كيف أصبحت كربلاء ملحمة عبرت حدود الأديان والشعوب

بقلم: محمد يسري — في العاشر من شهر محرم عام 61هـ، وقعت مذبحة كربلاء، التي استشهد فيها الحسين بن علي حفيد الرسول الكريم، وبضع عشرات من أقربائه وأنصاره، على يد الجيش الأموي الذي قطع طريق رحلتهم إلى الكوفة.
كربلاء، التي ردد فيها الحسين جملته الخالدة “هيهات منا الذلة”، لم تكن مجرد موقعة حربية، مثل أي موقعة مشابهة في تاريخ المسلمين الطويل، بل إنها ومع مرور الوقت، قد استأثرت لنفسها بمكانة خاصة ومتميزة، فأضحت علامة فارقة في تاريخ الإسلام السياسي والمذهبي.

يتناول المقال بعض التجليات والتأثيرات التي أحدثتها الملحمة الكربلائية الحسينية، في مجالات الشعر والأدب والفن عند المسلمين.

الشعر الكربلائي: تخليد بطولة الحسين في ديوان العرب

لما كان الشعر هو ديوان العرب، وميدان تفاخرهم وتنافسهم مع بعضهم البعض، وطدت كربلاء لنفسها مكاناً هاماً في قصائد وأبيات الشعراء العرب منذ استشهاد الحسين في 61هـ وحتى اللحظة الراهنة.

وقد وجدت الكثير من الروايات التي أظهرت حرص الأئمة الشيعة على قرض وإنشاد الشعر في مصيبة كربلاء، ومن ذلك ما ورد في كتاب عيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي، عن الإمام جعفر الصادق، من قوله “ما قال فينا قائل بيت شعر، حتى يؤيد بروح القدس”، وقوله “ما من أحد قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى له، إلا أوجب الله له الجنة، وغفر له”.

وقد بقي إنشاد الشعر في كربلاء وبطلها ملمحاً فارقاً، يميز جميع الدول الشيعية التي قامت في التاريخ الإسلامي، حيث تؤكد المصادر التاريخية على تشجيع الحكام البويهيين والفاطميين والصفويين على تذكر مصاب الحسين وأهل بيته، وعلى إغداقهم الأموال على الشعراء المتخصصين في ذلك المجال.

الدعم المادي والمعنوي الذي لاقاه الشعراء، نتج عنه مع مرور الوقت، ما يُعرف باسم الشعر الكربلائي أو أدب الطف، وهو عبارة عن نوعية معينة من الشعر المعني بمظلومية الحسين وتبيان حقه المهضوم.

وفي كتابه المعنون بـ“المنتخب من الشعر الكربلائي”، يُحصي الباحث اللبناني حسن محمد نور الدين، أسماء ما يزيد عن 100 شاعر وضعوا قصائد متعلقة بالحسين وكربلاء.

المهم هنا، أن السياق المذهبي لم يستأثر وحده بمظلومية الحسين، والدليل على ذلك يتمثل في كون الكثير من هؤلاء الشعراء لم يكونوا من الشيعة، بل كان بعضهم من أهل السنة والجماعة، الذين هزت مأساة كربلاء وجدانهم وحركت عاطفتهم وأفئدتهم، ومن هؤلاء البوصيري صاحب قصيدة البردة الشهيرة، والشبراوي شيخ الأزهر الأسبق، وشاعر الهند محمد إقبال.
وفي العصر الحديث أيضاً، استطاعت كربلاء أن تفرض نفسها على المبدعين والشعراء، فنرى بعضاً منهم، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم الدينية والفكرية، يصدعون بتعاطفهم مع شهيد الطف وقضيته العادلة.
من هؤلاء الشاعر السوري الشهير نزار قباني، الذي لطالما عُرف بقائده الرومانسية الحالمة، حيث كان من أكثر الشعراء الذين تأثروا بمأساة الحسين في كربلاء، فنراه يستدعيها في كل حادثة أو موقف مهم يمر به.
ففي رثائه لجمال عبد الناصر في 1970م، قال مستحضراً المشهد الكربلائي الأليم:

قتلناكَ …

ليس جديداً علينا

اغتيال الصحابة والأولياء

فكم من رسول قتلنا…

وكم من إمام ذبحناه

وهو يصلي صلاة العشاء

فتاريخنا كله محنةٌ

وأيامنا كلها كربلاءُ

قتلناك.

وفي عام 1985م، أنشد قباني قصيدته الذائعة الصيت، والمعنونة بـ“جلودنا مختومة بختم كربلاء”، والتي أعلن فيها عن رأيه بأن كربلاء تمثل رمزياً كل مشكلات العالم العربي المعاصرة، وقد جاء في تلك القصيدة:

مواطنون دونما وطن

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دون أوراق… موتى دونما كفن…

مواطنون نحن في مدائن البكاء

قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء

حنطتنا معجونة بلحم كربلاء

طعامنا… شرابنا

عاداتنا… راياتنا

زهورنا… قبورنا

جلودنا مختومة بختم كربلاء.

ومن الشعراء المصريين المعاصرين الذين أنشدوا الشعر في الحسين، كل من أحمد عبد المعطي حجازي وفاروق جويدة وأحمد بخيت، وغيرهم كُثر.

وإن كان الشاعر المصري أمل دنقل قد اشتهر بقصائده القوية التي استحضرت حكايات الزير سالم وحرب البسوس، فإنه في الوقت ذاته لم يكن بقادر على أن يهمل مأساة الحسين بكل ما يحيط بها من ألم ومعاناة وشجن، فنراه في قصيدته (من أوراق أبي نواس)، يقول موضحاً دور المطامع المادية في المأساة الحسينية:

كنتُ في كربلاء..

قال لي الشيخُ: إنّ الحسين

ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءٍ

وتساءلتُ: كيف السيوفُ استباحت بني الأكرمين؟

فأجابَ الذي بصّرته السماء

إنه الذهب المتلألئ في كل عين

… ماتَ من أجلِ جرعةِ ماء.

من اللافت للنظر، أن ملحمة كربلاء قد استطاعت أن تخرج من الدائرتين الدينية والعرقية، واللتان تكونت فيهما أول ما ظهرت، وهو الأمر الذي صبغها بصبغة إنسانية عالمية، ووسع من مجال انتشار وتأثير أفكارها ومبادئها الرئيسة.

فهناك عدد من الأدباء المسيحيين العرب الذين دونوا بعض المؤلفات المرتبطة بواقعة الطف، منهم على سبيل المثال، الشاعر اللبناني بولس سلامة الذي كتب ملحمة الغدير، وعبد المسيح أنطاكي الذي كتب الملحمة العلوية، وريمون قسيس الذي كتب ملحمة الحسين، وجورجي زيدان الذي كتب غادة كربلاء.

كما أن أصداء كربلاء قد وصلت إلى عدد من البلاد الأوروبية والأسيوية والأفريقية، ودخلت في تشكيل الأدب الشعبي فيها، ففي القرن العاشر الهجري، ألف الشيخ حسين الكاشفي، كتابه “روضة الشهداء” باللغة الفارسية، واحتوى هذا الكتاب على قصة بطولة الحسين في كربلاء، وانتشر هذا الكتاب في أقاليم فارس بشكل واسع، مما دفع محمد بن سليمان فضولي البغدادي إلى ترجمته للغة التركية، وسماه “حديقة السعداء”، وقد ذاع هذا الكتاب بين الشعوب التي تتحدث باللغة التركية، وأثر كثيراً في تطور الأدب الشعبي التركي.

وفي ألبانيا، كتب الأديب الألباني المعروف نعيم فراشري، ملحمة كربلاء، في نهايات القرن التاسع عشر، واستطاعت تلك الملحمة، بما تحمله من مبادئ وقيم مستمدة من نهضة الحسين، أن تؤثر كثيراً في توحيد صف الشعب الألباني والتأكيد على الروح الوطنية، في الفترة التي أعقبت الانفصال عن السلطنة العثمانية، مما حدا بالنظام الشيوعي الحاكم وقتئذ لمصادرتها ووقف طباعتها.

وبحسب بعض المصادر الشيعية، فإن الملحمة الحسينية، قد وصلت تأثيراتها إلى الهند، حيث ظهرت بعض الجماعات التي تؤمن بأن أحد الرهبان الهنود، كان قد سافر إلى العراق، حيث التقى بالحسين، وشارك معه في معركته المصيرية، واستشهد أثناء الدفاع عنه.

ورغم المبالغة الواضحة في القصة، التي لا توجد لها أي شواهد علمية أو منطقية، إلا أنها تعبر بشكل واضح، عن مدى تأثير كربلاء في المخيلة الجمعية لبعض الشعوب البعيدة جغرافياً عن العراق، مثل الشعب الهندي.

أما في مصر، فقد ورد ذكر الحسين في بعض من كبار الأعمال الأدبية المؤثرة، ففي مسرحيته المشهورة، مجنون ليلى، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي، واصفاً شهيد كربلاء بقوله:

“كان الحسين بن علي كعبة القلوب والأبصار في جزيرة العرب بعد أن قُتل أبوه علي ومات أخوه الحسن. وكذلك ظلّ الحسين قائماً في نفوس الناس صورة مقدسة للإسلام تستمد أنضر ألوانها من صلته القريبة بجده رسول الله وبنوّته لرجل كان أشدّ الناس زهداً واستصغاراً لدنياه، وكذلك ظهرت بلاد العرب وقلبها يخفق باسم الحسين”.

ولم يقتصر الحضور الكربلائي في الأدب الشعبي المصري، على ما ورد في النص السابق، بل استمر هذا الحضور طاغياً، حيث تم استدعاء تلك الملحمة بكل ما تحمله من دلالات وإشارات عميقة المغزى، في بعض من أشد لحظات التاريخ المصري الحديث حرجاً وخطورة.

على سبيل المثال، كانت نكسة حزيران 1967م، وانكسار الجيش العربي أمام القوات الصهيونية، سبباً في كتابة عبد الرحمن الشرقاوي، لرائعتيه الحسين ثائراً والحسين شهيداً.

وكتب الشرقاوي في صفحة الإهداء، مفسراً لاختياره شخصية الحسين تحديداً، لبطولة أحداث روايته، دوناً عن باقي الشخصيات التي يزخر بها التاريخ الإسلامي الطويل:

“إلى ذكرى أمي أهدي مسرحيتي الحسين ثائراً والحسين شهيداً لقد حاولت من خلالهما أن أقدم للقارئ والمشاهد المسرحي فيه أروع بطولة عرفها التاريخ الإنساني كله دون أن أتورط في تسجيل التاريخ بشخوصه وتفاصيله التي لا أملك أن أقطع فيها بيقين، إلى ذكرى أمي التي علمتني منذ طفولتي أن أحب الحسين ذلك الحب الحزين الذي يخالطه أغلب الإعجاب والإكبار والشجن ويثير في النفس أسى غامضاً وحنيناً إلى العدل والحرية والإخاء وأحلام الإخلاص”.

كربلاء على الشاشة: حضور إيراني قوي وتواجد عربي هامشي

جرت العادة، في الأوساط الشيعية، أن يتم تمثيل مشاهد واقعة الطف، في يوم العاشر من محرم، حيث يتم استرجاع تلك اللحظات الأليمة بكل ما يحيط بها من قداسة ومهابة وإجلال.
وفي الوقت ذاته، فإنه قد تم إنتاج العديد من الأفلام والمسلسلات، التي تناولت أحداث كربلاء، إما بصورة مباشرة أو بشكل غير مباشر.
أغلب تلك الأعمال، تم انتاجها في إيران، وبعضاً منها أُنتج في بعض الدول العربية التي يمثل الشيعة بها أغلبية أو حضوراً عددياً كبيراً ومؤثراً. من أبرز تلك الأعمال، مسلسل مختار نامة، الذي أذيع على الشاشات الإيرانية في 2011م، ولاقى نجاحاً جماهيرياً كبيراً، داخل إيران وخارجها.

ويتناول المسلسل قصة انتقام المختار بن أبي عبيدة الثقفي من قتلة الحسين، حيث خصص المسلسل حيزاً كبيراً لعرض ما وقع في كربلاء، وذلك من خلال مشاهد مؤثرة تم اقتطاع بعضها ومُنع من العرض.
هناك أيضاً، فيلم يوم الواقعة، الذي تم انتاجه في عام 1994م، ويروي قصة شاب مسيحي يدعى عبد الله النصراني يسمع أثناء مراسم زواجه بثورة الإمام الحسين، فيقرر الالتحاق بركبه في كربلاء ولكنه يصل متأخراً ليشاهد الرأس الشريف للإمام مرفوعاً على أسنة الرماح.

وكذلك فيلم ضياء الفجر، الذي أُنتج في 2001م، ويتعرض لبعض جوانب معركة كربلاء.

وفيلم السفير، الذي يتناول المرحلة التاريخية التي سبقت استشهاد الحسين في كربلاء، والتي أرسل فيها بقيس بن مسهر إلى الكوفة للتأكد من نوايا أهلها، وعزمهم على الوقوف معه في ثورته.

ومن الأعمال التي أرخت لأحداث تلك الملحمة، ولم يتم عرضها حتى الأن، فيلم القربان أو رستاخيز، وهو فيلم إيراني تم انتاجه في عام 2014م، وشارك في بطولته نخبة من الممثلين الإيرانيين والعرب، وعُرض بشكل محدود في إيران والعراق، وإن لم يتم طرحه في دور العرض السينمائي بشكل موسع في باقي الدول العربية.

ومن الجدير بالذكر، أن هناك بعض المحاولات التي عملت على إنتاج عمل فني مصري يتناول فاجعة كربلاء، وكان أهمها على الإطلاق محاولة تجسيد مسرحية الحسين ثائراً وشهيداً، وهو الأمر الذي تعرض للرفض من جانب الرقابة المصرية، بدعوى عدم الموافقة على ظهور شخصيات أهل البيت والصحابة على الشاشة.

صورة المقالة عن معركة كربلاء من مقتنيات متحف بروكلين.

