المتطرّفون البوذيون في ميانمار… حركة 969

عمر البشير الترابي* — يركّز البحث المنشور ضمن كتاب المسبار الشهري (أزمات المسلمين الكبرى: التاريخ – الذاكرات – التوظيف) (الكتاب التاسع عشر بعد المئة، نوفمبر/ تشرين الثاني 2016)، يركز -في معظمه- على الجماعات البوذية التي تقف خلف كثير من العنف الممارس ضدّ المسلمين في ميانمار الحديثة، ويشير عظيم إبراهيم (الزميل في كلية مانسفيلد بجامعة أكسفورد) إلى أنهم لا يعملون في فراغ. فللجماعات البوذية صلات واسعة مع «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» والنظام العسكري القديم على حدٍّ سواء. وهم يؤثّرون في معتقدات معظم البورميين العاديين، بسيطرتهم على قسم كبير من النظام التعليمي في البلد. وفي ميانمار الحديثة، لا يجرؤ إلا القليل على الوقوف في وجه تعصّبهم أو تحدّي مقولاتهم.
قبل النظر بالتفصيل في حركة (969)، وحلفائهم ما با ثا (MaBaTha) (رابطة ميانمار الوطنية)، لا بدّ من إظهار كيف تنهل أيديولوجيتهم من المقولات التاريخية التي تشتمل عليها بوذية التيرفاد (Theravada). وصل هذا الضرب من البوذية مما يعرف حديثاً باسم سريلانكا، إلى وسط بورما ابتداء من القرن السابع الميلادي فما يليه. ومن الافتراضات الهيّنة أن البوذية دين مسالم، لا يظهر أي علامة على عدم التسامح مع المعتقدات الأخرى، التي تسم المسيحية والهندوسية والإسلام. لكن الحال ليس كذلك للأسف.
وكما يرى الباحث، تنهل حركة (969) من السوابق التاريخية (للمواجهة بين المسلمين والبوذيين) وتضيف إليها تحريفاتها الأكثر حداثة. لكنها في جوهرها تحتج بأن أي تخفيف للثقافة البوذية الصافية في ميانمار سيعرّض الدين بأكمله للخطر. وهي تحدّد في الوقت الحاضر أن الإسلام يشكّل تهديداً وجودياً (مع أن «5%» فقط من السكان مسلمون). وتشيع أيضاً فكرة شرعية ارتكاب العنف لحماية التعاليم وانعدام المسؤولية عن تبعات أعمالهم. وقد أطلق على أشين ويراثو، وهو أحد قادة حركة (969) المهمّين، اسم «ابن لادن البوذية» ؛ بسبب تطرّف آرائه. ويدّعي المدافعون عنه –أحياناً- أن هذه التسمية ترجع إلى أكاذيب وسائل الإعلام لأن «المسلمين يمتلكون كل وسائل الإعلام، ولا يقدّمون إلا صورة سلبية عنه».
تستمدّ حركة (969) كثيراً من الإلهام من أقرانهم في الدين في سريلانكا، الذين يحاجّون بأن العنف والتمييز مشروع ما دام ذا غاية مقبولة. وذلك مثير للقلق بسبب مستوى عدم التسامح الذي تظهره الدولة التي يسيطر عليها البوذيون في سريلانكا.
يعتقد الباحث أنه ربما يكون لحركة (969) جذورها في الحركة المؤيّدة للديمقراطية في السنوات (1988-1990)، لكن عندما عاودت الظهور سنة 2008، لم يكن هناك كبير شكّ في أن الجيش متواطئ في إنشاء حركة (969) أولاً ثم ما با ثا لاحقاً.

أفاد بعض الرهبان بأن الضباط العسكريين عرضوا عليهم عند إطلاق سراحهم من السجن معاشاً ومكاناً في أحد الأديرة إذا ساندوا حركة (969). لكن في الفترة المبكّرة التي تلت سنة 2008 كانت حركة (969) لا تزال تساند «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» إلى حدّ كبير، بل إنها جدّدت في الواقع التحالف الذي كان قائماً بين سنتي 1988 و1991.
يخلص الباحث إلى أن التحامل على المسلمين عميق الجذور في ميانمار الآن. ومع أن الحلفاء المتطرّفين لـ«الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» انقلبوا عليها في انتخابات 2015، فإن قيادة الرابطة تظل متواطئة بإنكارها على الروهنجيين حقوق الإنسان الأساسية. وكما هي الحال في الإبادات الجماعية الحديثة الأخرى، فإن العالم يريد أن يتجاهل الإشارات التحذيرية. ويرى إبراهيم أن على العالم الوقوف إلى جانب الروهنجيين، وإلا سنشهد تكراراً للإبادة الجماعية، كما حدث في دارفور ورواندا.

المصدر: موقع مركز المسبار




من المشروطة إلى ولاية الفقيه

في الكتاب الثاني والخمسين من السلسلة الشهرية التي يصدرها مركز المسبار للدراسات والبحوث، والذي تم تخصيصه للبحث في التيارات السياسية في إيران، يناقش الباحث اللبناني هيثم مزاحم حضور مفهوم “ولاية الفقيه” في الفكر السياسي الشيعي، وذلك في دراسته التي عنونها بـ:” الفكر السياسي الشيعي في إيران، من المشروطة إلى ولاية الفقيه”. بدأ في البحث عن جذور النظريات التي صبغت الفكر السياسي الشيعي الاثنا عشري منذ بداية الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر المهدي، والتي بدأت بعد وفاة النائب الرابع علي بن محمد السمري أو الصيمري سـنة 329هـ وحتى (1432هـ/2011). ذلك أن الفقه الشيعي:” لا يقتصر على نظرية واحدة فقط حول الدولة، كما يعتقد البعض، بل إن هناك نظريات متعددة أنتجتها دراسات الفقهاء خلال القرن العشرين الميلادي، والذي يعتبر فترة نضوج الفكر السياسي الشيعي وتبلوره. وهذا التعدد هو دليل على أنه ليس ثمة إجماع على نظرية سياسية واحدة حول الحكم لدى الاثني عشرية”.
يتناول في بدء دراسته تقسيم الفقهاء الشيعة من حيث الموقف من قضايا الحكم في عصر غيبة الإمام المهدي، ويقسمهم إلى فريقين اثنين: الفريق الأول: هم الفقهاء الذين لم يؤمنوا بضرورة إقامة الدولة في عصر الغيبة، وبالتالي لم يحددوا شكل الحكم أو الأفراد الخاصين بممارسة الحكم وقيادة المسلمين. والفريق الثاني: هم الفقهاء الذين استنبطوا شكلاً خاصاً لنظام الحكم في عصر الغيبة واقترحوا نظرية إيجابية في المجال السياسي.
يبدأ هيثم مزاحم بحثه طارحاً “الغيبة” بوصفها المحرض الأساسي على البحث عن نظرية سياسية، ومن تلك الرغبة الملحة بدأت تتبلور نظرية “ولاية الفقيه”، وهي النظرية التي وإن تم طرحها والعمل بها نظرياً في زمن متأخر، غير أنها موجودة منذ زمن بعيد، حيث رأى أن:”مسألة الولاية السياسية للفقيه كانت مطروحة بقوة في ذلك الوقت –القرن الثالث عشر-وقد أثارت رؤية النراقي في ولاية الفقهاء العامة التعيينية موجةً من الاهتمام والبحث والنقد من قبل معاصريه وتلامذته والفقهاء الذين جاؤوا بعده، ومن أبرزهم المرجع الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري، أحد التلامذة المشهورين للنراقي، الذي قام بنقد آراء أستاذه في كتاب “البيع” في كتابه “المكاسب”.
ثم يعرج على نظرية الحكومة المشروطة، فإنه ومع بداية القرن الرابع عشر الهجري الموافق للقرن العشرين الميلادي، أخذ تطوّر الفكر السياسي الشيعي يثير أسئلة ومفاهيم جديدة في المجتمع وفي أبحاث الفقهاء، مع قيام “حركة المشروطة” التي نجحت في إقرار الدستور وملحقه التعديلي، وتقييد سلطة الملوك وصلاحياتهم المطلقة. وقد انقسم الفقهاء الشيعة في ذلك الوقت في فهمهم للمفاهيم السياسية الجديدة، من قبيل الحرية والعدالة والمساواة والحقوق العامة والفصل بين السلطات والقانون والنيابة والحكم المشروط أو الاستبداد المطلق، إلى فريقين: عبّر أحدهما عن نظرة تقليدية ترفض بصورة مطلقة التطور الديموقراطي، وتدافع عن المسار السياسي السابق الذي يقوم على الفصل بين السلطة الدينية (ولاية الفقهاء التعيينية في الأمور الحسبية)، والسلطة السياسية (في الأمور العرفية)، وهو ما تبلور تحت عنوان “الحكومة الشرعية أو المشروعة”، فيما ذهب الفريق الآخر يدعو إلى التطور والتغيير باتجاه التوفيق بين المشروطة والمشروعة، مع المحافظة على نظرية الدولة القائمة على الإذن العام للسلاطين الصادر عن الفقهاء.
أما عن أسس “الحكومة المشروطة” فينقل عن النائيني أنّ أسس نظرية الحكومة المشروطة مستنبطة من كتاب الله وسنّة رسوله ووصايا الإمام علي، مشيراً إلى أنّ سبب تقدم الغرب يعود إلى العمل بتلك الأصول، بعكس المسلمين الذين تقهقروا نتيجة لإهمال منابع الدين. ويعتبر أنّ تطبيق هذه النظرية كفيل بإعادة إحياء الشريعة الإسلامية وإقامة النظام السياسي الإسلامي، وأن كل ما أُخذ من الغرب على صعيد إدارة الدولة والحقوق الأساسية إنما هو من إنتاج الإسلام وقد ردّ إلى موطنه الأصلي، “هذه بضاعتنا رُدّت إلينا”. وأهم مهام الحكومة من منظار النائيني اثنتان هما: حفظ النظام الداخلي للدولة والعدالة الاجتماعية، ومنع تدخل الأجانب وإعداد القوة العسكرية للدفاع عن البلاد في مواجهة الأعداء، أي حفظ بيضة الإسلام.
الباحث مزاحم يدخل مرحلة الجمهورية الإسلامية والتي يعيد بدء تكونها إلى أواخر القرن الرابع عشر هجري مع تبلور نظرية ولاية الفقيه العامة المطلقة مع الإمام روح الله الخميني (ت 1989)، وتأسيسه للجمهورية الإسلامية في إيران في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 على نظام الشاه.
الحلقة الأقوى في رسم النظرية السياسية الشيعية بدأت مع تحول نظرية “ولاية الفقيه” إلى مجال عملي على يد الخميني، بعد أن كانت نظريةً ذات أدلة وبراهين في القرن الثالث عشر على زمن النراقي.
قال الخميني بضرورة الحكومة في عصر الغيبة بطول مدة غيبة الإمام المهدي والتي قد تطول ألوف السنين ويتساءل: “وهل تبقى أحكام الإسلام معطّلة؟ يعمل الناس في خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء؟” هذه الفتوى التي أطلقها الخميني حول ضرورة الحكم في زمن الغيبة هي التي جعلت من ولاية الفقيه أساس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
بل نجح الإمام الخميني-بحسب الباحث- بعد نحو عشر سنوات من تطويره لنظرية ولاية الفقيه في إقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، على أساس تلك النظرية وتولّيه الحكم فيها بصفته ولياً للفقيه.
وبعد أن يتحدث الباحث عن ملابسات المفهوم وعلاقته بأزمات التشريع، يختم بحثه بالحديث عن النظريات السياسية الإسلامية في إيران. عن ولاية الفقيه الانتخابية المقيّدة وترى هذا النظرية أنّ ولاية الفقيه لا تعني أن يكون الفقيه على رأس الحكومة وأن يحكم عملياً، بل إنّ دور الفقيه في الدولة الإسلامية أشبه بدور المفكر منه بدور الحاكم، هذا فضلاً عن أنّ الناس هم الذين ينتخبون الفقيه. خاتماً دراسته بالحديث عن حسين علي منتظري وولاية الفقيه الانتخابية المحدودة.

