخ، والترويض على العبوديةِ الطوعية، ونسيانِ الذات كلياً.

وكان المريدون ومازالوا يخلعون هالةً روحية على أقطاب ومشايخ المتصوفة تبلغ حدَّ التقديس، بل التوثين أحياناً. فمثلاً تفشت الصورُ المضادّة للاهوت التصوف الفلسفي الذي رسمه بأجمل الألوان جلالُ الدين الرومي في المثنوي وغيرُه من كبار رواد التصوف الفلسفي، عندما تحوّل هؤلاءُ إلى أصنام لدى أتباعهم، بنحو تغلبت معه المثيولوجيا على التاريخ، والمتخيلُ على الواقع، والشعوذةُ على الروح، والشكلُ الأجوف على الجمال، والتوثينُ على الإلهام، والخرافةُ على العقل. وهكذا بدا التصوفُ في صورة عبادة بشعة للأشخاص، حين أمسى جلالُ الدين الرومي وغيره صنماً. وكما هو معروف، فإن الصنمَ لا يختص بالحجر، بل حتى الله صيّره بعضُ البشر صنماً. سُئل أبو يزيد ‫البسطامي: “مالنا نعبد الله ولا نجد لذة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، ولو عبدتم الله لوجدتم لذة العبادة”.

ما يبقى لنا من التصوف اليوم هو شيءٌ من عناصر التصوف الفلسفي، الذي برع في اكتشاف منابع مهمة لإثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. وأحدث اختراقاً مهماً في فهمِ الدين، وقواعدِ قراءة النص الديني، بعد أن لبث هذا النصُّ مسجوناً في آفاق قراءات المفسرين والمحدّثين والمتكلمين والفقهاء، والتي سجنت معها حياةَ المسلمين في مدارات مسدودة، تتكرّر فيها المقولاتُ والأحكامُ والتفسيراتُ والشروحُ والفتاوى ذاتُها، منذ تأسيس هذه المعارف في عالَم الإسلام حتى اليوم.

ما يبقى لنا من التصوف الفلسفي اليوم هو مغزى الرؤية التوحيدية التي رسمها للعالَم الربوبي، وكشف فيها عن الصلة الوجودية الحية بين الله والإنسان. لكنّ الكثيرَ من الإسقاطات اللاهوتية في تفسيرات مفاهيم هذه الرؤية فرّغتها من محتواها المُلهِم. فقد تعرضت رؤيةُ التصوف الفلسفي لطبيعة الصلة الوجودية بين الله والإنسان لقراءات بعيدة عمّا ترمي إليه، ساقتها إلى الغلوّ بأهل البيت والصحابة والمشايخ الصوفية، حين تم توظيفُها، على الضدّ مما تنشده، كأساس معرفي للاهوت الغُلاة.

ولم يتنبه معظمُ المهتمين بالتصوف الفلسفي لمغزى رؤيته التوحيدية العميق، ذلك المغزى الذي أراد التصوفُ الفلسفي من خلاله أن يعيدَ بناءَ الصلة الوجودية بين الله والإنسان في إطار مختلف كلياً عن رؤية علم الكلام. إطار يتحرر ضمنه الإنسان من المنفى المسجون فيه، الذي تضيع فيه روحُه، ويحتجب فيه اللهُ عنه، والذي حبسته في متاهاته الرؤيةُ المهيمنةُ لعلم الكلام على التفكير الديني في الإسلام.

عالَم اليوم غير عالَم الأمس

عالَم اليوم غير عالَم الأمس، عقلانيةُ اليوم غيرُ عقلانية الأمس. عقلانيةُ المعتزلة الدينية وغيرهم كانت ترتكز على بداهات عقلانية الأمس ومصادراتها. وكلّها تحيل على بداهات ومصادرات المنطق الأرسطي والعقلانية اليونانية ورؤية العالم آنذاك، في حين تحيل عقلانيةُ اليوم على بداهات ومصادرات الفلسفة والمنطق الحديث وفلسفة العلم والمعارف الإنسانية ورؤية العالَم اليوم.

لا يمتلك التصوفُ الفلسفي خلطةً سحرية أو إكسيراً يعد بكل ما تتطلبه حياتنا الروحية اليوم، لأن متطلبات الحياة الروحية في عالَم اليوم لا تقتصر على متطلباتها في عالَم الأمس. فمثلما ينتج كلُّ عصر فهمَه للدين وقراءته للنص الديني، في ضوء تطورِ العلوم والمعارف، والأفقِ التاريخي للقارئ والمتلقي، ينبغي أن يعيدَ عصرُنا إنتاجَ روحانيته التي تداوي آلامَ الروح ومواجعَها وغربتَها اليوم، وقراءةَ القرآن والنصوص الدينية في سياق علومِ ومعارفِ اليوم، والأفقِ التاريخي لعصرنا، دون أن يتجاهلَ العناصرَ التي مازالت حيّةً في المدونة الموروثة الخصبة للتصوف الفلسفي.

وهكذا لم يعد مفهومُ السعادة بكلّ عناصره هو المفهوم الذي صاغته مدونةُ الأخلاق في تراثنا أمس، عندما استلهمت شيئاً من سلة مفاهيم السعادة في أثينا والإسكندرية وفارس. وليست كلُّ وسائل تحقيق السعادة اليوم هي وسائلها أمس. فقد تمحور اهتمامُ الباحثين عن السعادة اليوم حول معرفة منابع إلهام السعادة، وكيف يتمكن الإنسان من: إنتاجِ المعنى لحياته، والشغفِ بالأشياء والأفعال، والاستمتاعِ بها، بوصفها ضرورةً للخلاص من الشعور باللاجدوى والملل والألم.

ويخلص الباحثون في هذا الحقل إلى آرائهم في ضوء ما تؤشر اليه المؤشرات في الدراسات العلمية الجديدة عن السعادة، فمثلاً نجد مؤشراتِ السعادة اليوم تشير إلى أن بعضَ المجتمعات غير الإسلامية في أرقى لائحة الشعور بالسعادة، فيما تشير هذه المؤشرات إلى أن مجتمعات عالَم الإسلام في أسوأ مرتبة لائحة الشعور بالسعادة. وذلك يدعونا إلى إعادة النظر في تشريح مفهوم السعادة، والكشف عن منابع إلهامه اليوم، فليس بالضرورة أن يتمكن ما كان يسعد إنسان الأمس كلُّه من أن يسعد إنسان اليوم.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناء ضمير أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من انتهاك الكرامة وتضييع الحقوق وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ أليس يفتقر هذا التراثُ رغم سعته إلى مقاربة واقعية تتبصر طبيعةَ الكائن البشري بعمق؟

ما نعنيه بافتقارِه لمقاربة واقعية تتبصر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادة، وُلِدت في سياقات إسلامية متنوعة، تعود إلى مجتمعات إسلامية في أزمنة مختلفة، وتنحدر من ثقافات وإثنيات عديدة، وتحيل إلى مرجعيات ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره، وصياغةِ رؤية تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة توازن حيوي، يستجيب لاحتياجات مكوّنات كينونة الكائن البشري، ويشبعها في سياق أخلاقي، لا يقدّم الجسدَ قرباناً للروح، ولا يجعل العقلَ قرباناً للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

سيلبث الأبناءُ في متاهات مادامت التربيةُ الروحيةُ والأخلاقيةُ والجماليةُ والذوقيةُ غائبةً عن المقررات الدراسية. هناك ضرورة عاجلة لتبني مقررات دراسية حديثة في كافة مراحل التعليم الأساسي للناشئة في بلادنا، تستقي من الموروث الروحي والأخلاقي والجمالي لديننا وتراثنا، ومما هو مشترك إنساني عام في موروث الأديان والثقافات البشرية، وفلسفات الدين والأخلاق والجمال الحديثة والمعاصرة.

أضحت مجتمعاتُنا اليوم ضحيةَ رؤيةٍ ميتافيزيقةٍ للعالم لم تعد تصغي إليها، ينتجها علمُ كلامٍ قديمٍ لم يعد يتبصر قلقَها الوجودي، ولا يدرك منابعَ ضغائنها، وعاجز عن تشخيص أسباب أمراضها.

وعادة ما تمرض المجتمعاتُ عندما تمرض أديانُها، ولا خلاصَ لأيّ مجتمع إلّا بالخلاصِ من الأمراض التاريخية المزمنة لديانته. ولا تدّعي هذه الكلماتُ أنَ الشفاءَ من تلك الأمراض يتلخّص في تبني الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي، لأن ذلك فضلا عن أنه غيرُ ممكن، إذ لا يمكن استئناف عالَم مفاهيم عصر في عصر آخر كما هي، فهو أيضاً ضربٌ من الجهل بمتطلبات الحياة الروحية والأخلاقية في عالَم اليوم، والتي لم تعد الرؤيةُ التوحيدية للتصوف الفلسفي تستجيب لكلّ ما يشبعها.

من الضروري ألّا تقفَ الدراسات في حقل الإيمان والاعتقاد عند محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهما، وينبغي ألا نتعاطى مع آرائهم بوصفها حقائقَ نهائية متعالية على الزمان والمكان والمعرفة ومتغيرات الثقافة والحضارة في المجتمعات؛ ذلك أن رؤيتَهم تعبّر عن اجتهادٍ بشري في فهمِ الدين وقراءةِ النصّوص، وتحليلِ التجارب الدينية، وتفسيرِ خبرات الروح ومكاشفاتها، وأيُّ اجتهاد للبشر يتأثر بمعادلات المعرفة والثقافة والمال والسلطة في زمانه. وأن كيفيات توالد الأفكار البشرية وصيرورتها عبر الزمان لا يمكن أن تكرّر ما كان كما كان.

تركيا / قونيه 9 أغسطس “آب” 2017 – بغداد 19 أغسطس “آب” 2017

[1] صدر الدين القونوي. شرح الأربعين حديثاً. تحقيق: حسن كامل ييلمار. قم: انتشارات بيدار، 1372 ش = 1993 م، ص 30

[2] وهو ما يصطلح عليه: “الأسفار الأربعة”، ومنه جاءت تسمية كتاب ملا صدرا الشيرازي: “الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة”.

[3] سورة ق، 16.

[4] محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية (4 ج)، بيروت: دار صادر، جلد2، ص 113، الحب الإلهي.

[5] المائدة، 54.

[6] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مج). بيروت: دار صادر، مج 2: ص 111، مراتب الحب.

[7] محيي الدين بن عربي. فصوص الحكم، الفص الزكرياوي.

[8] أبو يزيد البسطامي. المجموعة الصوفية الكاملة. تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس. بيروت: دار المدى، 2006، ص 48.

[9]محمد باقر الصدر. الفتاوى الواضحة. بيروت: دار الكتاب اللبناني – القاهرة: دار الكتاب المصري، ط 3، 1977، ص 15.

[10] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص 269.

[11] عبد الجبار الرفاعي. “الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان”، في: موسوعة فلسفة الدين، ج4.

[12] الأعراف، 32.




البكتاشية: تشيّعوا لآل البيت وقادوا جيوش الدولة العثمانية السنية

بقلم: وسام سعادة

البكتاشية تشيّعوا للأئمة من أهل البيت، لكنهم طافوا ورقصوا وطوّروا تراثاً غنائياً موسيقياً ثرياً من “السماع”. بجلوا الحلاج وجلال الدين الرومي ولم يهتموا بالفقه الجعفري. مسيحيون كثر اعتنقوا الإسلام من خلال دخولهم في طريقتهم، وفي المقابل، عندما أراد “يهود الدونمة” اعتناق الإسلام ظاهرياً، والإبقاء على تمسكهم بدينهم الأصلي “جوانياً”، لم يجدوا أفضل من الانخراط في هذه الطريقة.
مع ذلك، لعبت هذه الفرقة الدور الأساسي في ساحات القتال دفاعاً عن الدولة العثمانية “السنية”، وهيمنت مطولاً على الجيش فيها، إلى يوم أبيدت فيه فيالق الانكشارية في شوارع الأستانة يوم الواقعة الخيرية عام 1826، بتحريض من السلطان محمود الثاني.
أما الرجل الذي تسمّت الأجيال باسمه، الحاج بكتاش، والذي تباع صورته جنباً إلى جنب مع صورة الإمام علي في معظم المدن التركية اليوم، فقدّسه المسيحيّون قبل المسلمين في الأناضول والبلقان، مع أن الدراسات ترجّح أنه مات على مذهب أهل السنّة.
هم اليوم جزء أساسي من المشهد الديني والثقافي، لكن أيضاً السياسي، في تركيا وألبانيا، أما المعالم الأثرية لتكاياهم في القاهرة وبغداد وغيرها من المدن العربية، فيأكلها النسيان.

الاختلاط بين الجنسين والانتشار بين الشعوب

ليس هناك فرقة دينية ذهبت بعيداً في الغاء كل تمييز بين المرأة والرجل عند ممارسة الطقوس والشعائر الجماعية مثلما فعلت الطريقة الصوفية “البكتاشية”. ولما كانت طقوس “البكتاشية” تشمل حلقات الذكر، والرقص الصوفي، والغناء والإنشاد، والتشارك في الطعام والمشرب، تحوّل الاختلاط بين الجنسين إلى مدار افتراء مزمن على أتباع هذه الطريقة التي يتسمّى المريد فيها بـ”العاشق” فـ”المحب” فـ”الدرويش”، أو يصعد في مسالك العارفين، ليصير “البابا”، باب التكية، أو المرشد أو “الخليفة بابا”، في حين يميّز رأس هرم الطريقة بتسمية “الدده بابا”.
تنتشر البكتاشية في يومنا هذا، بشكل أساسي، في تركيا وألبانيا. لا يقل البكتاشيون عن ربع المسلمين في ألبانيا، ولا يتسمون بالعلويين، وقد انتقل مركز الفرقة إلى تيرانا بعد حظرها في تركيا الجمهورية، ثم ما لبث أن اضطهدت في ألبانيا على أيدي الشيوعيين، في حين بقي بكتاشيو تركيا الى جانب الخيارات العلمانية للنظام الجمهوري، رغم حظر فرقتهم، وعملوا من ثم على إعادة مأسسة وتشريع وجودهم.