المصدر: رصيق 22




كربلاء.. معركة استعادة روح الإسلام

خاص موقع “شجون عربية” — بقلم البرفيسور عبد العزيز ساشدينا* — أصبح “روح الإسلام” في خطر. بدأ ذلك فقط بعد عقود عدة من رحيل الرسول الأعظم(ص) عن هذا العالم في 632 قبل الميلاد. عندما أصبح لدى المسلمين شعور بالرضا عن البعد الداخلي للالتزام بعقيدتهم وهو البعد الذي يتطلب يقظة مستمرة للحفاظ على مقدرتهم الروحية والأخلاقية، أي التقوى. مات ضمير المسلمين مع ظهور الازدهار والثراء الفاحش الذي جاء نتيجة للفتوحات والغزوات الإقليمية لمناطق ما بين نهري النيل وجيحون، كذلك وصل الخدر الأخلاقي إلى روح الإسلام- إلى الكتاب المقدس والقرآن وإلى الدعوة والسنة النبوية.
وقد لاحظ بعض أصحاب النبي الورعين الأزمة القادمة حتى أنهم قاموا بتحذير الحكام من تلك الكارثة الوشيكة التي من الممكن أن تطيح بروح الإسلام. لكن من الجدير بالذكر أن القرن الأول للهجرة كان فترة الانتصارات العالمية للأمة، إلا أنه كان لهذا النجاح الكبير في توسيع نطاق المكاسب الإقليمية على الأرض أثراً سلبياً على القادة السياسيين الأوائل للامبراطورية الإسلامية. ومع مرور الزمن، بدأ يقاس الإسلام بنسبة نجاحه الدنيوي على حساب جوهره. لاسيما وأنه كلما قام المسلمون بقياس الإسلام بنجاحه المادي قاموا بإضعاف أساسه الروحي والأخلاقي. إذ تم تلفيق عدد من الأحاديث النبوية وتم طرحها للتداول وذلك لتبرير هذا الميل تجاه مادية الجاهلية أي عصر الجهل والذي كان الهدف الرئيسي من البعثة النبوية في مكة والمدينة.
وبكل الأحوال كان ذلك القرن الأول هو الفترة التكوينية الأولى في التاريخ الإسلامي، إذ تم فيه تحديد صيغة التطورات اللاحقة في القانون والعلاقات الإنسانية. وليس من المبالغة القول بأنه تاريخياً كان مرحلة حرجة من الاختبارات الصعبة والتمحيص الدقيق وذلك من أجل التمييز بين شكل ومضمون الحياة كما علّمنا النبي(ص). ومما لا شك فيه أن “الشكل” هو مظهر الشيء من الخارج؛ أما “المضمون” فهو الحقيقة الداخلية غير المرئية. لذلك تحتاج الحقيقة اللامرئية للإسلام إلى قلب مخلص ومؤمن أي تحتاج إلى الضمير لكي يشهد على جوهره الخالص أي على روح الإسلام. ولهذا انتقد القرآن الكريم الناس لعدم استخدامهم لقلوبهم أي ما تمليه عليهم ضمائرهم من أجل فهم المعنى الحقيقي “للخضوع” لإرداة الله أي (للإسلام) حيث جاء في (سورة الحج الآية 46): {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. وبذلك يكشف القرآن الكريم عن خلل رئيسي في عموم الناس الذين لا يعون أن ما يرونه هو مجرد حجاب فوق الحقيقة فالكون ليس كما يبدو عليه. وفي هذ السياق، يتوجب على المرء تنمية رؤية بعيدة المدى لكي يدعو كما دعا النبي(ص) بقوله: “إلهي، أرني الأشياء كما هي!”، خاصةً وأن المسلمين عادةً ما يقومون بأداء الأعمال العبادية من دون التأمل في عواقبها الروحية والأخلاقية. وبالطبع مثل هكذا إهمال سيؤدي أيضاً إلى عدم الاكتراث بالمظالم السياسية والاجتماعية التي تحدث في المجتمع. واستمر ذلك إلى أن وصلت تلك التطورات المحبطة إلى ذروتها في سنة 61 للهجرة أي (680 للميلاد).

نشأة الحسين بن علي
نشأ حفيد الرسول الأعظم(ص)، الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في بيت النبوة، حيث الاهتمام على الشكل والمضمون معاً، أي شوهدت الأمور على حقيقتها، خاصةً وقد تحلّت العائلة النبوية المؤلفة من النبي الأعظم محمد والإمام علي وفاطمة الزهراء (سلام الله عليهم أجمعين) بجميع السمات البارزة التي يجب أن يتمتع بها قائد الأمة المستقبلي. إذ لطالما سجّل التاريخ الكثير من المظالم التي تعرّضوا لها من أجل ترسيخ الجوهر الداخلي للإيمان، أي روح الإسلام كما جاء به القرآن الكريم والرسالة النبوية الكاملة والسنة النبوية.
وفي أعقاب وفاة الرسول الأعظم، بدأت عملية تعريض روح الإسلام للخطر، لاسيّما وأن المجتمع آنذاك لم يولِ اهتماماً كبيراً للأمثلة الحية لأهل البيت الذين يمثلون الإسلام الحقيقي، إذ مع مرور السنين بدأت مرآة الضمير الحي للإسلام تُصاب بالصدأ.
الإمام الحسين(ع) قد تحلّى بتلك الرؤية الحساسة التي تحلّى بها أبوه الإمام علي(ع) وأخوه الإمام الحسن(ع)، والتي لاحظوا من خلالها الوضع الحرج آنذاك، لكنهم وُوجِهوا من قبل المجتمع في فترة ما بعد النبوة. لكن بحلول العام 60 للهجرة (679-80 م) كان الخطر قد وصل إلى مرحلة لا يمكن للإمام الحسين(ع) أن يتجاهلها بسهولة، وقد عبّر عن ذلك في واحدة من خطبه التي ألقاها أثناء رحلته إلى العراق وحتى آخر يوم من حياته وهو يوم عاشوراء. إذ علّق على الوضع الذي يواجهه الإسلام من خلال كلمته أمام جيش الحر بن يزيد الرياحي الذي جاء لاعتقال الإمام الحسين(ع) ومنعه من الوصول إلى الكوفة حيث عبّر بقوله:
“وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ من غير”(تاريخ الطبري، المجلد الخامس، الصفحة 229)
وذلك تحوّلت كربلاء إلى النموذج عن تلك المعركة التي من الممكن أن تخوضها بقصد إحياء ضمير المسلمين الذي أصبح بعيداً عن روح الإسلام. وبالفعل، وفي مثل هذه الأيام من سنة 61 للهجرة كان القرآن الكريم في خطر وتم التخلّي عن الرسالة النبوية بسبب العادات الجاهلية. لذلك لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن الإمام الحسين(ع) ضحى بنفسه من أجل الدفاع عن روح الإسلام في العام 61 ه، والآن جاء دورنا لنسير على نهجه لكي نحارب اللامبالاة تجاه الأهداف الروحية والأخلاقية للإسلام. فالإسلام يحيا مع كل إحياء لكربلاء.

*البروفيسور عبد العزيز ساشدينا أستاذ في جامعة جورج مايسون، ومؤلف لعدد من الكتب والدراسات أبرزها: “المسيانية في الإسلام: نظرية الإمام المهدي لدى الشيعة”، و”السلطان العادل”، و”الجذور الإسلامية للديموقراطية التعددية”.

نقل النص الى العربية: عبدالله شحادة




سبعة أمور لا تعرفونها عن واقعة كربلاء

hUSSEIN7

بقلم: محمد يسري* — في يوم الاثنين العاشر من شهر محرم سنة 61ه، الموافق 12 أكتوبر 680م، جرت حادثة كبرى في أرض كربلاء، التي تقع في العراق، وهي مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وجماعة من أهله وأصحابه على يد الجيش الأموي، الذي اعترض طريق الحسين ومن معه أثناء توجههم إلى الكوفة.
تُعتبر هذه الحادثة من أهم التحولات التي جرت في التاريخ الإسلامي كله، فمقتل الحسين حفيد الرسول، وابن ابنته فاطمة الزهراء بتلك الطريقة البشعة، مثّل صدمة كبرى للمسلمين. وبات المسلمون سنة وشيعة، يستذكرون مأساة أهل بيت نبيّهم، كلما حلّت بهم ذكرى عاشوراء. وعلى الرغم من شهرة تلك الحادثة، وتواتر أخبارها، فإن هناك أسئلة عدة مرتبطة بها، لا تزال مجهولة عند الكثير من المسلمين.
وفي ذكرى عاشوراء، حاول موقع “رصيف22” أن يقدم لقرائه إجابات عن سبعة أسئلة متصلة بتلك الحادثة الأليمة.

هل تنبأ الرسول بقتل الحسين في كربلاء حقاً؟
يعتقد عموم الشيعة الإمامية أن الرسول تنبأ بمقتل الإمام الحسين في كربلاء منذ صغره، كما يعتقدون أن الحسين كان يعرف مصيره قبل أن يتوجه إلى كربلاء. فالشيخ الشيعي محمود الشريفي ينقل في كتابه “كلمات الإمام الحسين”، أن الروايات الشيعية تتفق على أن الحسين حين وصل إلى كربلاء قال: “هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا”.
ولا تنحصر الروايات التي تنبأت بمقتل الحسين في كتب الشيعة فقط، بل الحقيقة أن الكتب السنية امتلأت أيضاً بالأحاديث النبوية التي تذكر قتل الحسين وموضع قتله. فيذكر ابن عساكر (571ه) في “تاريخ دمشق”، عن عائشة أم المؤمنين، أنها سمعت من الرسول، أنه “يُقتل الحسين في أرض بابل”. كما أن عدداً من كتب الحديث السنية مثل “مسند أحمد بن حنبل”، و”المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري”، تذكر أن جبريل أتى الرسول، وأخبره بمقتل الحسين في أرض الطف، الأمر الذي أبكى الرسول وأحزنه.
وما يؤكد تلك الأحاديث السابقة، أن عدداً كبيراً من الشيوخ وعلماء الحديث السنة المعاصرين صححوها ووثقوها مثل العلامة أحمد شاكر والشيخ الألباني.

hUSSEIN2

ما هو موقف الصحابة من خروج الحسين لكربلاء؟
قد يكون المعتقد السائد لدى الجزء الأكبر من المسلمين، أن الصحابة وقفوا مع الحسين في محنته، ولم يتخلوا عنه أو يتركوه وحيداً لمصيره المفجع، ولكن الحقيقة التاريخية تختلف كثيراً عن ذلك المعتقد المثالي.
عام 61ه، كان الكثير من الصحابة قضوا نحبهم، إما في الغزوات والفتوحات الإسلامية، وإما في الحروب الأهلية التي جرت عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وإما لانقضاء أجلهم ووفاتهم بشكل طبيعي.

أدى ذلك إلى ظهور جيل جديد من الصحابة، وشارك في الأحداث السياسية بقوة. وأهم زعماء هذا الجيل هم العبادلة الثلاثة، عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن العباس، ومعهم الحسين بن علي.
وتراوح موقف كل منهم تجاه خروج الحسين بحسب مبادئه واعتقاده ومصلحته الشخصية. فعبد الله بن عمر لم يثبت عنه في كتب التاريخ أنه نصح الحسين أو نهاه عن الخروج. فكان ابن عمر يرى ضرورة طاعة الحاكم لا الخروج عليه أو الثورة ضده.
أما إبن الزبير فتتفق الكتب التاريخية، ومنها تاريخ الطبري والكامل لإبن الأثير ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، على كونه قد شجّع الحسين على الخروج إلى العراق والثورة على يزيد بن معاوية، فكان مما قاله له: “فما يحبسك، فوالله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شيء”.
وكان غرض إبن الزبير أن يخرج الحسين من مكة، فيتفق المكيون عليه هو إن أعلن الثورة في ما بعد، الأمر الذي حدث فعلاً بعد مقتل الحسين.
أما عبد الله بن العباس، فقد حاول أن يمنع الحسين من الخروج بكل طريقة ممكنة، حتى ورد في “مقاتل الطالبيين”، أن إبن العباس قال للحسين: “والله لو أعلم أني إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك، وأدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليّ وعليك، كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن إعلم أن الله بالغ أمره”.

hUSSEIN3

من هو قائد الجيش الأموي في كربلاء؟

من المعلومات التي يجهلها الكثير من المسلمين، أن قائد الجيش الأموي الذي اعترض الحسين وقتله، هو عمر بن سعد بن أبي وقاص، وسعد بن أبي وقاص هو واحد من كبار الصحابة، والسابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بحسب روايات أهل السنّة. كما أن له دوراً كبيراً في فتوحات المسلمين في العراق، إذ كان قائداً لجيش المسلمين في معركة القادسية.
ولعل السؤال الذي يدور في ذهن القارئ حول السبب الذي يجعل من إبن هذا الصحابي، قائداً للجيش المكلف بقتل حفيد الرسول(ص).
الإجابة ببساطة هي المصالح الدنيوية، فالعديد من الكتب التاريخية تتحدث عن رغبة عمر بن سعد العارمة في تولي منصب أمير الري، الأمر الذي استغله الأمويون وواليهم على الكوفة “عبيد الله بن زياد”.
يذكر إبن العمراني في كتابه “الإنباء في تاريخ الخلفاء” أن إبن زياد قال: “من أتاني برأس الحسين فله الري، فتقدم إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص وقال له: أيها الأمير إكتب لي عهد الري حتى أفعل ما تأمر”. وبالفعل، صدق والي الكوفة بوعده، وعيّن عمر بن سعد في منصب حاكم الري بعد مقتل الحسين.

hUSSEIN4

من هو قاتل الحسين؟
تختلف المصادر التاريخية بشكل كبير في تحديد اسم قاتل الحسين، لأن جماعة من الجيش الأموي اشتركت في قتله. لكن مع ذلك يبقى “شمر بن ذي الجوشن”، هو الإسم الذي تذكره معظم الروايات على أنه الشخص الذي أجهز تماماً على الحسين وقطع رأسه وفصله عن جسده. وكل ما نعرفه عن شمر هو أنه كان مصاباً بالبرص ودميم الخلقة، وأنه سارع إلى والي الكوفة مطالباً بالجوائز والذهب والفضة بعد قطعه رأس الحسين. وقد أضحى شمر نموذجاً ومثالاً للشر الكامل في العقلية الشيعية، حتى صار عذابه يوم القيامة مضرب الأمثال، فيقال “فلان أشد عذاباً من شمر”.