المصدر: موقع المسبار




النهضة والحضارة في فكر مالك بن نبي

القاهرة – خالد بيومي — أوقف مالك بن نبي (1905- 1973) حياته للإصلاح، إذ عمل في ميدان الفكر، ولم يعمل في مجال اختصاصه مهندساً كهربائياً؛ لأن شعوره بالخطر الاستعماري، جعله يجيب كل من يسأله: بلدي حالياً في حاجة إلى مفكر أكثر منه إلى مهندس. والكتاب الصادر حديثاً عن «دار النفائس» في بيروت تحت عنوان «النهضة والحضارة في فكر مالك بن نبي» للدكتور أسعد السحمراني؛ أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي؛ يؤكد أن أفكاره جاءت لا لتضيف في المجتمع الإسلامي معرفة جديدة بالفقه، أو علماً مستخلصاً من تجارب الحضارة الحديثة، بل تنظيم هذه المعارف في مفاهيم تربوية تسير بالإنسان إلى الأمام. فهو يطرح الإسلام كملهم لقيمنا وقادر على استعادة دور الإنسان مبرأ من ثقل الحضارة الإمبراطورية ، ويرى بن نبي أن الإسلام لا يقدم إلى العالم ككتاب، وإنما كواقع اجتماعي يساهم بشخصيته في بناء مصير الإنسانية.

ويفسر بن نبي تأخر المسلمين وتناحرهم مع بعضهم بعضاً بضعف الروح القرآنية، فعندما وهنت الدفعة القرآنية توقف العالم الإسلامي كما يتوقف المحرك عندما يستنفد آخر قطرة من الوقود. وما كان لأي معوض زمني أن يقوم خلال التاريخ مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو: الإيمان، ولذلك لم تستطع «النهضة التيمورية» التي ازدهرت في القرن الرابع عشر حول مغاني سمرقند، أو الإمبراطورية العثمانية، كلاهما، أن تمنح العالم الإسلامي «حركة» لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها. وبدلاً من أن يبحث المجتمعان الإسلامي والعربي عن الدور المستلب منه، بدآ البحث عن الفرد «البطل» المنقذ الذي يمكنه فعل ما يخالف العادة من الأعمال من أجل الخلاص من الواقع المشؤوم. وبدلاً من أن يتم البحث عن الإنقاذ في الفكر المنظم لطاقات الجماعة المرصوصة الصف، من خلال الالتزام بالقيم المطلقة التي جاء بها الإسلام، والتي تسمو بالإنسان فوق كل عبودية، راح نفر يبحث وفق قيم فاسدة عن بطله المنشود، وإعادة نظم عقد الجماعة واسترداد الإنسان ذاته المستلبة من جانب قيم الآخرين وثقافتهم. فالإسلام دين تحضر وتمدين، وفهمه في شكل خاطئ يؤدي إلى البعد منه، إلى الجاهلية.

ويتبنى بن نبي نظرية الأدوار التاريخية التي قال بها العديد من الفلاسفة مستنداً إلى السيرة النبوية. فالمجتمع يمر بثلاثة أطوار تاريخية متعاقبة، اذ يبدأ تاريخه بمرحلة يحدث فيها تقبل الأفكار وإبداعها وتمثلها، تليها مرحلة تبلّغ فيها الأفكار إلى مجتمعات أخرى، ثم تعقب مرحلة يتجمد فيها عالم الأفكار، فيصبح وليست لديه أدنى فاعلية اجتماعية. فالمجتمع الإسلامي في عصر الفارابي كان يخلق أفكاراً، وعلى عهد ابن رشد يبلغها لأوروبا، وبعد ابن خلدون لم يعد قادراً على الخلق، ولا على التبليغ.

وأبرز بن نبي الوجه السلبي للإنتاج الفكري الاستشراقي الذي كتب عن المسلمين والعرب ولهم، وأحياناً بالعربية ليمارس دور التخدير، أو اختراع المعارك الوهمية التي تضيع وقت المسلم للدفاع الجدلي عن أمور لا طائل منها، بحيث يبقى الواقع العربي الإسلامي خلواً من أي توجيه أصيل، مفتوح الأبواب لتلقي ما يصدره المستشرقون من أفكار تخدم سيطرتهم السياسية الاستعمارية، وقاموا بنقل القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، وفي المقابل لم تحصل حركة استغراب لدراسة مدققة للأفكار السائدة في عالم الاستعمار، تحصّن الواقع الثقافي، وتجعل العالم العربي والإسلامي فاعلاً في حمل الرسالة الحضارية المنوطة به.