علويّتان

وفي تركيا، تتماهى الطريقة مع “علويي الأناضول” إلى حد كبير، وتدخل معظم الجمعيات البكتاشية فيها ضمن “الفدرالية العلوية البكتاشية”.
يتراوح عدد “علويو الأناضول البكتاشيون”، بين سبعة ملايين وإحدى عشر مليوناً، ويتوزّعون بين أتراك وأكراد، وهم طريقة في التصوّف الباطني، لا بد من عدم الخلط بينها وبين “العلوية النصيرية”، فالأخيرة طائفة دينية عرفانية، من خارج مقال التصوّف الدراويشي، تأسست في القرن الحادي عشر الميلادي في العراق، وينتشر أتباعها اليوم بين لواء الإسكندرون و”جبل العلويين” في سوريا وشمال لبنان.
“الثالوث” العلوي البكتاشي (الحق – محمد – علي) يختلف عن “الثالوث” العلوي “النصيري” (علي – محمد – سلمان، المرمز له كوكبياً بالقمر والشمس والسماء). وليس في العلوية “النصيرية” تنظيم طرقي هرمي يقارن بمنظومة التكايا البكتاشية، ويحضر في “النصيرية” الاعتقاد بالتقمص وتناسخ الأرواح وهذا غائب في “البكتاشية”.
ولا تقيم العلوية النصيرية اعتباراً تبجيلياً محورياً لمؤسسها، محمد ابن نصير النميري، الذي تعتبره ناقل تعاليمها الأولى عن الإمام الحادي عشر عند الشيعة، حسن العسكري. أمّا البكتاشية فهي تستند بشكل أساسي إلى تركة وخوارق مؤسسها التي تتمازج في سيرته حوادث التاريخ مع عجائب الأسطورة.
تصوّف متشيّع أم تشيّع سنّي؟

“الحاج بكتاش ولي” شخصية صوفية من القرن الثالث عشر الميلادي، هاجرت من خراسان (شرق ايران) إلى الأناضول، والأرجح أنّه تركماني، الأمر الذي سهل انتشار دعوته بين قبائل التركمان في المرحلة السلجوقية، وينسب له البكتاشيون قدر كبير من المعجزات في الكتاب الذي يروي سيرة أولياءهم “ولاية نامة”.
مع ذلك تشدّد الباحثة المرجعية في تاريخ التصوّف، آنا ماري شيمل، على انتماء الحاج بكتاش “السنّي” إلى “سلسلة روحية خراسانية تلتزم بالتسنن الصارم”، وترجّح أن يكون اختلاط تعاليم البكتاشية، التصوفية السنية في الأساسية، بالمعتقدات الشيعية “المغالية” لذوي العمامات الحمر من قبائل القزلباش التركمانية، هو الذي جعل البكتاشية في تركيا تأخذ هذا المسار “المتشيّع” في نهاية الأمر.
يبقى أنّ التشيّع لعلي والأئمة الاثني عشر في البكتاشية لا يقترن باعتماد الفقه الجعفري إلا ما قلّ منه ودل، والتزام معتنقي البكتاشية لقرون بفقه الدولة العثمانية السنيّ الحنفي جعل الرأي منقسماً بين احتساب “البكتاشية” على أهل السنّة، أو احتسابهم كجزء من “العالم الشيعي المتعدد”.
لقرون طويلة أصرّ البكتاشيّون في السلطنة العثمانية على انتمائهم “السنّي”، خاصة مع المؤسس التنظيمي للفرقة، بالم سلطان، مطلع القرن السادس عشر. ومن الناس من اعتبرت هذا “الإندماج بالقالب السنّي” تقية وتورية، ومنهم من اعتبره مزاوجة بين “حب شيعي” لآل البيت، وغربة عملية عن التراث الفقهي للتشيّع، كما أنّ حب آل البيت في البكتاشية، ودمجهم بين النوروز وميلاد الإمام علي، واحياؤهم بشعيرة خاصة وبطعام خاص بهم لذكرى عاشوراء، انما يتكامل مع تبجيلهم لأعلام الصوفية، مثل الحلاج الذي تبدأ طقوس الانخراط في البكتاشية بـ”تعليق المبتدىء في دار المنصور، وهي مشنقة الحلاج”، ومثل جلال الدين الرومي، في حين تتأرجح التقديرات الدراسية حول أثر ابن عربي عند البكتاشية، وحول مدى قولهم بـ”وحدة الوجود”.
وفي البكتاشية تأثير مهم من فرقة “الحروفية”، يتضح خصوصاً بكيفية رسم صور علي والحسن والحسين بتركيبة مشكلة من حروف أسمائهم.

البعد المسيحيّ في البكتاشية

وبخلاف العلوية النصيرية بين أنطاكية وطرابلس، التي كان “مغضوب عليها” في زمن السلاطين، كانت العلوية البكتاشية هي الطريقة الصوفية الأكثر شيوعاً بين فيالق الجند الإنكشارية في الجيش العثماني، بل أنّ الولاء للحاج بكتاش كان شرط الانتساب في الإنكشارية، ولا ينفصل هذا عن التحدّر المسيحي للإنكشاريين الذين كانوا ينتزعون وهم أطفال من قراهم المسيحية في البلقان ثم يعتنقون الإسلام ويختنون، ذلك أن الحاج بكتاش، سواء في الأناضول أو البلقان، كان شخصية مبجلة لدى المسيحيين كما لدى المسلمين، ولعبت البكتاشية دوراً حيوياً في أسلمة أقوام مسيحية بكاملها عبر الزمن العثماني. وعند أهل الطريقة طقوس تذكر بـ”سر الاعتراف” بالمسيحية، لكن تحت عنوان “مغفرة الذنوب”، وتبرك بغمس الخبز بالخمر.
أكثر من ذلك، ينبهنا المؤرخ الفرنسي آلان دوسيلييه إلى أنّ سيرة “ولاية نامة” التي خوارق الحاج وكراماته جعلته قديساً في أعين المسيحيين باسم “القديس خارالامبوس”، وظلّ مسيحيو الأناضول يعتبرونه كذلك حتى مطلع القرن العشرين، ويشاركون المسلمين في الحج الى ضريحه أو تربته في سيناسوس، والتبرّك منه.
بالتوازي، احتضن التراث الشعري البكتاشي جملة من القديسين الشعبيين المسيحيين وفي طليعتهم القديس جاورجيوس، مثلما بجّل البكتاشيّون عدو السلطنة الأول، الشاه اسماعيل الصفوي، وفاخروا بحفظهم شعره، الذي كان يقرظه بالتركمانية، في حين كان خصمه اللدود، السلطان سليم الأول ياووز، يكتب الشعر، بالفارسية!

بكداشية – علوية أو علوية – بكداشية في تركيا اليوم؟

مع حبّهم لاسماعيل شاه، كباقي التركمان في الأناضول، لعب البكتاشيون، كمشايخ طريقة أو كشعراء إلى جانب السلاطين، أو كجنود انكشاريين، دوراً أساسياً في فتوحات السلطنة وحروبها، مع الصفويين أو مع الممالك المسيحية في أوروبا.
تركيا الحديثة اهتمت على سبيل المثال برعاية مقام تربة الشاعر الصوفي البكتاشي غول بابا في بودابست، الذي رافق السلطان سليمان القانوني في فتوحاته. وقد انتشرت البكداشية في الولايات العربية من السلطنة كذلك الأمر، كما لا تزال تدل ألقاب مثل “بكداش” و”مكداشي”، وتحتفظ مصر بحصة أساسية من المعالم الأثرية للطريقة، نظراً لإقامة “سيدي المغاوري” البكتاشي في القاهرة (تكية القصر العيني، تكية قيغوسوز على جبل المقطم…).
واذا كانت البكتاشية في ألبانيا حافظت على نفسها كطريقة صوفية بالدرجة الأولى، فان البكتاشية المتماهية مع “العلوية الأناضولية” في تركيا، قد ضعف فيها الرابط الطرقي التقليديّ، ولم يعد “الدده” هو المرجعية الفعلية لها، بقدر ما انتقلت المرجعية للقيادات السياسية ورؤساء الجمعيات المطالبة بـ”حقوق العلويين” الدينية والثقافية والسياسية، كمثل تشريع دور عبادة خاصة بهم، الأمر الذي تحفّظ عليه رجب طيب أردوغان بشكل قوي قبل فترة، والمطالبة بحق أبنائهم في تعليم ديني مختلف في المدرسة العمومية، عن التعليم الديني السني الحنفي الذي تقدّمه المدرسة العلمانية في تركيا اليوم.

المصدر: رصيف22




الإصلاح الديني وعقلانية التصوف

بقلم: حسن محمد شافعي — تبدو حاجة الإنسان إلى الدين فطرية باعتبار أن حاجاته لا تتوقف عند حد إشباع الغرائز الطبيعة؛ بل تتجاوزها إلى البحث الدؤوب عن الأمن النفسي المستلهم من الاتصال بالذات العليا المقدسة التي يلجأ إليها في مواجهة تحديات قسوة الطبيعة المادية ونزعات الشر داخل النفس البشرية.
إن تكوين الإنسان العقلي يفرض عليه الإجابة عن بعض التساؤلات الوجودية حول العالم ومصير الإنسان؛ وهي تساؤلات ميتافيزيقية تسعى الأديان إلى الإجابة عنها. فالدين مجال الحياة الروحية التي تمثل قدراً مشتركاً بين البشر. إلا أن نمط التعبير عنها يختلف باختلاف الحضارات عبر العصور، فالدين هو القيمة المضافة إلى حياة البشر من أجل التسامي عن الطبيعة المادية للإنسان لتكريس منظومة من القيم تضفي على حياته بعداً حضارياً.
لذلك؛ يقول مالك بن نبي: «ولدت الحضارات في ظل المعابد». والحضارة الإسلامية حظيت بنصيب وافر من الاعتناء بالحياة الروحية نظراً إلى طبيعة الدين الإسلامي، إلا أنها في باكورة البعثة النبوية لم تكن في حاجة إلى تصنيف العلوم الإسلامية لوجود الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مرحلة تأسيسها. بيد أنه مع اتساع رقعتها وتطور الزمن وما حمل من تحديات جديدة؛ تولَّدت الحاجة إلى علوم جديدة تنظم للناس أمور دينهم ودنياهم. ومن بين تلك العلوم؛ نشأ التصوف كعلم يعتني بالحياة الروحية لدى المسلمين. فالتصوف في تاريخ الفكر الإسلامي هو العلم الذي جل اهتمامه البحث عن وسائل تزكية النفس وصفاء الداخل من أجل الوصول إلى مقام الرضا الإلهي الذي يجلب السِلم الروحي والعقلي.
وفي سبيل تحقيق هذا الأمر يمر المتصوف بمراحل من المجاهدة النفسية لترتقي روحه ويصفي قلبه. وهكذا عرَّف بِشر الحافي الصوفيَ بأنه هو من صفى قلبه لله. فالوجدان أو بمعنى أدق القلب هو محل اعتناء التصوف ومعيار التقدم والتراجع. ويمثل الزهد أبرز مفاهيم التجربة الصوفية؛ إلا أنه محل اختلاف من حيث مفهومه وغايته في النماذج الحضارية. فهو عند ماكس فيبر؛ الأخلاق الكالفينية البروتستانتية التي أسست للرأسمالية الغربية. فالزهد بمعناه الإجرائي وظَّفه ماكس فيبر كوسيلة للتنظيم العقلاني للمجتمع هدف تحقيق غاية مادية، هو سلوك جيّد يدفع إلى العمل وتقديسه. والانضباط فيه هو شرط ضروري للرأسمالية العقلانية، وهذا يتسق مع رؤية ماكس فيبر للدين باعتبار أن غايته هي في الأغلب اقتصادية. الزهد بالمعني التجريبي، هو افتقاد. أما بالمعنى الديني المقاصدي، فهو امتلاك الإنسان قوة الإرادة التي تحرره من أن تمتلكه نوازع النفس أو أن يستعبده الغير.
فإلى أي مدى ينعكس هذا المنحى الصوفي على النظر العقلي في الفكر الإسلامي؟ وهل للعقل دور في التجربة الصوفية باعتبار أن الوجدان يشكل مرتكزاً مهماً لها؟ في هذا السياق طرحت مدرسة الإصلاح والتجديد رؤية نقدية لإصلاح الفكر الديني كان لروادها نزعات صوفية تتفاوت درجة تأثيرها من واحد إلى آخر؛ أمثال جمال الدين الأفغاني والسيد محمد رشيد رضا والإمام محمد عبده الذي عبر عن هذه الرؤية بأنه «يجب تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى، والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية، بل هي أفضلها على الحقيقة». إلا أن سبيل تحرير العقل عند الإمام محمد عبده يستند بالأساس إلى التكوين القلبي السليم: «إن أول مبدأ يجب أن يكون أساساً لتحلية العقول بالمعلومات اللطيفة والنفوس بالصفات الكريمة هو التعاليم الدينية الصحيحة؛ أعني ترغيب القلوب في ما يرضي الخالق وإذهابها مما يغضبه».
وتعرض الإمام أبو حامد الغزالي إلى إشكالية العلاقة بين العقل والوجدان في التجربة الصوفية فرأى أن ثمة ثلاث مراحل لاستيفاء شروط المعرفة الصوفية أولاها تحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها من طريق العقل. والثانية الرياضة الصادقة. والثالثة هي التفكر، وهي ذروة التجربة الصوفية التي يجمع الصوفي فيها بين عقلانية الفكر وصوفية السلوك ويصير عالماً عاقلاً ملهَماً.
بيد أن الغزالي لا يقصر مهمة العقل في تحصيل العلوم وملكة التفكر، إذ يرى له مهمة بالغة الأهمية في التجربة الصوفية وهي الحكم النقدي على التجارب التي انحرفت عن الطريق السليم؛ وتقويمها. فالتجربة الوصفية عندما تستوفي مسارها الصحيح تولّد لدى الفرد عقلانية نقدية تعمق رؤيته الفلسفية؛ إلا أنها تتقاطع مع التفكير النقدي عندما يتم التعاطي مع القضايا العقلية بالحدس القلبي فقط. وهو ما يؤدي إلى أن تتحول الرؤية العقلية إلى انطباعات وجدانية ذاتية تفقد الجهد في التحليل المنهجي المؤسس على مقولات المنطق من أجل بلوغ رؤية موضوعية. فمثلاً؛ عندما يختزل توصيف حدث ما بمقولة الفتنة فقط هو تفسير وجداني يبحث عن حكم نهائي قيمي يفتقد التحليل الاجتماعي والسياسي وينمي نزعة العزلة التي تكرس ذلك الواقع. ومن ثم لا تبدو العزلة وسيلة للارتقاء النفسي من أجل إصلاح الواقع ومحاولة تغييره؛ بل هي ملاذ بديل لتجاوز معاناة المجاهدة الفكرية والاجتماعية التي يتطلبها الإصلاح.

المصدر: صحيفة الحياة




جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

 عندما يكُون التّرَاث الإنسانيّ عامّة والصُّوفيّ تحديدًا، مَبْحثا فكريّا يَسْتثِيرُ العُقول، وحينمَا تكُون الطّرُق الصُوفيّة وأنشطتها أيضًا مَدَارًا للتأمّل والاستقراء، تشغلنا في هذا السياق، مُصْطلحات تتواتر في أعْمَال المتصوّفة وغيرهم، يَعْرفها العَامّة والخاصّة منهم، وصارت قاسمًا مُشتركًا بين رجال الطريقة في الزوايا الصّوفيّة. وهي عندهم لُغة تُحيل على معان ودلالات يفهمُونها بجلاء. إنّها أشبهُ ما تكُون بالخطاب الرمزيّ الذي لا يفهمه إلاّ خاصّة الخاصّة. ويمكن لنا أنْ نجد تواصلا بهذه اللغة، لا داخل الزوايا فحسب، بل بصُورة أجلى في أدبيات الخطاب الصّوفيّ كالشعر والوصايا والخطب والرسائل…

ومن هذه المفاهيم المتداولة نذكر مُصْطلح “الطريقة” و”الشيْخ” و”المريد” و”السّمَاع” و”الإنشَاد”… وهي مُصْطلحات لا تخصّ زاوية دُون أخرى، باعتبار أنّها مُتعلّقة بمجال التصوّف أصْلاً، ناهيك عن عالم الطريقة مثلا. ويَعْسُرُ أنْ نفهَمَ حقيقة الموْرُوث الصُوفيّ بغيْر فَهْمِ دَلالاتها وفكّ رُموزها.

ولعلّ أكثر المفاهيم اتّصالا بعالم التصوّف والطّرق الصّوفيّة التي يَحْتاج دَارس التّراث إلى الإلمامِ بها مُصْطلح “الزاوية”. رُبّما لأنّهُ مفتاح من مفاتيح العِلْم بخفايا الأمُور، أو لأنّ فهمه وتفكيك دلالاته يمهّد الطريق إلى إدْرَاك تلك العَلاقة الجدليّة بين النّص الصُوفيّ كخِطاب دينيّ اِيديُولوجيّ وبين الممَارسة الجمَاعيّة باعتبارها تطبيقًا عَمَليًّا لذلك التصوّر الذي يَحْمله الخِطاب.

إنّ العَزم على اقتحَام عَالم الزوايا ومُعاينَة مَا يدُور دَاخلها وخارجَهَا، من أنشطة ذات صلة بالطريقة يَجعلنا في مُوَاجَهَة مع جهاز من المفاهيم نرى أنّ استجْلاءَهُ أمْرٌ ضرُورِيٌّ جدًّا للنفاذ إلى عالم المتصوّفة ومَا يَجري فيه ولفَهم خُصُوصيّات الطريقة وما به تأتَلّفُ أو تخْتلفُ مع نظائرها في هذا المكان أو ذاك.

فلفظة “زَاوية” تبدُو أكثر الألفاظ تواترا واستعمالا كلّما تعلّق الأمر بالحديث عن الطرق والمتصوّفة. ذلك لأنَّ كلمَة “زاوية” في هذا الترَاث مُصْطلحٌ صُوفيّ بامتيَاز. ولا شكّ أنّ ضبط تعريف وَاضح لهُ يُيَسِّرُ علينا فَهْمَ جوانب مُهمَّة عَلى علاقة بالطرق الصُوفيّة وأنسَاقهَا الفكريّة وسُلوكيّاتها وخصَائص خِطابهَا.