من قُتل مع الحسين في كربلاء؟
استشهد مع الإمام الحسين الكثير من أنصاره وأهل بيته وأقاربه، ويقول “ابن كثير” إن عددهم 23 رجلاً. وكان أول من قُتل منهم هو “مسلم بن عقيل بن أبي طالب”، الذي أرسله الحسين إلى الكوفة لمقابلة أنصاره وحشدهم في انتظار قدومه عليهم، لكن والي الكوفة تنبه إلى قدومه فقبض عليه وقتله.
أما في المعركة نفسها، فقُتل العديد من أبناء الحسين وإخوته. وأشهرهم أخوه “العباس بن علي”، الذي كان يُعرف بقمر بني هاشم. وتناول أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “مقاتل الطالبيين”، قصة مقتله أثناء إحضاره للماء لسقاية الحسين، حين أحاط به جمع من الأمويين فقطعوا يده اليمنى ثم اليسرى، ثم أجهزوا عليه تماماً ومنعوه من توصيل الماء لمعسكر الحسين.
ويحتل العباس موقعاً متميزاً في المذهب الشيعي، ويزور ضريحه في كربلاء الكثير من الشيعة، وتُنسب له الكرامات والخوارق، كما اشتهر بلقب “ساقي العطاشى”.
ويعتبر “عبد الله” الرضيع إبن الحسين واحداً من أبرز ضحايا مذبحة كربلاء. يذكر أبو الفرج الأصفهاني أن أحد أفراد الجيش الأموي يُدعى حرملة رماه بسهم وهو بين يدي والده فقتله.
ومن أنصار الحسين الذين قتلوا في كربلاء، “زهير بن القين”، الذي يذكر المجلسي في كتابه “بحار الأنوار” شجاعته وبأسه في قتال الأمويين، وأنه لم يُقتل حتى قتل 120 رجلاً وحده. كذلك “الحر بن يزيد الرياحي”، الذي يذكر الطبري في تاريخه، أنه كان أحد قادة الجيش الأموي، فلما عرف نية عمر بن سعد في قتل الحسين وتأكد منها، انضم إلى الحسين وقاتل معه حتى قتل.

hUSSEIN6

من هم الناجون من مذبحة كربلاء؟
استطاع عدد قليل من أهل بيت الحسين النجاة، من هؤلاء “زينب بنت علي بن أبي طالب” و”سكينة بنت الحسين”. كما أن “علي بن الحسين”، زين العابدين أو السجاد، كان الوحيد من أبناء الحسين الذي ظل حياً بعد كربلاء. والسبب في ذلك، بحسب ما يرويه “الذهبي” في كتابه “سير أعلام النبلاء”، أن علي بن الحسين كان مريضاً وقت المعركة فاعتزل القتال، وبقي مع النساء والأطفال، فلما هجم الأمويون على معسكر الحسين قبضوا عليه وأسروه، وأرسلوه مع الباقين إلى الكوفة.
وقد تعرض الناجون من تلك المذبحة إلى المهانة والذل على يد “عبيد الله بن زياد” والي الكوفة، فدخلوا إلى المدينة مكبلين بالحديد والأصفاد، واقتيدوا كما يقتاد الأسرى والعبيد إلى قصر الوالي. وهناك جرت مناظرة رائعة بين زينب وابن أخيها علي من جهة وابن زياد من جهة أخرى.
وبعد ذلك بقليل، تم نقلهم إلى الشام مع رأس الحسين إلى قصر يزيد، وعومل نساء أهل البيت في الطريق كسبايا. وبعد الإفراج عنهم عادوا إلى المدينة المنورة، حيث أقاموا، وبقي فيها علي بن الحسين، لم يخرج منها. وعرف عنه حبه للعلم وانقطاعه للعبادة وبعده عن أمور السياسة والحكم، حتى عُرف باسم “زين العابدين” واشتهر بلقب “السجاد”.
ونلاحظ أن هناك أهمية كبرى لنجاة علي بن الحسين من القتل في معركة كربلاء، بالنسبة لأصحاب المذهب الشيعي. إذ يعتبر الشيعة الإمامية أن علي بن الحسين هو الإمام الرابع في سلسلة أئمتهم الإثني عشر، وقد انتقلت إليه علوم آل البيت بُعيد استشهاد أبيه الحسين في كربلاء.
أين دفن الحسين؟
يتفق الكثير من المؤرخين، مثل الطبري والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني، على أن جسد الإمام الحسين تم دفنه في كربلاء، في ساحة المعركة التي شهدت مقتله. يذكر الداوداري في كتابه “كنز الدرر وجامع الغرر”: “ووجد في الحسين صلوات الله عليه ثلاثة وثلاثين جرحاً، ودفنه أهل الغاضرية من بني أسد، ودفنوا جميع أصحابه بعد قتلهم بيوم واحد بكربلاء”.
أما رأس الحسين، الذي حمله الأمويون معهم إلى الكوفة، فبعث به الوالي إلى الخليفة يزيد بن معاوية في الشام.
وهناك اختلاف وتضارب كبير في الأقوال والروايات حول مصير الرأس بعد وصوله دمشق. يذكر “ابن كثير” الآراء المختلفة بشأن ذلك في كتابه “البداية والنهاية”. فيقول إن الرأي الأول هو أن يزيد بعث برأس الحسين إلى المدينة حيث تم دفنه في البقيع. الرأي الثاني يقول إنه تم الاحتفاظ بالرأس في إحدى الخزائن الأموية، حتى توفي يزيد، فأُخذ الرأس ودفن في دمشق.
أما الرأي الثالث، فهو رأي للمؤرخ المصري تقي الدين المقريزي، الذي ذكر في كتابه “الخطط المقريزية”، أن رأس الحسين دفن في مدينة دمشق ثم تم استخراجه وأعيد دفنه في مدينة عسقلان، وبقي بها حتى بدأت الحروب الصليبية على بلاد الشام، فخاف الفاطميون من استيلاء الصليبيين عليه، فنقلوه إلى مصر ودفنوه في الموضع الذي يوجد في جواره الآن مسجد الحسين المعروف في القاهرة.

*محمد يسري باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية.
المصدر: رصيف 22

الرسوم خاصة لموقع “شجون عربية” وهي للفنان اللبناني أحمد عبدالله.




الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

بقلم: محمد م. الأرناؤوط — يرتبط اسم الدونمة بسالونيك، التي كانت حتى نهاية الحكم العثماني (1912) تمثل أكبر تجمع لليهود. حتى أن عددهم فيها كان يوازي تقريباً عدد اليهود في فلسطين آنذاك، ولذلك اشتهرت باسم «أورشليم البلقان»، وغدت معروفة بمدارسها وصحافتها ومفكريها الذين لعبوا دوراً مهماً في الأحداث المصيرية التي ميزت العقود الأخيرة للدولة العثمانية (المطالبة بحكم دستوري وبروز جمعية الاتحاد والترقي وصولاً إلى عزل السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) ونفيه إلى سالونيك بالذات. ومن هؤلاء اليهود الذين كانوا يمثلون غالبية السكان في المدينة برزت طائفة «الدونمة» في العقد السابع من القرن الثامن عشر التي اتبعت الحاخام شبتاي زفي (1626-1675) بعد أن أعلن نفسه المسيح المنتظر في 1648 ثم تبعته مع اعتناقه الإسلام واتخاذه اسم محمد افندي حتى ينجو من حكم الإعدام بعدما مثل أمام السلطان مراد الرابع في حضور شيخ الإسلام والعلماء.
ومع أن هذه الطائفة الجديدة (التي كانت تجمع بين الانتماء الظاهري الى الإسلام واتخاذ أسماء مسلمة وممارسة الشعائر وبين الإيمان الداخلي الذي ترتبط به شعائر وسلوكيات أخرى) كانت تمثل أقلية بين يهود سالونيك، إلا أن دورها تعاظم مع بروز قوتها الاقتصادية ومكانتها الثقافية ثم الدور السياسي لها خلال الأحداث المفصلية في السنوات الأخيرة للدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية الكمالية في 1923 على أنقاض الدولة العثمانية.
ولهذا، «تضخم» دور الدونمة في المخيّلة الشعبية سواء في أواخر الدولة العثمانية أم في السنوات الأولى للجمهورية الكمالية وتحول ذلك إلى تركيب أسطورة ارتبطت بها وتجلّت في الدراسات أو الكتب التي صدرت في التركية وترجمت إلى العربية أو تلك الدراسات والكتب العربية التي أُلفت تحت تأثيرها. ومن هنا يأتي كتاب أستاذ التاريخ الأميركي في جامعة كاليفورنيا مارك د. باير M.D.Baer «الدونمة: مرتدون يهود وثوريون مسلمون وأتراك علمانيون»، الذي صدر في طبعته الأولى عام 2010 وصدرت طبعته الثانية في 2016.
كتاب مهم لأنه يعكس العمل الدؤوب على مدى سنوات طويلة وبمنهجية مميزة للوصول إلى كنه هذه الطائفة التي برزت فجأة من قوقعتها واختفت خلال خمسين سنة تقريباً (1890-1940) واختلطت حولها الأسطورة بالتاريخ. ومن هنا يمكن القول إن كتاب باير نجح إلى حد كبير في تفكيك الأسطورة وإبراز التاريخ الأقرب إلى الواقع لهذه الطائفة.
وينطلق باير في مقدمته من أن الأسطورة حول هذه الطائفة ما زالت متوهجة حتى الآن في تركيا، ويضرب المثل في ذلك بكتابي المؤلف التركي سونر يالتشين S.Yalçin «الأفندي: السر الكبير للتركي الأبيض» و «الأفندي 2: السر الكبير للمسلم الأبيض» اللذين بيع منهما مئات آلاف النسخ في السنوات الأخيرة . وتتغذى الأسطورة على نظرية المؤامرة التي تلقى قبولاً شعبياً إلى حد أن كل شخص مهم في تركيا أصبح يعتبر أنه من أصول يهودية وأنه يقوم بتنفيذ دوره في المؤامرة المتواصلة. ومن ذلك مثلاً كتاب ارغون بويراز E.Poyraz « أولاد موسى: طيّب وأمينه» الذي كانت على غلافه صورة طيب اردوغان وزوجته مع النجمة اليهودية، وأصبح على رأس الكتب الأكثر مبيعاً في 2007. فهذا الكتاب يعتمد على أسطورة أخرى تقول أن اردوغان ليس سوى يهودي متخف يقوم بدوره لنسف الجمهورية العلمانية في تركيا.
في هذا الوضع لا يعد عمل المؤرخ سهلاً في تفكيك الأسطورة، بخاصة أن الدونمة مثل بعض الطوائف في بلاد الشام تعتمد السرية في عقيدتها وطقوسها وهو ما يغذي أكثر المخيلة الشعبية المعادية لها. فقد شكا المؤلف من أن بعض أحفاد الأفراد المعروفين في هذه الطائفة الذين بقوا متفرقين في العالم (اليونان وتركيا والولايات المتحدة…) كانوا إما يرفضون الحديث أو يشترطون عدم ذكر أسمائهم الحقيقية. ولذلك عاد المؤلف إلى مصادر التاريخ العثماني والتاريخ الشفوي والمراسلات الصادرة عن القنصليات والسفارات الأوروبية في سالونيك واسطنبول وغيرها، كما اعتمد على شجرة الأسر المعروفة في الدونمة ليتقصى ماضيها ويتابع مصيرها لاحقاً.
الأطروحة الرئيسية لدى المؤلف تقف على عكس ما هو موجود في الأسطورة أو المخيلة الشعبية التي لا تزال حية في تركيا: الدونمة ليسوا يهوداً متخفين، ربما هم بدأوا كذلك ولكن انتهوا إلى طائفة متميزة تحت تأثير القبالا اليهودية والصوفية الإسلامية، أي أنهم لم يعودوا يهوداً مثل بقية اليهود ولم يصبحوا مسلمين مثل بقية المسلمين.
في هذه الحالة حدث مع هؤلاء الدونمة، التي تعني المتحولين أو المرتدين عن دينهم في التركية بينما هم يطلقون على أنفسهم «المؤمنون»، ما حدث مع المسيحيين البروتستانت في ألمانيا وهولندا وغيرها الذين أصبحوا يهتمون بالتعليم والاقتصاد وأصبحوا يمثلون القوة الاقتصادية الصاعدة المنفتحة على العالم الجديد في أوروبا. ومن هنا رأوا أن مصلحتهم تكمن في خروجهم من القوقعة التي انغلقوا فيها نحو قرنين والمشاركة في تحديث النظام العثماني ليصبح قائماً على الدستور والمساواة وحكم القانون، كما كانت تطالب المعارضة الصاعدة. ومن هنا فقد تولى بعض أفراد هذه الطائفة المناصب الجديدة (رئيس بلدية سالونيك التي كانت غالبية سكانها من اليهود) وشارك بعض الأفراد في المعارضة الجديدة التي تمثلت في جمعية الاتحاد والترقي.
وهنا يبين المؤلف، في سعيه لتفكيك الأسطورة، العلاقة بين الدونمة والماسونية والمعارضة الجديدة (الاتحاد والترقي). فنظراً إلى انفتاح سالونيك التي كانت تجمع بين الشرق والغرب فقد افتتحت فيها أوائل المحافل الماسونية التي انتمى إليها بعض أفراد الدونمة كما هو الأمر مع الأتراك المسلمين واليهود الخلّص. وبعد أن كانت جمعية الاتحاد والترقي تتمركز في باريس رأت أن تؤسس فرعاً لها في الداخل فاختارت سالونيك في 1902، واستفادت هناك من تجربة الماسونية في العمل السري وأصبحت تعقد اجتماعاتها في المحافل الماسونية بعد أن انضم بعض أعضائها إلى الماسونية. وهنا يؤكد المؤلف أن نظرة الأتراك المحافظين إلى جمعية الاتحاد والترقي كانت ترقى إلى وصفها بالإلحاد ومحاربة الإسلام مع اعتناق مؤسسيها (أحمد رضا وغيره) للوضعية Positivism التي تحلّ العلم محل الدين، على حين أن الأمر لم يكن كذلك مع الدونمة التي كانت محافظة دينياً ومنفتحة اجتماعياً، وهو لم يحل دون انضمام بعض الشباب من الدونمة الى جمعية الاتحاد والترقي وبروزهم فيها (محمد جاويد الذي أصبح لاحقاً وزيراً للمالية وغيره). وبعبارة أخرى يرى المؤلف أن هناك مصلحة مشتركة ربطت بين كل الجهات المعارضة (بعض الطرق الصوفية وعلى رأسها البكتاشية وجمعية الاتحاد والترقي والدونمة والماسون) لمطالبة السلطان عبد الحميد بإعادة العمل بالدستور المعلق من 1878 والدعوة إلى انتخابات للبرلمان لوضع حد لسلطته المطلقة.
ولكن ما إن تم عزل السلطان عبد الحميد في 1909، بعد المحاولة الفاشلة لأنصاره التخلص من وجود الاتحاد والترقي في اسطنبول، وانتخاب أحد أفراد طائفة الدونمة رئيساً لبلدية سالونيك، تعرضت هذه الطائفة إلى ضربة كبيرة نتيجة لحرب البلقان في 1912-1913، التي أنهت الحكم العثماني في البلقان، بخاصة مع الحرب التركية- اليونانية 1920-1923. فقد كان أفراد طائفة الدونمة مع الهوية العثمانية الجامعة القائمة على التعددية والمساواة التي تناسب هويتهم ومصالحهم الاقتصادية الكبيرة، بينما أصبح عليهم بعد أن غدت سالونيك جزءاً من اليونان أن يتكيفوا مع الواقع الجديد: دولة قومية لشعب واحد – اليونان. وما أن صحوا من هذه الصدمة حتى تعرضوا إلى ما هو أسوأ في 1923. فقد نصّت معاهدة لوزان التي أنهت الحرب التركية- اليونانية على تبادل السكان، وهو ما كان يعزز الأيديولوجية القومية هنا وهناك (مصطفى كمال في تركيا الجديدة وفنزيلوس في اليونان الجديدة). وبناء على ذلك، اقتُلع مئات ألوف اليونانيين من الأناضول وأرسلوا إلى اليونان، مع أن بعضهم لم يكن يعرف اللغة اليونانية ولا تربطه علاقة باليونان، كما اقتلع مئات ألوف المسلمين من المناطق التي توسعت فيها اليونان وأرسلوا إلى تركيا. وقد شمل هذا المصير أفراد طائفة الدونمة في سالونيك باعتبارهم من المسلمين، ولم يشمل اليهود الذين بقوا يمثلون غالبية السكان في المدينة.
وعلى رغم هذه الضربة القاصمة التي أنهت وجود الدونمة في سالونيك، إلا أن أفراد هذه الطائفة الذين رُحّلوا إلى تركيا شاركوا في المسار الجديد: تأسيس دولة علمانية في تركيا. ويتشابه هنا موقف الدونمة مع الطائفة العلوية في تركيا، التي ترى ولا تزال في العلمانية ضمانة لاستمراها كطائفة لها خصوصيتها في المجتمع.
كتاب باير عن طائفة الدونمة يقدم جديداً بالاستناد إلى المنهج الذي اتبعه، أي أنه لا يبدأ من الأسطورة بل من المصادر العثمانية ومراكز الوثائق الأوروبية والتاريخ الذاتي للطائفة، ليصل أخيراً إلى مقاربة مختلفة تقدم صورة مختلفة عما هو سائد وشائع عن هذه الطائفة. ومن هنا أهمية ترجمة هذا الكتاب إلى العربية لمقاربته مع ما هو موجود، والاستفادة من منهجيته في دراسة بعض الطوائف التي تلفها الأسطورة أيضاً.

