الدين ولُعبة الأمم الغالبة

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — يحتل الدين مكانة مهمة في الحياة الإنسانية، ولا نستطيع أن نتخيل مجتمعاً بشرياً خالياً من أي دين، ولا يزال الدين من أهم القضايا التي تشغل البشر؛ سواء كانوا متدينين أم لا دينيين، يشغلهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. يشغلهم في كل المجالات حتى تلك التي تواطأت أفهام وممارسات فئات نافذة على إخراجه من بابها بقوة، وها هو يعود من النافذة، ويصبح أكثر حضوراً في المجال العام وفي العادات والطقوس الروحانية الخاصة والعامة، لكن الجديد في هذه العودة أنه يقاوم وينتشر في شكل جديد وغامض ومتداخل مع مصالح غاية في التعقيد، فإذا كان بعض المفكرين يعتبرون القرن التاسع عشر؛ هو قرن الشك والإلحاد (انظر: كتاب، عقائد المفكرين في القرن العشرين، عباس العقاد، طبعة دار المعارف ص25)، فإن القرن الحادي والعشرين ربما يكون خلاف ذلك، كأن يكون قرن العودة للدين وانبعاث المارد اللاهوتي من جديد. هذا الادعاء المستقبلي ليس علمياً بشكل نستطيع البرهنة عليه بشكل مؤكد، ولكن هناك مؤشرات كثيرة تدل عليه، أبرزها في عصرنا الحاضر؛ تعالي الأصوات الغربية في نقد العلمانية لمصلحة الديّانية، وعودة القوميات باعتباراتها الماضوية، والتي غالباً تنبعث هوياتها وفق سياقات دينية مستقلة، كما أن الحداثة كمشاريع علمية وتنموية أصبحت في يد دول استعمارية ساهمت هيمنتها الاستغلالية في إقناع الشعوب-كرد فعل- بالعودة نحو الديني.

ويمكن أن أعود الى دراسة معهد غالوب حول «توجهات التدين عبر العالم»، والتي صدرت نهاية شهر آب(أغسطس) 2010م، وخلصت الى نتيجة مفادها أن «الدين ما زال يلعب دوراً مهماً في حياة العديد من الناس، الذين يعيشون في العالم. وأن النسبة المتوسطة العالمية للبالغين الذين قالوا إن الدين جزء أساسي في حياتهم اليومية بلغ 84 في المئة، وفي عشر دول ومناطق على الأقل هناك 98 في المئة قالوا إن الدين أساسي في حياتهم اليومية». وقد شملت الدراسة التي أنجزت خلال سنة 2009م، 114 دولة عبر العالم.

هذه المقدمة هي لأجل محاولة فهم عدد من التساؤلات التي يجب أن نطرحها في عالمنا العربي المغيّب عن ذلك الحراك القوي والجدل العميق حول علاقة الدين بالعلمانية ونتائجه التي لن يسلم منها أحد من العالم، ففي الوقت الذي يتنامى فيه الخطاب العلماني؛ خصوصاً بعد ما سمي بالربيع العربي، تشهد العلمانية خريفها في مواطنها الأولى التي تألقت فيها وتسامت كأنموذج عالمي للاقتداء، ومع تنامي المشروع العلماني في دولنا العربية في مقابل تنامي العودة للدين أيضاً، تثور مجموعة من التساؤلات أسوقها في النقاط التالية:

أولاً: كيف لنا أن نلحظ أمرين متغايرين ينموان بازدياد في بيئة واحدة، وأصل البقاء فيهما يعتمد على إلغاء الآخر، وكيف نجمع بين تنامي الدين في العالم ومنه المجتمعات العربية، وبين ازدياد وتيرة العودة للعلمانية في الوقت ذاته؟ ولمحاولة تفسير هذا الأمر أضع احتمالين لهذا الاتساق المتباين: أحدهما: أن في عالمنا العربي يضعف الانسجام بين مكونات الشعب ومؤسسات الدولة، والفاصل بينهما ليس اجتماعياً وسياسياً فحسب؛ بل حتى في مجال التفكير وردود الفعل حيال التحديات والتهديدات، فلا نستغرب أن يكون الشارع العربي يعود للديني كمجال يجد فيه حلولاً لمشكلاته واحتياجاته، بينما تزداد حاجات مؤسسات الدولة لتبني العلمانية وتنزيلها بـ(الباراشوت) داخل دوائرها الرسمية، مُغفلةً بشكل واضح مجالها الديني والاجتماعي. التفسير الثاني: وهو متعلق بشأنٍ فلسفي وسياسي عام؛ فقد بات من المؤكد أن هناك إجماعاً داخل مدارس الفكر المابعد علماني ذي التوجه الفلسفي؛ على أن الدين والعلمانية ينبثق بعضهما من بعض ويعتمد بعضهما على بعض. هكذا، يحاججون على أن هاتين العمليتين متلازمتان، إذ إن الدين كما تطور في الغرب كان دائماً حاضراً في جميع الظواهر العلمانية، حتى عندما يبدو غائباً؛ كانت العلمانية بدورها تكمّل على نحو سري البرنامج الديني. (انظر: كتاب العلمانية وصناعة الدين، تحرير ماركوس درسلر وأرفيند مانداير، طبعة الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2017م، ص 13)، وقد أظهرت بعض الأحداث الماضية سقوط أقنعة بعض السياسيين الغربيين ليظهر خلفها قساوسة متعصبون، (نتائج الانتخابات في ألمانيا وفرنسا العام الماضي، الموقف من أزمة المهاجرين السوريين، العناد في قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، الحجاب… وغيرها من أمثلة)، هذا السقوط لا يعني انهياراً أخلاقياً بقدر ما يُظهر الحقيقة بوضوح، ويفسّر المواقف بشكل جلي، ويعطي شكلاً آخر من التناغم العلماني مع الديني. وأظن أن تشارلز تايلور الفيلسوف الكندي تحدث بوضوح عن هذا النمط التعايشي بين الديني والعلماني في كتابه المثير للجدل «العصر العلماني»، كما سبقه الفيلسوف الألماني هابرماس بأهمية توطين الدين (المعقلن) ليكون فاعلاً في المجال العام من دون سيطرة لاهوتية، وذلك في مداخلته التي نشرت في كتاب «قوة الدين في المجال العام». في المقابل، هناك أطروحة جزئية نسف فيها الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن أي علاقة مصلحية وتعايشية ممكن أن تثمر بين السياسي والديني بعيداً من البُعد الائتماني التزكوي في كتابه «روح الدين». هذه الأطروحات على رغم عمقها التفسيري للعلاقة الجدلية بين الديني والعلماني؛ إلا أن تطورات الواقع المتغير والمشهد الديني والسياسي في العالم بمعطياته التواصلية والتقنية قد تسبق هذه الأطروحات نحو جديد؛ الله أعلم بشكله القادم!

ثانياً: يثور تساؤل في منطقتنا العربية من حين الى آخر؛ عن جدوى الاهتمام بالخلافات الفلسفية والجدل الفكري الذي يحصل في الغرب (أميركا و أوروبا)، ومن ذلك النقاش المثير حول علاقة الديني بالسياسي، فما يعنيهم قد لا يعنينا ومشكلاتهم تختلف جوهراً وشكلاً عن مشكلاتنا، وهذا التساؤل مع جديّته، يحتاج إلى توضيح أمرين: أحدهما أن الغرب منذ نهاية القرن التاسع عشر لم يعد تلك القارة الجغرافية المنكفئة على نفسها؛ بل أصبح بشكل مذهل وبنجاح باهر؛ مركز العالم وما عداه هوامش، وأصبح أيضاً الفاعل المهيمن وما عداه مجرد أدواتٍ تنفّذ؛ أشبه بما يقوم به اللاعبون أمام رقعة الشطرنج، هذه السيطرة لا أقصد بها انتصارات الغرب الاستعمارية وهيمنته على المال والأسواق فحسب؛ بل قصدت ما هو أبعد من ذلك، وهو القدرة على إعادة صناعة الأفكار والمعارف وحتى الدين!، تحققت هذه المرجعية الغربية للعالم من خلال عوامل كثيرة، أهمها من وجهة نظري؛ ما حصل من تفوق فكري قام بالمزاوجة بين مكونات أفرزتها التطورات السياسية والدينية في أوروبا والمتمثلة في المسيحية كدين، والحداثة كنهضة صناعية وعلمية، وقومية متعالية ومتوارثة من زمن الرومان، فانصبت أهم المشاريع الفكرية بدءًا بكانط وهيوم وهيغل، ثم ماكس فيبر، بإيجاد أنموذج معرفي لا يزيح الدين ولا يبتذل العقل، ويحقق طموح السياسيين في التوسع بعدما ظهر عصر الكشوفات الجغرافية، فلو أخذنا على سبيل المثل إسهامات هيغل في محاضراته وكتبه التي قامت بمزج المسيحية والحداثة والقومية بشكل ساعد في خلق منهجية فكرية فلسفية حققت بعد ذلك أنموذج أوروبا للتفوق، جاءت هذه الفلسفة ضمن السياق النقدي للتاريخ، ومن خلال مقارنة المسيحية بالأديان والثقافات الشرقية الأخرى التي تفتقد–بزعمه- للتاريخ، مع محاولة إضفاء معايير معرفية تثبت التفوق المسيحي بين تلك الأديان، كما ظهرت ميزات أخرى لأطروحات هيغل في صياغة نظرية عقلانية دينية تثبت وجود الله وتدمج الدين في الحياة وفق رؤية كونية مقارنة، استكمل مراحلها الأخرى عدد من المستشرقين والمفكرين والمترجمين الذين أدخلوا الثقافات الأخرى المنعدمة وجودياً في الثقافة الغربية، وجعلوا منها درساً قائماً وموجوداً، ولكنه حضور ناقص لا تتعزز جدواه إلا من خلال علاقة بذاك الأوروبي المتفوق برهاناً وحداثة، فتنامت العلمانية الغربية وانتشرت عالمياً عندما أصبحت معياراً للمقارنة بينها وبين ديانات وثقافات أخرى. يفسّر هايدغر هذه الحالة المتفوقة للغرب في مقالته» عصر تصورات العالم» عندما أشار إلى أن هذا الشكل الحديث المميز من التفكير أدى تدريجياً إلى ولادة الغرب باعتباره نظاماً فكرياً ذا مرجعية ذاتية، ومن ثمّ يعمم على الكون موقفه وخطابه ويدّعي أن له معرفة موضوعية بالمجتمعات والثقافات البشرية على غرار العلوم الطبيعية. (انظر: النقل من كتاب العلمانية وصناعة الدين ص18 وما بعدها)، ومن هنا نفهم السبب الذي جعل العالم يعتمد على الغرب في مقارناته معرفياً وقيمياً، صحةً وخطأ، ويشعر باحتياجه وتقازمه الدائم تجاه هذا الأنموذج المتعالي، والفكر الغربي لا يظهر أنه مستفزٌ بشكل علني لغيره من الثقافات والمجتمعات؛ بقدر ما لديه الإغراء اللازم للركض خلفه، فتجدده وقيامه بالتطوير والإصلاح وتقديم الحلول ومعالجة المشكلات المتنوعة تمنحه هذه المركزية الطوعية، ولو احتاج الى تثبيت هذا التفوق بالتصنّع والتزييف فعل ذلك من دون أدنى تردد.