ولئنْ كان هذا مُصْطلحًا واحدًا من تلك المفاهيم التي يَصُحّ أن نُطلق عليها مفاهيم صُوفيّة، فإنّ ما استقرَّ لدَيْنا بَعْدَ نظر في تلك الدّراسَات التي اشتغلت على المفهوم، هو أنّها مَرّت عليه مُرُورا عَرَضيّا، فلم تعمّق الدّلالة، ولم تُوضّحْ المعنى. فالذين خَاضُوا في مَعاني “الزاوية” ورَامُوا توضيحَها كانُوا مُوجِزين مُختزِلِين. ولمْ نعْثر، في مَا قرأناهُ، على نُصوص تُفصّل القول في تاريخ الزوايا ووظائفها وأبعادها العقائديّة والاجتماعيّة إلا مَا نَدَر.

1. في ماهيّة الزاوية:

مَا تُسْعَفُنَا به القوَاميس[1] حَوْلَ مَادَّة (ز، و، ي)، يبدُو شَديدَ الإيجَاز. يُقَال زَوَاهُ، زِيًّا، أبَعَدهُ فانْزَوَى. وزَوَّى فُلانًا: صَرَفهُ. وزَوَّاهُ عَن الأمر: نَحَّاهُ وأَبْعَدهُ. يُقال زَوَى السِّرَّ: طوَاهُ، وَزَوَى الشيء: جمعَهُ، كمَا يُقال: وأزوَى: جَاءَ ومعَهُ آخر، وتزَوَّى وزَوَّى وانْزَوَى: صَارَ في الزَّاوية. والزَاوية: رُكنُ البَيْت.

وفي ضوء ما يُوفره المعجم، يُمكنُنَا التنبّه إلى أنّ مَعْنى الانزوَاء هو الابتعَاد والاعْتزَال وكذلك الجَمْع والمصَاحبة. وهي دَلالات، على دِقّتهَا، تبْدُو مُتناقضَة.

أمّا مَعنَى الزَاوية فَهْو الرُّكنُ أو المكانُ أو الفضَاءُ الذي يُزَّوَى فيه الفَرْدُ، أيّ يُبْعَدُ ويُنَحَّى. ومَنْ كانَ في الزَاوية اعْتزَل النَاس وابْتعَد عن الدُنيا، وإذا ابْتعَد عن شوَاغل الناس والدُنيا صَار بإمْكانِه أنْ يَجتمِعَ بآخَر هو ذِهْنَهُ وفكرهُ يَدعُوانهِ إلى التأمّل، أو هو مَنْ زُوِيَ مِثلهُ يُؤانسَه.

يبدُو إذن، أنَّ مَا يُحيل عليه المعنى الاشتقاقيّ اللغَويّ، بمَا هُو رَدِيفٌ للاعْتزَال والانفِرَاد والصّرف والإبعَاد، تُناقضُه وَظيفة المكان الذي يَتزَّوَى فيه الشَّخص لأنّهُ في الحقيقة يُتيحُ لهُ الجَمْع والالتقَاء.

ويجوز لنا القول، حينئذ، إنّ مفهُوم الزَّاوية مفهُوم “اِشْكَاليّ” يَحْمِلُ من تنَاقضَات الدَّلالة مَا يُنْبِئُ باختلاف الوَظائف في هذا الفضَاء الفَريد بأسْرَاره.

وإذا حَكّمنَا العقل بَطُلَ العَجبُ من تنَاقض الدَّلالات، وقَدَرْنَا على فكّ أسْرَار ذاك التضَارُب في المعَاني. فالزَّاوية هي فعْلاً مَكانُ الانقطاع، ولكنَّهَا أيضًا مَكان الاجتمَاع. إنّها فضاءُ انقِطاعٌ عن الدُنيا وشوَاغلها وخُلوَة مَع الفكر وتأمُلاته واجتمَاعٍ بمَن اختارُوا هذا المكان لذات الغَرض أو ما يُشاِبهُهُ.

ولقد أدرَك البَاحث عبد الجليل الميسَاوي سِرّ هذا التنَاقض في مُصطلح “زَاوية” فأشَار إلى مَا فيه من ازدوَاجيّة في الدَلالة وتَقابُل في المعْنَى. فقال “مِنْ بين الألفاظ المشتركة في اللغة العَربيّة نجدُ كلمَة “زَاوية”، بل هِي ليْسَت فقط من الألفاظ المشتركة وإنّمَا هي أيضًا من أسمَاء الأضْدَاد، أي أنّهَا من الكلمَات التي تَدُل على المعْنَى ونَقيضِه…هذا الاشترَاك اللفظيّ وهذَا التضَادّ الدَلاليّ في كلمة “زَاوية” وفي مَادّة (ز، و، ي) التِي اشتُقت منهَا يَجْعَلان من الصَّعب الجَزم بمَضمُون مَدلولهَا الاصْطلاحيّ، هل هو يَعني “الجَامعَة” و”المركّب” أو هُو يَنصرفُ إلى الدَلالة على “الخَلوة” بمَا تعْنيهِ من انفرَاد وعُزلة وانقطاعٍ”.[2]

وإذا سَلّمنا بأنّ المصطلح بَات يُمثلُ لغزًا مُحيّرًا بمَا يتضمّنهُ من إشَارَات إلى الدّنيَويّ المَادّي والعَقائديّ الرُّوحَانيّ، صَارَ لزَامًا علينَا أنْ نَبحَث في تفَاصيل ذاك التنوّع الوَظائفيّ وأنْ نُحَدِّد تلك المرَاحل التاريخيّة التي حَوّلت الزَاوية إلى أكثر من مَكان للانزوَاء والتعبُّد.

2. الزاوية: تاريخيّة المسمَّى

أوّل مَا ينبغِي أنْ نُقِرَّ بهِ، في سيَاق هذه المقاربة النَقديّة لمكانة الزوَايا الصُوفيّة في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، هُو أنّ البدَايات الحَقيقيّة لاستعمَال مُصطلح “زَاوية” كانت في القرن السَابع للهجرة. ومَعنَى ذلك، أنّهُ تزَامن مَع لحظة التأسيس الفِعليّ للطّرقيّة ورَافق نَشأة الطُّرق الصُوفيّة ومرَاحل انتشَارها في المشرق والمغرب. فَلسنا نَجِدُ في كُتب الأوّلينَ من المتصوّفة مَا يُشيرُ إلى تدَاوُل هذا المصْطلح بَينهُم أو استعمَال مُصْطلح مُرَادِف لَهُ. لأنّ هَؤلاء الرَّاسِخِين في علم التصوّف لم يَعْرفُوا مِن أمَاكن العبَادة والتقرّب إلى الله غَيْر المسَاجد. ففي رحَابها كانتتَأمّلاتهِمْ، وفي أرْكَانهَا كَانت جَلسَاتهم إلى طالبِي العلم من مُريديهِم.

على أنّ الإقرَار بتزَامن استعمَال مُصْطلح “الزَّاوية” مع ظهُور الطرق الصُوفيّة لا يَعْنِي قطعًا التَسليم بوُجُود اتّفاق عليه في المشرق الإسلاميّ ومَغربه. فمَا ثبَت لدينا، بَعد نظر في كتابَات المشارقة عن التصوّف والطُرقيّة، هُو أنّهُم كَانوا يَجْهلُونَ لفظ “الزَّاوية” ولمْ يَستعملوهُ في أعمَالهم. إنّمَا تكَرّرت لديهِم مفَاهيم أخرى مُرادفة للزَاوية أو قريبَة منهَا في المعنَى. “فالشَائع لدَى المشارقة استعمَال جُملة من المُصطلحَات يَختلفُ تدَاولهَا باختلاف المَكان والزمَان. فقد استعملوُا في البداية مُصْطلح “الخَانقاة”*”[3]. وهو لفظٌ دَخيلٌ دُون شكّ وَقع تدَاولهُ رَدْحًا من الزَّمن واحتلَّ مَكانة في مُدوّنات الثقافة الإسلاميّة وبالتحديد في أدَبيّات الفكر الصُوفيّ. ثمّ “خَلفَهُ فيالقرُون التّالية وإلى اليَوم مُصطلح “مَقام” و”مَشهَد” ثم نَشِطَ في العَهد العثمَانيّ مُصْطلح رَابِعٌ هو “التكيّة” وهي مَأوَى الدّرَاويش والمتعبّدين.”[4]

على هذا الأسَاس، يُصبحُ مَفهُوم “الزَّاوية” مُصطلحًا مَغاربيًّا بامتيَاز. ففي المغرب العَربيّ كان رَوَاجُ الكلمَة، فحَملت من الدّلالات مَا بهِ تُعْرَفُ الأمَاكن التي يَرتادُها المتصوّفة ويُمَارسُون فيهَا نشَاطهُم. بَل، إنّ هذا المصْطلح كَان في تلك الرّبُوع عَلامَة مُميّزة للنَشاط الصُوفيّ، حَتى صَارَ الحَديث عن حَركة صُوفيّة وَثيق الصّلة بمَا يَجْرَي داخلَ الزوَايا وَبَات الفَصل بينهُما ضَرْبًا من التعَسّف المبْعِدِ عن الحَقيقة.

ويَنبغِي ألاَ يَقُودَنَا الاقرَار بمَغاربيّة الزَاوية كمُصْطلح إلى إنكَار وُجُودِ مُصْطلحَات أخرَى مَشرقيّة مُتدَاولة في المغرب. فكلمَة “مَقام” ليسَت غَريبَة عَنْ “أبْجَدِيَّات” الثقافَة التونسيّة مثلاً، لأننّا وَجدنا أهل هذه الرُبُوع يُطلقونهَا على أضْرحَة الأوليَاء والصَّالحين. حتى شاعَ الحَديث عن “مَقام الإمَام سَحنُون” و”مقام أبي زمْعَة البلويّ” و”مَقام سيدي بُولبابة” وغير ذلك كثير.

ويَبْدُو أنّ أهل إفريقيّة كَانُوا في اختيَارهم لمفاهيمهم الصُّوفيّة أكثر وَعْيًا وتَمييزًا من المشارقة، ففصَلوُا بين الزَاوية كمُؤسَّسة أو مُرَكّب يَأوِي الجَمَاعَات وبَيْنَ الضَّريح أوالمقام بمَا هُو مَدْفَنٌ فَرديٌّ للوَليّ قد يَستقلُّ بذَاتهِ وقد يَلْحَقُ هو الآخَر بالزَاوية فيكُون جُزْءًا منهَا. مثلما ميّزوا بينها وبين “الرباط” كمكان للحراسة والحماية وتدبير الحِيل لمقاومة العدو، زيادة على الدّلالة المألوفة وهي التعبّد والتفقّه في أمُور الدين، يقول محمد حجيّ “لم تظهر الزاوية في تاريخ المسلمين كمركز دينيّ وعلميّ إلاّ بعد الرباط، والرابطة لغة مصدر رَابَط يُرَابط بمعنى أقام ولازم المكان. ويُطلقفي اصطلاح الفقهاء والصوفيّة على شيئين: أولهما البقعة التي يجتمع فيها المجاهدُون لحراسة البلاد وردّ هجوم العدوّ، والثاني عبارة عن المكان الذي يلتقي فيه صالحوا المؤمنين لعبادة الله وذكره والتفقه في أمور الدين”[5]

وأيًّا كَانت الاختلافَات في اختيَار المفاهيم المحدّدَةِ لِفَضَاءَات الممَارسة والفكر الصُّوفيّيْنِ، فإنّ مَا يُمكنُ أنْ نَحتفظَ به هُو أنّهَا اختلافاتٌ في التسميَة لا غَير. أمّا المسَمّيات فوَاحِدةٌ، تَجُرّنَا إلى الاقرَار بوُجُود وَظائف وَاحدة لمْ تكُن ثابتة مُنذ أنْ نَشأت الزّوَايا، ولا كَانت مُحَنّطة على مَدَى سَنوَات التأسيس ثمّ الازدهَار.

3. وظائف الزاوية: من الرّوحيّ إلى الاجتماعيّ:

لَسْنَا نَجدُ في هذه الوَظائف، التي نَهَضَت بهَا الزّوَايا الصُوفيّة، مَا يَدُلُّ على وُجُود نِظامٍ دَقيقٍ حَكَم تطوّرهَا مُنذ لَحْظة النَّشأة وحَتى يَوم الناس هَذَا. لكنّ مَا يُمْكِنُ أنْ نَسُوقهُ على وَجه الاجتهَاد والتَّخمِين ووفق مَا جَادت به القرَاءَات المختلفة لتاريخ التصَوّف الإسلاميّ، هُو أنّ الزَّاوية مَرّت بمرَاحِل وأطْوَار أفرَزت وَظائف كَانت مُتشعّبَة بلا شَكّ، ولكنّهَا مَثَّلتْ الوَجه الحَقيقيّ لهَذا الفضَاء المحْسُوبِ على المتصَوّفة.

وأولَى تلك المرَاحل مَرحَلة البنَاء وبدَاية الانتشَار. وهي مَرحَلة كَانت فيهَا الزَاوية “مَكان العُزلة والانزوَاء للعبّاد والصّالحِين”[6]. وتلك هي الغَاية الأولى التي من أجْلهَا بُعِثت الزوَايا فكَانت في خُطوَاتهَا الأولى رَديفًا للمَسجد في وَظائفِه، وإنْ كَانت تَمتازُ عَنهُ بفكرَة الانعزَال والهُروب والانقِطاع. وهَكذا كَانت الزَاوية في بدَاياتهَا مَلاَذًا ومَأْوَى لِطَالبِي العُزلة أكثر مِنْهُ مفَرًّا لِطَالبي الحقّ ونَاصِري الديّن.

إنّهَا ثقافَة الانْعزَال حَكَمَتْ مَرحَلة البدايَات، فكانت فيهَا الإقامَة في الزَاوية إعلانًا عن العِصْيان الاجتمَاعيّ وتَكريسًا لِمَبْدَإ الثورَة على السَّائد والتمَرّد على مَألوف الحياة الاجتمَاعيّة، وبحثا عن مُمارسة القناعات الفكريّة والدينيّة بعيدًا عن الرقابة التي تحارب “الشُذُوذ” الفكريّ وتقمع حقّ الاختلاف.

وقد يَكُون هَذا الدّافع إلى مُخالفة الناس والقَطْعِ مَعَهُمْ هُو الذي جَعل أولى الزوَايا، في بلاد المغرب العَربيّ خَاصّة، تَسْتقرّ في أمَاكن نَائِيَة بَعيدَة عن العُمْرَان البَشريّ وتكَادُ تَخلوُ من مَظاهر الحيَاة عَدَا عُبّادٍ يَعتكفُون في مَحَاريبهِم يَعبدُون الله خوفًا وطمعًا ويتركُون النّاس احترَازًا واحتسَابًا.

غَير أنّ تلك النَزعَة إلى الاعتزَال التِي من أجلهَا بُنِيَت الزّوَايَا استحَالت رَغبة في الاجتمَاع أفرَزتهَا ظرُوف تَاريخيّة وعَوَامِل ثقَافيّة. ذلك أنّ استعمَار البلاد العَربيّة أفضَى إلى استيقاظ الحَمِيَّة الدينيّة والمشاعر الوَطنيّة. وانتشرَت بالمقابل مَظاهر الفَقر والأميّة، فكانَ أنْ تَغيّرت وَظائف الزَوايا وتجَاوزَت أبعَادهَا الدينيّة العَقائديّة لتُعَانِق أبعَادًا أرْحَبَ وأعْمَق حَتى عدَّهَا الكثير من الدّارسين “مُؤسَّسة دينيّة واجتمَاعيّة وثقافيّة”[7].

وأولى تلك الوَظائف التي صَارت مَنُوطَةً بعُهْدة الزوَايا وَظيفة تعليميّة تَربَويّة. فقد بَاتت فضَاء لتحفيظ القرآن الكَريم ونشر تعَاليم الإسْلام التي حَاوَل الاحْتلال الأجنبيّ طَمْسَهَا، بَل إنّها سَاهَمت في تَعزيز الحِسّ القوميّ وتَقويَة الإحْسَاس بالانتمَاء إلى العُرُوبَة حَتى ذَهب البَاحث فتحي زغنده إلى القول: “وقدلَعبَت الزوَايا دَوْرًا لايُستهَانُ بهِ رَغم كُلّ ذلك في الحِفاظ على الشَخصيّة القوميّة في بلاد المَغرب الاسلاميّ وإنّ انتشَارهَا يُعَدُّ رَدّ فعل ضِدّ الغَزو الثقافيّ الأجنَبيّ”.[8]

ومن دَلائل هذا الانفتَاح على مَشاغل النَاس وهمُومهم في رحَاب الزوَايا، أنْ صَارَت مَكانًا لإيوَاء المحتاج وعَابر السَبيل ولإجَارَة المستجير من ظلم ظالم أو كَيْدِ حَاقِدٍ. ذلكَ أنّ الناس صَارُوا عَلى مَرّ الزَّمَان يَعتقدُون في شيُوخ المتصوّفة ويَلْتَمِسُونَ عندَهم الحمَاية ويَطمحُون في البَركة.