المصدر: الحياة




الدين والدولة بين فتاوى السياسة وسياسة الفتوى

بقلم: صلاح سالم — لعل أسخف ما قيل، ويمكن أن يُقال، في السجال الدائر حول المقترحات الأخيرة للرئيس التونسي الخاصة بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وزواج التونسية بالأجنبى غير المسلم، إنما هو التساؤل عن شأن الأزهر هنا بما يحصل هناك في الزيتونة، كأن مردده يسأل: ما شأن الأزهر بالإسلام، أو شأن مصر بتونس، أو شأن كليهما بالعروبة والإسلام، فكراً وثقافة؟ غير أن الأسخف منه هو أن يطلب أحد من الأزهر تكفير الرئيس التونسي كما فعل المدعو وجدي غنيم في تركيا، أو يطالب مصر بموقف عدائي من تونس كما فعل بعض الأصوات الناعقة كالبوم، فليس من حق الأزهر إلا الإعلان عن رأيه في كل ما يخص الإسلام، ولا يمكن أن يلومه أحد على ذلك، بل إنه يكون مقصراً في واجبه كمؤسسة، وفي حق الإسلام نفسه إن لم يعلن موقفه، بل أظن أن من يهاجمونه اليوم على إعلانه هذا الموقف كانوا سيهاجمونه إن لم يعلنه، متهمين إياه بالتفريط في دوره ومكانته.
من حق الأزهر أن يعلن موقفه الرافض تلك المقترحات، وهو الموقف الذي يشاركه فيه جامع الزيتونة، المعادل التونسي له في حفظ وتعليم التراث الإسلامي، وليس ديوان الإفتاء الذي أسرع من دون تمحيص واجب إلى قبول مقترحات السبسي. لكنه، في المقابل، لا يملك أكثر من ذلك، كي يبقى مؤسسة تعليم وفقه، ولا يتحول مؤسسة كهنوتية تمارس السياسة باسم الدين. فللأزهر الحق في أن يعلن ما يراه الأقرب إلى صحيح الإسلام، وللبرلمانات حق إصدار القوانين التي تراها الأكثر تعبيراً عن مصالح الناس. يخاطب الأزهر بآرائه المتدينين، وتخاطب البرلمانات عموم المواطنين، يسعى الأزهر إلى التشريع في إطار المجال الروحي الخاص للفرد، فيما يسعى البرلمان إلى التشريع في المجال العام للمجتمع.
لم يتحول مقترحا السبسي قانونين بعد، فلا تزال هناك مناقشات داخل البرلمان التونسي ذاته ستكشف أوزان القوة السياسية بين حزب الرئيس العلماني «نداء تونس» وبين حزب النهضة الإسلامي، أي أن الأمر لا يزال في عهدة الثقافة والمجتمع التونسيين، وقد ينتهي الأمر بإقرار المقترحين وقد ينتهي إلى تجاهلهما، ولكن يبقى الأمر تمريناً نموذجياً في تصور الحدود الممكنة للعلمنة، وفي ممارسة أشكال الديموقراطية، سواء داخل تونس أو خارجها، حيث يتمدد الفضاء الثقافي العربي من المغرب إلى المشرق، مروراً بالقلب في مصر، حيث يتعين على الجميع ليس فقط المساهمة في السجال الدائر بل ترشيده، وتحويله جدالاً ثقافياً يخدم مشروع تجديد الفكر الديني.
وما نود التوقف عنده قبل الدخول في مناقشة المقترحين الإشكاليين، هو كيفية تحقيق التوازن بين أمرين: الأول هو مواجهة سلطة التقليد التي تنزع عن النص كل حمولته التاريخية، وتسعى إلى أقنمته، ظاهراً وباطناً، ليصبح كله معطى نهائياً وجامداً. كما توسع كثيراً في حدوده، عندما تخلط بينه وبين التراث، فتحيل الأخير نصاً وبالأحرى ديناً، على ما فيه من نزعات خرافية تصادر العقل، أو جبرية تصادر الحرية، وتجعل واقعنا أسيراً لها وللقائمين عليها. والثاني هو ترسيم معالم سلطة التجديد، وتبين الحدود المفترض أن تتوقف عندها، اعترافاً منها بأن ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النص، تتسم بالإطلاقية والتجاوز، تبقي له حجيته، حتى لا تتحول تاريخية النص مطلقاً يلتهمه، فلا يبقى منه شيء يتجاوز مزاج قرائه في كل عصر، وعبر أي سياق ثقافي أو مجتمعي. ذلك أن إطلاق النزعة التاريخية إنما يحيل النص الديني القدسي مجرد نص عادي، أدبي، مثلاً، ينتمى إلى قارئه وفق رولان بارت، أكثر مما ينتمى إلى كاتبه، وهنا يصبح القارئ حراً في إعادة اختراع النص والخروج منه بما يشاء من معان لها كل ممكنات التجاوز ولو كان النص محدثاً أو حتى معاصراً، فما بالنا بالنص الديني، القديم بطبعه، وما الذي يمكن أن يبقى منه قادراً على الصمود وتكريس استمرارية الدين، أي دين؟
هنا يثور خطر تحول النص القرآني من خطاب إلهي إلى الإنسان إلى خطاب إنساني صرف، يصير بمرور الزمن أكثر انفصالاً عن أصله الإلهي البعيد الذي يمثل (مُحكمه) الحد الأدنى من الإطلاقية والقدسية والاستمرار، لمصلحة نوع من النسبية والعادية والتغير، وهنا نكون بصدد التحول عن مقولة (تاريخية النص) القادرة على تمديد فاعليته، عبر تحقيق التوازن بين عناصر الثبات الصانعة للرؤية الوجودية، وعناصر التغير المصاحبة للتحولات المعرفية، إلى مقولة (عدمية النص)، المفضية إلى إهداره في التاريخ. ولكن كيف نسقط هذا الفهم على قضية الميراث مثلاً؟
وفق الإمام السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» يتوزع النص القرآني، طبقاً لدرجات الوضوح الدلالي، على أربع درجات: الأولى تتعلق بالواضح الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، وهو النص. والثانية التي تحتمل معنيين أحدهما راجح (الأقوى) والآخر مرجوح (محتمل)، وهذا هو الظاهر. والثالثة هي التي تحتمل معنيين كلاهما يساوي الآخر في درجة الاحتمال، وهو المجمل. أما الرابعة فهي التي تحتمل معنيين غير متساويين في درجة الاحتمال، لكن المعنى الراجح (الأقوى) ليس هو بالمعنى القريب (الظاهر) كما في الثاني، بل الراجح هو المعنى البعيد، وهذا النوع هو المؤول.
تندرج قضية الميراث بالطبع في سياق الدرجة الأولى من الوضوح الدلالي، كنص قطعي الثبوت والدلالة، ارتسمت معالمه في سورة من كبريات سور القرآن المديني، ومن ثم فإن مقترح الرئيس التونسي الذي وافق عليه ديوان الإفتاء يمثل اجتراء على النص لا يجدي معه أي تأويل. وهنا أعلن انحيازي بوضوح إلى موقف الأزهر والزيتونة، اللذين رفضا المقترح، لأنه يعدم النص بذريعة النسبية والتاريخية، في قضية هي من صميم رؤية الوجود التي تعنى بها الأديان، ولو نزعنا قضايا كالزواج والطلاق والميراث لما بقي من منظومة الأخلاق الإسلامية شيء. صحيح أن هذه القضايا الثلاث بالذات تتجاوز المجال الخاص الروحي للفرد بالمعنى الضيق، إلا أنها أيضاً لا تقع ضمن المجال العام السياسي الذي تملأه الدولة بحضورها، وتقوم على تنظيمه باعتباره مجتمع المواطنين لا المتدينين، إنها تقع بالأحرى ضمن مجال عام أخلاقي تنظمه الأديان، لا يحق للدولة التدخل فيه وإلا نالت من حرية الضمير لدى مواطنيها. والحق أن تمييز الرجل على المرأة في الميراث قضية يمكن تعقلها والدفاع عنها من دون هروب حاوله البعض بذكر الحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل أو التي ترث فيها أكثر من الرجل، بفعل تباين المراكز القانونية، فحتى في الحالات الثلاث الواضحة في التمييز لمصلحة الرجل، يمكننا الاحتجاج بذرائع عدة أساسية:
الأولى هي أن أحداً لا يستطيع أن يمنع الأب من أن يكتب نصف ثروته لابنته، أو حتى كل ثروته ويحرم منها ابنه، فله الحق كشخص حر في أن يخالف الشرع وفق مستوى التزامه الديني، مثلما يملك الحق في أداء العبادات أو تجاهلها، بل الحق في أن يؤمن أو يلحد، فالحق في الاختيار يقع في صميم مفهوم العلمانية. أما الدولة فلا تملك الحق في أن تفرض عليه مخالفة الشرع في قضية الميراث، وإلا كان ذلك تدخلاً منها في المجال الخاص للفرد، أي أصولية علمانية تتحرش بالدين. ومثلما كان تحرش الدين بالدولة في مرحلة ما قبل الدولة القومية، دليل على خواء الدين وعلامة على سيطرة الكهنوت الديني على ضمير المؤمن، فإن تحرش الدولة بالدين إنما يعكس خواء الدولة ويمثل دليلاً على إفلاسها السياسي، ورغبتها في السيطرة على جسد المواطن.
والثانية هي أن النص القرآني يشرع للعلاقة بين الرجل والمرأة في ضوء «منظور تراحمي» يقوم على نمط من المساواة العادلة، وليس في ضوء مفهوم «الحق الفردي» القائم على المساواة المطلقة، كما هو الأمر في الفكر الغربي الحديث الذي يسعى البعض إلى تقليده أو نفاقه، وهو موقف تغريبي لا يعكس تمسكاً جوهرياً بالحداثة، مقدار ما يعكس خواء نفسياً وشعوراً بعدم الجدارة الثقافية. ذلك أن الإسلام لا يتصور العلاقة بين الرجل والمرأة إلا في سياق أسرة «وحدة إنسانية» وليس في سياق علاقة صراعية حول الحق الفردي، فالمجتمع التراحمي إذاً وليس الفردية المطلقة هو غاية التشريع الإسلامي الذي يصوغ حقوق الطرفين باعتبارهما «زوجين» يتكاملان في نواة مجتمعية وليس طرفين في عقد تجاري. في هذا الإطار ترث المرأة نصف الرجل، لأن الأخير ملزم بتوفير بيت للزوجية، والإنفاق على زوجته التي هي أخت رجل آخر ورث ضعفها لأنه سينفق على زوجته التي قد تكون أختاً للزوج الأول نفسه أو لا تكون، وهكذا تأخذ المرأة من الحقوق كفاء ما فُرض عليها من واجبات: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف». بل إن الشاب الذي يرث من أبيه اليوم ثلثي مليون جنيه لن يستطع توفير شقة من غرفتين في حي عادي، فيما تستطيع أخته أن تجهز نفسها بالثلث.
والثالثة هي أن النص القرآني، حتى الآن، لا يزال أكثر تطوراً من جل المجتمعات الإسلامية التي غالباً ما تعجز حتى عن تطبيق المبدأ العام، فعائلات كثيرة فى البيئات المحافظة إنما تحرم الأنثى أصلاً من الميراث، أو تبخسها حقها بدفع قيمة مالية متدنية لنصيبها من الأرض أو العقار، خشية أن تنتقل أملاكها إلى من يعتبرونه غريباً وهو زوج الأخت أو الابنة، وهو خلل نفسي وثقافي يُهدر حكمة النص، لن يجدى تعديل القانون في علاجه، لأن المجتمعات المحافظة التي ترفض توريث النساء للثلث ستتكون أكثر رفضاً لتوريثها النصف، فالأمر هنا أصعب طالما لم يتهذب الضمير أو يرتقي العقل، لذا فالأولى الآن هو الاجتهاد الفعال في كيفية الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى النص، بدلاً من إهدار حكمته من دون جدوى.
والرابعة: هى أن تقنين مثل هذا الاقتراح لن يحقق تطوراً جوهريا في حياة المرأة، بل الأغلب أن يفضى إلى توترات مجتمعية عدة، إذ يزكى حنق المتدينين، ويدفعهم إلى تشكيل تيار مضاد للحداثة والعلمنة، وهو ما نظن أنه حدث سلفاً في تونس في أعقاب تنفيذ مدونة القوانين التي تم إقرارها عام 1956، إذ تم تحريم تعدد الزوجات، وجعل الطلاق أمام القاضي وليس في يد الرجل، وأيضاً المساواة في الإرث الذي تم التراجع عنه عام 1973، وجميعها أمور أثارت استياء ذوي الحساسية الدينية، ودفعت بهم إلى قبضة التيارات المتأسلمة التي كادت ولا تزال تحاول أن تختطف الربيع التونسي، إلى كهف الخريف الإسلامي، وهنا يبدو واضحاً كيف أننا نهدر حكمة تاريخنا عندما نتناسى ذلك الدرس البسيط، وهو أن الإفراط في العلمنة سرعان ما يستدعي عنف الأسلمة، ولنا أن نتصور مثلاً، لو أن بورقيبة تحمس لتكريس التعددية السياسية بدلاً من التشدد في تكريس حقوق المرأة، وكيف كان يمكن أن تصبح تونس الآن؟