ثالثاً: بناء على ما سبق؛ فإن المخيال الغربي الذي تنامت هيمنته منذ قرون واعتاد على هذا التفوق المعنوي والمادي، ماذا سيفعل وهو عرّاب العلمانية أمام نزعة العالم نحو الدين؛ خصوصاً في مجتمعاتنا العربية، وما هي خططه الجديدة لإبقاء هذا التفوق؟ هذا الفعل المتوقع من الغرب لحلّ هذا الإشكال؛ هو الذي أنتج سيلاً من الدراسات والأطروحات التي تتناول الموقف الغربي العلماني من الدين، وأوجد أطروحة أخرى مثيرة للنقاش؛ تقتضي تمييع صلابة الدين إلى ما بعد الدين، وتمييع مفاهيم العلمانية إلى ما بعد العلمانية، وذلك من خلال «صناعة الدين» وعدم انتظار المجتمعات لتختار عودتها للدين كيفما تشاء.

هذا الخيار الخطير ليس صعباً على مؤسسات متنفذة؛ أكاديمية وإعلامية متمرسة جداً للقيام بذلك، ولكن تكمن الخطورة في التأخر عن إيجاد البدائل المناسبة لاحتياجات المجتمعات، ما يسمح بخروج بدائل فاتنة ومريعة في آنٍ واحد، مثل حالات التطرف التي خرجت مع القاعدة بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001م، وتنامي الإسلام السياسي بعد الربيع العربي 2011م، والحل الذي غالباً ما نرى بواعثه ومقدماته في عالمنا العربي هو صناعة دين يحقق الحاجات الروحانية ويحافظ على المتطلبات العلمانية. يضع الباحثان درسلر ومانداير تصوراً حول أهم المستويات أو الخطابات التي تسعى الى بناء صناعة للدين، تحقق هذا التزاوج بين ما بعد الدين وما بعد العلمانية، من خلال التصورات التالية:

أولاً: صناعة الدين من أعلى، أي بوصفها استراتيجية من موقع السلطة، بحيث تحدد السلطة نمط التدين، وما يقبل ويُرد من رمزيات وخطابات وممارسات تمثل الدين، مع سيطرة على نوع الخطاب الديني الإعلامي الذي يوجّه للجمهور، وغالباً ما يُحمى هذا النمط الديني الجديد بأنظمة وتشريعات تضمن له البقاء بقوة القانون والسلطة. ثانياً: صناعة الدين من أسفل، وذلك بإيجاد مؤسسات مجتمعية أو خطابات فردية غير مؤطرة على السلطة، بتقديم خطاب تديني يعيد تشكيل هوية الدين في ضمن قوالب علمانية مختارة. وحاول عدد من الدراسات تهميش فكرة الدولة المتدينة بوصفها بالمستحيلة والتي يتكئ على دعواها الإسلام السياسي (كتاب وائل حلاق «الدولة المستحيلة» على سبيل المثل؛ مع أنه هدم فكرة الدولة بنموذجها التاريخي وتطبيقاته الواقعية من دون إغلاق الباب للبديل)، كما برزت أفكار التسامح التي تحذر من عودة الحروب الدينية وترى أن خيار البقاء في ظل السلم المدني يكمن في اختيار العلمانية ضرورة للأمن والاستقرار.

ثالثاً: صناعة الدين من الخارج، وقد تظهر في أشكال متعددة، كالدراسات العلمية المترجمة، التي ساهم بعضها وبشكل كبير منذ أكثر من قرن في صياغة ديانات معلمنة كثيرة، في بعضها تجني أكاديمي مقصود ومسيّس، ودراسة راند في 2003م حول الإسلام المعتدل أنموذج لهذه الصناعة، ما حمل أحد عرّابي هذا التوجه وهو دانيال بايبس على القول بأن: «هذه المرحلة الرهيبة من تاريخ المسلمين ستنتهي فقط عندما يتحولون إلى العلمانية»، متناسين الأسباب الكثيرة التي انتجت تطرف ما بعد 11 سبتمبر و «داعش» وغيرهما، وغالباً ما تكون هذه الصناعة الخارجية للدين متوافقة مع أرباب صناعة الدين من أعلى. (انظر: العلمانية وصناعة الدين، ص 40-47) هذه الفكرة الصناعية للدين توافرت لها اليوم أسباب أخرى فاعلة؛ لا تنتجها من العدم؛ لكنها تقوم بذكاء عظيم في نشرها ودعمها بشكل ذاتي، من خلال ثورة الشبكية وتحطم الحدود والحوارات المرنة في مواقع التواصل الاجتماعي بالذات.

ختاماً، لن أفعل كما اعتدت في نهاية مقالاتي بوضع الفكرة والخلاصة لنتيجة ما سبق عرضه من أفكار؛ بل سيبقى المقال مفتوحاً وأفكاره غير منتهية أمام هذه الظاهرة العالمية حيث يقوم الغرب العلماني بصناعة أديان جديدة، تلبي احتياجاته التوسعية أولاً، وتفصّل مقاسات مناسبة لما يجب أن يرتديه العالم من أثواب؛ على رغم حرصه على أن نبقى أمامه عُراة!

المصدر: الحياة




محو العصبيّة قبل محو الأمّية

د. رفيف رضا صيداوي* — إنّ محو العصبيّة في مجتمعاتنا العربيّة يأتي كضرورة قبل محو الأمّيّة، إذ ماذا ينفع أن يكون المجتمع متعلّماً في حين أنّ سلوكه الحياتيّ متخلّف ورجعيّ؟ سؤال طرحه الباحث اللّبنانيّ فردريك معتوق في كتابه “صدام العصبيّات العربيّة”، الصادر حديثاً عن منتدى المعارف في بيروت، من ضمن سلسلة اجتماعيّات عربيّة.

حاز مفهوم العصبيّة – ولا يزال– على اهتمام المفكّرين والباحثين العرب والأجانب، ذلك أنّ العصبيّة شكّلت الرابطة الأولى التي عاضدت الكائن البشريّ منذ ظهوره على الأرض، بوصفها رابطة دمّ تَجمع أهل العَصَبَة الواحدة، وتشكِّل ظاهرة إنسانية كَونيّة، تدخل في صُلْبِ اهتمام العلوم الإنسانيّة المُعاصرة. وإذ اشتهر ابن خلدون بمُقارَبة مسألة العصبيّة في المجتمع القبليّ الإسلاميّ مقاربةً ديالكتيكيّة جدليّة بعبارات اليوم، مُحدِثاً بذلك ثورة منهجيّة في النّظرة إلى التاريخ، وممثِّلاً أيضاً على حدّ تعبير المفكّر علي أومليل، “أكثر من غيره العنصر العصريّ في الثقافة التقليدية”(الخطاب التاريخي دراسة لمنهجية ابن خلدون، 2008)، فذلك أنّه جعل التاريخ “خبراً عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالَم”- أي تاريخ هذا العمران نفسه– والذي يقضي من جهة، بوجود وازع يدفع البشر بعضَهم عن بعض، “فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهِم الغَلَبةُ والسلطانُ واليدُ القاهرةُ؛ حتى لا يصلَ أحدٌ إلى غيره بعدوانٍ؛ وهذا هو معنى المُلك” (“في العمران البشري على الجملة”، الباب الأوّل من الكِتاب الأوّل من المقدّمة)؛ كما يقضي هذا العمران أو اجتماع البشر من جهة ثانية، بوجود العصبيّة، لأنّ الوجودَ وحياةَ البشر قد تَتِمُّ “بما يَفرِضُهُ الحاكِمُ لنفسه، أو بالعصبيّةِ التي يقتدرُ بها على قَهْرِهِم وحَمْلِهِم على جادَّته” (المرجع السابق نفسه). فالمُلك والعصبيّة، والتغلّب والدولة، “مفاهيم” مترابطة من ضمن نظريّة ابن خلدون في العمران وقوانينه، بحيث يحصل المُلك بالتغلّب، ولا يقوم هذا المُلك والدولة إلّا “بالقَبيل والعصبيّة” و”التعصّب للنسب” (لأنّ العصبيّة إنّما تكون بالالتحام بالنسب) و”الشرف” و”الدّين”( راجع مقدّمة ابن خلدون، الفصل 13 من الباب الثاني من الكتاب الأوّل: “في أنّ البيت والشرف بالأصالة والحقيقة لأهل العصبيّة ويكون لغيرهم بالمجاز والشبه”).

ما يعني أنّ ثورة ابن خلدون المعرفيّة والمنهجيّة في دراسة التاريخ أفضت إلى أن يصبح العمران البشريّ هو الموضوع الجديد لعِلم التاريخ، على “أساس واقعة اجتماعية، كانت طاغية ملموسة في عصره، واقعة الرابطة العصبيّة” (محمّد عابد الجابري، العصبيّة والدولة).