وأفْضَى انعِقادُ حَلقات الذكر دَاخل الزوَايا إلى تَعْزيز رُوح التضَامُن وإغنَاء مَشاعر الانتمَاء. وطَالَ هَذا التطوّر مُدن البلاد وأريَافهَا على حَدِّ سَوَاء فَحدَّ الاجتمَاعُ في الزَاوية من خَطر النَزعَة القبليّة والانتمَاءَات “العُرُوشيّة” واسْتحَال التناحُرُ تقارُبًا وآلَ العِدَاءُ إلى أخويّة في حَضْرَةِ شيُوخ الصُوفيّة.

لقد أصْبَحت الزَاوية “نَادِي المريدِين وبَاتَتْ المسجد ومَكان العبَادة والصَلاة والاعتكَاف. وصَارَت المدرسَة التي تنشُر العلم والثقافة وتمزّق غيَاهِبَ الجَهل والأمّيّة، والفُندُقَ الذي يَأوي إليه الغُربَاء وعَابرُو السَّبيل فهي مَركز القيَادة والتوجِيه.”[9]

إنّهُ التعَدّدُ والاختِلاف أفضَيَا بالزَاوية إلى أنْ تَتَحرَّر من وَظيفتهَا الفَرديّة الضيّقة لتُلْقِيَ بظلالهَا على الحَياة الاجتمَاعيّة بخصُوصيّاتهَا ودوَافعهَا السيَاسيّة وأسبَابها التاريخيّة. وهَكذا كان التَحوّل من ثقافة الانعِزَال إلى ثقافة الانفتَاح ومِن سُلطة الفرد إلى سُلطة الجَمَاعة. هَذا التطوّر الذي شهدَتهُ الحيَاة في الزوَايا جَعَل الأستاذ توفيق بنعَامر يَرى أنّ “نشُوء فضَاء الخَانقاة والرّبَاط والزَّاوية لمْ يكن استجَابة للحَاجَة النفسيّة والرُّوحيّة التي اقتضَاهَا النشَاط الصُوفيّ فقط، بَل كَان أيضًااستجَابة للحَاجات الاجتمَاعيّة التي أفرَزت ذلك النَشاط واتّخَذت منهُ شكلاً من أشكَال التَعْبير الدينيّ. وانطلاقا من تلك الحَاجَات اكتسَى ذلك الفضَاء طابعًا اجتمَاعيًّا. فكَانت الزَاوية مَكانًا مَفتوحًا لقَاصديهِ دُون تَمييز، وكانَتْ مَجالاً لإرسَاء عَلاقات اجتمَاعيّة من طرَاز جَديد عِمَادُها “التآخِي في الصّحبة”.[10]

4. الزاوية: بين المقدّس والمدنّس

إنّ تَحوّل الزَاوية مِنْ مُجَرّد مَكان للانعِزَال إلى مُؤسَّسَة ذَات نظام، جَعَل هَذا الفضَاء يُمثلُ في بلاد الاسلام وحَتى زَمَن مُتأخرٍ سُلطة حَقيقيّة تُضَاهِي سُلطة الدّولة. وهي بلا رَيبْ سُلطة رَمزيّة يَنتزعُهَا الشيُوخ المتصوّفة ويَنسبُهَا إليهم مُريدُوهُم من المؤمِنين بالطريقة والمقدّسِين لكرَامَات أربَابهَا من ذَوِي السُلطان الأعظم، أولئك الذين صَارُوا رُمُوزًا للتْقوَى والصَّلاحِ والسُلوك الحَسَنِ وقُدوةً للأتبَاع من ذَوِي الحَاجَة إلى مُضَاعفة الجُهْدِ لبلُوغ مَرَاتب الطريقة والحُلول في الذَات العَليّة.

ولما كَانت الغَاية من الاجتمَاع بالشيُوخ هي بالأسَاس غَايَةً عَقائديّةً رُوحيّة، ولما كانت الطريق إلى الحُلول في الله هي الذِكْرُ ومُدَاومَتُةُ، فقد نَشأت في الزوَايا الصُوفيّة ظوَاهر أخرَى لمْ تكنْ لهَا في مَرحلة البدايَات. ومن هذه الظوَاهر الاحتفَال والسّمَاع وإنشاد المدائح والأذكَار، وهي ظوَاهر تُرَاوحُ بين الدّنيَويّ والعَقائديّ وبين الحِّسّي والرُوحَانيّ فتنْضَافُ وَظائف أخرَى منهَا الاستمَاع والترويح عن النفس من ضِيق العَيش وشَظَفِ الحيَاة.

تُصبحُ الزَاوية إذن فَضاء للاحتفَال فَضْلاً عَن التعبُّدِ والاجتمَاع. وهذه الوَظيفَة التي لحقَتْبوَظائفَ أخرى على امتدَاد تاريخ الزّوَايا الصُوفيّة، في المغرب العَربيّ خَاصّة، جَعلت منهَا قِبْلة للبَاحثين في اختصَاصَات مُختلفة، فكَان منهم المؤرّخُون وعلمَاء الاجتمَاع والانترُوبُولوجيّون والاثنومُوزيكولوجيّون… هَكذا فالزَاوية بمَا تَتضمّنهُ من أبعَاد مُختلفة لمْ تَعُد مُجرّد مَكان للانزوَاء بَل صَارت حَدثا اجتمَاعيّا لهُ قيمَتهُ. فالممَارسَة الجمَاعيّة لنشَاط مُعيّن دَاخل مَكان مَا تَصنعُ الحَدث فتختزنهُ الذاكرَة الجمَاعيّة ليُصبحَ جُزءًا من ثقافة مُجتمَع بأسْره.

إنّها إذن مُؤسّسة تواصل بين الأفراد والجماعات، لذلك يذهب الباحث قسطاني إلى اعتبارها “المتنفس الثقافيّ والأمنيّ والدينيّ للأفراد والجماعات صعودًا، وهي تعريف الساسّة المخزنيّة نزولا. وتلعب الزاوية هذا الدور نظرا لطبيعتها المزدوجة، ثقافة عالمة فقهيّة سنيّة مرنة وثقافة شعبيّة رمزيّة طقسيّة صوفيّة عجائبيّة تؤثّر في العقل المستعد للانقياد وفي الوجدان”[11]

بَيْدَ أنّ الاقرَار بتنوّع الوَظائف في الزَوايا وتَحوّلهَا إلى حَدث ثقافيّ واجتمَاعيّ، لا يَنبغِي أنْ يَحْجُبَ عَنّا ظوَاهر أخرَى آلت إليهَا فأفْقَدَتْ كَثيرًا منهَا ذلك البُعد الرّوحَانيّ الذي بُعثَتْ من أجلهِ. فالذِي يَتأمّل مَا صَارَ يَحدثُ في تلك الفضَاءَات التي اتّخذهَا شيُوخ المُتصوّفة بيتَ صَلاةٍ وعبَادَةٍ ومَركزًا للدّعوة إلى تعَاليم الطريقَة يُدْرِكُ أنّهَا مَجالات لإحيَاء المدَنَّسِ، فشَاعَت في أركَانها مَظاهر الشعْوَذة واختلط الرّوحَانيّ الغَيبِيّ بالسِّحريّ الدّنيويّ حتى ذهب عبد الجليل الميسَاوي إلى القول: “يَتضَح بجَلاء أنّ الزوَايا بَعد التَربيَة والصَّلاح وبَعد السُموّ بالانسَان رُوحًا وَوجدَانًا… أخذ بَعضهَا مُنذ وَقت مُبكرٍّ وبالتَحديد مُنذ القرن السَابع الهجريّ يَتجّهُ نَحو نَشر الغمُوض والشَعْوذة والخرَافة والتَفكير الأسْطوريّ وكلّ مَظاهر التَخلف الاجتمَاعيّ والثقافيّ والانحرَاف العَقائديّ والسُلوكيّ”.[12]

ولا يَختلفُ هذا الرَّأي عَمّا ذهب إليه مُحمد لحول في مَقاله الزوَايا والطّرق الصُوفيّة بالبلاد التونسيّة. فقد رَأى أنَّ “مِمَّا يَسترعِي الانتبَاه ذاك الاختِلاطُ الغريب في الزيَارَات بين المقدّس والدُّنيَويّ…. لقد أصْبَحَت الزوَايا تُؤمُّ في الغَالب لمَآرب دُنيويّة تخرج تَدريجيًّا من الزيارَات الرّوحيّة إلى المهرجَانات الفلكلوريّة”.[13]

هذه الظوَاهر جَعلت بعض البَاحثين، على اختلاف اختصَاصَاتهم، يَرَى أنّ زوَايا هذه الأيام فقدَت جَانبا كبيرًا من إشعَاعهَا وانْحَدرَت إلى مَرحلة الانهيَار والانحِطاط بَعد أنْ شهدَت أوْج تَألّقهَا في فترَات الاحتلال الأجنبيّ وفي عُقوُدٍ لاحِقة من تَاريخ الاستقلال.

ويَعْمَدُ “الميسَاوي” إلى تعليل لحظة الانهيَار فيقول: “لقد كَان في مُقدّمة العوَامل المساعدة على تسريع انحِطاط الزوَايا والطّرق الصُوفيّة وعلى تَنكرّهَا للأهدَاف التي أُسِّسَتْ من أجلهَا ظهُور نظام توَارث الولاية والصلاح بحيث تنتقل المَشيَخة وقيَادة الزَّاوية أو الطريقة من الشيخ إلى أحَدِ وَرَثَتِهِ من رجَال أسْرَتهِ، وكثيرًا مَا يكون المُرشَّحُ لذلك أحَد الأبناء أو الإخوَة. وكأنّمَا الأمْرُ يَتعلّقُ بإمَارة أو مَمْلكة حَقيقيّة”.[14]

يُمكن القول إذن، إنّ قانُون الورَاثة الذي صَار يَحْكُمُ ظاهرَة تناقلِ المشيَخة بين المتصوّفة أفرَز حَالة من الجَهْل بتعَاليم الطّرق الصُوفيّة فأفضَى ذلك إلى ترَاجُع في التأطير والتوجيهِ ولم تعُد العَلاقة بين الشيْخ ومُريدِه على مَا كانت عَليه من قدَاسَة ووُثوقٍ. فكان أنْ تَزعْزَعت أركَان العَقيدَة، وتاهَت السُّبل إلى الطَّريقة. عَلى أنّ الظاهرة التي أشَار إليها الباحث الميسَاوي، لا تُلْغِي وُجُود ظوَاهر أخرَى أفرزَت بَدْورِهَا هذا المصير الذي آلت إليه الزَّوَايا. من ذلك، أنّ تَغيّر المجتمَع وتطوّر دَرجة الوَعْي أفْضَيَا إلى ضُعْف الإيمَان بالأوليَاء الصّالحِين وبَركة الشيّوخ من الطُّرُقيّين. فكَان أنْ قلَّ الإقبَالُ على الزَاوية وتقلّصَ زمَنُ الإقامَة فترَاجَعَت به الأنشطَة والممَارسَات داخل هذا الفضَاء.

ولقد أدْرَك البَاحثُ عبد الحكيم أبُو اللّوز حَقيقة هذه الظاهِرة فقال عنهَا “.. وعلى عَكس مَا كان مَعمُولاً به في المَاضي، فقد فقدَت الزَّوايا والأضْرحَة دَورهَا في استقبَال الزائرين وتوْفِير المَأوَى والمَأكل والمَشرب لهُمْ. وأصْبَحَت زيارتهَا لا تستغرقُ سوَى دَقائق مُتعدّدة يَستغرقهَا الزَائرُ في الجُلوس قبَالة مَرقد الوَليّ والدّعَاء لهُ قبل أنْ يهُمّ بالانصرَاف مِمَّا لا يُوفرّ فُرصة لمُسَيِّري الزوَايا وحَفدَة الأوليَاء وخُدّام ومُريدي الأضرحَة من إشاعَة قدرَات أجدَادهم في إنجَاز المعْجزَات، والدِّعَاية لقدرَاتهم على الاستجَابة لرَغبَات الزُوّار”.[15]

إنّهَا إذن لحْظة ترَاجُع لا يُمكنُ إنكارُهَا، ولكنّنَا نَرَى أنّهُ من السَّابق لأوَانهِ الحَديث عن “مَوت الزوَايَا” واندِثار الطُّرقيّة. والحجّة على ذلك، أنّ القراءات والمقاربات للتراث الصوفيّ، صارت الآن مُغريّة للانتروبُولوجيين والدارسين والباحثين في اختصاصات عدّة يعكفُون على النظر في التراث ومنه الزوايا الصوفيّة بالبحث والتَمْحيص. وتلك حجّة على أنّ الاندثار لم يحن بعْدُ.

ثمّ أليس ظاهرة الهجوم على الزوايا والأضرحة والمقامات اليوم، حُجّة على استهداف الذاكرة الجماعيّة للشعُوب المقدّس فيها والمدنّس؟

أليس هذا في حدّ ذاته مبحثا جديرًا بالاهتمام للحسم في ما إذا كان تراثنا عُمومًا قد اندثر تمامًا أمْ هو مُحصّن لأنّه ساكن فينا؟!.

 

المصادر والمراجع:

– ابن منظور (جمال الدين)، لسان العرب، م. 7، دار صادر، بيروت، 1997

– أبو اللوز (عبد الحكيم)، تراجع الزوايا والأضرحة… أزمة التديّن التقليدي في المغرب، تقرير حول أطروحة الدكتوراه تحت عنوان “الحركات السلفيّة في المغرب 1971- 2004″، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، الدار البيضاء، نشر بمجلة علوم إنسانيّة WWW.ULUM.NL، العدد 39، 2008

– الدكالي (محمد)، الرباطات والزوايا في تاريخ المغرب، منشورات كليّة الأداب، الرباط، 1997

– العجيلي (التليلي)، الطرق الصوفيّة والاستعمار الفرنسي في البلاد التونسيّة، منشورات كليّة الآداب بمنوبة، 1992

– الفيروز أبادي (مجد الدين)، القاموس المحيط، ج. 4، دار الجيل، بيروت، 2004

– المساوي (عبد الجليل)، القصرين والوسط الغربي: حقائق وأحداث لم تدون، ط.1، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، صفاقس، 2006

– بن محمد (القسطاني)، فكر ونقد، ملف اللغة العربيّة، العدد 24، 1999

– بنعامر (توفيق)، مدخل إلى نشأة الطرقيّة في الإسلام، مقال نشر بموقع الناقد المغربي مُحمدالداهي،مقالات ودراسـَات علميّة. http://www.mohamed-dahi.net

– حجي (محمد)، الزاوية الولائيّة ودورها الديني والعلمي والسياسي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 1988

– لحول (محمد)، الزوايا والطرق الصوفيّة بالبلاد التونسيّة (منطقة دوز عيّنة)، ج. 2/3، بتاريخ 16جويلية 2010، مقال بموقع مرصد الذاكرة الشعبية، http://marsad.blogspot.com/2010/07/3.html





جغرافية الشعراء

Geography-poem

بقلم: خالد محمد عبده * — تأخذنا أنّاماري شيمل في جولة مع الشعر عبر بلاد الإسلام، لنقتفي أثر الشعراء في بحثهم عن حبيب مفقود أو سعيهم وراء آثار تشهد على أمجاد الماضي من خلال قراءتنا لكتابها (جغرافية الشعراء) الذي كان في أصله محاضرة ألقتها شيمل في مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، بعد أن قدّمت محاضرتها عن (أسرار العشق المبدع في كتابات محمد إقبال)، والتي صدرت عن المؤسسة باللغتين العربية والإنجليزية وقد قدّمناه للقارئ من قبل على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود[1].

حاولت شيمل في محاضرتها أن تركّز على النهج الذي سلكه الشعراء في العالم الإسلامي في استخدامهم لصور من المدن ومن الأنهار ومن المعالم الطبيعية، وسعت وراء الإيقاع الداخلي وراء استخدام أسماء تلك الأماكن والمعالم التي وردت في الأشعار العربية والفارسية والتركية والسندية.