ويحلل بن نبي الأزمة الحضارية عند العرب من خلال دراسة دقيقة للواقع فيقول: الأزمة عند العرب والمسلمين ليست أزمة عقيدة أو فكر سياسي فحسب، وليست مشكلة أصالة مفقودة، وإنما مشكلة انتكاسة وسقوط في محطة تاريخية ويستوجب ذلك إعادة الأمر الطبيعي بالانسجام مع صفحات التاريخ المشرقة، وليس بأخذ السند والحجة من واقع الانتكاسات. والعرب والمسلمون ليست أزمتهم الحضارية بسبب عدم امتلاكهم الخامات، أو لفقر في كنوز أرضهم، بل ما عندهم يفوق الحاجة «الإنسان والتراب والوقت» لو أحسنت الاستفادة منه في تطوير البلاد، ولو عادت ثماره لكل أبنائه، وليس لفئة قليلة تعبث به أو للاستعمار يفتح لها باب نهبه، واستثماره. وهذه العناصر الثلاثة لا بد من أن يضمها العامل الأخلاقي، ومن دون هذا العامل يوشك أن تتمخض العملية عن «كومة» لا شكل لها، متقلبة عاجزة عن أن تأخذ اتجاهاً، أو تحتفظ به، أو تكون لها وجهة. ولا يغفل مالك الجانب الجمالي مؤكداً أن ذوق الجمال عامل أساسي في سلامة التوجه الحضاري أو عدمه. وإذا كانت الأخلاق عاملاً مؤثراً في توجيه النمط الحضاري لتأثيرها في عالم الأفكار، وعالم الأشخاص وهما من مرتكزات الحضارة التي تحل في المرتبة الأولى، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة الى ذوق الجمال؛ لأن الاتجاه الحضاري ونمط سلوك الإنسان واستخدامه التراب في عملية البناء، هي التي تترك بصماتها على النواحي الشكلية والجمالية في المجتمع.

وقد تعرض بن نبي لمشكلات الحضارة بدلاً من مشكلات الإنتاج الحضاري. لقد وجد نفسه، كمثقف جزائري، أمام ترتيب ضروري لرسالته في المجتمع، فلا بد أولاً من بناء الإنسان قبل بناء الآلة حتى لا نضع العربة قبل الحصان فنعجز عن الوصول إلى الهدف.

المصدر: الحياة




عن تحقيق “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الاوصاف وغرائب التشبيهات”

بقلم: فاطمة شحوري — ما زال أساتذة الأدب والباحثون ينقبون عن أعمال أدبية قديمة ويجهدون في اكتشاف مخطوطات لأعمالٍ شكّل غيابها فجوة في تاريخ الأدب العربي. فكثير من الأعمال الهامة مازالت قابعة في أقبية المكتبات، الأمر الذي يصعّب مهمّة كتابة تاريخ شامل للأدب العربيّ.
ولا ينحصر جهد هؤلاء الباحثين باكتشاف مخطوطات أدبية فحسب، بل يعملون على مراجعة هذه المخطوطات المكتشفة ودراستها وتحقيقها مرّة بعد أخرى ليقع العمل في سياقه التاريخي والأدبيّ. وقد عمل الدكتور بلال الأرفه لي مع زميله في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور رمزي بعلبكي على دراسة وتحقيق مخطوطة كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف وغرائب التشبيهات”* المنسوبة لأبي منصور الثعالبي، وهي مخطوطة “ليدن 300″، الموجودة في مكتبة جامعة ليدن. وقد ضمّت هذه المخطوطة 56 ورقة بخط الناسخ محمد بن هيثم الكاتب، الذي أنهى نسخها في الثالث والعشرين من صفر لثمان عشر وستّمائة.

أبو منصور الثعالبي هو أديب وشاعر وناقد معجميّ، يُعتبر من أهم أدباء القرنين الرابع والخامس الهجريّين. وبسبب من أهميّة المؤلف الأدبية وغزارة تأليفه، نُسبت له الكثير من الأعمال المجهولة، وذلك بهدف زيادة قيمتها الأدبية. وكتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف وغرائب التشبيهات” الذي بين أيدينا واحدٌ من الكتب التي نُسبت له. ونظرًا للشّك في صحّة نسبة هذا الكتاب للثعالبي، عالج محقّقا الكتاب، بلال الأرفه لي ورمزي بعلبكي، هذا الموضوع في مقدّمة الكتاب تحت عنوان: من هو الكاتب؟ معتمدَيْن على ما نُشر في هذا الخصوص. ففي سنة 1900، كان لويس شيخو قد نشر عملاً تحت عنوان “مكارم الأخلاق” في مجلة المشرق. لكن ما لبث الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان المزيني أن نشر العمل نفسه سنة 1998 في مجلّة “أعلام المخطوطات والنّوادر” في المملكة العربيّة السّعوديّة، ناسبًا إيّاه لأبي منصور الثعالبي. وقد أكّد الباحث العراقي محمود الجادر أنّ العمل الذي نشره لويس شيخو سنة 1900 لم يكن إلّا عملًا مقتبسًا من كتاب “الفرائد والقلائد” المنسوب لأبي الحسين محمد بن الحسن الأهوازي. ويشير قاسم السامرّائي في عمله “ملاحظات عن سيرة الثعالبي” بعد الاطّلاع على مخطوطة ليدن إلى تشابه واضح بين الباب الرابع (الأمثال السائرة) من كتاب “مكارم الأخلاق” وكتاب “من غاب عنه المطرب” للثعالبي.
عنوان الكتاب: “”مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الأوصاف وغرائب التشبيهات” يدلّ على مضمونه ومادّته. يقع الكتاب في ثلاثة أبواب وملحق:
1. الباب الأوّل: “باب التّحلّي بمكارم الأخلاق ومحاسن التّشبيهات” وفيه اثنا عشر فصلًا.
2. الباب الثاني: “باب التّزكي عن مساوئ الأخلاق ومقابح الشّيم” وفيه أحد عشر فصلًا.
3. الباب الثالث: “باب بدائع الأوصاف وغرائب التّشبيهات في فنون مختلفة” وهي أربعة فصول.
4. ملحق بالأمثال السّائرة.

لاحظ محققا الكتاب تشابهًا بين الفصلين الأوّل والثّاني من ناحية الشكل والبنية والمضمون، ومن ناحية الاعتماد على الأحاديث النبوية. وقد رجّح المحققان احتمال استفادة مؤلّف الكتاب من أعمال ابن ابي الدنيا والخرائطي نظرًا لاعتمادهما بدورهما على الموروث النبوي. وأشار المحققان إلى بعض الكتب والأبحاث التي قد يكون المؤلّف قد عاد إليها في اللبنة الأولى من بحثه، نحو كتابَيْ “اصطناع المعروف” و”محاسبة النفس” لابن أبي الدنيا، وغيرها الكثير من كتبه التي ترد في حواشي النصّ، علاوة على كتب الزّهد نحو كتاب “الزّهد وصفات الزّاهدين” لأبي سعيد الأعرابي، وكتب التّصوّف نحو كتاب “إحياء علوم الدّين” لأبي حامد الغزّالي. غير أنّ استعمال هذه الكتب المذكورة أعلاه ليس سوى ترجيح نظرًا لغياب الإسناد في الكتاب المحقَّق.

أمّا باب الكتاب الثالث فيختصّ بالتّشبيهات والأوصاف. وقد أشار غوستاف فون غرونيبوم إلى أنّ المقطوعات الوصفية لا يتجاوز عدد أبياتها في الغالب السبعة أبيات، وهدفها تصوير بعض الأفكار العابرة والانطباعات اللحظيّة. وقد لاحظ بلال الأرفه لي ورمزي بعلبكي أنّ معظم مضمون هذا الباب يكاد يكون مأخوذًا حرفيًّا عن كتاب “من غاب عنه المطرب” للثعالبي، نظرًا لاستعمال مؤلّف الكتاب مادّة كتاب “من غاب عنه المطرب” الشعريّة بالترتيب نفسه. وقد ذكر المحقّقان أنّه في حال عدم توفُّر المادّة الشعريّة المذكورة في كتاب “من غاب عنه المطرب”، فيمكن رصدها في كتب الثعالبي الأخرى نحو “الإعجاز والإيجاز” و”التوفيق للتفليق” وغيرهما من الكتب.

أمّا القسم الأخير من الكتاب، أي ملحق الأمثال السائرة، فضمّ 410 مثلًا في 28 فصلًا، مرتّبين ترتيبًا أبجديًّا من الألف إلى الياء. غيرَ أنّ الأمثال الموجودة ضمن الفصل الواحد مبعثرة التّرتيب، على نحو ما اعتُمد في القرنين الرّابع والخامس. وقد لاحظ محقّقا الكتاب خلوّ هذا الباب من الأمثال التي تبدأ بالأفعال على خلاف العادة، وأظهرا خطّة تصنيف المؤلف للأمثال. فمثلًا يبدأ كلّ فصل بالأحاديث النبويّة وتتبعها الأحاديث المولّدة. وأشار المحققان إلى تماثل هذا الملحق مع كتاب “مجمع الأمثال” للميداني، وقد أرجعا هذا التّشابه إلى أمر من اثنين: إمّا أن يكون مؤلف كتاب “مكارم الأخلاق” قد استفاد من عمل الميداني، أو أنّ كلا الكاتبين قد استخدما المصادر نفسها.
ويجدر بنا، بعد عرضنا للكتاب وفصوله أن نشير إلى جهد المحققين في جمع هذا الكم من المعلومات – المتعلّقة بقضية نسبة كتاب “مكارم الأخلاق” للثعالبي- بأدقّ تفاصيلها. ونودّ إظهار إعجابنا الشّديد بعمل المحققين على إلقاء الضّوء على كلمة “أدب” في بداية مقدّمتهما وربطها بكتاب مكارم الأخلاق.