هكذا، استند فردريك معتوق في كِتابه الجديد إلى مفهوم العصبيّة الخلدوني، ليس من منطلق إعادة قراءة هذا الفيلسوف بعَين الحاضر، وما يستتبع ذلك من إسقاطٍ للماضي على الحاضر، بل للتأسيس على جدليّة الصراع العصبيّ الخلدونيّة كقوّة محرّكة للأحداث والتاريخ، من دون أن تكون العصبيّة تلك عند معتوق ذات بُعد قبليّ أو بدويّ، لكونها من منظوره السوسيو– معرفي “بنية من آليّات التفكير والتخطيط والسلوك، لا مجرّد حالة تاريخيّة مضى عليها الزمن فتخطّاها المدلول”، ولكون العصبيّة أيضاً مفهوماً “تركيبيّاً” و”ذهنيّاً” قابلاً “لإخضاع نفسه لعمليّات إعادة هيكلة بحسب الحاجة الموضوعيّة للجماعة التي تعتمده”، فضلاً عن تمتّعه “بمرونةResilience بنيويّة، بقائيّة(…) تسمح له، بل تفرض عليه، التآلف الدائم مع كلّ جديد”. فلو كان معتوق قد ماثل أو طابق مُماثَلةً أو مُطابقةً ميكانيكيةً بين الماضي والحاضر بالاستناد إلى جدليّة العصبيّة عند ابن خلدون فحسب، لما كان التقط التواصل القائم بين البنية المعرفية في القرن الرابع عشر الميلادي وتلك القائمة اليوم. حيث إنّ العصبيّة ببُعدها القبلي لدى ابن خلدون مُعزَّزة بالبداوة، ووجود البدو” متقدّم على وجود المُدن والأمصار وأصلٌ لها، بما أنّ وجود المُدن والأمصار من عوائدِ الترفِ والدَعَةِ، وحيث إنّ عمر الدولة مشروط بقوّة العصبيّة: لا يعدو عمر الدول في الغالب الأجيال الثلاثة على حدّ تعبير ابن خلدون، يكون الجيل الأوّل فيها على خلق البداوة وخشونتها وتوحّشها… فيما يتحوّل الجيل الثاني من البداوة إلى الحضارة ومن الشَظف إلى الترف… فتتكسر سَورة العصبيّة بعض الشيء.. أمّا الجيل الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة ويفقد حلاوة العزّ والعصبيّة… ويبلغ الترف غاياته… وتسقط العصبيّة بالجملة (المقدّمة، الفصل 14 من الباب الثالث من الكتاب الأوّل: “في أنّ الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص”). في حين أنّ مجتمعاتنا اليوم بلغت شوطاً في الحضارة تبطل معه نظريّة العصبيّة الخلدونيّة المحرّكة للتاريخ. لكنّ مقاربة العصبيّة كمنظومة فكريّة حيّة ومتحرّكة، سمحت لمعتوق باختبارها سوسيولوجيّاً، والنفاذ إلى جوهرها مُماثِلاً بين رجال العصبيّة في البنى القبليّة التقليدية ورجالات اليوم وهُم: أصحاب الشوكة في العشائر، أصحاب الكلمة في العائلات السياسية، رؤساء الأحزاب الطائفية، أرباب الطوائف الدينية ورموزها، لكونهم كلّهم أصحاب قرار في بيئاتهم.

لبنان كحقل اختبارٍ سوسيولوجيّ

بعد قيامه بتأصيل مفهوم العصبيّة إبيستمولوجياً والكشف عن موقعه في تاريخ البنية المعرفية البشرية، درس معتوق العصبيّة سوسيولوجيّاً، كاشفاً وموضِحاً أبعادها في الثقافة العربية الماضية والحاضرة، فضلاً عن ديمومتها في الواقع الاجتماعي اللّبناني والعربي العامّ ومقاومتها للتغيير الفكري والثقافي، مرتكزاً بذلك على تجلّياتها الميدانية في الفضاء العربيّ بعامّة واللّبناني بخاصّة الذي شكّل حقل اختبار عبر بحثَين سوسيولوجيَّين قاما في مدينة طرابلس، أحدهما للباحث الفرنسي ميشال سورا، وُضع في منصف ثمانينيّات القرن الماضي، والثاني للمؤلّف نفسه أي فردريك معتوق، أُنجز سنة 2016. وما نجاحه في الذهاب هذا المذهب إلّا لكونه درس العصبيّة كتعبيرٍ عن حالة اجتماعيّة زمنية متحوّلة وليس انطلاقاً من كونها مفهوماً ساكناً. وهو ما أتاح له رصد تغيّر العصبيّة زمنيّاً بفعل التطوّر الاجتماعي الذي طاول مرتكزاتها، وما نتج عن ذلك من إخفاقٍ في التغلّب على “الهابيتوس” العصبي الكامن في المجتمعات العربية كافّة، وفي مختلف نخبها المُفترض أنّها نخبٌ غير تقليدية، مثل القوى والأحزاب الاشتراكية والشيوعية والقومية والتقدّمية…إلخ.

يستند معتوق إلى ما بيّنه ابن خلدون في “أنّ استدراج العقيدة الدينية إلى حلبة الصراع السياسي جاء نفعيّاً وعصبيّاً على حدّ سواء، حيث كانت تتعامل القبائل مع المسألة الدينيّة كمتغيّرٍ تابعٍ لقرارها لا كمتغيّرٍ مستقلّ”. أمّا في مجتمعاتنا المُعاصرة، فقد “تحضَّرت العَصَبَةُ وتَعصْرَنت، وبات مظهرها العصبيّ الحالي يكاد لا يوحي بوجودها. غير أنّ تمويه العصبيّات جعلها أكثر استبطاناً لجوهرها وأكثر مكراً في تعاملها مع الآخر، حيث تحاول أن تخفي انتماءها العضوي الدفين؛ خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالأحزاب السياسية الطائفية التي يحاول قادتها ومسؤولوها رفع سقف الكلام “الديمقراطي” و”التقدّمي، تمويهاً لخيارهم العصبي الجوهري.

ولئن كان دَور العصبيّة يتمحور “حول بناء هويّتها الخاصّة والمستقلّة كما في المحافظة عليها نقيّة وصافية وسرمديّة”، فإنّ وظيفتها الأولى هي صناعة العدوّ لأنّ هذه الصناعة هي التي تعزّز هذا الدَّور بشكلٍ رئيس. وقد بيّنت المقابلات الميدانيّة في بحث فردريك معتوق، السابق ذكره والعائد إلى العام 2016، كيف نجحت العصبيّة في لبنان في إنجاز دَورِها هذا عبر: تعزيز انطواء الجماعة على نفسها، منع تبلّر المُعارضات الداخلية، تشييد جنّة العصبيّة، عسْكَرة تفكير أهل العصبة. ولئن برزت تجلّيات هذا الدور من خلال البحثَين السوسيولوجيَّين الميدانيّين، فلأنّ هذه التجلّيات أظهرتها طرائق تفكير الجماعات الطائفيّة في لبنان، التي تدعمها أو تغذّيها العصبيّة الخلدونيّة المستندة إلى ثلاثيّة الوظيفة الخلدونيّة، أي “النعرة، والتذامر، والاستماتة”؛ فداعش مثلاً في الحالة العربيّة هي أقصى ما يمكن أن تبلغه عصبيّة لكونها صاحبة مشروع سياسي يقوم على نظرية دينية ومذهبية، وقد استولت على السلطة بالغُلب، و بالاستناد إلى النعرة (المذهبيّة) والتّذامر (الدينيّ) والاستماتة (العسكريّة).

ففي مُعادلة الغُلب المتحرّكة لابن خلدون، بإمكان العصبيّة، كرابطة رحم ودم، “أن تحوِّل هذه الرابطة إلى رابطة دم ودين عندما ترى مصلحة سياسية لها في الأمر. كما بإمكانها خلع هذه الصيغة عنها عندما تشاء” لأنّ العصبيّة لا تتوقّف عن اعتبار نفسها هي الأصل وهي صاحبة القرار. هذا مع ضرورة الإشارة إلى أنّ النسب عند ابن خلدون– على حدّ تعبير الجابري في كتابه المذكور آنفاً (أي كِتاب العصبيّة والدولة) “لا يعني ضرورةً القرابةَ الدمويّة، بل إنّه فقط العلامة المميّزة للجماعة (…) أمّا العصبيّة، التي يقول عنها إنّها ثمرة النسب، فهي في الحقيقة ثمرة الانتساب إلى عصبة معيّنة تتميّز عن غيرها من العصبات، بتلك العلامة المميّزة: النسب، ومن هنا كان تعصّب الفرد لعَصَبَتِهِ إنّما يرجع إلى الأُلْفَة وطول المعاشرة وما ينتج عن ذلك من تشبّعه بعاداتها وتقاليدها، وبالروح الجمعيّة السائدة فيها، ومن ارتباط مصلحته بمصلحتها ووجوده بوجودها”.

العصبيّة في لبنان تقوم في الوقت الراهن على انتماء ديني ومذهبي، والعصبيّة المذهبيّة هذه أشدّ قوّة وتجذّراً من العصبيّة الدينية لكونها تستفيد من روابط الدمّ والدّين والمذهب، فيما تستفيد العصبيّة الدينيّة من الرابطَين الأوّلَين فقط (أي الدمّ والدّين). وبموازاة دولة المُلك الخلدونيّة الناتجة عن تغلّب عصبيّة على أخرى وبلوغها السلطة، “فيما تلك التي هي خارج الحُكم تنتظر اللّحظة المُناسبة للحلول مكانها”، فإنّ دولة العصبيّة المُعاصرة والرّاهنة في الشرق الأوسط والعالَم العربيّ تقوم على مكوّنات عصبيّة يكون العقد الاجتماعي فيها محكوماً بقانون الغُلب العصبيّ، أو بمُعادَلة اللّاغالب والّلامغلوب، ما يشكّل تهديداً دائماً للدولة.

خلاصة الأمر إنّ العصبيّة لا زالت حيّةً وكامنةً في مجتمعاتِنا، لا بل إنّها تعيق كلّ عمليّة تغيير فكري وثقافي حقيقيّ، وإنّ دراسة فردريك معتوق لم تعمل على تقصّي تلك العصبيّة ومعالِمها وطبيعتِها فحسب، بل أشارت إلى “تمدُّدِها الجذموريّ” Rhizomatic في مناحي الحياة السياسية والاجتماعية كلّها، من تقليديّة أو مُستحدَثة؛ حيث يحيل مصطلح “جذموريّ” إلى نموذجٍ وصفيّ وإبستيمولوجيّ في الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة، لا يخضع تنظيم العناصر فيه لأيّ تراتبيّة أو لتبعيّة أيّ عنصر للآخر، بل تتمدّد العناصر جذموريّاً مثل الأعشاب وباتّجاهات متعدّدة وتنبت بنفسها من دون حاجة إلى يد تنقلها. ومن هنا دعوة المؤلّف إلى محو العصبيّة قبل محو الأمّية كبنْدٍ أساس من بنود تشكيل “أنموذج إرشاديّ جديد”.

المصدر: مؤسّسة الفكر العربيّ




لاهوت ما بعد الحداثة … الإيمان حالة وجودية

صلاح سالم — على عكس اللاهوت الذي غالباً ما يمانع التطورات الكبرى في العلوم الطبيعية وهو أمر قد لا يحتاج إلى تدليل تاريخي، إذ تكفي الإشارة هنا إلى الصراع حول نظريتي مركزية الأرض، والتطور، وإلى رجال من قبيل برونو وكبلر وغاليلي، فإن الفلسفة غالباً ما استجابت لعلوم العصر المواكب إياها، تكيفت معها وتأثرت بها في سلاسة واضحة، يمكن تبريرها بحقيقة أنها، على رغم كونها تقدم أنساقاً كلية للحقيقة، فإنها في النهاية أنساق عقلية/ إنسانية، تتمتع بالكلية والشمول ولكنها تفتقد إلى القداسة، وهو ما يسهل من انفتاحها على كل دوائر الفعل الإنساني والإبداع العقلي، كالعلم الحديث وتحولاته.