بدأت هذه المحاضرة بقول امرئ القيس في مطلع معلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول وحومل… فكل من له صلة بالأدب العربي، أو اطلع على قدر يسير منه بطبيعة الحال سمع هذا البيت وردده؛ فالوقوف على الأطلال والبكاء ودعوة الأصحاب للمشاركة في البكاء على المكان الذي عاشت فيه الحبيبة فيما مضى من الأيام كان غرضًا من أغراض الشعر العربي، كُتب حوله الكثير، ولا زلتُ أذكر أن مادة الأدب التي درسناها في كلية دار العلوم كنا قد تلقينا دروسًا طيلة عدة أشهر في تحليل معلقة امرئ القيس، بعد أن خصص المغفور له الدكتور صلاح رزق كتابًا عن المعلقة يحلل أبياتها ويشرحها للطلاب[2].

تلفت شيمل نظرنا إلى أن النقّاد منذ القِدم استهجنوا الإسراف في استخدام أسماء الأماكن، والذي أصبح تقليدًا متبعًا في الشعر العربي، وأصبحت الأسماء العديدة نوعًا من القوالب المتحجّرة، وتحوّلت إلى كليشيهات تُستخدم عبر القرون، وتحيل شيمل على دراسة نيكلسون الذي تحدث فيها عن شعراء قاموا برحلة من محض خيالهم عبر صحارٍ لم يروا منها شيئًا البتة، على ظهر جمل لم يكن ملكًا لهم في يوم من الأيام (جغرافية الشعراء، ص 4).

ومع هذا، سار على نفس النهج كبار الصوفية في أشعارهم، فاستخدموا جميع مفردات شعر الغزل العربي التقليدي للتعبير عن تجاربهم الروحية، ويبدأ ابن الفارض (المُـتوفى عام 1235م في مصر) إحدى قصائده الجميلة قائلا: (احفظ فؤادك إن مررت بحاجر). ويستخدم الشيخ الأكبر ابن عربي (المُـتوفى عام 1240م) أسماء الأماكن العربية التقليدية في أكثر من موضع في ديوانه (ترجمان الأشواق)، وقد التزم في شعره بنماذج الشعر العربي القديم التزامًا دقيقًا، ويذكر المفكّر الصوفي الواسع الاطلاع عددًا من الأسماء نادرًا ما وردت في الشعر القديم، وهو يتغنّى باحثًا عن الجمال الإلهي.

السفرُ بحثٌ عن المعشوق لا يعرفُ النهاية، هذا البحثُ ينطوي على الأمل في العثور على أثر ولو بعيد من وجود معشوق الفؤاد ومرغوب القلوب، نلاحظ ذلك في أشعار الطرطوشي التي توردها شيمل معتبرة إياها معبّرة بشكل أفضل من امرئ القيس عن أمل المحبّ، يقول الطرطوشي:

أوقفتُ المسافرين من كل بادٍ سائلاً

هل أحسّ أيّ منهم يا معشوقتي بعطرك

سألتُ كل ريحٍ ونسمة

هل منكم من يعرف أين حبيبتي.

تنتقل شيمل من بلاد العرب -التي تغنّى شاعرها بالمرور على ديار ليلى يُقبّل ذا الجدار وذا الجدار، وما حُبّ الديار شغفن قلبه ولكن حبّ من سكن الديار- إلى شعراء شيراز وأوليائها، وبصورة خاصة ما كتبه عرفي الشيرازي[3] ممثلاً أحاسيس الشعراء المهاجرين وإشاراتهم إلى الأماكن الجغرافية وإلى الأسفار، حيث قال في إحدى قصائده:

طفتُ ببلاد الدنيا .. فما رأيت تاجرًا يبيع حسن الحظّ في السّوق.

تشير شيمل إلى أننا نملك مادة وفيرة لا يمكن حصرها باللغات العربية والفارسية والتركية والأردية يشار فيها إلى أماكن ومواقع كموقعة بدر وخيبر، وأهم من ذلك وأكثر ورودا في الشعر (كربلاء العراق)، يذكر ذلك عند الشيعة والسنة، فنعرف أن محمد إقبال استخدم مفردة (النجف) في شعره، وغير خاف على من يقرأ أشعار مولانا جلال الدين الرومي حفاوته بذكر (دمشق) فدمشقُ العشق، فقد التقى مرغوب قلبه هناك، ومما نقرأه في ديوان غزليات شمس تبريزي قول الرومي:

وما دمشقُ؟! إنها جنّة مملوءة بالملائكة والحور

وقد حارت العقول في تلك الوجوه

لا ينشأ عن نبيذها اللذيذُ قيءٌ أو خُمار

ولا ينشأ عن حلاوة حَلواها الحُمّى!

ويقول أيضًا:

أنا عاشق ومندهش ومجنون بدمشق

روحي فداء لدمشق وقلبي أسير هوى دمشق

عند باب البريد نقف والحبيب ليس معنا

ومن جامع العشاق نكون في خضراء دمشق

نصعد الربوة كأننا في مهد المسيح

كأننا راهب ثمل من صهباء دمشق

كيف نبقى بلا طعم عندما ندخل المزة؟

عندما نكون في الباب الشرقي في سويداء دمشق

ولأن دمشق جنة الدنيا إبهاجا للنظر

نحن في انتظار رؤية حسنى دمشق

فإن كان حضرة شمس الحق التبريزي هناك

فنحن مَوال لدمشق وأي مَوال لدمشق.

وفي الشعر العربي المعاصر، نقرأ لأدونيس عددًا من القصائد خصصها لدمشق تصفها شيمل بالقصائد الرائعة (جغرافية الشعراء، ص9).

تحتفي شيمل بذكر (بغداد مدينة السلام) العروس وتستدعي سيرة الحلاّج، وتذكر بعضًا من أشعار ابن عربي، وتنتقل إلى قصيدة استوقفتها للبيّاتي العراقي، وتتوقف عند المرثيات التي تجسّد حرفيًّا ما يُذكر في القرآن (كلّ شيء هالك إلاّ وجهه).

أكثر من موقع في تغرب فيه الشمس ويسود الظلام، تنبهنا شيمل إلى استخدام السهروردي المقتول، شيخ الإشراق (الذي قُتل في حلب عام 1191) هذا التباين في التعبير عن التباين بين المادة والروح، وهذه فكرة رئيسة في فلسفة التصوف، الروح الإنسانية عند السهروردي سجينة في حضرة سوداء في قيروان، وعندما تتلقى الأنباء من (المشرق) تتذكر أن هذا المكان ليس موطنها الحقيقي، بل هو في حقيقة الأمر كما يقول السهروردي الغربة الغريبة. وهكذا يتجه السجين إلى الشرق، والشرق يعني اليمن ذلك البلد الذي تشرق منه الشمس! في اليمن سيجد الساعي ما يسميه السهروردي تبعًا لحديث حضرة النبي الحكمة اليمانية، تلك هي الحكمة الأعلى مقامًا، حكمة القلب المستنير.

تستحضر شيمل القصائد الأردية الفارسية والعربية وترد كلماتها إلى أصولها، وتقارن بينها وبين الشعر الأوروبي كلما سنحت الفرصة لذلك، فنشهد في كتابها مقارنة بين مرثية إقبال المدافن الملكية ومرثية جراي في فناء كنيسة ريفية، وبعد حديث السهروردي يحضر إقبال مجددًا أكثر من حضور الرومي، فقد عاشت مع أشعاره وأماكنه التي ذكرها وقتًا طويلاً، ويتلو ذكر إقبال حضور أشعار هيرمان هيسه، فقصيدته (رحلة إلى الشرق) تؤكد أن النور يأتي من المشرق، كما يستشعر المؤمن نفس الرحمان في عبق اليمن.

وكما تذكر شيمل أشعار من تغنوا بشيراز والأندلس بمناطقها إشبيلية وغرناطة، تذكّرنا بما قيل عن الروم والصين، وبطبيعة الحال تستشهد بمولانا جلال الدين وما قاله عن هذه البلاد عبر قصصه وتمثيله في المثنوي.

الهند حاضرة كحضور أصفهان وبلخ في الكتاب، وشعر الهندوس يتردد في الكتاب كأشعار المسلمين، والقارب الذي يتهادى ما بين الترك والهنود يسير بخفة بفضل شيمل؛ فما تورده في الكتاب يجعلنا ننفتح على عوالم شاسعة عبر هذه الرحلة الشيقة، حيث يصعب على القارئ حصر أسماء الشعراء والعناية بأشعارهم؛ فالكتّاب التي تحتفي شيمل بهم لم يكونوا شعراء فحسب، بل فلاسفة ومفكرون كتبوا بلغات متعددة، إن صفحة واحدة لا تخلو من ذكر جماعة من الشعراء لا تجمعهم طبقات الشعراء التراثية كما لا تحكيهم قصة الأدب في العالم، الجامعة لكل هؤلاء هي شيمل، بفضل قدرتها على استيعاب أفكار هؤلاء ومزجها وصهرها في بوتقة واحدة جماعها المحبة والسعي من أجل الإنسان وحده.

إلى أين نوجّه مسار الجمل؟

ضوء القمر في كلّ مكان

وفي داخلي قلعة كعك

في داخلي الصديق المعشوق.

[1]: راجع تقديم كتاب (أسرار العشق المبدع في كتابات محمد إقبال) على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود بالنقر على هذا الرابط.

[2]: عنوان كتاب صلاح رزق: معلقة امرئ القيس (التشكيل الفني وملامح الرؤيا).

[3]: نعرف من رحلة عبد الوهاب عزّام إلى الهند أن عرفيًّا هو الشاعر الفارسي عرفي الشيرازي من كبار شعراء الفارسية. رحل إلى الهند واتصل بجلال الدين أكبر، وعاش هناك حتى أدركته الوفاة في لاهور سنة 999، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. راجع مجلة الرسالة – عدد 750

المصدر: موقع ذوات




الطرق الصوفية في بلاد الشام وأنماط التدين الشبابية

sufi-dance

بقلم: عبدالجليل علي العبادلة — قدم أستاذ الشريعة بالجامعة الأردنية عبدالجليل علي العبادلة دراسة حملت عنوان : (“الطرق الصوفية في بلاد الشام وأنماط التدين الشبابية..شهادة من الخبرة الميدانية ” – العدد الرابع والستون، يونيو (حزيران) 2012)، ضمن كتاب “الإسلام النائم… التصوف في بلاد الشام” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي.
تناول فيها الباحث ماهية الطريق المعتبرة عند أئمة الطرق الصوفية، وما الذي يبلغه المريد الصادق من السير والسلوك فيها، وعن سبب تعددها وتنوع مشاربها، ووصف البعض منها بالخصوصية والآخر بالشعبية، وآثارها في التدين عامة وفي الشباب خاصة.
ويرى الباحث أن طريق التصوف يركز على عمل الأعمال ومكتسباتها من الثمار، وكل من سار بصدق قطف من ثمار هذه الهداية من النعم الإلهية، وأجلها الفقه في الدين، وعلم التأويل، ويضيف: “أن الناظر في القرآن الكريم في كل ما تضمنه من الهداية إنما ينحصر في أمرين: تكاليف بالأوامر والنواهي وثمار هذه التكاليف وكل ما كان من الأعمال والتكاليف محكم لا خلاف في إدراك العقول له جملة. وإنما الخلاف الذي يؤدي إلى الافتراق هو إعمال العقول فيما هو من الثمار التي رتبها الله سبحانه على الالتزام من قبل أهل التقوى والإحسان، فمعية الله سبحانه للمتقين وقربه من المحسنين، ومعرفة مذاق طعم الايمان وحلاوته، وتأييد المؤمنين الصادقين بروح منه، لا سبيل لتصور جميع ذلك بالفكر والخيال ولا مجال فيه للنظر والاجتهاد، بل كل ذلك من العلم الذوقي الذي لا يعرفه إلا من ناله من الله بعد أن أحسن الأداء وتحقق وتخلق بالصفات والآداب”.

لتحميل الدراسة إضغط هنا:

http://almesbar.net/3/tarika-sofia-cham.pdf




مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية – الثقافة والحوار

Orient-magic

بقلم: الشيخ ابراهيم رمضان* — مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية:

مسكين أنت أيّها الإنسان، فأنت الحاضر الغائب، حولك يدور كلُّ البحث وفيك تختبئ كلُّ الحقائق؛ وكلُّ من لا ينظر في داخل نفسه، فعبثًا يحاول الحصول على أجوبة؛ مصداقًا لشهادة جدّنا أمير المؤمنين عليه السلام:

دواؤك فيـك و مـا تبصرُ وداؤك منـك و مـا تشعرُ

وتـزعم أنـك جرم صغيرٌ وفيك انطوى العـالم الأكبرُ

فلو استنطق كلٌّ منَّا ذاته وألقى سمع قلبه إلى كينونته؛ لتكشّفت له المعرفة الحقّة، لا أقول بأبهى حُلة بل أقول كلّيَّة العُرْي.
لكن هذا الظهور غير المحتجب للمعرفة له مهر، وهو التجرّد والموضوعيّة، وما دام فيك شعرة من حبّ النفس الأَنَوية، فلن يُبْديَ لك الحق وجهه، ولن تبلغ حقيقة الحقيقة التي تجعل منك مرآة الإنسان كلّ الإنسان، فاهمًا للكل، ومُتَّحدًا في الكلّ، ومعبِّرًا عن الكلّ، ولا يبقى للاختلاف بين الكلّ معنًى إلاّ في حدود أطياف الألوان المتقابلة في جوهر مرآة ملونة.
أمّا مكْنَةُ هذا المقام فكونه ينطلق من بحث الأنسان إلى أنسنة البحث، فيعي الآخر بأن يكونه، مُشاهدًا معانته، ومُراقبًا آماله، وعائشًا آلامه، يُعاين تطلعاتِه، ويُعاني خيباتِه. إنّ إنسان الكلّ هو كلّ إنسان من أولئك الأفراد الذين لم تحجبهم انتماءاتهم عن إنسانيتهم، ولا نِسَبُهم عن حقيقتهم، ولا شخصانيتهم عن موضوعيّتهم، هؤلاء هم من نحتاجهم لتصحيح مسار الإنسانيّة وإنسانيّة المسار.

الإنسانية والقيم:
اتفقت الثقافات الإنسانيّة على أهميّة القيم، وكان أجلَّ الأشخاص في المجتمعات أولئك الساعون لترسيخ القيم والحضّ عليها، من الحكماء والأنبياء والعارفين والمصلحين إلى المُقتفين بآثارهم المتنوِّرين بأنوارهم، الذين بذلوا جهدهم ووقفوا عمرهم على ترسيخ القيم التي تسمو بالفرد، وتخدم استقرار المجتمع وتطوره. وكانت هذه القيم هي المكوِّنَ والمُلوِّنَ الأهمَّ للهويّة الإنسانيّة، وإذا كانت النظرة إلى الآخر على أنه المختلف في الإرث الثقافي؛ فلا مهرب من الإقرار بأن الآخر ما هو إلا الأنا متلبِّسًا بمفاهيم ثقافوية أُخَرَ لا تختلف عن مفاهيم الأنا، من حيثُ كونُها مفاهيمَ، بقليل أو كثير، لا سيما في منظومة القيم التي تحكم سلوك الأفراد والمجتمعات. إلاّ أنّها قد تتباين في ترتيب سلّم القيم وفق تصنيف الأهميّة.

الصدق، العدل، الحق، الخير، الجمال، النجدة، التسامح، الإخلاص، المحبّة، الرحمة، العطاء، الإنصاف، الحريّة، الاحترام، الوفاء، الأمانة .. عناوين تتفق عليها الثقافات، وما الاختلاف في ترتيبها إلاَّ لاختلاف ظروف تطوّر الثقافات، فكان التركيز على المهدَّد أو المفقود لحمايته أو استعادته.