*كتاب “مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبدائع الاوصاف وغرائب التشبيهات” المنسوب لأبي منصور الثعالبي. تحقيق بلال الأرفه لي ورمزي بعلبكي. ليدن: بريل، 2015.




ثورة الحسين.. ظروفها وآثارها الإنسانية

الشيخ محمد مهدي شمس الدين من رواد الإصلاح البارزين،إذ فتح نوافذ الرأي والحوار والمعرفة في فضاء الاسلام الواسع، وأسهمت آراؤه وقراءاته ومواقفه في تحديد مسارات الحركة الاسلامية في مجالات الفكر والعمل والجهاد،وكان غزير الإنتاج والعطاء، وقد اتسمت بحوثه وكتاباته وآرائه بالعمق والجد والوضوح والرصانة والاصالة والوعي واثارت جدلاً واهتماماً واسعاً في مجال التنظير والحوار .

بدأ بتألقه الفكري في عام (1956) حين أصدر كتابه (نظام الحكم والادارة في الاسلام) ثم عدة كتب في دراسات نهج والبلاغة ومجموعة أخرى حول الحوار الغرب والاسلام والحوار الاسلامي المسيحي ونظر بشكل واسع للجهاد والمقاومة والفقه المسلح واستنبط احكاماً تطفح بالعمق والاصالة والوعي.

إن شمس الدين بحاجة لقراءة افكاره الهادفة بعقد عدة ندوات ومؤتمرات للكشف والتعريف عن آرائه التي لا تقل أهمية عن نتاج الشهيد محمد باقر الصدر (رض) .

كان لشمس الدين إسهام رائد وواعي في دراسة الثورة الحسينية،فأنتج عدة كتب ودراسات يكمل بعضها بعضاً، وعلى المصلح الذي يروم وعي الثورة الحسينية منذ بدايتها وأسبابها ومنطلقاتها وآثارهاأن يقرأ نتاج شمس الدين الذي يعد صاحب مدرسة خاصة في دراسة الثورة الحسينية وإحيائها والسير في منهجها.

وطالما نعيش هذه الأيام في رحاب ثورة الإمام الحسين(ع) وأيام عاشوراء ونستغرق في الأجواء العاطفية وإحياء المراسيم والشعائر الحسينية فإننا بحاجة لقراءة واعية تلتقي مع العاطفة لتستحضر الثورة الحسينية بكل أبعادها وأسبابها، ومن وحي المناسبة تأتي هذه القراءة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي اغنى المكتبة الاسلامية بعدة كتب ودراسات التي نحاول تعريفها للقارئ الكريم ليطلع عليها ويقرأها ليحيى الثورة الحسينية بجوانبها المتعددة. يقول شمس الدين عن مشروعه لدراسة الثورة الحسينية: (إن أكثر ما استأثر باهتمام الناس من ثورة الامام الحسين(ع) هو جانب القصة فيها ما اشتمل عليه من مظاهر البطولة النادرة والسمو الإنساني المعجز لدى الثائرين وقائدهم العظيم، المتمثل في التضحية بكل عزيز من النفس والولد والمال والدعة والأمن في سبيل المبدأ والصالح العام، مع الضعف والقلة ، واليأس من النصر العسكري).

(يقابل ذلك أبشع مظاهر الحقد والبغضاء لدى الحاكمين وأعوانهم المتمثلة في حرمان الثائرين وأطفالهم حتى من الماء ، وفي قتل الأطفال والنساء)

وقد بلغ من قوة تأثير الجانب القصصي المأساوي من هذه الثورة ، بما له من دلالات مثيرة أنه فرض نفسه على معظم من كتب عنها ـ إن لم يكن كلهم ـ فقصروا دراساتهم على هذا الجانب دون غيره ولكن الجانب القصصي ـ على ما له من مزايا تربوية ـ ليس كل ثورة الحسين(ع) ، فإن أحداث هذه الثورة وكل ثورة ليست معلقة في الفراغ ، وإنما هي الجزاء الظاهر من عملية تأريخية واسعة النطاق . فلكل ثورة جذور في نظام مؤسسات المجتمع الذي اندلعت فيه ، ولكل ثورة ظروف سياسية واجتماعية معينة ، ولكل ثورة ـ وإن كانت فاشلة عسكرياً ـ آثار ونتائج . ولا يمكن أن تفهم الثورة على وجهها ما لم تدرس من جميع جوانبها: مقدماتها ، ونتائجها )

وقد بدأ شمس الدين في مشروعه بهذه الرؤية حتى اكمل اربعة كتب بعضها يكمل بعضاً من حيث المنهج والعرض والبداية،وهي كالآتي:

أولاً: ثور الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الانسانية: وهو أول الكتب التي درس فيها ثورة الامام الحسين (ع) في أربعة فصول،درس في الفصل الاول منه الظروف الاجتماعية والانسانية التي مهدت للثورة وأوجدت المسار الاجتماعي والسياسي في التاريخ الاسلامي، وتبدأ من يوم السقيفة والمنطق الذي ساد في حوارات قريش والأنصار والدعوة إلى عودة الروح القبلية ومن ثم تكرست تلك النزعة في مبدأ عطاء عمر بن الخطاب حين فضل المهاجرين والأنصار وقريش على العرب، والعرب على العجم وهكذا،والشورى التي اختصت بستة من المسلمين حسب اختيار الخليفة الثاني، وقد أثار هذا الموضوع بعض رجال قريش والأنصار، وقد اتصلت تلك السياسة بالفتنة في عهد الخليفة عثمان، ويركز على أن سياسة عثمان المالية والادارية وسيطرة بني أمية على مقاليد الحكم والادارة وما افرز من معارضة موقف عثمان من الصحابة الذي اعترضوا عليه كابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري ومالك الأشتر وغيرهم،فانبعثت الفتنة التي قتل فيها عثمان، ويدرس في هذا الفصل اصلاحات الإمام علي (ع) في الادارة والحقوق والمال وما لاقاه من حروب في الجمل وصفين والنهروان، ثم سياسة معاوية وممارسة الارهاب والتجويع والقتل، ثم إحياء النزعة القبلية واستغلالها والتحذير باسم الدين بعقيدة المرجئةوالجبرية، ثم الموقف المعادي لعلي بن ابي طالب حتى سب ولعن من أعلى المنابر ثمانين عاماً وما تركت تلك الممارسة من أثر بليغ، وموقف الامام الحسن (ع) والحسين (ع) من السياسة الاموية، ثم يدرس دوافع الثورة وأسبابها ثم آثار الثورة في الحياة الاجتماعية،ومن أهمها: انبعاث الروح الجهادية في ثورة التوابين وثورة المختار وثورة المدينة وثورة مطرق بن المغيرة وثورة بن الأشعث وثورة زيد وثورة ابنأبي السرايا.

ثانياً : ثورة الحسين (ع) في الوجدان الشيعي: وهو كتابه الثاني المكمل لكتابه الأول، ويكرس هذا الكتاب لدراسة كينونة الثورة في الوجدان الشيعي ومظاهر هذه الكينونة، فقد درس ترسيخ الثورة في الوجدان ومسارب الثورة للوجدان ومظاهر الحضور من مواسم ومراسم كالزيارة والشعر والرثاء والمآتم الحسينية والشعائر الحسينية ويؤرخ لظهور وتطور الشعائر الحسينية ويحدد موقفه منها فهو كتاب غاية في الروعة والأثر.

الكتاب الثالث: أنصار الحسين دراسة عن شهداء ثورة الحسين (ع) الرجال والدلالات: ويعرض فيه القيم والمبادئ وروح التضحية والفداء وحب الشهادة والإقدام التي كان يتصف بها أصحاب الحسين (ع).

الكتاب الرابع: عاشوراء، مجموعة محاضرات حول الثورة الحسينية أُلقيت في الأعوام (1981-1999) وجُمعت في مجلدين،وفيها سكب العلامة الراحل آرائه وافكاره وتحقيقاته ومواقفه حول الثورة الحسينية. فيما ظل كتابه الآخر وعنوانه (قصة الثورة) لم يظهر بعد ولعل الشيخ لم يكمل مشروعه ووافاه الأجل والعالم الإسلامي بحاجة لجهوده المتميزة في الدفاع عن الإسلام ومعالجة قضاياه.

ومما تقدم يمكن القول إن مؤلفات شمس الدين تُعد من أهم وأنضج وأدق الدراسات في الثورة الحسينية،ونأمل أن تحظى هذه الدراسات بالاهتمام والقراءة لتكون مصدراً ومنبعاً تلهم أنصار الحسين (ع) بالرؤية الواعية والقراءة الناضجة للثورة الحسينية وأهدافها.