في هذا السياق، طاوعت الفلسفة الحديثة فيزياء نيوتن الإستاتيكية، فالأخيرة قدمت للكون أو عنه صورة تتسم بالوثوقية، حيث الكون ثابت الأبعاد تقريباً، يتحرك بانتظام ورتابة دائماً، وهو في سكونه وحركته قابل للفهم غالباً، أو مطلقاً. أما الأولى فقدمت للعقل أنساقاً كلية لها طابع الشمول، وأشبعت في الإنسان نزوعه الخفي إلى اليقين. ولعل هاتين الصفتين الأساسيتين، الكلية والشمول- وتلك الغاية- اليقين، كانت من الشيوع في فلسفات الحداثة إلى درجة لا تحتاج إلى تدليل، على رغم التناقضات العديدة بينها، ما بين إيمانية وإلحادية، مادية ومثالية، تحررية واستبدادية، ليبرالية ويسارية، وهكذا.

في مطلع القرن العشرين، أخذ نموذج قياسي جديد في العلم يفرض هيمنته، في القلب منه كانت فيزياء أينشتين النسبية، التي سبقتها وتلتها مباشرة نظريات جرت مجراها، ساهمت في تقديم صورة جديدة للكون تتميز بالديناميكية واللايقين، فالقدرة على القياس الدقيق لحركة الأجرام في الفضاء صارت غير ممكنة، وبالدقة نفسها. وقد دعم الألماني فيرنر هيزنبرغ ذلك المسار الذي خطه آينشتين في قلب العالم الكبير «الكون»، ومبدأه الأثير عن اللايقين أو اللاتحدد في العالم الصغير «الذرة»، بتأكيده أن سرعة الإلكترون الفائقة تحول دون القياس الدقيق لمكانه في الآن نفسه. وذلك بعد أن كان ماكس بلانك قد نقل المعركة إلى الضوء، مؤكداً أن طبيعته ليست جسمية كما كان يُعتقد، ولا موجية كما صار يُعتقد بعد ذلك بل هي طبيعة مزدوجة، جسمية وموجية، تتحكم في تحولاتها ملابسات خارجة عنها، تأتي على رأسها السرعة. وفي مقابل هذا التحول في قلب الفيزياء، أي الفهم الإنساني للكون، أخذت الفلسفة المعاصرة، بانتصاف القرن العشرين، تقدم صورة أقل وثوقية وأكثر نسبية لـمفهوم «الحقيقة». ففي مقابل مفهوم الاحتمال العلمي، ساد مفهوم اللايقين الفلسفي، اللهم إلا إزاء الموت. بل أن هذا اليقين نفسه يظل قاصراً على تلك الحادثة البيولوجية التي يراها الناس ويرقبونها، من دون أن يمتد إلى المفهوم الأنطولوجي للموت، والذي قد ينطوي على إمكان الانتقال إلى وجود جديد، سواء في عالم أخروي كما يبشر الدين التوحيدي، أو عبر تناسخ الروح في كائن آخر، عبر دورة حياة جديدة، كما يتصور الدين الطبيعي الآسيوي، وهكذا وفق أنماط الاعتقاد.

في هذا السياق، تندرج فلسفة ما بعد الحداثة كنقطة ذروة، أخذت تشكك في وجود حقائق صلبة منفصلة عن الذات العارفة، وتبدي حذراً شديداً إزاء الأنساق الفكرية الشاملة‏،‏ وليس فقط المغلقة‏، باعتبارها سرديات للهيمنة.‏ كما تسعى إلى التقليل من دور التاريخ باعتباره السردية الكبرى عن مفهوم الحقيقة، ولكونه دليلاً على فكرة التقدم، التي تكاد تمثل دين الحداثة. وأخيراً لا آخراً نزوعها إلى التقليل من مركزية الثقافة العالمة/ السائدة/ الكونية، لمصلحة الثقافات الفرعية/ الإقليمية وما تجسده من هويات خاصة. وعلى هذا تتبدى ما بعد الحداثة كردة موضوعية وتاريخية عن المنطق العقلاني الصارم، والثقافة الكونية للحداثة، حيث باتت الذاتية محورية في إدراك (الحقيقة)، باعتبارها محض تأويلات ذهنية لواقع محيط بالإنسان، فلم تعد هناك نظرية معرفية شاملة أو فكرة كلية عن الحقيقة بل ثمة حقائق متعددة تصدر عن الميول الشخصية والاستعدادات الذاتية. وإذا كانت روح الحداثة قد تأسست على أن صورة العالم الخارجية/ الحقيقة هي التي تنعكس في الإنسان لتشكل مذاهبه الفكرية وميوله الفلسفية، ولو من خلال العقل الذي يترجم العالم الواقعي إلى سلسلة من الحدوث التجريبية يمكن تأملها عبر العقل النظري بمبادئه الكلية وقواعده النظرية، كما تصور كانط في مفهومه عن المثالية التجريبية/ النزعة النقدية، فقد ذهبت ما بعد الحداثة إلى أن صورة العالم ليست إلا انعكاساً لهذه المذاهب والميول، فالمتاح إذاً حقائق متعددة، وليس صوراً مختلفة لحقيقة واحدة. ومن ثم لا مفر من تفكيك الأنساق الفكرية الكبرى المتعارف عليها باعتبارها وليدة محيط ثقافي وتاريخي معين وليس العقل البشري أو العالم الطبيعي في كليته. بل إن هذا التفكيك نفسه يجب ألا يستند إلى مبدأ مطلق، وإلا كان ثمة تناقض بين غياب المبدأ المطلق في عملية التركيب، وحضوره في عملية التفكيك.

وهكذا بات جوهر ما بعد الحداثة، كما وصفها جان فرانسوا ليوتار، هو إنكار المعتقدات الموروثة والتشكيك في القصص العظيمة، والثورة على السرديات الكبرى، التي طالما ملأت العقل، وشغلت الوعي الإنساني حتى اعتُبرت وكأنها من مسلماته التي لا يمكن التفكير سوى انطلاقاً منها. وهنا يعطينا ليوتار مثلين متناقضين في الاتجاه ولكنهما متفقان في الدلالة. المثال الأول عن الدين/ الإيمان، الذي تمحور حول القصة الأعظم في تاريخ الفكر البشري، أي قصة «الإله»، الخالق الكون، العليم بأحوال البشر، القادر على رعايتهم من ناحية، والتحكم بأقدارهم من ناحية أخرى. ومن هذه الزاوية تبدو ما بعد الحداثة قريناً لكل النزعات الشكية واللاأدرية إزاء الإله، إن لم تكن قرينة الدعوة إلى موت الإله، والتي كانت الحداثة نفسها قد ادعته، خصوصاً على لسان نيتشة وفرويد ودوركهايم، في ظل الحداثة الفائقة/ المتطرفة، التي كانت تنبأت بنهاية الدين في الثلث الأخير للقرن التاسع عشر. وأما المثال الثاني، فعن الإلحاد نفسه، والذي يعتبره ليوتار سردية كبيرة معارضة للأولى، احتلت مساحات متزايدة في الزمن الحديث، وأطلقت آراء عامة كلية مناقضة لقصة الألوهية بنوع من التعميم يحتاج هو الآخر إلى التفكيك، بالقدر الذي تحتاجه قصة الإله. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ما بعد الحداثة وكأنها ردة عن النزعة المادية في الحداثة، أو الميول الإلحادية في التنوير.

لم تصرح ما بعد الحداثة برفض الألوهية أو الإلحاد، بل سعت فقط إلى التشكيك في الأسس الجوهرية التي تجعل من كليهما، الإلحاد والإيمان، سردية كبرى وإطار ناظم يحتشد داخلة الجميع، أو يُقهرون على النظر إلى العالم من خلاله، على نحو ينزع عنهما المبالغة والتعميم والإطلاق. وهنا يكشف جاك دريدا، الذي أكمل عمل ليوتار من منظور تفكيكي، عن شكوكه العميقة إزاء الاستقطاب الحاد بين الثنائيات الجامدة في فكر الحداثة، والتي يرى فيها تبسيطاً مخلاً. فالملحدون، مثلاً، اختزلوا الدين في صيغ وعبارات تبسيطية تناسب أيديولوجيتهم الرافضة إياه، كما فعل ماركس عندما وصف الدين بأنه أفيون الشعوب المقهورة، الذي يكرس استغلالهم ويؤدي إلى اغترابهم. أو فرويد الذي رآه مصدراً للرعب النابع من عقدة أوديب، أو إميل دوركهايم الذي رآه انعكاساً لعقدة قتل الأب البدائية، وهكذا. أما المؤمنون، خصوصاً الأصوليين المتزمتين، فانغلقوا هم أيضاً على رؤية تبسيطية تنفي غير المؤمن، وتجعل منه كائناً شريراً بالضرورة، يقف من المتدينين الموقف نفسه الذي وقفه الشيطان من الإنسان في قصة الخلق التي يؤمنون بها حرفياً.

في سياق مثل هذه الرؤية التبسيطية، يغيب عن كل من الطرفين ما يمكن أن يكون ذا معنى لدى الطرف الآخر. فمثلاً، يرى الطرف الملحد، أن المؤمنين لم يُقدِّروا أبداً نزوعه إلى توكيد الحضور الإنساني ككائن حر على الأرض، يملك حق السيطرة على مصيره، وإمكان التصرف حيال الطبيعة والعالم. وظني أن ذلك التوكيد يظل عملاً مجيداً، ولكنه يظل أحادياً يقصر نفسه على الأسطورة البروميثية، القارة في الخيال الميثولوجي اليوناني، كجذر للإلحاد الغربي ومصدر لإلهامه، غير مدرك وجود طرائق مختلفة لتمجيد الإنسان وتأكيد فاعليته لا تمر بطريق الإلحاد، ولا تستدعي تغييب الحضور الإلهي في العالم، بل تستند إلى ذلك الحضور، ولكن لا يعرفها الملحد، كونه لم يخبر التجربة الروحية أو يعايشها من داخلها، الأمر الذي قد يفتح الباب على بناء نزعة إنسانية إيمانية، ليس هذا سياق التفصيل فيها. وفي المقابل، يبقى لدى الطرف المؤمن نزوع إيجابي عجز الملحدون عن تقديره حق قدره، وهو الإصرار على ربط عالمنا الدنيوي/ العادي/ المدنس، بالحضور الإلهي، القادر على أن يهبنا قبساً من الشعور بالرعاية والعناية في مواجهة الضغوط التي نعانيها وما يبثه ذلك الشعور من طمأنينة نفسية، ورغبة في التسامي على نوازع الشر الظلم، وإن كان هذا العجز لدى الملحد هو ما ساهم فيه عموم المتدينين بنصيب كبير، على مر التاريخ، لسوء تمثلهم هذا الحضور، عندما حاولوا امتلاكه، والحديث باسمه، فجعلوه مدخلاً للاستبداد والقهر، بديلاً عن كونه رعاية للعالم وتحريراً للإنسان.