وفق منظومة القيم يمكن تفسير سلوك الإنسان، فالإنسان هو الإنسان سواءٌ في الشرق أو في الغرب، وما يُحرِّكه هنا هو ما يُحرِّكه هناك، وما يُفرحه وما يؤلمه وما يؤذيه واحد. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: “لمَ يتصرّف الشرقي بهذه الطريقة، ويتصرف الغربي بتلك الطريقة؟” بل هو: “لمَ يتصرف الإنسان في الشرق بهذه الطريقة، ويتصرف الإنسان في الغرب بتلك الطريقة؟”.[1]

الشرق والغرب:
إن لقاء بوذا الشرقيّ وزوربا الغربيّ، الذي لامس الواقع دون أن يمسسه، إن كاد ليكشف عن اتّفاق شبه تامّ في معالجة قضايا الإنسان فردًا ومجتمعًا. أمّا النسخ المشوَّهة عن بوذا وزوربا فهي التي تتخاصم وتتصارع، وتعيش وهم صراع الحضارات القاتل والمدمّر. هذا الوهم الذي إذا استمرّ النفخ فيه على الوتيرة المشهودة اليوم سوف يتعاظم، وقد ينالنا من تشظيات انفجاراته إحَنٌ ومِحَن. وعلينا جميعًا أن نستفيد من سير التاريخ وعبره، متى أردنا تقليل الخسائر أو سترجة المواجهة. ولعلّ أبرز الرموز الحاضرة في أذهان من يروِّجون لفكرة الانتخاب بين الثقافات، الإسكندر الكبير الذي حاول فرض ثقافته وتعميمها، ورغم كلّ ما أُوتيه من قوّة وجيوش، وحضارة وغلبة، لا أحسب أن تكرارها في يد غيره سهل، فقد أخفق دون ضرب المحال هذا، وإذا كان هذا المثال لا يكفي دعاة صراع الحضارات فلا أحسبهم سيتوقفون عما يضرمون ويضمرون قبل أن تذوق البشرية الكأس المُرَّةَ مرَّةً بعد مرَّة.

وعندي أنّ الكلام عن صراع الحضارات هو ضرب من الهَوَس في الحديث عن النهايات التي يلهج بإشاعتها أولئك المهندسون لنهاية الكون وفق معطيات سيّالة لا ترتكز إلاّ على ضرب خيال، سيُبدي ما تعيشه منطقتنا الشرقيّة أنه سراب بقيعة.

وليت أولئك المفتونين بالحديث عن النهايات، من أمثال صموئيل هنغنتون وفوكوياما، فرّغوا مجهودهم لبحث أسطورة البدايات. فإنها أكثر تشويقًا وجمعًا للتراث الإنسانيّ المشترك. ثمّ أيّ نهايات مع القول بأُسطورة العود الأبديّ في الهندوسية وما انفرع عنها.

ولهؤلاء يوجَّه السؤال: ما الضير في أن تتكافل هذه الحضارات ويسعى كل فريق للكمال الذي يرتئيه بطريقته الخاصة، دونما عداء واحتراب؟.

إن التعاون لتحقيق أمن وأمان المجتمع البشري أجدى وأنفع من التصارع على حكمه والتسلط عليه. وإن حاجة الإنسان لأخيه واستفادته من وجوده أكبر بكثير ممّا يغتصبه منه، أو يرثه إن تمكّن من إلغائه.

قيمة الإنسان أهم وأسمى وأثمن من كل قيمة أخرى عرف ذلك من عرف، وانحرف عن ذلك من انحرف[2].

الحريّة والدين:
الحريّة قيمة إنسانيّة نادت بها جميع التعاليم في عموم الثقافات. والقرآن الكريم أثبت حريّة الإنسان وأكّدها في سائر اختياراته، حتّى القضيّة المحوريّة في الدين التي هي الإيمان والكفر، تُركت لاختيار الإنسان، قال الله تعالى: “وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. كما أكّد القرآن الكريم أن الجبر لا يمكن أن يكون أسلوبًا مقبولاً لدفع الناس نحو الدين؛ فقال سبحانه: “لا إكراه في الدين”. وبيّن القرآن أنّ التنوّع الإنسانيّ، وتباين المعتقدات والأفكار أمر مقصود من الخالق جلّ جلاله: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم”. أي: خلقهم ليكونوا مختلفين؛ فالاختلاف سُنَّة الطبيعة ولوحة الوجود، وهو اختلاف تنوّع يتوحّد عند العارف الربَّانيّ الذي يُحقِّق في وعيه الكونيِّ المطلقِ وحدةَ الكثرة، ويُترجم عن هذه الحالة بقوله على لسان الشيخ ابن عربي:

عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا عقدت جميع ما عقدوه

والإسلام لم يُقيِّد حريّة الإنسان بشئ من القيود، إلاّ أنّه جعله مسؤولاً عن تبعات قراراته، وبذلك أعطاه الحافز للتفكير فيما يفعله، والتنبّه للعواقب، الأمر الذي قد يُربك الفرد ويضيِّق أمامه مساحة الاختيار، ولكنّه في الوقت عينه يعود على المجتمع بالمنفعة العميمة، ويتلاقى تمامًا مع القاعدة الاجتماعية: “تتقاطع حرية المرء حيث تبدأ حرية الآخرين” ولولا هذا الحد لاستحالت نعمة الحرية إلى نقمة فوضوية، ولصارت حرية الفرد تنغيصًا على الباقين، وتعديًا على مصالحهم واختياراتهم.

ولا بدّ أن ننبِّه إلى الفرق بين حريّة الرأي وحريّة التعبير، فالأولى: من أعمال القلوب، وهذا حقّ محفوظ لكلّ واحدٍ واحدٍ بالكامل ولا يمكن لأحد أن يمنعه أو يحدّه.

أما حريّة التعبير فتجاوز تموضعات الشخص الذاتيّة إلى الإذاعة والإشاعة، وبذلك يخرج الرأي من دائرة المعقول إلى دائرة المحسوس، وبالتالي يتعدّى أثرها إلى الغير. لكن يبقى ثمّة حدٌّ لا ينبغي أن يتجاوزه الفرد أو المجتمع وهو الإهانة والتجريح.

وبين النقد الموضوعي (الإيجابي) أي: المشاهدة ومحاولة الدرس، والنقد الذاتي (السلبي) أي: التجريح والإهانة والدسّ؛ ينشأ النقاش وتتباين الآراء. إذ ليس من السهل وضع حدٍّ فاصل بينهما لا سيما أن الأمر نسبيٌّ، ويختلف من ثقافة لأخرى، ومن بيئة لأخرى، ومن ظرف لآخر. ومع هذا التباين والنسبيّة لا يمكن لقاعدة :”أحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك[3]” أن تفي بالحال وتحلَّ الإشكال، فما هو مقبول في ثقافة قد يكون مرفوضًا تمامًا في ثقافة أخرى.

وإذا كنا متفقين على أن القيمة الإنسانيّة واحدة من أهمّ القيم، فمن المُجدي والمهم أن يتعرَّف الإنسان على ثقافة أخيه قبل أن يُخاطبه بما قد يسوؤه ويؤذيه، ليتمكّن من إيصال أفكاره دون أذيّة أو إهانة.

وإذا عرفنا أن الدين شكّل ويشكّل قيمة أساسيّة في منظومة القيم المتحكّمة في سلوك الأفراد والمجتمعات وبالتالي مكوِّنًا أساسيًّا للهويّة، فسنعرف ضرورةً أن التعرّض له أو لرموزه وطقوسه بالإهانة والتجريح لن يكون مقبولاً عند أتباعه بشكل من الأشكال.

لقد أثار التعرّض لرموز الدين والثقافة الحفيظة في أكثر من مناسبة؛ فقد رفض الهندوس عن قريبٍ، تجسيد الأفتار (الأوتار) في الفيلم الذي شاهدناه بإعجابٍ، ولا سيّما مشهدُه الأخير حيث تنتصر الآلة البدائية، على ثقافة التكنولوجيا الجديدة. ولعلّ موقفهم نابع من كون الأفتار معنًى يُشخِّص المطلق إلى حدود الخلاص النهائيّ؛ بحيث يتلاقى فيه قوسا الصعود والهبوط[4] في نسقيّة الفكرة الخلاصيّة. فاستنكروا أن يتحوَّل إلى فكرة هوليوديّة، خاضعة لمزاجيّة الإخراج السنمائيّ ومتطلّباته.

كما رفضت الكنيسة في أكثر من مناسبة التعرّض لرموز الدين المسيحيّ بدءًا من مسرحيّات فولتير ومولير إلى شيكسبير وملتون حتى كولن ولسون ونيكولاس كازنتساكس لا سيّما في كتابيه: “المسيح يُصلب من جديد” و”الإغواء الأخير للمسيح” الذَيْنِ حرّمتهما الكنيسة وحرمت كاتبهما، ولعلّها كانت الضاغطة وراء حجب جائزة نوبل عنه. هذا فضلاً عن روايات دان براون المثيرة للجدل اللهوتيّ بكلّ عمق وعنف.

كما يرفض رجال الدين المسلمون في الشرق التعرّض لرموز دينهم وطقوسه، انسجامًا مع ما سبق. فلماذا النظر إلى الظواهر بعين مفتوحة وعين مغمضة؟ ولماذا لا نكون في هذا ظاهراتيّين (فينومينولوجيّين) على حدّ ما يُعلِّمه أدموند هوسْرل ومارتن هايدغر. وهو يتقاطع مع تعاليم الفيدا والأوبانيشاد والكيتَّا تحت شعار: راقب .. شاهد .. اصمت .. تأمّل. ويتقاطع مع تعاليم الصوفيّة العرفانيّة تحت شعار “من صمت نجا” وشعار “التصوّف هو أن تجلس لحظة متبطِّلاً”، أي من دون ذكر ولا فكر، على حدّ تعليم حضرت أميرنا داراشـگـوه.

قد يُطرح سؤال في هذا المقام وهو: “لم تكون ردود الفعل تجاه النقد، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، في الشرق المسلم أقسى وأعنف بكثير مما تكون في الغرب المسيحي؟. وقد يصل السائل إلى ما يشبه الاستنتاج: ألا يدّل ذلك على أن الغرب أكثر تسامحًا من الشرق؟ وبالتالي أن المسيحيّة أكثر تسامحًا من الإسلام؟.

وقبل الإجابة عن ذلك؛ أقول: حذار من هفوة منهجيّة، تؤدّينا إلى الوقوع في هوّة مفارقة تاريخيّة، لجهة إسقاط الحدث التاريخيّ على الواقع مع إغفال الزمن الفاصل، وهو المحدّد للتغيُّرات، والشاهد على التحوّلات. ولذا يجب أن نُقارن بين ردّات الفعل بوضع الفعل ونتيجته في نفس السياق الزمني. لا أن نتغاضى عن هذا لنحكم أو نحاكم ردّات الفعل بمعزل عن سياقاتها، وبالتالي فإن الإنصاف مقارنة ردّات الفعل الآن بردّات فعل القرون الوسطى في أوروبا، وحينها سنخرج بنتيجة مُفادها أنّ تلك القروسطيّة الغربيّة، كانت أقسى وأمرّ ممّا نشهده في الشرق.

وبعد هذا التحذير والنذير، أعطف لبيان المفارقات التالية:

أولاً: لعلّ الشرق لم يعتد طريقة الغرب في التخاطب، فهو قد أبقى على الكثير من مظاهر الاحترام والتوقير والمجاملات حتى في محادثاته اليوميّة ما لو تركه الشرقيّ لعدّ عند أهله مارقًا عن حدِّ الأدب ومجاوزًا لقواعد التخاطب الأساسية؛ فالشرقيّون على سبيل المثال لا الحصر، متمسّكون بمنادة الأبّ والأمّ بصفتيهما، ويعتبرون أنّ الولد الذي ينادي أباه باسمه أو أمه باسمها مجانبًا للأدب والذوق، ومرتكبًا لفظيعة. أمّا الغرب ومقلدوه فلا يرون في ذلك بأسًا والأمر عندهم لا يستحقّ أن يُتوقّف عنده. ولا يمكن لأحدى الثقافتين أن تفرض على الأخرى مجاراتها.

من هذا المثال يتبيّن لنا أنّ الغربيّين ألذع في نقدهم من الشرقيّين وأبعد عن مراعاة خاطر المخاطب، ولذا نجد معظم الانتقادات التي أثارت الحفائظ أتت من الغربيّين أو ممن تأثّر بالثقافة الغربيّة. الأمر الذي زاد من انزعاج المجتمع الشرقيّ؛ لأنّ تقبّل النقد من القريب أسهل من تلقيه من الغريب.

ثانيًّا: عرف الغرب بعد الثورة الصناعية، انحسارًا لدور الكنيسة ورجال الدين، وتعاظمًا في دور العلمانيّين واليبراليّين، وما تُبديه الكنيسة اليوم من ليونة ليس ناتجًا عن سعة صدر وتقبّل للنقد، بقدر ما هو تسليم بالأمر الواقع وابتعاد عن معارك قد تكون خاسرة. وفق مشهور المثل: “مكرهٌ أخاك لا بطل”.

أما المجتمع الشرقيّ فلا يزال يعيش المرحلة القروسطيّة، وإن بدا أن هناك صراعًا متناغمًا بين رجال السلطة وسلطة الدين.

ثالثًا: لا يزال المجتمع الشرقيّ يعاني عقدة الانهزام والتخلّف إزاء المدّ الغربيّ في أبعاده: الاستعماريّة،والتكنولوجيّة، والتسويقيّة المتوحّشة. ولذلك فهو يرى في الانتقادات استعداءً واستعادةً لتظهير صور الهزيمة، وخطرًا أكيدًا على هويّته ووجوده، ومع هذا الشعور تزداد الحاجة لتفهّم المجتمع الشرقيّ والأخذ بيده، بدل توسيع الهوّة، واصطناع المعارك معه، إلى حدّ استحضار دون كيشوت.

رابعًا: الإحباط والفراغ بحيث يسعى المحبط والفارغ إلى ديناميّة تملأ عليه فراغه الموهوم، وبالتالي فإنه سيبادر ألى ردّة فعل تجاه ما يعانيه بقوة وعنف. ومن الأدلّة على ذلك حادثة حرق المصحف التي لم تحظَ بردّات فعل، على خلاف سابقتها التي لم تحصل أصلاً. وكانت ردّات الفعل آنذاك تبرق وترعد وتمطر بالويل والثبور وعظائم الأمور، وما ذلك إلاّ لكون المجتمعات الشرقيّة آنذاك محبطة فارغة، فبادرت إلى إثبات وجودها والتصالح مع إحباطها. أمّا اليومَ المجتمعات الشرقيّة مشغولة بعدوى الثورات، فلم ينبت أحدٌ منهم ببنت شفة، بالرغم من تحقّق ما ترصّدوا له كلّ مرصد.

خامسًا: لعلّ الأهمَّ من كلِّ ذلك انطباع الشرقيّ بقطع النظر عن ديانته وتديّنه، بالروحانيّة الغنوصيّة والعرفانيّة الإشراقيّة، وإذا كان لكلّ شيء من اسمه نصيب على حدّ ما جاء في المثل والحكمة الشائعة، فلا استغراب من كون الشرقيّ كذلك، ومن عنده تُشرق شمس الوجود على دنيا الناس. وأين الشرق من الغرب؟ وأين “حكمة الإشراق” من “الغربة الغربيّة”[5].

ورغم كل ما قيل ويقال، لا بد من التنبّه إلى أن ردود فعل العامّة التي أوقعت قتلى وجرحى، لم تخدم أبدًا موقف المسلمين؛ فالغالبيّة الساحقة لضحايا الاحتجاجات والاستنكارات هي من المسلمين المنددين. زوابع في فناجين.

لقد كان الأجدى أن يُترك للسلطة التي تمثل الأفراد وهي المسؤولة عنهم وواجبها الدفاع عنهم أمام أي اعتداء خارجيّ، أن يُترك لها تقدير طريقة التعامل مع الموقف، وفق معاييرها للحفاظ على صورة الدين والثقافة، ووفق قواعد مصلحة الدولة وعلاقاتها الأمميّة، وتعقيدات البروتكولات الدبلوماسيّة. ولعلّ غياب السلطة في الشرق عن هموم الشعوب، وعدم ثقة هؤلاء بالسلطة[6] سببٌ إضافيٌّ لعدم انضباط الشارع وخوض العامة في ما لا يفيد.

والأسوء من هذا الغياب، مسارعة بعض الأجهزة إلى استغلال هذه المواقف من أجل حسابات خاصّة لا تمت إلى مشاعر الشعوب بصلةٍ، ولا لتوقير الهويّة الدينيّة والثقافيّة بوُصْلة.