المصدر: المركز الإيراني للبحوث والدراسات السياسية




«سيوف مقدسة» كتاب غربيّ ينصف المسلمين

بقلم: محمد عويس — جيمس واترسون، مؤرخ تتّسم كتاباته بالحياد واستخدام الأسلوب العلمي في البحث، تخرّج في جامعة لندن، كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، ويعتبر كتابه «سيوف مقدسة» (ترجمة يعقوب عبدالرحمن، المركز القومي المصري للترجمة) منصفاً من وجهة نظر المسلمين. وله مؤلفات عدة، في التاريخ الإسلامي، منها «فرسان الإسلام» و «حروب المماليك».
يشير واترسون إلى أن الحملة الصليبية الأولى بدأت بعد موعظة البابا أوربان الثاني التي ألقاها في وسط فرنسا في تشرين الثاني (نوفمبر) 1095م، فدعا الحضور إلى انتزاع السيطرة على القدس من أيدي المسلمين، قائلاً: «إن فرنسا اكتظت بالبشر، وإن أرض كنعان تفيض حليباً وعسلاً». وتحدث عن مشاكل العنف لدى النبلاء، لافتاً إلى أن الحل هو تحويل السيوف لخدمة الرب»، واستطرد: «دعوا اللصوص يصبحون فرساناً»، وتحدث عن العطايا في الأرض كما في السماء، بينما كان محو الخطايا مقدماً لكل من يموت أثناء الحملات الصليبية، في ما عرف بصكوك الغفران. وامتدت هذه الصكوك بعد ذلك لتُمنح لمن يشارك في الغزوات ضد مصر وشمال إفريقيا.
وكانت الأوضاع مأسوية في معظم الإمارات الإسلامية، فكانت مصر بحلول سنوات الستينات من القرن الثاني عشر تدفع أتاوة للفرنجة فقط لتتحاشى غزوهم، ولم تكن الأوضاع في بلاد الشام أفضل، إذ إنها كانت في هذه الفترة تتألف من ممالك وإمارات صغيرة متفرقة ومتشاحنة. ولم يكن المسلمون في بلاد الشام مدركين أطماع الفرنجة على الإطلاق عندما بدأت جيوشهم تزحف نحو الشرق فوصلت إلى البوسفور عام 1099.
وفي ظل هذه الظروف من التشرذم والانقسام التي كان يعيشها العالم العربي، وصل الصليبيون إلى بيت المقدس ودخلوها يوم 15 تموز (يوليو) 1099 بعد حصار استمرّ واحداً وأربعين يوماً، ولما لم تصل أي مساعدات إلى حامية القدس من مصر التي كان يحكمها الفاطميون – كانت دولتهم تتهاوى آنذاك- استطاع الصليبيون اقتحام المدينة بكل سهولة، واحتمى جنود الحامية الفاطمية بالمسجد بعدما قاوموا ما استطاعوا، وقد تبعهم الصليبيون داخل المسجد وذبحوهم بوحشية بالغة ونهبوا قبة الصخرة، وأسالوا بحراً من الدماء. وتم الاستيلاء على المدينة المقدسة وانتخاب جود فيري الفرنسي ملكاً عليها ومُنِح لقب «حامي قبر المسيح».
وأشار ابن خلدون في كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر» إلى أن الفرنجة استباحوا بيت المقدس وارتكبوا أشنع المجازر، وأقاموا في المدينة أسبوعاً ينهبون ويدمرون. وأحصى القتلى بالمساجد فقط من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد المجاورين فكانوا سبعين ألفاً أو يزيدون.
ومن المؤلم أن الأراضي المقدسة تمّ تحريرها بعد تضحيات باهظة من أبطال المسلمين، جاء بعدهم من تهاون في الدفاع عنها، بل فرّطوا بها مقابل أطماعهم الدنيوية الرخيصة. ومن المخجل أنهم كانوا من ذرية البطل صلاح الدين الأيوبي.
واستمرت كراهية الغربيين للإسلام كامنة في نفوسهم حتى العصر الحديث، ولم يكن حديث الرئيس الأميركي جورج بوش عندما تحدث عن الحروب الصليبية مجرد زلة لسان، وكذلك ما قاله القائد البريطاني إدموند هنري اللنبي، عندما استولى على سورية وفلسطين في الحرب العالمية الأولى، وهو يرفع سيفه تجاه تمثال صلاح الدين الأيوبي قائلاً: «الآن انتهت الحروب الصليبية».
ويتساءل واترسون: «من ينظر إلى الماضي من الممكن أن يستنتج لماذا اتخذنا صدام حسين عدواً، وفي المستقبل القريب يمكن أن تبحث صناعة السلاح في إحلال الإسلام محل الشيوعية – وهذا ما حدث بالفعل- وذلك للتيقن من إبقاء الصناعة على قيد الحياة».
ووفق المؤلف، «مخطئ تماماً مَن يعتقد أن أحداث هذا الكتاب لا علاقة لها بالأحداث التي تجري اليوم في العالم العربي والإسلامي»، وكما يوضح المؤلف في الفصل الأخير، فإنها وثيقة الصلة بها، إن لم تكن من نتائجها أو امتداداً لها.