المصدر: الحياة




في ذلك اللّقاء الخاصّ مع أندريه مالرو

بقلم: أحمد فرحات* — بناءً على دعوة من هيئة ثقافيّة محلّية في مدينة أورليان الفرنسيّة، زرتُ فرنسا في العام 1973، وكانت مفاجأة حين أسرّ لي أحد الأصدقاء الداعين، واسمه جورج لوي نوريه، بأنّه في الإمكان زيارة المفكّر الكبير أندريه مالرو (1901 – 1976) في منزله في إحدى ضواحي العاصمة باريس. تشبّثتُ بالفكرة وأصررت على تنفيذها خوفاً من أن تفتر همّة أصحاب الفكرة في ما بعد؛ وكان لي ما أردت، وخصوصاً أنّ المسافة بين أورليان وباريس لا تتجاوز الـ 120 كيلومتراً.

فجأة أنا أمام رجل طاعن في السنّ، تحمل هيئته العامّة ملامح كِبار المفكّرين والفلاسفة الأسطوريّين… سألته رأيه بالاتّجاهات الفكرية الجديدة في فرنسا، وخصوصاً بعد “موت” الوجودية والبنيوية وتعثّر الماركسية وراء سيول الواقعات والأفعال الجديدة على الأرض.. فأجاب: فرنسا في خطر. إنّها تواجِه احتضار ثقافتها وفقدانها الخصوصيّة أو الاستقلاليّة الجديرة بأن تُميّز وتُحلّل في ذاتها. إنّها تتّجه إلى نوعٍ من الأمْركة الثقافيّة الفاقدة للجوهرية، والمعزِّزة للاستهلاك، وذلك على قاعدة التوفيق بين ما تبقّى من أطروحاتها وبين هذا المُقبل الكاسح عليها، وفي هذه الحال التوفيقية، بداية مؤكّدة لهَيمنة الآخر عليك.

وفي أيّ بؤرة فكرية أو فلسفية، تريد أن تنقّب مع غيرك من المفكّرين الحرصاء على عراقة الثقافة الفرنسيّة والأوروبيّة بشكل عامّ؟.. سألته فأجاب بصوت متهدّج بعض الشيء: ليس لدينا إلّا القلق الآن والانعزال غير الإيجابي فيه.. ولا أملك حقيقة هنا في إجابتي أيّ أدبيّات نصح وتقويم أقدّمها للفرنسيّين والأوروبيّين بشكل عامّ. وقبل أن أسأل.. أردف مالرو قائلاً: في القلق لا بدّ من أن يكون هناك بصيص ضوء يغذّي الشوق فينا ويدفعنا فعلاً إلى قلب المُعادلة التي لا ينبغي أن نستسلم لها.

إلى هذا الحدّ يبدو الصراع ساخناً بين الثقافتَين الفرنسية (ومعها الأوروبية بالطّبع) والأميركية، اللّتَين هما من جذر ثقافيّ وديمغرافيّ واحد، فأكثر من سبعين في المئة من الأميركيّين هُم من أصول أوروبية، وبالتالي فإنّ التنوير الفرنسي الذي انفجر في القرنَين السابع عشر والثامن عشر، انتقل إلى الولايات المتّحدة وشاعت فلسفته، كما شاعت “فلسفة” الأنساق الأدبية الفرنسية، الرومانسية منها وغير الرومانسية، وبخاصّة مع فيكتور هيغو الذي أثَّر عميقا في الرومنسية الأميركيّة، وأشاد به لاحقاً الشاعر الأميركي والت ويتمان والروائي الأميركي وليم فولكنر؟.. علّقتُ متسائلاً على كلام مالرو فردّ قائلاً: لا.. لا أنتَ تتكلّم في مدار ثقافي آخر منفصل تماماً عمّا أقصده، فما أعنيه هنا يصبّ في مسألة تَشغَلُ فيها الديناميّة السياسيّة الأميركيّة حيّزاً كبيراً تسحبُ معه الديناميّة الثقافية الفرنسية لتُغيِّر من صورتها الطليعية الجديّة وإن ببطء. وأردف يقول: للثقافة الفرنسية طعمٌ خاصّ من الانتماء إلى ذاتها، وإلى العالَم.. ومن هنا أنا أخشى عليها وعلى خصوصيّتها وهويّتها.

وكيف تُعرّف لنا هويّة الثقافة الفرنسية هذه يا سيّد مالرو؟..أجاب: هي ثقافة متقدّمة بسؤالها الإنساني العظيم والذي يعني البشر جميعهم، حتّى وإن تلوَّنت ثقافتنا بمصادر ثقافيّة أخرى. فميزة أيّ ثقافة متقدّمة، على أيّ حال، هي أنّها نسيج مُشترَك من مكوّناتها هي ومن مكوّنات ثقافية أخرى في الوقت عينه، تظلّ معه محتفظة بنموذجها العامّ، والذي ينبغي أن يظلّ متجدّداً ومنفتحاً على المجهول. هكذا فالثقافة الإنسانية المتقدّمة والمتجدّدة، هي التي تبني ما لا يُهدم، وتهزم ما لا يُهزم. وأيّاً ما كان الأمر، فيُمكننا التأكيد على أنّ الثقافة الفرنسية، هي في مرحلة مقاوَمة شرسة الآن، حتّى لا تُؤكل، ولا يُضرب نموذجها المتحرّك والحيوي من طرف نزعة الاستهلاك الرأسمالي غير المُعقلَن في كثير من الأمور، وبخاصّة في الثقافة، والذي بدأ يسكننا على نحو غريب، ويضرب فينا حتّى أعماق حصانة فكرنا الذاتي المصدر.

سمّاكَ ألبير كامو بالروائي الفيلسوف، والذي قيل إنّك كنتَ أكثر الأدباء الفرنسيّين دعماً له، ولاسيّما بعد إصداره روايته الشهيرة: “الغريب”. هنا غيّر مالرو من جلسته على الأريكة العريضة، وبدا وكأنه يستعدّ لجولة مختلفة من الكلام قائلاً، إنّه لا يأبه بهذا التوصيف من أيّ جهة أتى، وهو ليس أكثر من وجهة نظر شخصية تعني صاحبها.. لاغير.

غير أنّ مالرو استدرَك قائلاً إنّ كامو كاتبٌ مُبهِر وكبير، وإنْ حَمَل مشروعات انتحاريّة ذاتيّة عدّة. وشدّد على أنّه لا ينبغي أن نغفل التوكيد على الطَّابع المركّب لشخصيّة كامو وقراءته للتحوّلات الجارية في العالَم من حواليه، ودائماً من موقع اللّامبالاة بكلّ ما يجري. لقد غامت لديه الرؤية، وإن تكثّف فيه الوعي اللّغوي الفذّ والمُتجاوِز للتعبير عمّا يجول في داخله، وعلى نحو لم يسبقه إليه أحد في الأدب السردي الفرنسي المُعاصِر. ألبير كامو طاقة أدبية فرنسيّة استثنائيّة، كان يُمكن أن تساعد الثقافة الفرنسية على الخروج من حلقتها المفرغة، ولكن مع الأسف، لا أدري لماذا صار هو أحد أوائل ضحاياها أو ضحايا الأنفاق الدائرية التي وصلتها، فصار كاتِباً عبثياً، ومتمرّداً على عبثيّته لأجل عبثيّته عينها، مع أنّه كان يتقن فنّ التأمل.

وسألتُ أندريه مالرو، كيف نوفِّق هنا بين كون ألبير كامو إنساناً عبثيّاً، بل ومُفلسفاً لعبثيّته، وخصوصاً من خلال كتابَيه: “أسطورة سيزيف” و”المتمرّد”، وبين كونه إنساناً حرّاً وواعياً لحرّيته، ومُجسّداً لها على الأرض (على الأقلّ من خلال اشتراكه العضوي المُباشر بالمقاوَمة الفرنسية ضدّ الاحتلال النازي الألماني لفرنسا، ولدرجة أنّه أصدر مع رفاقه المقاومين نشرة تحوّلت إلى صحيفة يومية تُدعى “الكفاح” combat)؟… أجاب مالرو وقد ارتسمت على وجهه ملامح ابتسامات كسرت جدّيته الصارِمة: “كامو هو كامو.. إنّه فنان صناعة المدى الذّاتي وإدارة هذا المدى على هواه الكتابيّ الجاذب، والذي لا يرسم خلاله “قوانين” التضليل السايكولوجي ضدّ أحد. كما أنّ الجدليّة الكلاميّة التي يسردها في كُتبه، وخصوصاً في كتابه “أسطورة سيزيف”، لا تقوم البتّة على البهلوانيّات اللّفظية وقواعد التلاعب بالحروب التنظيرية النفسانية ذات القياسات المُعلَنة والمموّهة في آن… كامو كاتِب مُنخرِط في كتابة إنسانية عالية القيمة والهدف، وبصورة تروم تعقّل المتغيّرات الجارية في العالَم، وذلك إذا ما أردنا أن نحلّل أعماله الأدبية ومواقفه الشخصية بشكلٍ عميق ونافذ، وما إشارتك الموفّقة إلى اشتراكه العضوي في المقاوَمة الفرنسية ضدّ الاحتلال النازي، إلّا الدليل الماثل على نزعته “الواقعية” والخصوصيّة التي لا تسقطه ضيفاً على حضرة الفراغ أو العبث الكامل”.

العسكريّ المثقّف بعُمق

بعد ذلك، أخذني الحديث مع أندريه مالرو إلى تجربته الثقافية والسياسية المميّزة مع الجنرال شارل ديغول، هو الذي كان وزيراً في حكوماته المتعاقبة، وخصوصاً منذ العام 1958 إلى العام 1969، فأجاب من فوره: ديغول رجل مثقّف بعمق أساساً. العسكري فيه منفتح على الفكري بقوّة، وغالباً في قالبٍ ذي نزعة وطنية فرنسية محكومة بالمواجَهة الحسّاسة مع التصميم الأميركي الكاسح لكلّ شيء، وخصوصاً في السياسة والثقافة والفنون، وحتّى في القيَم الحياتيّة المُباشرة وطُرق عَيش الحياة المادّية نفسها.

يُقال إنّ ديغول كان يصغي إليك في مجمل الشؤون غير السياسية، وبالطبع الفكرية والثقافية منها، فهل هذا صحيح؟.. أجاب: “نعم، كان ديغول يصغي إليّ بصفاء عقل، وبراءة ذات، وينتبه جيّداً إلى نصائحي، وخصوصاً لجهة “فكرة المجتمع بلا تاريخ، وبلا ثقافة” التي تُمثّلها الولايات المتّحدة في هجمتها على أوروبا”.

كما كان ديغول، وبتأثيرٍ من مالرو، يُفضّل قراءة الأفكار السياسية والاستراتيجية الكبرى على حساب قراءته لسرديّات التاريخ والاستفادة منها. وكان أيضاً وراء جعل ديغول يقترب وبصورة محبّبة للغاية من شخصيات سياسية كبرى في آسيا، مثل الهندي جواهر لال نهرو والصيني ماوتسي تونغ، وقد عرفهما أندريه مالرو شخصيّاً، وحاورهما؛ وهو الذي أرسى لدى الرئيس الفرنسي الأسبق مغزى المُعادَلة القائلة: “الآخر ليس عنواناً جغرافياًّ أو هلاميّاً، وإنّما هو مجموع قيَم ومبادىء أساسيّة”.