تجاوزاً لهذا الاستقطاب، يتحدث الفيلسوف الأميركي جون دو كابوتو، ونظيره الإيطالي جياني دي فاتيمو، عن ضرورة ما يسميانه بـ «الفكر الخافت» كطريق إلى التعايش بين المختلفين. والفكر الخافت، كما يفهمانه، هو طريقة في التفكير تقوم على سلب ونفي المفاهيم، أكثر مما تقوم على التحديد الإيجابي لها. إنه الفكر نفسه الذي دشنه فلاسفة التفكيك الفرنسيون، ووفقه أو باسمه يُجرى حصار الادعاءات الكبرى للتنوير حول العقل والإنسان والتاريخ والحق والواجب… الخ. كما يتحول العالم إلى فسيفساء من المعاني لا مركز لها، فيكاد ينتفي مفهوم الحقيقة من الأساس. فعلى صعيد نظرية المعرفة يصبح من الصعب بناء منظور واضح أو نموذج إرشادي مستقر نسبياً، أو مجتمع علمي متماسك يُتصور له قدر من الدوام والتجانس. وعلى صعيد نظرية الأخلاق، تنتفي مطلقية القيم الكبرى كالحق والخير والجمال، ولا تبقى الفضيلة ذات معنى إنساني عام، ولا القيم ذات مغزى كوني شامل، بل تصير وليدة سياقات محلية وخبرات جزئية، ويصبح المعيار الأساسي لها ما تتواضع عليه أي جماعة بشرية ولو قل عددها. وهنا يكاد يصبح كل إنسان مشرعاً أخلاقياً لنفسه، فالفضيلة هي ما يراها كذلك، والرذيلة أيضاً. وعلى هذا تفضي ما بعد الحداثة، جوهرياً، إلى تعميق التوجهات النسبية للحداثة إلى حد النسبوية، حيث تتشظى الحقيقة وتتناثر، كما أسلفنا القول، وتلك وصفة لا تحل المشكلات بقدر ما تُعمى عليها، وتفضي إلى اغتراب الروح الإنساني، فيما المطلوب وصفة أخرى تصوغ وعياً جديداً يحفظ للحقيقة ممكنات حضورها كاملة، ويتجاوز في الوقت نفسه وثوقيتها الساذجة التي تعوق تعددية الطرائق التي يُنظر إليها من خلالها. فعلى سبيل المثل، يستحق التدين الدوغماطيقي المتطرف، والإلحاد الصلب العدواني، الإدانة بكل تأكيد، وبدرجة الحدة نفسها، ولكن تلك الإدانة لن تكون ممكنة عملياً إلا على قاعدة الاعتراف بالإيمان كحقيقة والإلحاد كظاهرة، فهذا الاعتراف المتبادل هو النافذة التي يمكن من خلالها أن ينساب الفكر الخافت، الذي يتسامح مع وجود إيمان روحاني معتدل، سواء تجاوز الأشكال التاريخية للأديان، أو جسد أعمق تجلياتها. كما يتسامح مع الإلحاد شرط أن يكون إلحاداً إنسانياً يشع بمحبة البشرية، ويتسم بالحدب الشديد على مصيرها. غير إننا نطلب تعديلاً بسيطاً، وإن كان مهماً، في مصطلح الفكر الخافت ليصبح (التفكير الخافت) الذي يحقق الهدف نفسه، أي مد الجذور بين الحقائق المتناقضة، ولكن ليس على طريق دريدا ثم فاتيمي وكوبوتو في تمييع تلك الحقائق وتفريغها من جواهرها المؤسسة لها، لتصبح محض نزعات نفسية تتسم بالذاتية الفائقة، بل عبر توكيدها والتعاطف معها، فيبقى الأبيض ممكن الوجود وكذلك الأسود، ولكن مع تخلي كليهما عن أحاديته، والإصغاء جيداً للطرف الآخر، بهدف الفهم وليس مجرد السمع، حيث يمكن العقل التواصلي، كما هو لدى هابرماس، القبول الكامل للاختلاف من دون تفكيك أو تمييع الحقيقة.

المصدر: صحيفة الحياة




عن نكبة الموريسكيين

بقلم: د. سليمان عباس البياضي* — الموريسكيون هم المسلمون الذين بقوا فى إسبانيا تحت حكم النصارى بعد سقوط الأندلس وطُلِب منهم التحول إلى النصرانية سنة 1502م لتفادى طردهم من إسبانيا. وكانت اتفاقية تسليم غرناطة التى تنازل فيها الملك أبو عبد الله الصغير للنصارى سنة 1491م قد نصّت على احترام ممتلكات المسلمين ومعتقداتهم والحكم بينهم بالشريعة الإسلامية .
لكن ملوك النصارى لم يفوا بوعودهم، ونتيجة للتعسف والظلم ضد الموريسكيين قاموا بثورتين هما ثورة (البيازين) عام 1499م في غرناطة التى قرر بعدها ملك غرناطة الإسباني تأسيس محاكم التفتيش، وثورة البشرات عام 1568م حيث لقى الإسبان مقاومة عنيفة من الموريسكيين الذين دافعوا عن مدنهم ببسالة. لكن بعد اخمادها تم اضطهاد الموريسكيين بصورة بشعة، فنُسفت مساجدهم وقُتل النساء والأطفال وتعرضوا لحرب إبادة، بينما تم تنصير أكثر من 50 ألف شخص قسراً في غرناطة .
منذ عام 1502م بدأت مرحلة قاسية من التهميش والتخوين والإذلال للموريسكيين وانتهت بطردهم من أسبانيا سنة 1609م. خلال تلك الفترة تم فرض ضرائب باهظة على اللبس العربي وكانت الكنيسة ترسل امرأة لحضور مواليد الموريسكيين حتى لا تُقرأ الشهادة في أذن المولود، وإبقاء منازلهم مفتوحة يوم الجمعة وإجبارهم على الأكل وشرب الخمر في نهار رمضان، وتم إنشاء مدارس لتعليم أبنائهم اللغة الإسبانية وتعاليم النصرانية .

ورغم عنف وإرهاب محاكم التفتيش إلا أن الموريسكيين مارسوا شعائر دينهم بصورة سرية، فكانوا يؤدون الصلاة سرًا وكانوا يغلقون بيوتهم يوم الأحد، موهمين السلطات بأنهم ذهبوا إلى الكنيسة. وكانوا عندما يتم تعميد أطفالهم في الكنائس يبادرون إلى غسلهم في بيوتهم وكانوا يعقدون حفلات الزواج على الطريقة الإسلامية سرًا بعد مراسم الكنيسة. وكانوا لا يعترفون ولا يتناولون القربان ولا يقربون الزيت المقدس ولا يأكلون لحم الخنزير ولا يشربون الخمر .
قام الملك (فيليب الثالث) بطرد الموريسكيين من إسبانيا في الفترة بين عامي 1609م و1614م، فقد أُمروا أن يغادروا تحت ألم الموت والحرمان، وألا يأخذوا معهم نقوداً أو مجوهرات، فخرجوا يختلط المشاة منهم بالركبان ومضى الجميع ينفجر من الألم والدموع ما بين عجائز وأطفال يغطيهم التراب ويتصبب العرق منهم يشعرون بالضياع. وفوق ذلك كانت هناك عصابات نصرانية تشكّلت لمهاجمة الموريسكيين ونهب ثرواتهم بل وقتلهم أحيانًا .
تختلف التقديرات حول أعداد المهجَّرين وقتها؛ والدراسات الحديثة تُقدرهم بحوالي 300 ألف موريسكي، وكان الطرد في معظم الحالات قد تم باتجاه الجزائر وتونس والمغرب (يقدَّر عدد الموريسكيين اليوم في المغرب بأكثر من 4 ملايين نسمة)، ومنهم من ذهب إلى باريس وروما وتركيا والقاهرة ولبنان وقسم منهم ذهب مع الرحلات الاستكشافية إلى أميركا الوسطى والجنوبية، ومن الموريسكيين من ظلّ مقيما في إسبانيا (كان في غرناطة فقط بين 10 إلى 15 ألف موريسكي).
وكانت هناك مشكلةٌ تواجه عائلات الموريسكيين عند محاولتهم الهجرة إلى البلاد الإسلامية وهي أن الإسبان لم يسمحوا لهم باصطحاب أبنائهم (لأن الأبناء تم تعميدهم في الكنائس وبذلك أصبحوا نصارى في نظر الإسبان). ولذلك كانوا أحياناً يضطرون للهجرة إلى بلدٍ نصراني كفرنسا مثلاً ومنها إلى بلدٍ إسلامي آخر في شمال إفريقيا .

والمفارقة الغريبة التي حدثت أحيانا للموريسكيين في بداية هجرتهم إلى بلاد المغرب الإسلامي هي نظرة مسلمي المغرب لهم، فقد بدأ المغاربة ينظرون إليهم كشِبه نصارى لأن أحوال الموريسكيين كانت قد تبدلت سواء من حيث اللغة التي أصبحت مزيجاً من العربية والإسبانية أو الهندام الذي يشبه هندام النصارى، وكذلك من حيث عاداتهم كاختلاط الرجال بالنساء أثناء الحفلات مثلاً .وأصبح المغاربة يشكّون في إسلام الموريسكيين. فصار التاريخ يعيد نفسه مع هؤلاء المساكين؛ فكما كان النصارى يشكون في تنصّر الموريسكيين أصبح المغاربة يشكون في إسلامهم.

*باحث في التاريخ والحضارة الإسلاميين.




الوصايا العشر لحجاج بيت المقدس المسافرين بالطريق السينائي كما دوّنها رحالة يهودي

بقلم: د. مصطفى وجيه مصطفى* —

تركت رحلة حجاج بيت المقدس الأوروبيين المسافرين لمصر في العصور الوسطى؛ ملاحظات عن المدن والسكان والأحداث التاريخية، فقد نزلوا المدن وسجلوا مشاهدات قيمة لم تذكرها المصادر المعاصرة. وكلما طالت إقامتهم في المدن كلما عرفوا المزيد فيفتحون بذلك سبلاً جديدة تكشف غموض بعض الأمور بدقة شديدة ؛لأنها في نهاية المطاف عبارة من معلومات جاسوسية تصل لصانعي القرار في العالم المسيحي / الأوروبي في العصور الوسطى، مثل إشارتهم إلى الإجراءات الجمركية التي اتبعتها سلطات الجمارك بالإسكندرية تجاه الأوروبيين قبل السماح لهم بدخول المدينة، ووصفهم للحركة التجارية الكبيرة. وخط سير القوافل من القاهرة إلى بيت المقدس… وأنواع العملات وتطور الأعمال المالية آنذاك. ونتيجة اهتمام سلاطين المماليك بمحطات الطرق وتأمينها وتأمين القوافل المسيحية والإسلامية .. وتوفير وسائل الراحة على طول الطرق؛ زاد عدد الحجاج والرحالة خاصة رحالة أوروبا مسيحيون أو يهود .