المصدر: الحياة




غربة آريا مهر نامة

بقلم: علي أحمد الديري* — “إن الوطن هو مكان الولادة، لكنها الآن تقبلت أن يكون مكان الوفاة هو الوطن الجديد”.
منذ أيار مايو الماضي وأنا أترقب اللحظة المناسبة للدخول في أجواء رواية الدكتور عقيل الموسوي (آريا مهر نامه). وصلتني وأنا أضع اللمسات الأخيرة على كتابي الجديد (من هو البحريني؟). وضع لي عقيل فخاً في إهدائه: “إلى الأخ العزيز علي الديري، لنا في هذه الرواية كلام عن الغربة.. عساه يكون سلوى لك في حياتك الجديدة”.
وضعني الإهداء في حالة ترقب، ما الذي يمكن أن تقوله رواية معنية بتاريخ إيران السياسي والثقافي والحضاري، عن الغربة؟ رحت أربط الإهداء بسؤال كتابي الذي هو في معنى من معانيه: لماذا يغدو المواطن غريباً؟ إنه سؤال في السياسة والفلسفة والأدب.
أزحت الرواية جانباً، فلدي زيارة صيفية لمدينة مشهد، وهناك سيكون للرواية طعم خاص، في هذه المدينة لدي فائض غربات ثلاث، ولعل ما في الرواية من كلام عن الغربة، يفتح لي ثغرة أعالج منها كثافة الغربات.
تفتتح الرواية فصلها الأول بعنوان (تأبين في الغربة). يا للهول! شعرت وكأن الرواية تعبث بي، فأنا في جوار قبر والدي الذي أقمنا تأبينه الأول في الغربة، وأنا أترقب وصول كتابي (بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل)، وفي مقدمته أتحدث عن قبري ودفني في الغربة، والأكثر من ذلك إني أحمل في شنطتي قنينة تراب طلبت إحضارها من أرض قريتي (الدير) كي يخلط بتراب قبري، كي تخف غربة تراب القبر. فوق كل ذلك، فكاتب الرواية شخصية بحرينية انخرط في أحداث “الربيع العربي”، وشارك في أحداث 14 فبراير – شباط 2011 في البحرين، واضطر إلى أن يعيش في المهجر، ومن هناك هو يكتب الرواية.
دفعتني هذه التطابقات لمتابعة الرواية متابعة جدية، رحت أضع علامات بقلم الفلاش، على كل جملة ترد فيها كلمة (غربة). صارت القائمة طويلة، ووجدت فيها معالجة لحالتي.
ينشغل الكاتب في الفصل الأول، بملاحقة خبر انتحار علي محمد رضا ابن (الشاه) محمد رضا بهلوي. لقد انتحر في غربته الوجودية والجغرافية. تواجه والدته الشاهبانو فرح بهلوي غربة مضاعفة، فأحفاد العائلة البهلوية يعيشون غربة ثقافية، ولا يعرفون طقوس حفل التأبين على الطريقة الإيرانية. لقد سدّت هذه الفجوة الثقافية، بمشهد رمزي يُعطي دلالة على أصالتها: صفت أعضاء العائلة البهلوية، شيوخاً وشباباً وأطفالاً، في حداد ملابس سوداء أنيقة، ونثروا بوقار، واحداً تلو الآخر، تراباً جُلب من إيران على جثمان الراحل.
إنه، مشهد آسر، الغريب الذي لا تستقر روحه إلا حين تمتزج طينته بطينة تراب بلاده. شخصياً، تحسست برودة هذا التراب، ورحت أتخيل بالتذاذ تراب قبري يغدو تربةً بتراب “الدير” المقدسة. شعرت بأني بالغت في ما ذهبت إليه، لكن الكاتب الغريب الذي يعيش في منفى ما بعد أحداث “الربيع العربي”، كان مصراً أن يُبقيني في المشهد، وكأنه كان يخاطبني: “إنه لمن الطبيعي أن تتعلق أرواحنا الرقيقة ببقعة من العالم محببة لنا، نولد فيها، ونتشكل منها، ونسمّيها أرض الآباء، أو الوطن… والغربة بسبب النفي أشد على النفس، لأنها تشقّ الأرواح عن الوطن وتبتر الذوات عن أرض الآباء”.
بدت لي هذه المخاطبة إشارة اطمئنان، وعلاجاً يخفف من آلام هذا البتر، إلا أنَّ ختامها كان أشبه شيء بالكي، فآخر الدواء الكي: “ولا يبدو أنَّ لغربة المنفى أي علاج، ربما، إلا الانشغال بحلم الرجوع إلى الوطن”.
هل مقدر على كل منفي أن يشغل حياته بحلم هذا الرجوع؟ إنه أشبه بمرض منه بعلاج، والدليل على ذلك، كما تقدمه الرواية، هو انتحار ليلى بهلوي قبل أخيها بعشر سنوات، وهي أصغر أبناء الشاه الأربعة من فرح بهلوي.
بين أن تموت منتحراً أو تعيش مريضاً بحلم الرجوع، هكذا يبدو حال الغريب المنفي، في رواية (آريا مهر نامه). إنه ليس أي رجوع بل حلم رجوع المنتصرين، بيقين الطبيب من تشخيص مريضه، يقرر الكاتب إنه “في المنفى تسيطر على كل منفي مثلي قصة متخيّلة لرجوعه إلى الوطن رجوع المنتصرين”.
تطلّ الرواية على التاريخ الإيراني من خلال شرفة عائلة بهلوي، من زمنهم الحالي حيث الغربة والمنفى وحلم رجوع المنتصرين. يتوغل كاتب الرواية، الذي يعيش مثلهم في منفاه السياسي، في تفاصيل تاريخ الدولة الأخمينية والدولة الساسانية والفتح الإسلامي والدويلات الحاكمة، وصولاً إلى الدولة الصفوية، فالقاجارية، فالبهلولية، إنه تاريخ طويل ومعقد.
في عام 1941 تولى السلطة محمد رضا بهلوي عن أبيه الذي نفاه الإنجليز إلى جنوب أفريقيا ليموت هناك غريباً، فيدفن في مصر قبل أن ينقل جثمانه إلى إيران.
ورث الشاه من أبيه وصية في شكل درع بهلوي مصمم في عام 1932 على الشكل التالي: أسدان يقفان على الشريط الملكي الأزرق الملكي مكتوبة عليه عبارة من ملحمة الشاهنامه للفردوسي “بالعدل يأمرني وبه سيحاسبني”، يحمل الأسدان سيفين مشهرين يحميان التاج البهلوي، ويحوي الدرع صورة جبل دماوند في طهران ومن خلفه الشمس المشعة، كذلك يحوي الفراوهر الشعار الزرادشتي ووردة النيلوفر والسيمروغ وسيف (ذو الفقار) مع زهرة لاله.
يعتبر الشاه هذه الوصية خطة عمل لحكم العائلة البهلوية، ووصية عامة للشعب الإيراني. وجد الشاه نفسه بحاجة إلى تفكيك إشارات الدرع ورموزه، لفهمها والعمل بها، فاستعان بالبروفسور فرشاد عليخاني، مدير متحف إيران الوطني، ورئيس قسم الدراسات التاريخية في جامعة طهران سابقاً، ليتولى شرح إشارات الدرع بالتفصيل الذي يكشف أسرار الهوية التاريخية لإيران المودعة في هذا الدرع.
يتولى البروفيسور ترتيب رحلات ميدانية إلى مواقع أثرية، ليشرح للشاه بتفصيل تاريخي أسرار الدرع. يستغرق ذلك التفصيل التاريخي أكثر من نصف الرواية، يأخذنا فيها البرفيسور في رحلة ممتعة وسلسة في التاريخ الإيراني.
يتحول تاريخ الإخمينيين والساسانيين ونور الآريين ونار الزرادشتيين من الغربة إلى الألفة. ينجح البروفيسور في إزالة ركام الظلام عن هذه الحضارات وديانتها، ليجعلها ضمن خطة عمل الشاه لبناء الهوية القومية الإيرانية التي جبّت بإسلامها ما قبلها.
نحتاج إلى وقفة نقدية لتقييم خطاب الرواية في تحويل هذا التاريخ من الغربة إلى الألفة، ونكتفي هنا بإثارة هذه الأسئلة: هل حوّلت المادة التاريخية الرواية إلى خطاب تاريخي؟ هل أثقلت معلومات الراوي البروفيسور الذي سيطر على أكثر من نصف السرد، الرواية لتغدو رواية تعليمية؟ هل كنا أمام بروفيسور يلقننا عِبَر التاريخ ووقائعه أم كنا مع بروفيسور يروي لنا ما يفتحنا على جدل التاريخ ومكره وصراعاته؟ أو لنقل هل بقي (فرشاد عليخاني) أستاذ تاريخ أم غدا شخصية روائية مركبة الأبعاد؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى تحليل معمق لخطاب الرواية، ربما أترك ذلك لمقالة أخرى.

*باحث بحريني.

المصدر: الميادين نت.




«المسبار» يستعرض السلفية في كردستان العراق بأقلام كردية

تناول الإصدار الشهري لمركز المسبار للدراسات والبحوث، الأخير «السلفية في كردستان العراق: التاريخ – الأعلام – الانتقادات»، جذورها التاريخية، وتياراتها المختلفة، ومرجعياتها، وعلاقتها مع السلطة الحاكمة، ومواقفها السياسية من القضايا الشائكة، وحجم حضورها في المجتمع الكردستاني، ووسائل الإعلام التي تملكها ورؤيتها للمرأة.
وكي تكون دراسات الكتاب، أكثر ملاصقة لواقع مجتمعاتها، جاءت بأقلام كردية، يمثل بعضها شهادات داخلية، من مختلف مناطق كردستان العراق.
وتناول أستاذ علم الاجتماع في جامعة سوران (أربیل) إبراهیم ملا زاده في دراسته البنیة الفكریة للسلفية الكردية، وحصرها ضمن المركزیة الإثنية، وقدم تحلیلاً في إطار أساسین: الأول فكرة الفرقة الناجیة، والثاني: الغربة في مجتمع الأم.
و تتلخص المنهجیة المعتمدة في هذا البحث في نظریة التشكیل، إذ یتم دراسة أسباب تشكیل المركزیة الإثنية والتقرب من تطور العلاقة بین السلفیة والعنف من طریق إیجاد مدی ومستوی تأثیر النصوص والواقع الذي یعیش فیه وتزدهر فیه السلفیة.
وتحدث الباحث عن الطبيعة السلفية، مشيراً إلى أن جمیع أبعادها، تقتبس وجودها من الماضي بأوجهه الدینیة المختلفة، بتفصیل أدق إنها تعمل علی استرجاع الماضي ثقافیاً ودینیاً علی المستویین العملي والنظري. ويرى أن مشروع هؤلاء قد يشكل إشكالیة حقیقیة موجودة في المجتمع الكُردي، المتسم بالتنوع الدیني، من نواحٍ عدة، أولاً: إحیاء محطات من التراث الدیني، التي لم یعتد علیها الإنسان الكُردي، قد تشكل حال غیر صحیة، وخطراً علی الثقافة الكُردیة والتراث الكُردي. ثانیاً: بمجرد أن تكون سلفیاً، یعني أن تحمل أسماء عربیة إسلامیة.
وصل الباحث – من خلال مقابلات أجراها مع شخصيات سلفية، ومن خلال مراقبة بعض خُطب السلفیین – إلی أن المركزیة الإثنية هي الإطار النظري الأنسب لمعرفة بنیة الجماعات السلفیة في كُردستان، والتي تلجأ عادة، إما إلی العنف الخشن، أو إلی العنف المرن بشكل دائم.
ويرى الباحث أن هذا الفكر الذي يتقوقع في إطار الإثنية السلفية، یمكن أن يشكل تهدیداً للمجتمع الكُردي من ناحیة إمكان اللجوء إلی صنفین من العنف، وهما: العنف الخشن والعنف المرن. وكذلك بموجب إشارات كثیرة للحیاة الیومیة للسلفیین والذين تمت مراقبتهم، بأنهم أصبحوا جسراً لتعریب الثقافة والفكر بجلب الثقافة الخلیجیة للمجتمع الكُردي، وتهمیش الأسماء الكُردیة، وبروز الكنیة العربیة مثل: «أبو فلان» أو «ابن فلان»، والتي هي غریبة عن المجتمع الكُردي.
من جهته، يعتقد مدير قسم الدراسات الإسلامية في مركز كردستان لدراسة الصراع والأزمات إدريس سيويلي، في دراسته إن حضور السلفیة في كردستان كجزء من التیار الإسلامي، أصبح أكثر قوة من أي وقت آخر. واستعرض الباحث تاریخ ظهور السلفیة بأنواعها وتياراتها، وما نتج عنها من الاتجاهات والشخصیات في كردستان العراق.
وأشار الباحث إلى أن أول ظهور للسلفیة في كردستان كان السلفیة المدخلیة. إذ ظهر هذا التیار علی یدي الملا حمدي عبدالمجید إسماعیل السلفي (١٩٣١-٢٠١٢). ثم السلفية السياسية، وتم تبني هذا الطرح من قبل حركة «النهضة الإسلامیة» عند إعلانها في 22-11-1992 بقیادة صدیق عبدالعزیز محمد (١٩٣٩- ). ثم تناول جذور السلفیة الجهادية في كردستان التي تعود إلى نهایة السبعینات وبدایات الثمانینات من القرن الماضي، مشيراً إلى أن أدبیات جماعة الجهاد المصریة ومجموعات أخرى وخطب عبدالحمید كشك وعبدالله عزام كانت تصل بكمیات قلیلة وبسریة إلى أربيل، وكانت تنتشر بین شباب هذه المدینة، واعتبرها الباحث من أسباب تشكل نخبة من حاملي الأفكار المتطرفة.
وفي سياق متصل، يرى الباحث الكردي العراقي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية محمد حریري، أنه لا یمكن أن نتحدث عن السلطة الكردیة كوحدة عضویة واحدة، لذا یجب أن نعرف أن إقليم كردستان العراق، على رغم الادعاءات المتكررة عن توحید الإدارتین، فإنه ما یزال منقسماً إلى إدارتین أو منطقتین كما یسمیه الناس: بـ«المنطقة الصفراء»، التابعة للحزب الدیموقراطي الكردستاني (مسعود البرزاني)، و«المنطقة الخضراء»، التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني). لذا فإن معالجات وعلاقات السلطة مع القوی السلفیة قد تختلف من هنا إلى هناك، مشيراً إلى أن العلاقة بین الإسلامیین السلفیین والسلطة الكردیة اتسمت بقدر كبیر من البراغماتیة النفعیة والمصلحیة، بحسب ما تملیها المصلحة والمنفعة.
ويخلص الباحث إلى أن السلطة الكردیة لیس لدیها استراتیجیة واضحة في التعامل مع الملف السلفي في كردستان، لأن تعاملاتها إما أمنیة قصیرة المدی والنظر، أو مصلحیة سیاسیة لا تتسم ببعد النظر. فهي علی حدود الوطن تحارب «داعش» باعتباره أشرس جماعة سلفیة جهادیة، وفي الداخل تترك كل الأبواب مفتوحة علی مصراعيها، أمام جماعات سلفیة تدعي أنها سلمیة ودعویة، لكنها تبث مفاهیم مشتركة مع أیة جماعة سلفیة جهادیة، بوعي أو من دونه، فخطر الجماعات الجهادیة بادٍ لكل من یعقل.