وكان مالرو الذي استفاد كثيراً من إقامته في الشرق الأقصى، وتحديداً في لاوس وكمبوديا، فضلاً عن الصّين، قد أسرَّ لي بأنّه تعلّم من الآسيوي البعيد درساً مهمّاً، ومفاده أنّ قراءة الآخر، هي دوماً المدخل الصحيح لقراءة الذات وفهمها، وأنّ إهمال الآخر أو تجاوز أطره المعرفية والثقافية، لا يؤدّيان إلّا إلى عدم فهم الذات والآخر على السواء.

هكذا، ثمّة أمور وقيَم عقلانية وأخلاقية (كما يرى مالرو)، سرعان ما تظهر لتفرض نفسها على زمانك ومكانك، تماماً كما على زمان الآخرين ومكانهم.

الثقافة بدَيدنها الجوهري والعميق، كانت المحرِّك الأساس لأندريه مالرو وتطلّعاته البانورامية؛ وكان يرى فيها الجواب المانع / القاطع للإنسان، ولاسيّما حين يُسأل عمّا يفعله على وجه هذه الأرض… وعندما سألته عن وطأة الشيخوخة والتفكير بالموت و”فلسفته”، قال لي إنّ الموت هو الطراز الدائريّ الآخر لطراز الحياة الدائريّة نفسها.

*مؤسّسة الفكر العربي




حفظ العمران في المصالح الشرعية الكليّة: أحكام وقواعد

بقلم: إبراهيم البيومي غانم — يندرجُ مقصدُ «حفظ العمران» في المصالح الشرعية الكلية. وهذه المصالحُ تندرجُ بدورها في مهمة استخلاف الإنسان في الأرض. وأولُ مهمات الاستخلاف: العمرانُ، وهو: الحرية والعدل والرخاء والأمن، أو هو كل ما يُعمر وتُبنى به البلد أو المحلة أو الموطن، وكل ما يوفر ضرورياتِ الحياة، وحاجياتها، ويحسنها بشتى الطرق؛ بالعلمِ والفلاحة، وبالصناعةِ والتجارة، وبكثرة الناس، ووفرة الأعمال، وعموم الحرية والأمان؛ وهذا هو التمدنُ بمعناه العام، أو هو: «عمران العالم»، ومركزُه «الإنسان»، و «الاجتماع الإنساني» بتعبير ابن خلدون. وتتوزعُ مسؤولياتُ بناءِ العمران وتشييده ابتداءً، وحفظِه ودوامِه انتهاءً؛ على الأفراد والجماعات، وتتشاركُ فيه الجهود الأهلية والحكومية؛ الإلزاميةُ والتطوعيةُ. وبمقدار المشاركة في بناء العمران وحفظه؛ يتقاسم الشركاء جميعهم ثمراته وفوائدَه.
وللعمرانِ أحكامٌ وقواعد، كما أن له أصولاً وفروعاً، وله مقاصد كلية وجزئية يحفل بها أغلبُ مصادر التراث الإسلامي؛ ومنها بخاصة: علومُ التفسير والحديث والسيرة النبوية، وعلمُ الفقه وأصوله، وعلمُ الكلام وأصول الدين. ولكن مقصدَ «العمرانِ» ابتناءً وحفظاً يتجلى أكثر ما يتجلى في مصادر التراث التي تخصصت في شؤون «المجال العام»، أو «المصالح الكبرى» أو «العامة». وأهمُّ هذه المصادر على الإطلاق هي: كتبُ الآداب السياسية ونصائح الملوك، وكتبُ الأحكام السلطانية والخطط الدينية، وكتبُ السياسة الشرعية والتدابيرِ المصلحية والأمنية. وثمة كتاباتٌ أخرى تناولت الموضوعَ السياسي بشكلٍ جزئي، وبطريقةٍ عارضةٍ في سياق علوم ومعارف مختلفة مثل: التفسير، والحديث، واللغة، والفقه وأصوله، وأبواب الإمامة في علم الكلام، والتاريخ وحولياته، والتراجم والسير. وعلى رغم أهمية ما تحتويه هذه المصادر بشأن الموضوع السياسي، إلا أن اهتمامي ينصبُّ هنا على الكتابات السياسية المتخصصةِ التي تندرجُ في واحد أو أكثر من تلك الأنماط الثلاثة الرئيسية.
لا يمكن الكشفُ عن «مقصد حفظ العمران في تلك الأنماط إلا عبر تقديم قراءةٍ تحليلية ونقديةٍ فيها، بهدف الإجابة عن سؤال مركزي مركب هو: هل خدمت الكتابةُ في الأنماط الثلاثة مقصد «حفظ العمران»؟ وما مآلات كلِّ نمط منها في ضوء الممارسات التاريخية؟ وما السياقاتُ التي ارتبط فيها «فقه السياسة الشرعية» تحديداً بالمقاصد العامة للشريعة، ولماذا هيمن هذا الفقهُ على النمطين الآخرين في الكتابة السياسية منذ تداعت وحدة السلطة في نظام الخلافة مع صعود البويهيين في اواسط القرن الرابع الهجري؟
من جهةِ التاريخ المعرفي؛ تشيرُ المصادرُ إلى أن الكتابة السياسية المتخصصة في التراث الإسلامي أخذت في الظهور ابتداءً من القرن الثاني بمؤلفات النمط الأول في: «الآدابِ السلطانية والنصائح الملوكية». وموضوعها الرئيسي هو: تقديم النصائح الأخلاقية والحكم المأثورة بأسلوب وعظي يخاطب وجدان السلطان أساساً. ثم زادت هذه الكتابةُ وتنوعت باطراد بدءاً من القرن الرابع الهجري. وشهد القرنُ الذي تلاه ظهورَ النمط الثاني وهو: «الأحكامُ السلطانية»، وموضوعها الرئيسي يتركز على أصول الحكم وشرعية السلطة وما يتبعها من مؤسسات لإدارة شؤون الدولة. واستمرت الكتابةُ في النمطين الأولين، وازدهرت في القرنين السابع والثامن، وفي ذينك القرنين ظهرَ النمطُ الثالث وهو: «السياسةُ الشرعية». وموضوعه الرئيسي هو بمفردات معاصرة: تدبير المصالح العامة، وضبط المجال العام بالأمن والقضاء في الظروف الاستثنائية بما يحقق المصلحة؛ باعتبار أن «النظر في عموم مصالح الأمة منوط بالإمام. وتواصل ظهورُ الكتابات بأنماطها الثلاثة على التوازي وبمعدلٍ متناقص من حيثُ العددِ والجودة بدرجاتٍ متفاوتة بين كل منها بتفوق واضح لنمط «السياسة الشرعية» ابتداءً من القرنين السابع والثامن الهجريين، وحتى بدايات القرن الخامس عشر الهجري/ النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي تقريباً.
ومن العسيرِ تعميمُ الحكم على نجاح أو إخفاق جهود كتَّاب الآداب والأحكام السلطانية وفقهاء السياسة الشرعية في المساهمة في تحقيق مقصد «حفظ العمران» في تاريخ الأمة الإسلامية. ولكن المآلات النظرية والتطبيقية لتلك الجهود في مجملها لم تكن على المستوى المتوقع منها في إدراك هذا المقصد الكبير.
لقد انقلبَ نمطُ «الآداب والنصائح السلطانية» في أغلبه منذ وقت مبكر خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين إلى مطيةٍ للتزلف لولاة الأمور ونيل بركات القرب من أعتابهم، في مقابل تسليتهم وإمتاع أسماعهم بالقصص والحكايات، والحكم والأمثال. وتيبسَ فقهُ الأحكام السلطانيةِ عند نشأته، ولم يشب عن تلك النشأة إلا قليلاً، ولم يحقق تقدماً يذكر منذ كتابات الماوردي وأبي يعلى الفراء والجويني؛ إذ سرعان ما دهمه فقهُ السياسة الشرعية وأزاحه من ميدان التأثير في مسارات الحكم والسياسة والعمران، وخلا له هذا الميدان، أو كاد، منذ القرنين السابع والثامن الهجريين.
وعلى رغم أن هذا الفقه انطوى على كثيرٍ من الأفكار والرؤى الإصلاحية التي تصب مباشرة في مقصد بناء العمران وحفظه؛ إلا أنَّ هيمنةَ فكرة «التوسعة على الحكام» وهي الفكرة المركزية لهذا الفقه كما أسلفتُ، أساءَ توظيفها كثيرٌ من الأمراء وبعضُ العلماء، حتى باتت -على غير المقصود الأصلي منها- مرقاةَ الصعود إلى أعلى مراحل الاستبداد السياسي، والعسف بحقوق الإنسان، وانتهاك كرامته من أبواب متفرقة، منها باب العقوبات التعزيرية. ولهذا، لم يكن غريباً أن أغلب فقه السياسة الشرعيةِ لقي ترحيباً من طغاة الولاة والأمراء والسلاطين والملوك والرؤساء وعلماء السلاطين على مر الزمن، منذ أكثرَ من سبعة قرون وإلى الساعة.
فتحَ فقهُ السياسة الشرعيةِ باب «الذرائع» على مصراعيه أمام تصرفات الإمام في عموم مصالح الأمة، وكان أخطرها على «الإنسان» وهو مادة العمران وخميرته الأساسية: باب «التعازير»، التي سوغ فقهاء السياسة الشرعية، وبعض الأصوليين من غير فقهاءِ السياسة الشرعية؛ كي يفعل «ولي الأمر» ما يراهُ من منظوره الأمني. واستمسك الطغاة بفكرة «التوسعة عليهم» في سلطاتهم، وقربوا ولا يزالونَ مَن «يوسع عليهم»؛ ومنْ وسَّع عليهم وسَّعُوا عليه، ومن لم يوسع أوسعوه بما لا تشتهيه الأنفس ولا تلذه الأعين.
والمُشْكل هنا هو أنه ليس بوسع أحدٍ أن يعاندَ في حقِّ السلطان في التعزير لاعتباراتٍ أمنية، أو غير أمنية. وليس بوسع أحد كذلك أن يعترضَ على حق القاضي في التعزيرِ لاعتبارات حقوقية وقضائية؛ ولكن المعاندةَ والرفضَ إنما هما لهذا التوسع في سلطةِ ولي الأمر في ظل عدمِ وجود اجتهادات وضمانات ترسم طرقاً واضحة ومعروفة سلفاً للتأكد من سلامة ممارسته هذه السلطات، وعدم وجود طريقة للتأكد من جدية أدلةِ الاتهام للذين يقعون تحت طائلة تلك السلطات، وكفالة حقِّ المتهم في الدفاع عن نفسِه، وحق الفئات المظلومة من أن تطالب بحقوقها وهي آمنة.
لا يزالُ هذا البابُ مشرعاً، وإن بأسماءَ مختلفة، إلى الساعة. وأنتَ ترى أن علماءَ السلاطين لا يزالون يبررون إزهاقَ الأرواح البريئة، ونسف المدن العريقة، وتهجير أهلها ونقض أسس بنيانها، وتدمير كل مظاهر العمران من باب السياسةِ الشرعية بالمعنى الذي ذهب إليه الأقدمون. وقبل هذا وفوقَه؛ فإن هذا البابَ بما آل إليه في التطبيق ـ وليس في أصوله ومقاصده النبيلة، قد تدحرجَ في الممارسات السياسية إلى أن أمسى البابَ الملكي لما عُرف في تاريخنا الحديث والمعاصر باسم «الأحكام العرفية»، و «قوانين الطوارئ» التي تتضمن شناعات تتضاءل أمامها فتاوى التعزير بما يجاوز الحد ويأتي على النفس، وتصبح معها فتاوى جواز التعزيرِ بضرب القفا مجرداً عن ساتر بالأكف نوعاً من المزاح(!)، ومن ثم ساهمَ هذا البابُ (ربما عن غير قصد مرة أخرى) في تجذيرِ الاستبداد السياسي، وأطلقَ يد المستبدين في الانفراد بالسلطة بحجة تدبيرِ عموم مصالح الأمة، وصون عمرانها وأمنها واستقرارها.
وفي أغلب الحالات: لا الأمة حققت مصالحها، ولا حافظت على عمرانِها، ولا احتفظت بكرامتِها، ولا نعمت بالأمنِ أو بالاستقرار.
والخروج من هذا المأزق الذي آل إليه فقهُ السياسة الشرعية، يبدأُ – في نظري – بعلاج العلل التي أفقدت الأمة ولايتها على نفسها، وحرمتها كرامتها وسلبتها حريتها بذريعة «التوسعة على الحكام»، وبقصد درء الفتنة، وحقن الدماء، وإدراك المصالح العامة، وحفظ الدين، والحفاظ على الوحدة، وغير ذلك من المقاصد النبيلة، التي كشفت وقائع التاريخ وحوداثه أن سلطاتِ ولي الأمر الواسعة لم تفلح في تحقيقها، وإنما أساء استخدامها لتحقيق مآربه، وكان الثمن – ولا يزال – هو مزيد من امتهان كرامة الإنسان، وضياع المصالح، وإهدار الحريات، وتدمير رسوم العمران والإتيان على أصوله، على النحو الذي مارسته أنظمة التغلب التي انقلبت على الربيع العربي، وكان «علماء السلطان» في مقدمة مؤيديها، بالرجوع إلى مبررات من فقه السياسة الشرعية.
لا مفر من استئناف مسار «الأحكام السلطانية» أولاً على أساس تقييد سلطة الحكام، وثانياً من أجل تشريع محاسبتهم ومعارضتهم، وثالثاً من أجل ضمان الحريات العامة والفردية، وصون الكرامة الإنسانية، والتزام العدالة بكل أبعادها، وبهذا يمكن أن يتحقق مقصد صون كرامة الإنسان، مع أو قبل مقصد «حفظ العمران» بأوسع معانيه.