هل الغرب يسعى لفهم الشرق؟
لا بد أن نحفظ للغرب الدور الذي أدّاه في حركة التعرف على ثقافة الشرق، ما عرف تحت عنوان الاستشراق. في وقت كان الشرق ولا يزال متلهيًا عن هموم الثقافة بهموم العيش والصراع على السلطة وتقاسمها.

فحفظت مكتبات الغرب عيونًا من مخطوطات التراث الشرقي عامة والعربي خاصة. مخطوطات كان العديد منها ليضيع أو يندثر لولا جهد المستشرقين، كما أن عددًا من علماء المستشرقين لمع وأجاد وتعمق في قراءة الثقافة الشرقية فاستفاد وأفاد وأسهم وخدم الثقافة بما لم يخدمها به بعض أبنائها.

ولسنا بصدد محاكمة النوايا، لنناقش من يقول إنهم فعلوا ذلك بهدف خدمة الاستعمار أو تشويه الإسلام.

غير أنّ ما وصل اليوم من الصورة العامّة للشرق في الغرب لا يسرُّ، ولا سيّما المثقّف الشرقيّ عند ذلك المنظّر الغربيّ، ففي الغرب بات المثقف الشرقي مقسومًا إلى معسكرين:

الأول: مستلب بالثقافة الغربية ومواكب لها. يسهل التواصل معه لكنه لا ينقل صورة المجتمع الشرقي ولا ينتمي إلى تارخه فضلاً عن حاضره.

والثاني: معادٍ رديكالي. لا يمكن التواصل معه، وهو الصورة النقية للمجتمع الشرقي؛ ولا سيّما الشطر الإسلاميّ منه.

والحق أن الغرب سيبقى قاصرًا عن فهم المجتمع الشرقي إذا لم يتواصل مع مثقفين لبراليين دون اغتراب، ومحافظين دون جمود؛ عنيتُ أولئك الذين يمثلّون الوسط الذهبيّ بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو الوسط السقراطيّ والبوديّ والتاويّ والمسيحيّ فضلاً عن الوسطيّة في الثقافة الإسلاميّة.

من هو المثقّف؟
لطالما طرحتُ هذا السؤال في محافل الفكر وندوات الحوار من أجل وضع رسم تقريبيّ يحدّد المثقّف من وجهة نظر موضوعيّة تساهم في تلوين المشهد الثقافيّ بين معسكري الشرق والغرب.

وعندي أن المثقّف هو ذلك الشخص الذي أخذ من كل تلافيف الثقافات وتضاعيفها، المتاحة له والمتداخلة أو المتلاحمة مع معارفه بحيث بإمكانه أن يجمع قطع البزل (puzzle) المتناثرة بين عامّة الثقافات فيرى المشهد الثقافيّ من فوق قمّة الجبل، لا من لحف أسفل الوادي حيث تختلط آسنة السيول بهشيم العصف المأكول.

بقي أن أعترف هنا بنقد ذاتيّ فيما يخصّ المثقّف الدينيّ بصورة خاصّة، ذلك المثقّف الذي كان يُعَدّ طليعيًّا في القرون الوسطى لما كان يتمتّع به من اطّلاع واسع على معارف زمانه، بينما بات اليوم متأخّرًا عن أقلّ مثقّف عامّ في المجتمع بسبب تراجع أداء المؤسسات التعليميّة الدينيّة تراجعًا حادًّا متقهقرًا.

المسلمون في الغرب[7]:
إنني أدعو أن يكون المسلمون في الغرب مندمجين في مجتمعاتهم على أساس المواطنة من غير تمييز بين مواطنين ورعايا أو مواطنين من الدرجة الثانية.

إن فكرة الاندماج تظهر خطيرة جدًّا في الفكر الكلاسيكي للفقه التقليدي بحجة الحفاظ على الهويّة.

وعندي أن الهويّة حجاب الأنويّة كما أن الشخصيّة حجاب الهويّة، ويكفي أن يكون الشخص محتفظًا بذاكرته الجمعيّة ثمّ لا بأس باندماجه في مجتمعه على الأساس المنوّه به؛ وهو المواطنة.

فليس للمسلم المقيم في الغرب أن يطرح وشروعه الخاصّ على مجتمعه، محاولاً أسلمة الكون، وهو الهمّ الذي يحمله المسلم بإيحاء علماء الفقه والفتوى التقليديّين. وليت شعري لم يقيم المسلم في مجتمع غربيّ مستفيدًا بامتيازات اللاجئ السياسيّ أو المواطن، ثمّ مستعدًّا للثورة عليه باسم الدين، أو الصحيح باسم الأدلجة الدينيّة.

المهمّ عندي حفظ الذاكرة الجماعيّة لكلّ ثقافة إنسانيّة لما في ذلك من إضفاء الألوان الزاهية الباهيّة على لوحة الوجود الكونيّ أو على حدّ تعبير شيخ شيخنا: تناغم السمفونية الكونيّة.

وإذا كان لنا من موقف من الحداثة وما بعد الحداثة، فأختصره في تخوّفي من ضياع أجزاء من الذاكرة الإنسانية الشاملة الكونيّة، ممّا يضطر الأجيال المقبلة إلى فكّ أحاجي تلك الثقافة المفقودة أو المفتقدة بعد عدّة قرون على حدّ تفكيك أحاجي الهروغليفيّة والمسمارية.

الدين وسيلة اتصال:
الدين؛ ذلك الظاهرة الحيّة الفاعلة والمتفاعلة في المجتمع الإنسانيّ بدءًا من عصر ما قبل التاريخ إلى يوم أن كان الدين سبب اجتماع على الخير العامّ والروح الخالدة.

لعلّ من أكثر المشاكل المنهجية التي تعتري الباحث في الثقافة الشرقيّة عامّة هو تحديد المفاهيم الاصطلاحية، أو الأفهومات الموضوعية للعناوين ذات الصلة.

إن فوضى المفاهيم جرّ إلى سوء تفاهم والتباس حادّ بين أصحاب الثقافة الواحدة في هذا الشرق. ولعلّ الثقافة الإسلاميّة تُعَدّ من أكثر تلك الثقافات اختلاطًا للمفاهيم على أساس منهجيّ واضح؛ فيضيع المفهوم الواحد بين مشترك لفظيّ إلى جدل فقهيّ أو كلاميّ (لاهوتيّ) إلى اضطراب اصطلاحيّ (تخصّصيّ = تِقْنيّ).

وإذا أردتُ أن أستعيرَ تعريفًا للدين من خلال خبرة شيخنا الذاتية؛ فإنني سأقول: بأنّ الدين هو تجربة روحانية للكائن بمعناه المقيّد في علاقته مع الكائن بمعناه المطلق[8].

وهذه العلائقيّة الجدليّة تحدّد طبيعة الموقف من “الأنا” و”الأنت” وهما مع “الآخر”.

وبهذا يغدو الدين أرحب مساحة، ومساحة أرحب للالتقاء بين “الأنا” و”الأنت” و”الآخر” بما يحقّق وحدة الكثرة أو وحدة التنوّع.

إنّ المحاولات الدائبة عند أصحاب الهويّات القاتلة لتثبيت “الأنا” و”الأنويّة”، دفعتهم إلى تحويل الدين من الوسط الساذج البسيط كتجربة روحية، وأنظومة مجتمعية، إلى إيدولوجيا متطرّفة لا يمكن إلاّ أن تتشظّى في اتّجاهات دائرية، تبدأ من المركز، وتنتهي إلى الأطراف. أو على حدّ التعبير القرآنيّ “لا تبقي ولا تذر”.

التصوّف عصارة عرفانيّة: ل
لقد آن أوان عودة العرفان الصوفيّ الذي يمثّله الكبار الكبار، من أمثال: البسطاميّ وحمدون القصّار والحلاّج وعين القضاة والشهاب السهروردي، المعروف بالشهيد، إلى الحكيم سنائي وفريد الدين العطّار وحضرت مولانا جلال الدين الرومي والشيرازيّين سعدي وحافظ، فضلاً عن ابن عربي وابن سبعين والشُشْتَري والنَسيمي والشِبِسْتَري ونعمة الله وليّ وشمس الشموس الداغستاني.

لا أريد أن أترجم لأحد من هؤلاء في آخرين وآخرين، وإنّما أريد الإلماع إلى ضرورة عودة التصوّف العرفانيّ القائم على اختبار تجربة الآخر واختمارها في وعي الفرد الكونيّ على حدّ ما جاء في كلام ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلاً كل صـورة فمرعًى لغزلان وديـر لرهبان

وبيت لأوثان وكـعبة ُ طـائف وألواح توراة ومصحف قرءان

أدين بدين الحـبّ أنّى توجّهت ركـائبه فالحبّ ديني و إيماني

————————————————————————

(1) هذا الكلام الخارج من مَعين جدّنا أمير المؤمنين يتلاقى مع وصية بوذا الأكبر حيث يقول: “كونوا مشعال أنفسكم”.

(2) يُسجّل لابن مسكويه سبق في شرح مضامين هذه الفكرة، من خلال رسالته الموسومة “في اللذة والألم”، مقارنةً مع الإبيقورية وبعض المذاهب الفلسفية المتأخّرة.

(3) ودعك هنا من أفكار مكيافللي وهوبس، فالإنسان آنية إلهيّة مملؤة بخمرة الأبد، وليس الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان.

(4) وهي القاعدة التي تلاقى فيها قول يسوع الصالح مع قول محمد بن عبد الله، لتتأكّد وَحدة النبعة بين الديانتين؛ كما وحدة الهدف بين التعليمين.

(5) يقارن في المسيحية والإسلام معنى الكلمة الأزلية والكلمة القرآنية.

(6) “حكمة الإشراق” و”الغربة الغربية” اسمان لكتابين من تأليف شيخ الإشراق السهروردي، المعروف بالشهيد. الذي قُتل ظلمًا بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبي.

(7) آثرنا استعمال مصطلح “سلطة” بدل مصطلح “نظام” أو مصطلح “دولة”. ولا شكّ أن فوارق الاصطلاحات تحدّد سبب ما آثرناه.

(8) للتوصّل إلى سبك متماسك لمفهوم الاغتراب المزدوج، وهو اغتراب المثقف الحقيقيّ أو العارف المرشد (الغورو) بلغة المتصوّفة، ينبغي الوقوف على نصوص هيرقلطس وشلر وهيغل.

(9) لتوسّع في هذا المفهوم والوقوف على نظرة متكاملة في هذا المبحث الهامّ، يراجع كتاب شيخنا العلاّمة عبد الرحمن الحلو “مرآة المثنوي”.

نبذة عن الكاتب
الشيخ ابراهيم محمد رمضان
الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية
دبلوم في الفقه المقارن من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية.
حاصل على إجازات علمية من العديد من مشايخ الفقه والحديث والأصول واللغة وسائر الفنون الإسلامية من لبنان وسورية والحجاز ومصر والهند
عضو مؤسس لجمعية مركز بيروت للدراسات والتوثيق
محاضر في الجامعة الأنطونية في مادة الموسيقى الإسلامية منذ العام 2003 وحتى العام 2005
من مؤلفاته المطبوعة: كتاب “التبيان في أحكام الموسيقى والألحان” الصادر عن مركز بيروت
لديه العديد من المقالات في الصحف المحلية ووالصحف الأجنبية حول الاسلام.

المصدر: موقع Heinrich Boell Foundation




قونية في أغاني بزي

aghani-Konia

حوارات نت — بقلم: إيمان شمس الدين — قونية تلك المدينة الوادعة في وسط الأناضول في تركيا، تحمل في جوفها قلبا نابضا بالعشق الإلهي هو قلب جلال الدين الرومي ذلك الإنسان المتأله الذي أذابه عشق الله وذاب به كل عاشق لله،

هي موطن حوى حياة جلال الرومي الروحية، كما حوى مرقده الذي جسد خاتمته في لقائه لمعشوقه في رحيل أبدي خالد.

غنى الدكتور محمد حسين بزي قونية في أشعاره التي ضمنها ديوانه الأخير ” أغاني قونية” ، فاختصر مساحة قونية الجغرافية وأهميتها التاريخية بنبض قلمه الذي غرد يترجم نبض قلب الرومي .

أنشد قائلا :

مَنْ لَيْس َ لَهُ عَيْنٌ يَسْتَبْصِرُ عَنْ غَيْبٍ

فَلْيَأْتِ على شَوْقٍ في خِدْمَةِ مَوْلانا

ثم نصح :

مَنْ كانَ لَهُ هَمٌّ يُفْنيهِ ويُرْديهِ

فلْيَشْرَبْ ولَيَسْكَرْ مِنْ قَهْوَةِ مَوْلانا

وسبح قائلا في ترنيماته الجمالية الذائبة عشقا :

فَدَيْتُكَ يا ذَا الوَحْيِ آيتُه تَتْرى

تُفَسِّرُها سُرًّا وتُكَنٍّي به جهراً

وأَنْشَرْتَ أَمْواتًا وَ أَحْيَيْتُهُمْ بها

فَدَيْتُكَ ما أَدْراكَ بالأمرِ ما أَدْرى

فعادوا سُكارى في صِفاتِكَ كُلُّهم

وما طَعِموا إثمًا ولا شَرِبوا خَمْرًا

ولكنَّ بريقَ القربِ أَفنى عُقولُهم

فسُبْحان من أَرْسى وسُبْحان من أَسْرى

وكأنه يحاكي بها كلمات مولانا حين قال :

نسكَرَ،

لا الآلاتِ وقصفِ الغناءِ حتى ننتهي مجاذيبَ.

لا مُنشدينَ، لا مُرشدينَ، لا شدوَ،

بل نثبُ حول بعضٍ جامحينَ تمامَ الجّموحِ.

وكأن بزي في أغانيه يرد على مولانا قائلا:

سلامٌ على قَوْمٍ تنادي قُلوبُهُمْ

بأَلْسِنَةِ الأَسْرارِ شْكْرًا لَهُ شُكْرًا

لقد رسم بزي بريشته الشعرية في أغاني قونية، أسرار العاشقين التي طالما أرقت مولانا، حيث جَسّر بشعره بين زمانين ، زمان مولانا الرومي وزماننا الراهن ، فطاف كعاشق حول أستاذه ، ثم نهض من أعماقه العقلية المعتقدة بالإشراق كفلسفة، إلى أعماقه القلبية المتعلقة بتلابيب صوفية مولانا.

وفي وَجْدٍ صدح بصوت جَلْجلَ بيروت في عام ٢٠٠٧ حيث أقر معترفا :

أَحْرَقَ الوَجْدُ العُطاشى كَاحتراقِ الياسمينْ

عِنْدَما فاضَتْ مَرايا بِدماء العاشقينْ

وطالما انتظر بزي الحلاج ذاك الملهم العارف لكل المتطلعين للقاء فخاطبه في انتظار الحلاج :

أَنْتَظِرُ حَلاّجاً كان أخبَرَني

أَنْ يَصْحَبَني

مِنْ موتي وَعْداً

شِعْراً

حُبّاً

حَيّاً

مِنْ بعدِ موتِ الأَيّامْ

ورغم موت الأيام استطاع الدكتور بزي أن يحييها بشعره الذي بث الروح مجددا في صوفية الرومي وعرفان الحلاج ، كأنه سكرٌ ينشد سلاماً في زمن غارق بالدم حتى الثمالة. فاختياره للجغرافيا ” قونية” اختيار أعاد به الماضي للحاضر، وربط بينهما بأغانيه الشعرية التي رقصت على ألحان صوفية الرومي وإشراقية بزي ، مازجا بين العقل والقلب مزجة فلسفية بروح صوفية لإنسان سعى للتأله.

لا أدعي أنني شاعرة، فأنا مجرد عابرة سبيل تتذوق جمال الشعر، خاصة ذلك الغارق في العشق ، وحينما رست سفينتي على شاطيء أغاني قونية ورشفت من قهوتها وشرابها، ما لبثت أتمتم من شعرها الذي يقول :

أُناشِدُكُم بِاللهِ تَعْفونَ إِنني

لقدْ ذُبْتُ بالأشْواقِ وَالحُبِّ والوَلا

لِمَوْلَى ترى في حُسْنِهِ و جَمالِهِ

أَماناً مِنَ الآفاتِ والمَوْتِ والبلا

سَقَى الله أرْضًا شَمْسُ دينٍ يَدوسُها

كَلا الله تَبْريزاً بأحْسَنِ ما كَلا

في إشارة واضحة لشمس التبريزي الأستاذ الذي تتلمذ على يديه جلال الدين الرومي.