المصدر: الحياة




كتاب جديد عن “مركز الحضارة”: مدخل الى ماهية الفلسفة الإسلامية

صدر عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي في بيروت كتاب جديد تحت عنوان : مدخل الى ماهية الفلسفة الإسلامية، وهو عبارة عن عدد من الحوارات مع شخصيات فكرية وفلسفية ودينية من الجمهورية الاسلامية الايرانية للحديث عن ماهية الفلسفة واصولها وموضوعاتها ، وقد ترجم هذه الحوارات الى العربية الاستاذ ميثاق العسر بالتعاون مع فريق مركز الحضارة.

والشخصيات التي جرت الحوارات معها هي : الشيخ عبد الله جوادي الآملي، السيد عبد الرسول عبوديت،السيد مصطفى ملكيان ، الدكتور حسين غفاري،الدكتور غلام حسين الابراهيمي ديناني، الدكتور غلام رضا اعواني ، الشيخ علي عابدي شاهرودي، الشيخ غلام رضا فياضي، السيد يد الله يزدان بناه، السيد جعفر سيدان، والسيد محمد مهدي مير باقري.

وهذه الشخصيات من كبار اساتذة ومفكري وعلماء ايران الذين اختصوا بالفلسفة وعلم الكلام والعرفان ولهم كتب ودراسات وابحاث عديدة في هذا المجال وهم يدرسون في جامعات وحوزات ايران المختلفة.

وفي مقدمة مركز الحضارة حول الكتاب ، اشارة لاهمية النقاشات الحادة التي تدور حول الفلسفة وهويتها وانتمائها الثقافي والديني ، وهل هي عربية او يونانية او اسلامية، وهل هناك علاقة بين الفلسفة والدين وهل الفلسفة التي توصل لله فلسفة اسلامية او دينية، ومن هنا اهمية هذه الحوارات للاجابة عن الاسئلة حول الفلسفة الاسلامية وعلاقة الفلسفة بالدين.

واما في المقدمة التي اعدها المشرفون على الكتاب والحوارات ،فقد تضمنت عرضا موسعا حول نشوء الفلسفة وتطورها، وعرضت لعدد كبير من الاسئلة في هذا الاطار ومنها : ما هي الفلسفة؟ هل الفلسفة الدينية امر ممكن؟ ماهي الفلسفة الاسلامية؟ ماهي الغاية من الفلسفة الاسلامية؟هل الفلسفة الاسلامية محصورة بمدراس المشائية والاشراقية والحكمة المتعالية، ام هناك مدارس فلسفية اسلامية اخرى؟ ماهي علاقة تفلسف الفلاسفة المسلمين وبين الدين؟ ماهي الصلة بين الفلسفة الاسلامية واليونانية؟ هل من فروع للفلسفة الاسلامية؟ هل مازالت الفلسفة الاسلامية حية متحركة ام انها تحولت الى ظاهرة تاريخية؟

هذه بعض الاسئلة التي يحاول هذا الكتاب الاجابة عنها من وجهة نظر علماء ومفكري وفلاسفة ايرانيين.