ومن زاوية أخرى، فإننا نلحظ أن اليهودي الأوروبي في مختلف العصور كان يجد أن من فضل الله عليه أن يتاح له حج البلاد المقدسة والتبرك بقبورها وزيارة مقامات الصالحين فيها. إلا أن بيت المقدس لم يكن بعيداً عن اليهودي الشرقي ولم تفصله عنه البحار التي كانت آنذاك يحكمها القراصنة بمباركة البابوية الكاثوليكية , وهو إذا ما أمَّ الديار المقدسة لم يكن يشعر بأنه انتقل إلى محيط مختلف أو بيئة تشذ عن البيئة التي نشأ فيها أكان ذلك في الشام أم في العراق أو مصر فلم يكن بصره يقع على مناظر غير مألوفة لديه كما هو الحال بالنسبة إلى الأوروبي الذي يزور الشرق؛ حيث أن الرحالة لا يسجل إلا ما يجده غريباً على بيئته وبعيداً عن مألوفة ومحيطه. لذلك ربما لا نجد  من بين يهود الشرق من كتب عن رحلته أو دون مشاهداته.

الرحلة التي دونت الوصايا للمسافرين:
جاء الأوروبيون إلى عاصمة دولة سلاطين المماليك جماعاتٍ وأفرادًا ملتمسين إذن السلطان المملوكيِّ المُترَفِّع للسائل الأوروبيِّ المتواضع بالارتحال داخل أراضي الدولة، وكذا السماح للرَّحَّالة المسيحيين الغربيين بالسير إلى الأراضي المقدَّسة التي شهدت الوقائع التاريخية لحياة المسيح عليه السلام.  فضلًا عن ذلك؛ فقد كانت لتلك البقاع مكانتها الكبيرة في الوجدان اليهودي؛ لذلك شد اليهود إليها رحالهم متَّخذين من حركة اليهود التوراتية وتنقُّل قبائلهم من مكانٍ إلى آخر معينًا لهم. هذه الهالة التي وضعها الكتبة اليهود هي التي دفعت بصاحب الوصايا العشر لحجاج بيت المقدس المسافرين أن يقطع البحار والأنهار والأودية والقفار حتى يصل إلى تلك الأماكن؛ لذلك جاءت يومياته غنية بمعلومات جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية وعمرانية في كل البلاد التي مر عليها.

وفي هذا الصدد، يجب الاعتراف بأن الرحالة اليهود تركوا مؤلفات عدة كانت بمثابة المرشد أو الدليل الجغرافي لإخوانهم الذين رغبوا في الارتحال إلى تلك المدينة. وفي ذلك اتفقوا مع الرحالة المسيحيين الذين ألفوا مؤلفات في نفس المضمار. فكانت حكايات أسفارهم وكتب رحلاتهم من أهم المصادر لتاريخ تلك العصور وجغرافيتها؛ ليس لليهود فحسب وإنما للعالم المعروف آنذاك في قارته الثلاث[i].

 

التعريف بصاحب الرحلة:

كان مُقدم الوصايا العشر موضوع البحث؛ ضمن هؤلاء اليهود الذين شدُّوا رحالهم للوصول إلى “القدس” تلك المدينة العريقة التي يعتبرونها سرة العالم ويحجُّون إليها ثلاث مرات في العام، فقد كانت هناك رغبة ملحة تدفع بأتقياء اليهود إلى ركوب الأهوال واقتحام المخاطر لحج بيت المقدس؛ فحج بيت المقدس وإن لم يعد فرضاً على اليهود منذ خراب الهيكل (غير المعروف مكانه بالتحديد) في القرن الأول للميلاد؛ فإن اليهودي التقي كان يشعر بلهفة متأججة إلى زيارة أماكن التوراة وهو غير عابئ بالأخطار التي يمكن أن تحيط به في طريق رحلته خاصة في عصر الحصار الاقتصادي /البابوي. وهو أحد الحاخامين الإيطاليين ويُدعَى ميشولام بن مناحم أوف فولتيرا، اتجه نحو الشرق في الربع الأخير من القرن التاسع من الهجرة/ الخامس عشر من الميلاد 15م/9هـ 1481م/886هـ.

وواقع الأمر أن معرفتنا بميشولام بن مناحم تُعدُّ محدودةً، وهو في ذلك يشبه غيره من الرَّحَّالة الأوروبيين الآخرين الذين توافدوا على المشرق في العصور الوسطى، وغالب ما نعرفه عنه مقتبسٌ من رحلته؛ إذْ يقول عن نفسه إنه يهوديٌّ إيطاليٌّ، من أسرة ثرية عاشت في فلورنسا في القرن الخامس عشر الميلادي/التاسع الهجري، جاء ذكر ذلك عند تعرُّضه للحديث عن يهود القاهرة في رحلته، وذكر أن أحد كبار تجار الأحجار الكريمة اليهود بالقاهرة يُدعى الحاخام أو الرابي موسى دي فيلا R. Moses di Villa  تعرَّف عليه وعرَّفه على ناجيد القاهرة.”[ii].

وفي ضوء ذلك يمكن لنا أن نرجِّح كَوْنَ ميشولام بن مناحم تاجرًا يهوديًّا إيطاليًّا ثريًّا؛ وليس رجل دينٍ، وإن كانت الاشارات التي اجتمعت عنه تُفيد نزعته الدينية التي يغلب عليها حلم اليهود العام بتأسيس مملكة يسرائيل من جديد[iii]، ومن خلال ما كتبه يتضح لنا أنه لم يرتحل إلى “القدس” وحده؛ بل كان له صاحب يهوديٌّ أيضًا يُدعى روفائيل، وقد تحدَّث عنه في بضعة مواضع[iv]؛ وذلك يعني لنا أن ميشولام بن مناحم لم يزُرْ تلك المواقع منفردًا، لكن أراد أن يصحبه أحد رجال الدين اليهود، وهو يشبه في ذلك غيره من الرَّحَّالة اليهود الذين سبقوه برحلات للأراضي المقدسة في فلسطين، منهم بتاحيا الراتسبوني الذي وجد من يرافقه في رحلته[v]، وكذلك صموئيل بن شمشون الذي صحبه في رحلته رجلٌ يُدعى جونثان هاكوهين[vi].

 

خط سير الرحلة

بدأ بن مناحم رحلته بالحديث عن وصوله إلى رودس في الرابع من مايو 1481م ، وكانت (رودس) أول تلك المحطات التي تحدث عنها فور وصوله ، ثم (الإسكندرية)، ومنها إلى (رشيد)، ومن رشيد إلى (القاهرة)، ثم خرج منها عبر الطريق السينائي حتى وصل (غزَّة)، ومنها إلى (الخليل)، ومن الخليل إلى (القدس). وبعد اتمامه الزيارة استعد للرحيل فخرج من القدس إل (الرَّملة)، ثم (يافا)، ولأن صاحب القارب كانت له سلع تجارية في بيروت قادمة من دمشق؛ فقد ذهب بالمسافرين –ومنهم ميشولام- إلى بيروت، وبعدما ذهبوا إلى بيروت لم يجد صاحب القارب البضائع قد وصلت؛ فاضطر إلى الذهاب إلى (دمشق) ومعه باقي المسافرين أيضًا، ثم عادوا إلى بيروت، ومنها أخذوا طريقهم في البحر المتوسط إلى (قبرص) ثم (رودس) عائدًا إلى موطنه، وكان في كل محطة يتناول كثيرًا من صورها الاجتماعية والاقتصادية، وركَّز على أعداد اليهود في كل بلدٍ مرَّ به في رحلته. وقد واجه طوال رحلة سيره صعوبات كثيرة ذكرها.

لذلك حوت رحلة ميشولام بعض التوصيات التي كتبها لتكون عوناً لمن يسير في نفس الطريق الذي سار عليه وهو الطريق من القاهرة للقدس عبر صحراء سيناء الواسعة.  وجدير بالذكر أن وصاياه تلك لم يدونها إلا بعد أن وصل غزة وأطمئن قلبه أنه دخل الأراضي المقدسة في سلام فقدم وصايا عدة لمن يريد أن يأتي من حجاج غرب أوروبا إلى بيت المقدس؛ لكي يتجنب الأخطار على طول المسافة المذكورة (298 ميلًا على حد ذكره).

وصايا ميشولام للمسافرين بالطريق السينائي

وفي وصيته الأولى ذكر: أن المنطقة من المطرية إلى غزة كلها صحراء، لذلك وجب على كل مسافر أن يضع على راحلته جوالين، الأول يضع فيه خبزاً والآخر يضع فيه التبن والعلف للدابة، وقربة الماء، لأن الماء الصالح للشرب غير موجود تقريبًا. وضمت هذه الوصية ذكراً على المسافر هو وجوب حمل معه قضيبًا طويلًا مدبدبًا من الحديد، حتَّى يربط فيه راحلته. ويجب أن يكون القضيب طويلًا لأن الرمال لا تمسكه إلا إذا غرس عميقًا في الأرض، فيكون من الصعب اقتلاعه.

ووصيته الثانية هي حمل الليمون لتجنب أضرار حشرات الصحراء المعروفة بقملة فرعون.

وكانت وصيته الثالثة هي السير بصحبة قافلة كبيرة تجنبًا لأخطار اللصوص الذين يتكرر ظهورهم في الصحراء.

والوصية الرابعة هي أن تسير في بطء لسببين: -الأول أن في الصحراء غباراً كثيفاً ورمالاً وتغوص الخيول فيها. والثاني لأن الغبار يرتفع ويدخل الفم ويسبب الجفاف في زور الإنسان ويسبب وفاته بسبب العطش، وإذا تصادف أن شرب من الماء المالح فإنه يسبب له متاعب أكثر عن ذي قبل.

وقدم وصيته الخامسة لمن لا يعرف اللغة العربية فقال إنه يجب عليه أن يرتدي ملابس مثل ملابس الأتراك حتى لا يعرف أحد أنَّه يهودي أو من الفرنجة، كما يمكنه ذلك من عدم دفع كثيرٍ من الضرائب المقررة على الأوروبيين، ولكن على المسافر أن يصنع فوق رأسه غطاءً أبيض مثلما يفعل الأتراك والمسلمون[vii].