في أغاني قونية اعترف شاعرها أنها بدء أساطيرُ نشوره، حيث رماده صفوة خلقه القادم، الذي ننتظر صفوته القادمة من رماده أن تجود علينا شعرا يلهب القلوب المتعطشة للعشق، ويروي ظمأ عابري السبيل من واحة الأحدية الزلال.

أغاني قونية محطة شعرية تجذب إليها الباحثين في ذاتهم عن الله، والهاربين من صخب العنف وصراخ الدم، ليجدوا في بحرها وعلى شواطئها حروفا نابضة بالسكر في عشق الله، وتائهة في صحراء قلبها تبحث عنه.




تحولات الخطاب في أفريقيا من الصوفية الإصلاحية إلى «بوكو حرام»

Sufi-dance_roumi

موقع حوارات — بقلم: كرم سعيد — صدر حديثاً عن «مركز الأهرام للنشر» في القاهرة كتاب «تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا» الذي يتناول فيه الدكتور حمدي عبد الرحمن الظاهرة الدينية في أفريقيا التي تشهد تعدداً في الأديان والمعتقدات، وتداعياتها على الحياة السياسية والاجتماعية التي تشهدها القارة. فبالإضافة إلى الديانات السماوية، وفي الصدارة منها الإسلام والمسيحية تموج القارة السمراء بمئات الديانات الوضعية المحلية، ولكنها خلافاً للمعتقدات التقليدية تبدو محدودة الأثر والتأثير، إذ إنها لا تتعدى نطاق الجماعة العرقية المؤمنة بها ناهيك عن أنها تخلو من أي رؤى تجديدية ولا تتضمن سطورها ما يجعلها قادرة على التطويع والتطبع إزاء الواقع الأفريقي.
ويرتكز الكتاب على محاور عدة، منها دراسة الظاهرة الإسلامية استناداً إلى دراسة النموذج السوداني والسنغالي والنيجيري. كما يسعى إلى تقديم حصر للإشكاليات وقضايا خطاب التجديد والإصلاح الإسلامي في الواقع الأفريقي مع تقديم إجابة حول حقيقة الأسباب والدوافع التي تفسر ظهور الخطاب التجديدي في بعض المجتمعات الأفريقية، وكيف استجاب هذا الخطاب من جهة وتجاوز من جهة أخرى تحديات مشروع الحداثة الغربي، وبخاصة ما يتعلق بواقع التخلف والتبعية التي ما زالت قطاعات أفريقية واسعة غارقة فيها. ولم يغفل الكتاب الذي يقع في 398 صفحة من القطع الكبير الإشارة إلى أنماط الخطاب الإصلاحي وتنويعاته الفكرية والمعرفية.
توصف أفريقيا بأنها قارة الإسلام، فهو يسبق كل ما عداه من أديان، وهو في الوعي الجمعي يعد ديناً أفريقياً انتشر بقوته الذاتية وخصائصه الدفينة، كما أنه أكثر الأديان صلاحية وارتباطاً بالواقع الأفريقي. والأرجح أن ثمة عوامل عدة مثلت أهمية كبرى في انتشار الإسلام في القارة منها الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا وتحول مجموعاته السكانية إلى الإسلام، والدور الحركي على الأرض للتجار والعلماء المسلمين الذين زاوجوا بين الاقتصاد والعلم في رحلاتهم الأفريقية، فعرضوا بحرفية ومهارة بضائعهم التجارية بجوار أفكارهم العقائدية. وراء ما سبق لعبت تحركات القبائل وهجراتها جنباً إلى جنب الطرق الصوفية دوراً بارزاً في الترويج للإسلام.
ويمضي الكتاب في الحديث عن الحركات الإسلامية في أفريقيا التي لا تعبر في جوهرها عن تجانس فكري، على رغم أنها نهلت من روافد فكرية مشتركة، فتأثرت على سبيل المثال بأفكار الجماعات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، وفي الصدارة منها جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر الذي أسسها «حسن البنا» في العام 1927، وأيضاً الحركة الوهابية في السعودية وقيم ودساتير الجماعة الإسلامية في آسيا. والمتابع لنشأة وتطور الحركات الإسلامية في أفريقيا يدرك أنها انتقلت بسرعة من مرحلة التركيز على الجوانب العقائدية والإيمانية إلى الغوص في أوجه النشاط الإنساني كافة لا سيما القضايا التي تمثل فرس رهان لتقدم المجتمعات وتطورها، وبخاصة السياسة والاقتصاد والتعليم. ولعل ذلك يفسر حرص عدد من الحركات الإسلامية في أفريقيا على تقديم تفسير عملي للنصوص المقدسة، وترجمتها على الأرض عبر بناء نموذج اقتصادي ومعرفي يتسق وروح الإسلام باعتباره منهج حياة ومعتقداً بالغ التأثير في حركة المجتمعات.
ويحلل الكتاب في فصله الثاني مفهوم الخطاب الإسلامي بدلالاته المعرفية وأبعاده الإيديولوجية وسياقاته المجتمعية باعتباره المدخل الأساسي لفهم الخطاب الإصلاحي التي تطرحه الحركات الإسلامية في القارة. ولا يغفل الكتاب الإشارة إلى دوافع تجديد الخطاب الإسلامي الذي أصبحت الحاجة إليه ملحة مع تصاعد موجة التعليم الغربي الذي وسع البون بين الشرائح المجتمعية في القارة وخلق ازدواجية ثقافية لا تخطئها عين. وتمثلت أهم الدوافع التي وقفت وراء طرح الخطاب الإصلاحي في ظهور جماعة الإخوان المسلمين، والتي تأسست أول شعبة لها في جيبوتي عام 1932 ناهيك عن خفوت وتراجع الأطروحات الأيديولوجية التي ظهرت عقب الاستقلال، وقادها نكروما في غانا مع تصاعد موجات التحرر الوطني من الاستعمار. كما ظهرت رؤى إصلاحية إسلامية وطرحت قضايا مهمة تدخل في صلب خطاب التجديد. أيضاً مثلت الثورة الإيرانية وغياب الديموقراطية وتنامي روائح الفساد عاملاً مهماً في تغذية التوجهات الإصلاحية للخطاب الإسلامي في القارة، والذي وجد بيئة خصبة مع فشل نموذج النهضة الأفريقية الذي ارتكز على أسس علمانية.
على صعيد ذي شأن شهدت أفريقيا جنوب الصحراء طوال الأعوام التي خلت تنوعاً واضحاً في أنماط الخطاب الإسلامي، بدءاً بخطاب الحركة الإسلامية في السودان التي اشتبكت منذ نشأتها فكرياً وأيديولوجياً مع التيار الشيوعي السوداني، واتسم خطاب الحركة السودانية في جوهره بغلبة الطابع السياسي على الديني والتربوي، بل تبنت الحركة الإسلامية بعد تمكينها من السلطة في العام 1989 خطاباً أممياً. وإلى جوار الخطاب الحركي للحركة الإسلامية في السودان برز الخطاب الصوفي، بالنظر إلى تغلغل الطرق الصوفية وتشعب مسالكها في القارة السمراء، وكان بارزاً، هنا، استلهام الخطاب الإسلامي في تجديده لروح الصوفية وتقاليدها في السنغال ونيجيريا وغيرها من بلاد القارة.
ويشمل الكتاب تحليلاً مهماً للخطاب السلفي الذي كان أقرب لرد الفعل على الخطاب الصوفي الغارق بحسب خصومه في البدع والخرافات. وبرز التيار السلفي الحركي وهو يقدم قراءة مغايرة للدين وكاشفة للجوانب العملية لقواعد الدين الإسلامي ونصوصه، وليأخذ بذلك مسافة بعيدة من الطرق الصوفية مثل القادرية والتيجانية.
وبرز الخطاب الإصلاحي السلفي في أفريقيا، وبخاصة في نيجيريا من خلال ثلاثة تنظيمات أولها «جمعية الطلاب المسلمين» و «جمعية الدعوة» و «جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة».
ويلمح المؤلف إلى أن مصطلح السلفية ازداد غموضاً وتعقيداً على تعقيده في السنوات الأخيرة عندما تحولت السلفية وخطابها المضطرب إلى ظاهرة مؤثرة وفعالة في المشهد السياسي والديني في العالم الإسلامي، وبخاصة أفريقيا.
ويمايز المؤلف بين تيارات ثلاثة داخل السلفية، وهي السلفية الأصولية والسلفية المسيسة والسلفية الجهادية.
وفي جانب خامس من الكتاب ينتقل المؤلف إلى مناقشة خطاب الحركة المهدية في السودان، والتي تعد واحدة من أهم الحركات الثورية التقدمية في الواقع الأفريقي التي حملت بين جنباتها مضامين سياسية ودينية تقدمية. وكانت للحركة لمستها في عملية تشكيل وتطور الدولة الحديثة في السودان.
ويلقي الكتاب الضوء في الفصل السادس على الخطاب الديني الجهادي في القارة، والتي تمثله جماعة» بوكو حرام» التي تقص مضاجع نيجيريا ودول جوارها. واشتهرت هذه الجماعة بمعاداتها للتعليم الغربي، فعرفت إعلامياً باسم «بوكو حرام» التي تعني بلغة الهوسا التعليم الغربي حرام، لذلك، حرصت «بوكو حرام» دوماً على تقديم غطاء أيديولوجي لأعمالها الإرهابية.
المصدر: صحيفة الحياة




هكذا تكلم ابن عربي … كتاب لنصر حامد أبو زيد

Ibnarabi

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: خالد بيومي —
صدرت حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعة جديدة من كتاب «هكذا تكلم ابن عربي» لنصر حامد أبو زيد (1943 – 2010). وهذا الكتاب هو محصلة للسياحة في فكر ابن عربي، وجاء استجابة لرغبة مؤلفه في استكمال معرفته بقطبي التراث الإسلامي الأساسيين: العقلانية والروحانية. وكان أبو زيد أنجز أطروحته للدكتوراه عن تأويل ابن عربي للقرآن الكريم كمحاولة لاكتشاف مجال «التجربة الروحية»، كما تُمثـلُها التجربـة الصوفيـة عــنده وأثرها في بـلورة إطار تـأويلي للوحي.
ويرى أبو زيد أن التجربة الصوفية في التراث الإسلامي، تمثل -في جانب منها على الأقل– ثورة ضد المؤسسة الدينية التي حوَّلت الدين إلى مؤسسة سياسية اجتماعية مهمتها الأساسية الحفاظ على الأوضاع السائدة ومساندتها من خلال آليات إنتاج معرفية ثابتة يقف على رأسها «الإجماع»، ويليه «القياس».
وإذا كانت مصادر المعرفة وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مصادر لا خلاف عليها بين المتصوفة والفقهاء والمتكلمين المسلمين، فإن الخلاف بين الاتجاهات الثلاثة يتمثل في ترتيب آليات استنباط المعرفة وإنتاجها من هذه المصادر. ففي حين يركز المتكلمون على أهمية «العقل» على خلاف بينهم في ترتيب العلاقة بينه وبين «النقل»، يضع الفقهاء «العقل» في درجة أدنى من درجة الإجماع . ولا مجال عند المتكلمين والفقهاء للتجربة الروحية، وهي محور الخلاف بين المتصوفة وغيرهم؛ إذ يعتبر المتصوفة أن «التجربة» الروحية الشخصية الذاتية هي أساس المعرفة الدينية. وفي حين ينشغل المتكلمون والفقهاء بقضايا سياسية واجتماعية وينخرطون في إطار إنتاج معرفة مؤسسية يلوذ المتصوفة بتجاربهم الروحية التي تحاول استعادة تجربة «النبوة» ذاتها في إطار «تأويلي» للشريعة النبوية.
ويطرح المؤلف سؤالاً مفاده: هل ما زال ابن عربي قادراً على المساهمة في مخاطبة قضايا عالمنا المعاصر؟ جاءت الإجابة بنعم، لأن ابن عربي رسَّخ الأصل الذي تستند إليه الأديان والمعتقدات كافة وهو أصل العلاقة بين الخالق والمخلوق، وهو علاقة «الحب»… في البدء كان «الحب»؛ هكذا يتصور ابن عربي «الحقيقة»: كان الله كنزاً مخفياً فأحبَّ أن يُعرف فخلق العالم ليعرفه. هكذا تتحدد الحقيقة استناداً إلى التراث الإسلامي مشروحاً شرحاً عرفانياً. وترجع أهمية فكر ابن عربي إلى أنه يمثل قمة نضج الفكر الإسلامي في مجالاته العديدة، من فقه ولاهوت وفلسفة وتصوف، فضلاً عن علوم «تفسير القرآن»، وعلوم «الحديث النبوي» وعلوم اللغة والبلاغة… إلخ. من هذه الزاوية، فإن دراسته في السياق الإسلامي تكشف عن بانوراما الفكر الإسلامي في القرنين السادس والسابع الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين).
ومن زاوية أخرى يمثل ابن عربي همزة الوصل بين التراث العالمي والتراث الإسلامي، ومن ثم يمكن النظر إلى تراث ابن عربي بوصفه تواصلاً حياً خلاقاً مع التراث العالمي الذي كان معروفاً ومتداولاً في عصره، سواء كان تراثاً مسيحياً أم يهودياً أو كان تراثاً فلسفياً فكرياً. وهذا ما يتضح من إصراره على استخدام مصطلحات متنوعة الدلالة على مفهوم واحد. فهو يشير مثلاً إلى مفهوم «الموجود الأول»، أو «المخلوق الأول» بمجموعة من المصطلحات منها الفلسفي مثل «العقل الأول»، ومنها الديني مثل «القلم»، هذا إلى جانب «الموجود الأول» عن الله و «المخلوق الأول»…
ولم تقف أهمية ابن عربي عند حدود استيعابه التراث الإنساني وتوظيفه إياه في إقامة بنائه الفكري الفلسفي الشاهق، بل تتجاوز ذلك إلى المساهمة في إعادة تشكيل التراث الإنساني بالتأثير فيه تأثيراً خلاقاً بالدرجة نفسها. ويستشهد أبو زيد بدراسات المستشرق الياباني توشيكو إيزوتسو عن ابن عربي والطاوية، وكذلك دراسات المستعرب الإسباني آسين بلاسيوس عن تأثير كتابات ابن عربي في ريمون لول، وتأثيره في دانتي إليغيري مؤلف «الكوميديا الإلهية».
كما استوعب قراءة التراث الإسلامي السابق عليه، ما ساهم في بلورة كثير من المفاهيم والتصورات التي كانت مضمرة في كتابات السابقين. وساعدت كتابات ابن عربي الباحثين في تجلية آراء الحكيم الترمذي (280– 910)، والحلاج بن الحسين بن منصور (283– 913)، والنفّري ( 366– 977). يحتاج الباحثون لقراءة ابن عربي إلى إعادة بناء الفكر السابق عليه من أجل الكشف عن الأثر الذي تركه فيه. ويرى أبو زيد أن استدعاء ابن عربي وتجربته الروحية يمكن أن يمثل مصدراً للإلهام في عالمنا المعاصر، فالتجربة الروحية هي مصدر التجربة الفنية: الموسيقى والأدب والفنون السمعية والبصرية والحركية، فهي الإطار الجامع للدين والفن.
وفي لقاء العمالقة: ابن رشد «فيلسوف قرطبة وقاضيها»، والشيخ ابن عربي، لم يكن الفيلسوف معادياً للكشف والإلهام والفيض سبيلاً إلى المعرفة، ولم يكن الانتماء الجغرافي هو القاسم المشترك بين الفيلسوف والشيخ، وأكد ابن عربي في أكثر من سياق أن ابن رشد لم يستبعد إمكان الوصول بالفيض والإلهام والكشف إلى معارف وهبية لَدُنيَّة تأتي مباشرة من الله على قلب السالك، ويكرر ابن عربي أن ابن رشد عبر عن امتنانه لوجوده في الزمن الذي شهد واحداً من أرباب المعرفة الكشفية. ولم يكن فيلسوف قرطبة بأي معنى من المعاني من أتباع أفلاطون، وهذا ما يباعد بينه وبين فلاسفة الإشراق الأقرب إلى قلب ابن عربي. ويفسر ابن عربي كراهية بعض المسلمين لأفلاطون بجهلهم معنى كلمة فلسفة التي تعني «محبة الحكمة».

المصدر: صحيفة الحياة