المصدر: الحياة




ليس كل نقدٍ لصلاح الدين الأيوبي هجاءً مذهبياً

بقلم: أحمد راسم النفيس* — استوقفني ما وصفه الكاتب علاء اللامي في مقاله المنشور في صحيفة «الأخبار» الموقرة (17/08/2017) بـ«حملة تشنيع وهجاء ضد بعض الشخصيات التاريخية العربية الإسلامية»، وعلى رأسهم بالقطع يوسف بن أيوب المسمى بصلاح الدين.
الغريب أن الكاتب قرر منذ البدء أن كل ما يوجه إلى صلاح الدين من اتهام هو هجاء مذهبي، فيما تمثّل آراؤه وحده تقييماً موضوعياً.

حسم الكاتب موقفه بالقول إن «قراءتي لشخصية صلاح الدين الأيوبي لا تعني عدم الانحياز المبدئي له كرمز لمقاومة الغزو الأجنبي الإفرنجي، فلست مستشرقاً أو مأخوذاً بالمنهج العلموي الاستشراقي الذي يدس السم بالعسل كبعض الليبراليين واليساريين المزيفين، ولا متسامحاً مع القراءات الطائفية السلفية سواء كانت وفق المنهج التمجيدي السني أو الآخر الهجائي الشيعي في الوقت عينه».
لا نعتقد أن هذا المنهج يمكن وصفه بالموضوعي، بل هو نهج انفعالي لا موضوعي، حيث يرى أن أي نقد يوجه لصلاح الدين، يدخل ضمن ما يسميه بالليبرالي والاستشراقي واليساري المزيف.
إن تشخيص المسألة وكأنها مجرد خلاف حول شخص المدعو يوسف ابن أيوب يمثل استخفافاً بواحدة من أخطر القضايا التي حولت مسار الحضارة والتاريخ الإسلامي، وهي سقوط الحضارة الإسلامية التي شيّدتها الدولة الفاطمية وتحولها إلى أنقاض تمثلها أكوام مدينة تنيس (الواقعة على الحافة الشمالية الغربية لبحيرة تنيس سابقاً المنزلة حالياً) أعجب مدينة في تاريخنا والتي تحولت بفضل «الكابوس الأيوبي» إلى كيمان لا يكاد يذكرها أحد أو حتى يعرف عنها شيئاً. فسقوط الأندلس وبغداد مأساة تستدعي «قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل»، أما سقوط الدولة الفاطمية فاستحقاق طبيعي ربما يستدعي الاحتفاء والتمجيد!

العالم الإسلامي والتحاقب التاريخي

الذين درسوا التاريخ يعرفون جيداً أن ثمة ما يسمى بـ«التفسير الإجمالي الحضاري للتاريخ» (Macrohistory) أي دراسة تعاقب المراحل التاريخية وكيف أفضت مرحلة إلى أخرى أو بمصطلح أدق «التحاقب التاريخي».
الأيوبي صلاح الدين لم يكتفِ بالقضاء على البنية السياسية والعسكرية للفاطميين التي أقضت مضاجع الفرنج الصليبيين وأجبرت الروم البيزنطيين على التزام سلام دائم معهم، بل محا البنية الثقافية والحضارية لمصر والعالم الإسلامي عبر تدمير مكتبة الفاطميين التي ضمّت مليونين من الكتب، وهي كارثة تفوق أضعاف أضعاف كارثة مكتبة بغداد التي دمرها الغزو المغولي، ويكفيه هدم بعض أهرام الجيزة مستفيداً من أحجارها لبناء قلعة تحميه من غضب المصريين.
القضاء على الدولة الفاطمية كلفنا ما هو أسوأ، وهو سقوط مصر والعالم الإسلامي في قبضة العبيد المماليك الذين دامت دولتهم ستة قرون، اثنان منها خالصة لهم، وأربعة نيابة عن العثمانيين الذين قاموا بتسليمنا غنيمة باردة للغرب.
لم يكلف كثير من كتابنا ومفكرينا نفسه همّ دراسة هذا التحاقب المأساوي وكيف انتقلت مصر من حكم مرتزقة السلاجقة إلى حكم العبيد المماليك المجلوبين من شتى بقاع الأرض ومعهم آفاتهم الأخلاقية والذين وصفهم المقريزي في «الخطط» بأنهم «أزنى من قردة وألص من ذئب وأفسد من فأر».
الأيوبيون، إخوة صلاح الدين، وأحفاده، فشلوا في حكم مصر فتسلمها عبيده، أي المماليك البحرية (قطز وبيبرس وأيبك) فكان أن انتفض الأشراف ضدهم بقيادة الشريف فخر الدين ابن ثعلب وكان أن علقت لهم المشانق من بلبيس إلى القاهرة (قرابة مائة كيلومتر).
ولئلا يعتقد الأستاذ اللامي أننا نهذي فعليه أن يراجع مذكرات أحمد عرابي الذي تمثلت مصيبته الكبرى ومصيبة مصر عام 1882، أي بعد نهاية العصر الفاطمي بستة قرون في الضباط الجراكسة أحفاد المملوك خاير بيك الذي سلم مصر للعثمانيين.

صلاح الدين قاهر الصليبيين؟!

هكذا تعلمنا في المدرسة حتى في دروس اللغة الإنجليزية. قصة القدس تحتاج إلى شرح وتفصيل حيث تمكن الصليبيون وعبر علاقاتهم (الدبلوماسية) من تسلّم القدس من يد الأيوبيين الأبناء مرتين حتى أخرجوا منها نهائياً على يد الخوارزميين.
أما سائر بلاد الشام فلم يخرج الفرنج منها إلا في عصر الأشرف قلاوون وبقيت في أيديهم قرنين من الزمان بعد صلاح الدين.
السؤال اللغز الذي يحتاج إلى دراسة وتفصيل هو لغز الرسائل العلنية والسرية المتبادلة بين صلاح الدين وبابا الفاتيكان، وهو ما أغفلته المصادر العربية أو لم تحط به أصلاً، باعتبار أن هذا النوع من العلاقات والصفقات محكوم بالبقاء في الخفاء بعيداً عن عين المواطن العربي.

كانت مصر الفاطمية هي غاية الصليبيين وليس القدس كما يحدثنا الإعلام

في كتاب «العلاقات السياسية بين الدولة الأيوبية والإمبراطورية الرومانية المقدسة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب يكشف الكاتب عادل عبد الحفظ حمزة عن القشرة الخارجية لهذه العلاقة المريبة التي لا تختلف شيئاً عما يعلنه حكام زماننا المعاصر من صفقات يسمونها تاريخية.
يقول الكاتب «كان صلاح الدين حريصاً على أن يبلغ الإمبراطور فردريك الأول (1152- 1190م) إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة بمجريات الأمور في الشرق وأيضاً بمراسلات البابوية، فقد أرسل إليه برسالة منتصف أبريل 1182م /ذي الحجة 577هـ يقول فيها أنه أحسن استقبال المندوب البابوي ألبيركوس جانسيوم وأنه أكرمه وأعاده صحبة مندوبه أبو طاهر».
كانت البابوية ترسل المندوب برسالتين، واحدة خطية وأخرى شفوية يغلب عليها السرية حيث يقول صلاح الدين «ولقد استمعنا بعناية إلى كل ما قاله من قبلكم» (ص 83).
ويذكر صلاح الدين أنه أعجب بكل ما جاء في الرسالة البابوية وأنه تلقاها بشغف وروح طيبة كما يذكر له أن الصداقة وطيدة جداً، حيث يقول «تأكدنا من عظم الصداقة بيننا». يقول الكاتب: «كما أرسل مع المندوب البابوي رسالة شفوية غير مكتوبة وسرية للغاية» (ص 84).
ويلاحظ الكاتب أن المصادر العربية المعاصرة لصلاح الدين لم تذكر شيئاً عن هذه المراسلات في حين تذكره المصادر اللاتينية.
في شباط/ فبراير 1188م/ 584 هـ، أرسل الإمبراطور فريدريك الأول رسالة إلى صلاح الدين مع مبعوثه هنري دي ستيتيز من ألمانيا يخاطبه فيها بصفته سلطان المسلمين في الشرق، ثم يحذره من المساس ببيت المقدس ثم يذكره بالصلات الطيبة السابقة بينهما والرسائل التي جرى تبادلها بينهما قائلاً: «إن الخطابات التي أخلصت لنا فيها منذ وقت طويل بشأن المسائل الهامة والعظيمة الشأن بيننا والثقة التي كانت تحملها كلماتك إلينا قد اعتبرت وسيلة للاتصال بعظمتكم» (ص 136).
ويمضي فريدرك قائلاً: «إن صلاح الدين ليس له حق في القدس»، إذ يعتبره وصياً عليها أو مجرد حارس قائلاً: «التي توليت حكمها كأوصياء حراص لكل من يهودا والسامرة وفلسطين»، ولذا يعتبر فردريك نفسه المدافع عن هذه الأرض ويعطي تعويضاً عما خربه كما تقتضيه القوانين المقدسة، ثم يعطيه مهلة اثني عشر شهراً اعتباراً من تشرين الثاني/ نوفمبر 1188م كي يتمكن صلاح الدين من الاستجابة لهذه الطلبات وإن لم يستجب فسوف يهاجمه (وإلا هاجمناك في مصر لإحياء الصليب باسم يسوع).
ويذكره أن هذه الأرض أرض المسيح وأنه ــ صلاح ــ يعرف هذا تماماً «والتي تبررها كل الكتب القديمة»، ثم يذكر له أن كل المنطقة الشرقية ومصر كانت تابعة لهم «ولا تذكر أن كل من ثيوثيا Scythia وبارثيا Parthis حيث لقي جنرالنا ماركوس كراسوس الموت المفاجئ ومصر حيث كان أنطونيو وكليوباترا».
الذي نخلص إليه من قراءتنا لهذا الملف وبمعنى أدق لما توفر لدينا من معلومات حوله، أن مصر الفاطمية كانت هي الهدف والغاية الذي تكالب عليه كل هؤلاء وليس مجرد الاستيلاء على القدس كما يحدثنا إعلامنا السطحي الساذج والفج.
كانت مصر، احتلالاً أو تدميراً وإزاحتها من طريق التمدد الصليبي، هي الهدف والغاية، وهو ما نجح الصليبيون والمتحالفون معهم في تنفيذه، وما أشبه الليلة بالبارحة.
الرسائل السرية والخطط الحقيقية متوفرة لدى الغرب. أما نحن، فمنشغلون احتفالاً بصلاح الدين «محرر القدس» ومدمر الحضارة الإسلامية!
*ناشط وكاتب مصري

المصدر: صحيفة الأخبار اللبنانية




ما وراء العنف الديني والطائفي المستمر: حالة بعض قرى ومدن المنيا

بقلم: د. نبيل عبد الفتاح* —

ما الذي يحدث في قرى ومراكز محافظة المنيا من توترات وعنف ديني ذى محمول طائفي على نحو بات متكررًا منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي، منذ نشأة وتمدد الجماعة الإسلامية، وفرض أفكارها وأيديولوجيتها الدينية الوضعية بوصفها هي الإسلام وصحيحه من وجهة نظرهم، ثم تمدد الحركة السلفية في القرى، وتأثيرها على نمط التدين السائد في المحافظة، وتوظيف فوائض الغلو والتزمت القيمي والسلوكي والمحافظة الاجتماعية، وتوجيهه إزاء الآخر الديني، وتحويله إلى فزاعة تهديد للإيمان والإسلام، على الرغم من أن الحضور المسيحي التاريخي هو جزء من التعدد الديني والمذهبي التاريخي في بلادنا، ومكون رئيس في أنماط التدين الشعبي السائدة. أشكال متعددة من الحواجز النفسية والعقائدية والإدراكية يتم غرسها وسط الأطفال والشباب وكبار السن -أيًا كان انتماءاتهم الاجتماعية والتعليمية- للسيطرة الرمزية على جموع المسلمين كأتباع لبعض رجال الحركة السلفية، أو الجماعة الإسلامية، وتوظيفهم في الحشد والتعبئة ضد أخوتهم الأقباط، في القرية أو المدينة المريفة على نحو يجعل من التوتر الطائفي والعنف الديني أحد سمات الحياة اليومية في هذه القرى. لماذا التركيز على كراهية الآخر الديني والمذهبي في محافظة المنيا وبعض مدنها وقراها؟

إن استهداف كراهية المختلف دينيًا ومذهبيًا من الأخوة في الوطن الواحد هو أقرب إلى سياسة دينية سلفية -ومن الجماعة الإسلامية- ترمي إلى تحقيق عديد الأهداف يمكن رصد بعضها فيما يلي: 1- تحويل الآخر الديني والمذهبي إلى عدو، وشيطنته ترمي إلى إشاعة الخوف والخطر لدى المواطنين المسلمين إزاء الأقباط، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفرقة والخلاف والتمايز فيما بين بعضهم بعضًا، ومن ثم يسهل على رجال الدين السيطرة عليهم وتوجيههم وتعبئتهم وراء خطابهم وقياديهم الدينية، ومن ثم اتساع دوائر نفوذهم، ومكانتهم الاجتماعية داخل القرى والنجوع والمراكز والمحافظة.

2- التعبئة من وراء إشاعة الخوف من الآخر الديني، تؤدي إلى حل النزاعات اليومية بين المواطنين من مختلفي الديانة، على أساس قانون قوة الأكثرية في مواجهة الأقلية الدينية، ومن ثم استبعاد قانون الدولة من التطبيق على المخالفين لقواعده وأحكامه. من هنا يلجأ الغلاة من الطائفيين إلى تطبيق قواعد القانون العرفي الذي تطبقه المجالس العرفية والذي يميل إلى فرض عقوبات وتهجير للأقباط من منازلهم وقراهم، في عديد الأحيان. في بعض الواقعات النزاعية حول ري الأراضي أو الخلاف على حدود الملكية الزراعية، أو المشاجرات العادية حول الجوار، أو البيع والشراء، تفرض تعويضات. بعض الوقائع الجنائية التي يرتكبها بعض المواطنين المسلمين، يتم التعويض فيها صلحًا، حتى لا يقدم الجناة إلى جهات التحقيق والمحاكمات الجنائية! هذا النمط من مجالس الصلح العرفي، تشكل كيانات ضد سلطة الدولة، وفي مواجهة جهات التحقيق والقضاء أي سلطة موازية للسلطات المختصة دستوريًا وقانونيًا.