كتاب يدين حركة الاصلاح الديني عند العرب

قراءة: أحمد محمد سالم — صدر حديثاً للدكتور محمد عثمان الخشت كتاب «نحو تأسيس عصر ديني جديد» عن دار «نيوبوك» بالقاهرة، ويقع فى سبعة فصول، وصفحاته 244 من القطع الصغير. يحاول الخشت في هذا الكتاب أن يطرح رؤية يعتقد أنها رؤية جديدة فيرى: «أن الإسلام الذي نعيشه اليوم هو خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ولذلك باتت من الضرورات الملحة اليوم العودة إلى الإسلام المنسي لا الإسلام المزيف الذى نعيشه اليوم، ولا يمكن هذا إلا بتخليص الإسلام من (الموروثات الاجتماعية) و (قاع التراث) و (الرؤية الأحادية للإسلام)» .
ويدين الخشت حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في الفكر العربي فيقول: «والجديد مع حركة الإصلاح الديني الحديثة منذ القرن التاسع عشر أنها أنتجت أجيالاً وجماعات تتكالب من الداخل على أمتها ووطنها، وهم شركاء أصليون في حالة الضعف التي تعيشها، وهم فاعلون بامتياز في بذل الوسع في هدم المعبد على كل من فيه من خصومهم» (ص39) ونحن نتساءل ما مدى مسؤولية أعلام الفكر الإصلاحي أمثال خير الدين التونسي، والطهطاوى، ومحمد عبده، والكواكبي، ومالك بن نبي، وأمين الخولي وغيرهم ممن قدموا فكراً إصلاحياً مستنيراً، عن هدم المعبد؟ فليس لهؤلاء علاقة بتخلق حركات وجماعات العنف والإرهاب، بل المسؤولية تقع على الأنظمة السياسية والقوى العالمية التي شاركت في صناعة هذه الجماعات، وهو ما لم يشير إليه الخشت في كتابه.
ويعيد الخشت اتهامات مالك بن نبى لحركة الإصلاح الديني بأنها لم تقم بأى محاولة يفهم منها تطوير علوم الدين، بل قاموا «بإحياء علوم الدين» كما تشكلت في الماضى، ولم يقوموا بالعودة للإسلام في نقائه الأول، بل عادوا إلى المنظومة التفسيرية التي أنتجتها ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية لعصور غير عصورنا، ومن هنا استعادوا كل المعارك القديمة، معارك التكفير، ومعارك الهوية، ومعارك فقه الحيض والجنس والجسد،… ولم يدخلوا المعارك الجديدة، معارك التنمية، ومعارك إنتاج العلوم الطبيعية والرياضية، ومعارك الفساد، ومعارك الحرية، ومعارك الفقر والجهل والأمية» (ص42)، ولا شك في أن الخشت هنا يجهل أو يتجاهل عن عمد ما قدمه الإمام محمد عبده، والشيخ أمين الخولي وغيرهم من محاولة تجديدية كبيرة يعجز عنها الخشت فى مجالات الفقه والتفسير وعلم الكلام.
ويرى الخشت أن أول الطريق هو اتباع منهجية الشك- التي اتبعها إبراهيم عليه السلام في بحثه عن الله، وأيضاً اتبعها ديكارت في قواعد منهجه للشك في ما ورثناه عن القدماء والسابقين، وذلك لأنه يرى «أننا لن ندخل عصراً دينياً جديداً من دون إصلاح مناهج التفكير لإحكام قيادة العقل نحو الصواب» (ص32). وعلى رغم اتفاق الخشت في دعوته إلى منهج الشك الديكارتي مع طه حسين فى كتابه «فى الشعر الجاهلي»، إلا أن الخشت حدد لمنهج الشك مساراً معيناً وحدوداً معينة وهي حدود التعامل النقدي للعلوم التي نشأت حول الدين لأنها علوم إنسانية تقصد إلى فهم الوحي الإلهي، فالقرآن إلهي لكن علوم التفسير والفقه وعلوم مصطلح الحديث، وعلوم الرجال، أو علم الجرح والتعديل… إلخ علوم إنسانية أنشاها بشر، وهي قابلة للاجتهاد والتطوير والتطور، وهذه مسألة واضحة لكن المتعصبين الذين تجمد معهم كل شيء رفضوا الاجتهاد وتمترسوا خلف التقليد» (ص40). ويرى الخشت أن تجمد العلوم التي نشأت حول القرآن قد حولت النص القرآني ذاته من نص ديناميكي يواكب الحياة المتجددة إلى نص استاتيكي يواكب زمناً مضى وانتهى.
ومن ثم فإن الخشت يرى أن العلوم الدينية قد خلقت نسيجاً من الجمود حول النص القرآني الحي، وهو يدعو إلى تفكيك هذا النسيج الجامد من المفاهيم التاريخية، ويقول بأن علينا «أولاً أن نقوم بعملية تفكيك للخطاب الديني القديم الذي أوصل أمتنا إلى ما وصلت إليه من خلل في التصورات والرؤى الحاكمة ليس للوجود والعالم فقط، وإنما للواقع المعيش، وحركة التاريخ، ومنطق التقدم» (ص46).
وبدعوة سلفية حالمة ورومانتيكية يسعى الخشت إلى تأصيل العودة إلى الينابيع الأولى متفقاً مع سيد قطب في كتابه «خصائص التصور الإسلامى» فيقول: «إن التفكيك الذي يريده هو تفكيك يريد العودة للمراكز الأولى للعلم والفكر والدين، وبهذه العودة يتم الالتقاء المباشر مع الدين الأول الخالص فى نقائه وخصوبته الأولى، وبالتالي سوف تنهار كل تلك مذاهب المغلقة، والمراكز المزيفة التي اصطنعها التطرف والاستبداد، كما سوف تنهار كل التأويلات البشرية وفقهاء البحث عن السلطان، وهنا تصبح الأرض ممهدة لتأويل جديد يأخذ بأسباب الاجتهاد، ويأخذ بأسباب العصر» (ص48-49).
وينتقد الخشت سيادة العقل المغلق الأحادي التفكير «لأن صاحب العقل المغلق لا يستطيع أن يتجاوز ذاته أو عالمه الخاص، ومن المستحيل أن يرى شيئاً خارج عقله، ولا يستطيع أن يتجاوز أفكاره المظلمة، ولا يمكنه أن يرى غير أفكاره هو، ويعدها يقينية قطعية لا تقبل المناقشة، بل يصل به الحد إلى الاعتقاد بأنها ذات طابع إلهي، وأن الله تعالى معه، بل إنه ممثل الله على الأرض، والله ليس رب العالمين بل ربه هو فقط» (ص61).
ومن ثم ينتقد الخشت الرؤية الأحادية للإسلام لأنها تنظر إلى الإسلام من زاوية محدودة وضيقة، ولذا ينتقد الخشت أحادية النظرة الإسلامية المتشددة، وكذلك أحادية التوجهات العلمانية فى موقفها من الدين، ويرى الخشت أن التيارين على رغم تعارضهما يشتركان فى مجموعة من الصفات التي تجعل الصراع بينهما صراعاً عقيماً، وأهم صفة مشتركة بينهما هي «وهم امتلاك الحقيقة المطلقة» فكلاهما يزعم أنه وحده الذي يعرف الحقيقة، ويمتلك مفاتيح الخلاص، ولذلك فكلاهما متعصب وكلاهما دوغماطيقىي، وكلاهما يجرنا إلى حافة الهوية» (ص75-76)، ولكن على رغم نقد الخشت للعقل المغلق، ونقده للنظرة الأحادية للإسلام، فهو نفسه يروج بعقل مغلق سلفي، ونظرة أحادية لفترة صدر الإسلام على أنها الحلم الذي ينبغي أن نعود إليه لنستقي رؤيتنا للإسلام.
ويرى الخشت أن تخلف التعليم أحد أهم أسباب مشكلة الإرهاب، وذلك بجوار الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، «فمناهج التعليم القائمة على التلقين لا تصنع عقولاً إيجابية منفتحة، بل تصنع عقولاً مغلقة غير منتجة، وغير قادرة على رؤية نفسها، ورؤية العالم بطريقة منضبطة، ولا تملك مهارات البحث والفهم والتحليل والاستنتاج والنقد الموضوعي والابتكار، وغير قادرة على تحويل الفكر العلمي إلى خريطة عمل، وعاجزة عن ترجمة خريطة العمل إلى واقع جديد» (ص99)، ولذلك يعتقد الخشت أن التعليم هو قضية أمن قومي ولا يمكن الخروج من هذه الحالة إلا من خلال التحول الجذري إلى مناهج عصرية، وأن نستفيد من الدول المتقدمة، وأن يستهدف هذا التعليم بناء عقول منفتحة، ويعيد الخشت تكرار آراء طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» حول التعليم وأهميته في النهضة، وأننا في حاجة إلى احداث ثورة تعليمية في حياتنا المعاصرة، ولا شك في أن تلك نقطة مضيئة في معالجة الخشت فالتعليم هو بيت القصيد.
ويعقد الخشت فصلاً فى كتابه بعنوان «تجديد المسلمين» يطلب فيها تغيير رؤية العالم فى مخيلتهم لأن هذه الرؤية هي الأساس النظري للفهم والتفكير، وهي التي تضع المحددات التي في ضوئها يتشكل الفعل وطرق التعامل والتفاعل مع العالم المحيط وعناصره، فرؤية العالم هي الإطار العام الذي نفهم به كل ما يحيط بنا: الكون والحياة والناس، ومستويات الوجود، والثقافات العالمية، بل هو الإطار الذى نفهم به أنفسنا أيضاً، وعلى هذا فإن وظيفة رؤية العالم هي وظيفة معرفية، وهي نقطة البدء فى تغيير المسلمين، فالمسلمون اليوم يملكون رؤية عقيمة عن العالم، وهي رؤية تتقاطع مع الرؤية السحرية اللاهوتية للعالم، والتي تقوم على رؤية العالم محكوماً بالسحر والسحرة والعفاريت والأشباح، والأعمال السفلية والقوى الغيبية الخارقة تارة أخرى، أما قوانين الطبيعة فهي شيء طارئ وثانوي، والعلوم الرياضية والطبيعية من النوافل فى التعامل مع الكون، وأيضاً العلوم الإنسانية والاجتماعية هي آخر شيء يمكن اللجوء إليه لحل مشكلات المجتمع أو الفرد، بل هي غير حاضرة في أي منهج يدرس العلوم الدينية التي تعتمد كلية على النقل والحفظ والترديد (ص132-133). ويعيد الخشت– دعوة محمد عبده وأمين الخولي – التركيز على الدعوة بأهمية ترسيخ السببية في نظرتنا للعالم والوجود، لأنها يمكن أن تسهم فى التقدم والرقي.
والواقع أن كتاب الخشت الجديد «نحو تأسيس عصر دينى جديد» على رغم أنه يحمل على الحركة الإصلاحية العربية، إلا أنه لم يخرج في إطاره العام عن آراء تلك الحركة، ولكنه فقط اختلف عنها فى القالب اللغوي الذي عرض به أفكاره حيث قام بتوظيف بعض المفاهيم الجديدة في المنهجيات الحديثة عند ديكارت، وجاك دريدا، وغيرهما، فالكتاب هو دعوة قديمة في قالب جديد، وإن كان لا يخلو من ومضات ثاقبة أحياناً، كما يحسب له أنه كتب بلغة مبسطة لأن الكتاب في الأصل هو مجموع مقالات كتبها الخشت في جريدة «الوطن».

المصدر: الحياة