ثم قدم نصيحته السادسة بالحديث عن خطر البدو الذين يختفون في الرمال التي تغطيهم حتى أعناقهم، مختبئين دون طعام ولا شراب، ويضعون حجراً أمامهم يحجب رؤيتهم، وهم في هذا الكمين يستطيعون رؤية القادمين الذين لا يرونهم، وعندما يرى هؤلاء قدوم قافلة أقل عدداً أو أضعف جنداً ينطلقون بعد صيحة على زملائهم ويركبون خيولهم بسرعة النمور، حاملين الحراب الخشبية ذات رؤوس حديدية في أيديهم، وهي رماح شديدة الصلابة. كما يحملون أيضاً الميس([viii]) الذي يستخدمه القراصنة لأجل كسر الدروع، وترس مصنوع من الرقاع والقار، هؤلاء يمتطون صهوة الجياد عراة إلا من قميص قصير، من دون بنطال أو نعال، أو مهماز، يفاجئون القافلة ويأخذون كل شيء حتى الملابس والخيول، بل أحياناً يقتلونهم. ولذلك من الأفضل للمسافر أن يكون في صحبة قافلة تركية لأنَّهم حملة أقواس ماهرين، ويخشى اللصوص جانبهم لأنَّهم عراة ولا يقدرون على إطلاق السهام.

ثم كانت نصيحته السابعة لتفادي خطر متجرِّمة البحر، أي القراصنة، الذين يصلون باستخدام مراكب شراعية صغيرة مسلحين، وهم مقاتلون ماهرون يرتدون ملابس الأتراك.

والنصيحة الثامنة قدمها للمسافر عند احتكاكه بمنطقة الجمارك، وذكر عن موظفي الجمارك أنهم إذا فعلت شيئاً غير عادي بالنسبة لهم سوف يفهمون على الفور أنك لست تركيًّا أو مسلماً، هؤلاء الموظفون عيونهم ساهرة يقظة.

وذكر نصيحته التاسعة قائلاً: “وإذا سألتني عن أسلوبهم وماذا يجب أن تفعل، فإنه من الضروري عندما تصل إلى هذه الأماكن، أولا أن تخلع نعلك وتجلس القرفصاء ولا تحاول أن تقف، وإذا سقطت منك كسرة خبز التقطتها، ولكن لا تأكل هذه الكسرة إلا إذا وضعتها فوق رأسك، وعليك أن تدعو من حولك ليشاركوك الطعام، حتى لو كانوا لا يأكلون معك[ix]، لا تخلع أي شيء من ملابسك، وأن تنام في الملابس نفسها، وإذا قدموا لك أي طعام عليك أن تمد يدك وأن تنحني عندما تأخذه، وأنت تتقدم نحوه لتزود نفسك بالطعام، احترس ألَّا تخلع أي شيء من ملابسك وتضعها إلى جانبك على الأرض. عليك ألا تدخل بيت أحد في نعليك ولا تتحدث مع أحد عدا أن تجلس القرفصاء، ولو أن معك رغيفًا واحدًا من الخبز وكوبًا واحدًا من النبيذ، ويأتي رجل فيأخذهم فيشرب ويأكل، عليك ألا تمنعه من ذلك، لأنَّه حتى لو أنهم فعلوا ذلك مع الملوك فلا اعتراض وليس في هذا حرج، وأنه من عادتهم أن يجلسوا في حلقة حول الطعام، وكلهم يأكلون من إناء واحد، السادة والعبيد، كلهم سواء، هم أيديهم إلى الطبق وتخرج حاملة قبضة. جدير بالذكر أنَّهم لا يستخدمون مناديل المائدة ولا سكيناً ولا ملحاً، ولا يغسلون أيديهم إلا بعد تناول الطعام، إذ يغسلون الذراع حتى الكوع، وهناك البعض من ينظف يده باستخدام التراب الناعم الذي له رائحة الريحان. ومن عاداتهم أيضاً ألَّا يقدموا العلف أو الماء للدواب منفردة، بل كل دواب القافلة في وقت واحد، ذلك لأنَّه في شريعتهم خطأ كبير أن ترى الخيول أو صغار واحدة منها تأكل أو تشرب دونها فهذا يؤذيها، وألَّا يستخدم القسوة مع الحيوان. وينبغي ألَّا يتعدى أي شخص حدود الشرع والعادة، وألَّا يعرف أنَّه يهودي أو فرنجي وأنه لذو حظ سيءٍ مَن يقع في هذا…”[x].

وفي نصيحته العاشرة لفت نظر المسافر إلى أنَّه حتى إذا خلت الرحلة من كل هذه الأخطار، فربما يتعرض المسافر لمفاجآت أخرى من بينها أن تنفق الدابة التي يركبها المسافر، أو يصيبها الهزال عندما يصل إلى بيت المقدس، وذلك بسبب الماء المالح الذي تشربه الدواب، ويسبب الحرارة الشديدة، بالإضافة إلى التراب الذي يدخل أفواههم، والرمال التي يغرقون في بحرها حتى الركبة فتصيبهم الآلام والحاجة إلى الطعام في هذه الرحلة الطويلة. ومِن هُنا على المرء أن يكون حريصًا في أساليبه وأن يستجمع أشكال الحكمة حتى ينقذ نفسه من كل هذه الشرور[xi].

لقد كان  السفر في صحراء سيناء مخاطرة ومهمة ثقيلة، فالقدس على بعد مئات من الكيلومترات من الأماكن المنزرعة، فلا اتصال بريدي منظم، ولا قوة حربية مستمرة. وكان لا بد من وضع العطش في الحسبان، وقلة الأدوات، وموت الحيوانات، والأمراض، وسلب الأعراب، وأحياناً المبادرات العدائية لسكان المدن المقدسة. لذلك عمد الرحالة على تقديم وصاياه إسهاماً منه في توسيع الأفق أمام غيره من حجاج غرب أوروبا.

[i] ) انظر : محمد مؤنس عوض , الرحالة الأوربيون في العصور الوسطى , دار عين (القاهرة)1992م , ص 159.

[ii] ) Meshullam Ben manahem,Itinerary of Rabbi meshullam ben menahem of 1481 (ed) Adler,in J T, (London) 1930,p.271

[iii] ) Meshullam, op.cit,,p.208

[iv] ) تحدَّث عنه في تتبعه لأخبار الإسكندرية p. 163، وكذا في تتبُّعه لأخبار القاهرة p. 167، وعند حديثه عن خروجه من سيناء إلى فلسطين وبعد وصوله إلى القدس p.187،  195.

[v] )  petachia of Retisbon, The Itinerary of Rabbi petachia ,1174-1187A.D., in :J. t., ed. Adler, N., London, 1930,pp.61-90.

[vi] )Samuel Ben Samson, Itinerary  of Rabbi Samuel Ben Samson, , 1210 A. D ., in: J.T ed. Adler, N., London, 1930,pp. 103-110

[vii] ) Meshullam,op.cit,p.182

([viii]) mace وهو قضيب شائك استخدم لكسر الدروع في العصور الوسطى.

[ix] ) Meshullam,op.cit,p.183

[x] ) Meshullam,op.cit,p.183

[xi] )ibid ,p.184

*كاتب وأكاديمي مصري.




عن حركة الإصلاح البروتستانتي وتحولات الوضع الإنساني

بقلم: صلاح سالم — افتقدت المسيحية الأولى (اليسوعية) الشمول الضروري لدين يود أن يؤسس للحياة ويصنع التاريخ؛ فالمسيح لم يأت بتشريع جديد ولا حتى بطقس من طقوس العبادة، وإنما فقط بتصور مثالي عن فضائل الحب والتسامح والتقوى استعداداً لحلول مملكة الله التي آمن بها هو كما آمن بها سائر مواطنيه، إلا أنه فهمها وعبّر عنها بطريقته الخاصة في إطار الديانة اليهودية. وعلى رغم أن بعض المسيحيين يرون في عظة الجبل بالذات نقلة تشريعية في المسيحية تجاوزت بها اليهودية إلى طور جديد، ويعقدون لذلك مقارنة بين الشريعة القديمة (اليهودية) والشريعة الجديدة (المسيحية)، فإن ما ورد في هذه العظة أو ما يماثلها على لسان يسوع لا يمثل في الحقيقة تشريعاً جديداً، ولا معارضة لشريعة موسى، بل مجرد ألوان من التسامح، اللهم إلا في قضية الطلاق الذي حرمه المسيح إلا لعلة الزنا. ومن ثم ظلت التوراة مصدراً للشريعة المسيحية، إذ جاء على لسان المسيح: «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (متى، 5: 17).

لقد أسس السيد المسيح وألهم أتباعه وحوارييه مفهوماً عن دين روحاني «مجرد» ينبذ أي توجه لتغيير العالم الخارجي، بل وينظر إلى ذلك باعتباره نوعاً من خداع النفس لأن العالم الحقيقي هو ملكوت السماء، وعلى الإنسان أن يرتقي إليه تاركاً خلفه عالمنا الخاوي، الذي لا سبيل إلى إصلاحه، للشيطان وحده، يهيمن عليه أو حتى يتورط فيه! إذ يُروى عن المسيح قوله للشاب الذي أراد التعلم منه: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، لا تشهد بالزور. أكرم أباك وأمك، وأحبب قريبك كنفسك… فقال له الشاب: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فماذا يعوزني بعد ذلك. فقال له يسوع: «بع أملاكك وأعط ثمنها للفقراء وتعال اتبعني. فلم يقبل الشاب، فقال عيسى: يعسر أن يدخل غني ملكوت الله… ولدخول الجمل في ثقب إبرة أيسر من دخول الأغنياء ملكوت الله». (متى، 19: 18 – 23). الأمر الذي يبدي المسيحية، وكأنها تحارب العمران وتكره المال. وقوله أيضاً: «كل من ترك بيوتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً من أجل اسمي، يأخذ منه ضعفاً ويرث الحياة الأبدية» (متى، 19: 29). «فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فإن هذه كلها تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم. فلا تهتموا للغد لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شره. (متى، 6: 31 ـ 34). ولا يتوقف الأمر على إنجيل متى، بل تنسج بقية الأناجيل على المنوال نفسه سيكولوجية رافضة عملياً الانشغال بالعالم الدنيوي وغير مهمومة بتغيير التاريخ: «مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسلِّم إلي اليهود ولكن الآن ليست مملكتي من هنا». (يوحنا، 18: 36).