دائمًا الهدف من وراء ذلك هو محاولة احتواء التوترات الدينية والنزاعات الطائفية من التمدد والتفاقم. لا شك أن هذا الهدف الذي تحول إلى سياسة لدى بعض المحافظين، ورجال الإدارة والضبط، ساهم في تفاقم واستمرارية هذا النمط النزاعات الطائفية، لأنه يرمي إلى حلول آنية وليس محاولة مواجهة النزاعات الطائفية بالحسم من خلال قانون الدولة. بعض هؤلاء يلجأ إلى القواعد والمجالس العرفية، حتى لا ينسب إليه العجز أو الفشل في حل المشكلات، ومن ثم يتم استبعاده من موقعه أو تغييره على نحو يؤثر سلبًا على مستقبله المهني أو الوظيفي. شاهد أيضا مقتل 26 مدنيا بسبب العنف الديني بأفريقيا الوسطى هجوم مضاد للأزهر على النمنم: العنف الديني سببه غياب دور الثقافة العنف الديني والطائفي وأزمات دولة ما بعد الاستقلال بعض النزاعات الطائفية المستمرة منشئها مشكلات ترتبط بأماكن العبادة المسيحية، التي تعرضت دائمًا للهجوم عليها بالحرق أو الهدم من بعض الغلاة، وتحريض بعض رجال الدين المتزمتين للعوام بالهجوم على أماكن العبادة، وترويج بعضهم لأساطير حول ما يدور داخلها، من طقوس العبادة المسيحية، ووصفها بالكفر لمجرد مغايرتها للديانة والعقيدة الإسلامية، وهو أمر طبيعي أن تكون لكل ديانة ومذهب طقوسه الخاصة، وعقائده، لكن بعضهم يحاول تصويرها على أنها تعبيرات كفرية على الرغم من اعتراف الديانة الإسلامية بالمسيحية واليهودية، وارتكاز القيم الإسلامية العليا والفضلى على التسامح والمساواة والمحبة والسلام والصداقة والأخوة.

من الملاحظ أن بعض رجال الدين المتشددين ودعاة التحريض على العنف ضد الأقباط، لم يطالعوا الكتابات الفقهية الرصينة حول الحرية الدينية في الإسلام، من كبار الفقهاء من أمثال الشيوخ عبد المتعال الصعيدي، ومحمود شلتوت الإمام الأكبر وسواهم من كبار الأئمة، التي تعضد الاتجاهات المعاصرة في الحرية الدينية ومبدأ المواطنة في الدولة الحديثة بما فيها حرية التحول المذهبي والديني، لكن بعض هؤلاء سواء أطلعوا أم لا، لا يأبهون كثيرًا بصورة الإسلام الفضلى، بل يركزون على بناء مكانتهم ونفوذهم وسيطرتهم الرمزية والدينية على العوام، على أشلاء قيم التسامح والأخوة الوطنية والمواطنة، لأن بعضهم لا يعترف بشرعية قانون الدولة الوضعي، ويريد العودة إلى نظام الشريعة والأعراف، كي يستولوا على سلطة التشريع والقضاء، أو فرض آرائهم التأويلية البشرية على النصوص المقدسة والسّنوية.

إن ما يجري في المنيا وبعض قراها ومدنها هو صراع سياسي ذو وجه ديني بامتياز، صراع على السلطة بين سلطة المشايخ وبعض العائلات وسلطة الدولة الشرعية، بين سلطة الأعراف وبين سلطة القانون. إن محاولة بعضهم منع المواطنين الأقباط من الصلاة في بعض المنازل أو المباني، بدعوى عدم وجود ترخيص، هو تجاوز لمبادئ الحرية الدينية والحقوق المترتبة عليها قانونًا. الحرية الدينية هي أحد الحقوق الدستورية في التشريع الخاص ببناء دور العبادة، والحق في ممارسة الشعائر الدينية في حرية ودون حواجز أو قيود تؤدي إلى العصف بأصل الحق ذاته. وتحتاج من الجهات الإدارية المنوط بها تطبيق القانون أن تغلب هذا الحق، ولا تفرض قيودًا عليه تحت تأثير ضغوط رجال الدين وكبار العائلات والأهالي، لأن من حق المواطن القبطي أن يمارس شعائره الدينية في حرية دون قسر أو إرغام أو قيود تعوق ممارسته لشعائر ديانته ومذهبه.

إن ما يحدث في المنيا يحتاج إلى وقفة من الدولة حاسمة، وتطبق القانون على جميع المخاطبين بأحكامه، وضد المحرضين والمشاركين في أعمال التحريض على العنف الديني والطائفي، أو الحض على كراهية الآخر الديني، لأن صورة الدولة المصرية والإسلام والمسلمين تتأثر سلبيًا في المجتمع الدولي، وفي تقارير الجهات الدينية على المستوى العالمي، بكل تأثيرات ذلك على المساعدات والمعونات والقروض الدولية، بل وعلى مكانة بلادنا. كفى تساهلًا مع المحرضين على كراهية الآخر الديني والمذهبي، وعلى العنف ذو الوجوه الدينية والطائفية … كفى!

*كاتب وباحث مصري.

المصدر: موقع التحرير




العلمانية بين طلال أسد والإسلاميين

بقلم: خالد الدخيل — إذا كان السجال حول الدولة، مفهوماً وتجربة، وتحديداً حول العلمانية، لم يتوقف في الغرب منذ عقود طويلة، فمن الطبيعي أن يستمر هذا السجال في العالم العربي. وذلك لأن الدولة (أيضا تجربة ومفهوما كموضوع للعلمانية) كانت ولا تزال الأس الأول للمأزق الذي يمر به هذا العالم منذ ما قبل العصر الحديث إلى يومنا هذا. هناك فرق واضح بين الجدل هناك، والجدل هنا. في الغرب الحديث يتمحور الجدل في شأن العلمانية حول مسائل مثل الحقوق، والمواطنة، والعدل، ودرجة التمثيل، والقانون، والتعددية… الخ. في العالم العربي يتمحور الجدل في جله في شأن الموضوع نفسه أيضاً حول الحقوق والعدل والقانون، لكن من خلال علاقة كل ذلك بالشريعة الإسلامية ومقتضياتها. بعبارة أخرى، ينصب جل اهتمام هذا الجدل على إطار العلاقة بين حقوق الله وحقوق الإنسان (الطبيعية والسياسية وغيرها). وعلى أساس من هذه العلاقة نشأ وتشكل الخلاف حول العلمانية بين الإسلاميين بمختلف تياراتهم، وبين من يختلف معهم من غير الإسلاميين، أيضاً بمختلف تياراتهم وانتماءاتهم.
أستاذ الأنثروبولجيا طلال أسد من بين أهم الأصوات التي أخضعت النموذج العلماني الغربي لنقد أكاديمي دقيق في كتابه (تشكلات العلماني، أوFormations of the Secular). في نقده القوي لهذا النموذج يركز أسد على أعمال تشارلز تايلور، وهوزيه كازانوفا، باعتبارهما من بين أبرز من تناول العلمانية في الغرب. حيث يأخذ على نموذج العلمانية الذي يقدمانه في كتاباتهما أنه نموذج نظري لا يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الغربية، وبخاصة ما يتعلق منه بالعملية السياسية في هذه المجتمعات (من انتخابات وتشريع وصناعة قرارات داخل الحكومة، وتوزيع سلطات)، ودور التمايزات الدينية والإثنية والطبقية في تشكيل طبيعة وحقيقة هذه العملية. من ناحية ثانية يشير أسد إلى أن عودة تسييس الدين بقوة في المجتمعات الحديثة ينسف فرضية العلمانية كما يقدمها كازانوفا. وترتكز هذه الفرضية على ثلاثة عناصر: تطور الاختلافات البنيوية في المجتمعات الحديثة بما يؤدي إلى فصل الدين عن السياسة، وعن الاقتصاد والعلم… الخ. العنصر الثاني تعاظم خصوصية (فردية) الدين بحيث يبقى محصوراً في المجال الديني الخاص بالفرد، معزولاً عن المجال العام. وبالتالي، الثالث، تراجع الأهمية الاجتماعية للمعتقد الديني وما يفرضه من التزامات، ويتطلبه من مؤسسات. انفجار تسييس الدين في المجتمعات المعاصرة، كما يرى أسد لم يترك مكاناً لهذه العناصر في هذه المجتمعات.
هل معنى هذا أن العلمانية في العصر الحديث مجرد تصور لا وجود له على أرض الواقع؟ يسارع أسد إلى نفي ذلك. العلمانية موجودة وفاعلة، لكن وجودها (كمفهوم وكتجربة) لا يمكن أن يكون فاعلاً بمعزل عن الدين، كما يوحي بذلك نموذجها لدى تايلور وكازانوفا. بعبارة أخرى، التمايز البنيوي للمجتمعات الحديثة الذي فرض تمايز الاقتصاد عن السياسة، والتعليم عن الاجتماع، والسلطات التشريعية عن التنفيذية، إلى غير ذلك، ثم تمايز كل ذلك عن الدين، لا يعني أن الأخير لم يعد موجوداً في معادلة السلطة والسياسة، أو خارج التأثير في مجريات الأمور في كل تلك المجالات. هنا تبدو إضافة طلال أسد في الجدل حول هذه المسألة. فإذا تبين أن فرضية العلمنة لم تعد مقنعة تماماً كما كانت عليه من قبل، فإن هذا لا يعني أنها ليست صحيحة، بل يعود إلى تداخل مجالي الدين والسياسة أكثر مما كان يبدو في الظاهر.
ما يقوله أسد في هذه المسألة لا يتصادم تماماً مع فكرة العلمانية، وإنما هو محاولة لتصويب المفهوم، وجعله أكثر اتساعاً ورحابة مما هو عليه الآن. وما لم يشر إليه في نقده هنا هو التغير، إذا كان هناك من تغير، لمفهوم وفاعلية الدين في العصر الحديث اللتين تختلفان عما كان عليه هذا المفهوم وتلك الفاعلية في العصور قبل الحديثة. وإلا كيف استطاع الدين أن يفرض نفسه على العملية السياسية في المجتمعات الحديثة، رغم الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة، والتي لا يبدو أن لها سقفاً واضحاً حتى الآن. لا بد أنه فعل ذلك بالتأقلم، في شكل ما، مع متطلبات وحدود وقيم هذه المجتمعات وما جربته من ثورات فكرية وسياسية وعلمية.
مهما يكن، فإن الشاهد في أطروحة طلال أسد أنها لا تستند في نقدها لنموذج العلمانية إلى منطق ديني. على العكس من ذلك تماماً. فهي في العمق أطروحة علمانية بامتياز، تناقش المسألة من زاوية الحقوق والدستور والتمثيل السياسي وتأثرها بتباين الانتماءات الاجتماعية والدينية، وتوازنات القوة والمصلحة في إطارها الاجتماعي الأشمل. وهي أطروحة قد يبدو فيها شيء من مثالية واضحة. والرجل كعالم أنثروبولوجيا معروف بتعاطفه مع الأقليات، بخاصة العرب والمسلمين منهم في المجتمعات الغربية. وقد تناول موضوع هذه الأقليات في أحد فصول كتابه المذكور. ومن حيث أنه تعلم وعمل في الغرب، ووالده نمسوي، وأمه سعودية من مدينة حائل، يمكن القول أنه بتاريخه وتجربته يقف على حافة أكثر من ثقافة واحدة، وأكثر من من حضارة واحدة. الأمر الذي منحه ميزة النظر للموضوع من زاوية أقل ضيقاً، وأكثر موضوعية ورحابة من غيره. في الجانب الآخر، نجد أن موقف الإسلاميين، والعرب منهم بخاصة، من العلمانية يستند إلى منطق ديني تصادمي يرفض في شكل مسبق المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها المجتمعات الحديثة، بما في ذلك المجتمعات العربية، وما تسبب به ذلك من تغيرات على مفهوم الدين ودوره في هذه المجتمعات. فالغالبية على الأقل من هؤلاء تحرم العلمانية ابتداء من منطلق أنها تتعارض مع الدين الإسلامي، ومع ما هو معلوم من هذا الدين بالضرورة. هناك أمثلة كثيرة على هذا الموقف لا يتسع المقام لاستعراضها هنا. وسنتطرق إليها في مقالة أو مقالات قادمة. لكن، دونك ما قاله الدكتور محمد عمارة في كتابه «بين العلمانية والسلطة الدينية»، وهو أنه «لا مكان للعلمانية مع الإسلام، ولا حاجة للمسلمين إليها، إذا كانوا حقاً مسلمين يسترشدون بالإسلام» (ص 172).
كما ذكرت، موقف الإسلاميين يرد في حجم ضخم من الأدبيات حول الموضوع، وليس من العدل اختزاله في هذه المقالة. لكن أختم بسؤالين مهمين أمام هذا الموقف الذي لا بد من تفهمه بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه. السؤال الأول أن تحريم العلمانية يفترض بالضرورة أنها أيديولوجيا أو عقيدة تتناقض رأساً مع العقيدة الإسلامية. فهل العلمانية حقاً أيديولوجيا تبرر اتخاذ هذا الموقف منها؟ أم أنها شيء آخر؟ مبرر السؤال أن العلمانية مثلاً لا تتناقض مع الليبرالية ولا الماركسية أو الاشتراكية، ولا مع القومية. كل هذه التيارات بحمولاتها الأيديولوجية اتسعت للعلمانية. ما دلالة ذلك؟ السؤال الثاني الذي يتعلق بالتاريخ الإسلامي نفسه: هل كان في هذا التاريخ شكل من أشكال الفصل بين الدين والدولة، باعتبار أن هذا الفصل أحد أهم معالم العلمانية؟ هذان سؤالان مهمان يقتضي الأمر الفصل فيهما قبل الجزم بأن العلمانية تتعارض أو تتفق مع الإسلام. للحديث بقية.

* كاتب سعودي

المصدر: الحياة