وهكذا تمثل الأناجيل بشارة لأعمق ما في الوجود الإنساني من حقائق، وأسمى ما فيه من درجات التسامح التي تبلغ ذروتها الشماء في موعظة الجبل: «سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلَّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» (متى، 5: 43 ـ 44). «سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً» (متى، 5: 38 ـ 41). ولكن هذه الروحانية الشماء تبدو ضداً لمنطق الحياة الواقعية، ولا يمكن فهمها إلا بكونها جسراً إلى عالم آخر لا يمكن نيله إلا بهجر هذا العالم والتسامي على معطياته. ومن ثم شعر المسيحيون منذ البداية بأن عليهم العزوف عن «الدنيا»، والزهد في الحياة زهداً يؤول بالمؤمن الحقيقي إلى اعتزال العالم؛ ولذا صارت المسيحية «الأولى» ديناً مجرداً لا يمكنه التأثير في وضع الإنسان في التاريخ، والذي لا يتغير إلى الأفضل عبر صلوات أو ترانيم بل عبر قوة مدعمة بالأفكار أو المصلحة أو بكلتيهما.

ومن ثم نمت الكنيسة الكاثوليكية في ظل علاقة مراوغة بين الإنسان كوجود واقعي، تتناوشه الغرائز وتداعبه الطموحات، وتضغط عليه الحاجات، وبين الإنسان كمفهوم مسيحي، مهموم بالمثال، ومطالب بالاستغناء، فكان عليها أن تدير هذا التناقض الذي دفع بالإنسان المسيحي إلى أتون صراع وجودي كانت كفته تميل باستمرار لمصلحة الانشغال الدنيوي وضد المثالية الروحية. وهكذا ظل المسيحي «المؤمن» يحيا في عالمين منفصلين… المثل الأعلى الروحي المنشود، المتناقض مع الواقع، غير المكترث بحركة التاريخ من ناحية. والواقع الدنيوي الصعب، الذي انفلتت فيه الإرادة إلى حد الطغيان، بحجة السيطرة على التاريخ من ناحية أخرى. هذان الخطان يسيران في الاتجاه نفسه متجاورين ولكن على غير اتصال، ومن ثم فالمسيحي المؤمن مطالب بالاختيار بين أمرين: فإما امتلاك التاريخ وفقدان الإيمان، وإما تجسيد الإيمان والنفي من التاريخ! ولم تبدأ المصالحة بين المسيحية والحياة الدنيوية إلا مع الإصلاح الديني، عندما أكد المصلح البروتستانتي جون كالفن نوعاً من (الزهد النشيط)، اعتبر بمثابة الجسر القادر على الربط بين المسيحية، والواقع الأوروبي الحديث. ففي سياق الأخلاق الكالفينية، تم تحطيم المفهوم المراوغ عن الإنسان، ككائن يمزقه التناقض الوجودي بين روحانية نظرية ودنيوية عملية، لمصلحة مفهوم موضوعي يرى الإنسان كـ «زاهد نشيط»، لديه دوافع غير آثمة للعمل والكفاح والثراء، وهو مفهوم لا يمكن تقدير أهميته إلا في ضوء السياق التاريخي الطويل الحاضن المسيحية الكاثوليكية، وربما الأديان الهندية (البرهمية والبوذية)، التي طالما عولّت على صناعة المؤمن «الزاهد»، ولم تكترث بخلق المؤمن «النشيط»، على منوال ما كان متصوراً قيامه نظرياً في اليهودية والإسلام، حيث الحافز الدنيوي للنشاط قائم وموفور منذ البداية.

كانت الكالفينية في جزء منها تناغماً مع مطالب عصر جديد (مسيحي) يعول كثيراً على النشاط وإن استبقى نوعاً من الزهد، عندما جعلت النجاح المادي أمراً، ليس فقط مشروعاً ما دام مؤسساً على الرغبة في تنمية الثروة مع الزهد في الاستمتاع بها، بل ومرغوباً فيه أيضاً كطريق للخلاص الأخروي وعلامة على النجاح في تحقيقه. وفي الجزء الآخر منها كانت محاولة لصوغ شرط جديد (إنساني)، أكثر توازناً، يتصور للإنسان دوراً أكبر في السيطرة على المصير، وحفز حركة التاريخ… إنسان يمكن وصفه بـ «التكاملي»، ينطوي على الشعور العميق بالمحبة والإيمان ولكنه دائم التطلع إلى بلوغ المعرفة وتنمية الثروة. إنسان لا يطمح إلى روحانية الزاهد، ولكنه لا ينفلت من الجوهر الأخلاقي للإنسان، نعم لديه دوافع العمل والرغبة في الكفاح، ولكن من دون أن تورطه تلك الدوافع والرغبات في نزعة اكتناز الثروة أو تسلط على الآخرين.

وقد ذهب ماكس فيبر بهذه الصيغة إلى مداها، مجسداً تغلغل النظرة التنويرية المتفائلة في المسيحية، وذلك في أطروحته الكلاسيكية «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» التي مزجت بين المسيحية والرأسمالية مزجاً خلاقاً، وأعادت اكتشاف الطهرانية الكالفينية، باعتبارها الفكرة التي صاغت عقلية الربح والفائدة، كخاصيات أساسية للرأسمالية الحديثة. وهكذا استخلص فيبر في بداية القرن العشرين فهماً جديداً للروح البروتستانتية، جوهره أن على المسيحي المخلص أن يتبع النداء الداخلي بالاستفادة من الفرصة التي منحها الله إياه، فإذا أراه الله طريقاً يستطيع أن يحصل منه قانونياً على أكثر مما يحصل عليه من طريق آخر، من دون أن يظلم روحه أو أي روح أخرى، ورفض ذلك واختار الطريق الأقل ربحاً، فإنه يعارض واحداً من أهداف عمله ويرفض أن يكون خليفة الله في الأرض، إذ يرفض قبول عطاياه واستخدامها من أجله عندما يطلب ذلك، إذ يتعين عليه أن يكدح ليكون غنياً من أجل الله، وليس من أجل متعة الجسد أو الملذات الآثمة.

وهنا أكد فيبر نوعاً من النفعية الاقتصادية «الحكيمة» كقبول الاقتراض بالفائدة، وتأكيد المقولة الأساسية في شأن «المسيحي النشيط» الخادم الله وإخوانه بفضل نشاطه، استناداً إلى رفض كالفن الصارم ذلك التصور الأسطوري التقليدي عن دائن واسع الثروة ومدين بائس، وإلى أنه لا يمقت مبدأ البحث عن الربح، إذا ظل ربح هذا الإنسان المسيحي، الموجود بفضل العناية الإلهية، غير مضر للآخرين. فالثروة إذا، ووفق الأخلاق البروتستانتية الجديدة، سيئة فقط لو كانت إغراء بالكسل والتمتع بالحياة الآثمة، واكتسابها سيئ عندما يكون بهدف العيش فيما بعد في اللهو واللامبالاة، ولكنها عندما تكون أداء لواجب في العمل، لا تكون فقط مقبولة أخلاقياً بل مفروضة فعلياً. وقد أدى هذا النوع من التفكير إلى عقلنة الحياة الاقتصادية، فاتخذ الزمن أو الوقت دلالة جديدة معادلة للقيمة والمال، ولم يعد التاجر الناجح هو حتماً مسيحياً ماكراً، بل صار مسيحياً نشيطاً، وهو الإدراك الذي بات محبذاً لدى البرجوازيين المتدينين، أو غير المعادين الإيمان على الأقل، بديلاً من الكهنوت الكاثوليكي المضني للعقل، أو التأمل الشارد في الملكوت الإلهي. وهكذا قدم فيبر، تأسيساً على عمل كالفن، حلاً ناجزاً لمعضلة العلاقة بين المسيحي والحرية، بين الإيمان والحداثة، بين الروحانية الدينية والإيجابية التاريخية، فلم يعد المسيحي زاهداً وعاجزاً بالضرورة، بل نشيطاً وحراً أيضاً، على طريق انبلاج العصر الحديث، حيث تمكن الفكر الغربي من تجاوز مأزقه التاريخي، ولوجــاً إلى مرحلة أعلى في تطوره لا تزال تحكــم التيار الأساسي فيه.

المصدر: صحيفة الحياة




الحوار ضرورة لتفاعل الحضارات

بقلم: د.سليمان عباس مسلم* — إن الحوار والتعايش السلمي روح الأمة وعنوان هويتها هما من الركائز الأساسية في بناء الأمم ونهوضها فالحوار والتعايش السلمي بين الحضارات والثقافات يسهم بنسبة كبيرة فى التقارب بين الأمم والشعوب، وفي إزالة الحواجز المتراكمة من سوء الفهم ومن الأفكار المسبقة القائمة على أسس غير صحيحة والتي تختزنها ذاكرة الشعوب. فالحوار هو وسيلة التواصل بين الحضارات منذ القدم وضرورة للتعايش مع الآخرين، وذلك لتجنب البشرية الصراعات والاختلافات والتصفيات الدينية والعرقية.
فالحوار ضرورة حتمية وواجب انساني وأساس للتعايش السلمي بين البشر بين الأمم والشعوب. وتأتي ثقافة الحوار لتشكل الأداة الفعالة الأولى فى الانفتاح على الغير وسبيل أفضل للتفاهم مع الآخرين. وهدف الحوار الدعوة إلى سبيل الطريق المؤدي إلى إقامة النهج الرباني على الأرض وهو من ضرورات العصر بفعل حركة التواصل واختراق الحدود والفواصل الزمنية والمكانية.
والمتأمل لحال العرب والمسلمين يجد أن الساحة تفتقر إلى رؤية واضحة وناضجة لحوار إسلامى وتفتقر إلى الموضوعية وليس هناك رؤية استراتيجية، حيث أن من أهم التحديات الحضارية التي تواجة الأمة الإسلامية والتي كشفت عن أهمية الحوار في حياتنا هو غزو الحضارة الغربية لمجتمعاتنا الذي مازال المسلمون في الشرق والغرب يعانون منه. فالعمل بمنهاج الحوار في مواجهة تحديات الحضارة الغربية وهو من قبيل إعداد القوة.
إن الحضارة الإسلامية قد نقلت بعض الخبرات من الحضارات الآخرى، وعلى رأسها الحضارات الفارسية واليونانية والهندية. كما أن الحضارة الإسلامية قد أعطت الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات العديد من العلوم ونظم بناء الدولة، ويذكر التاريخ أنه عندما أحرز هارون الرشيد النصر على الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث لم يطلب منه تعويضاً على خسائر الحرب إلا أن يسلّمه المخطوطات القديمة والمؤلفات الإغريقية الموجودة في بيزنطية. وبعد أن تسلم هارون الرشيد تلك المخطوطات قام بإنشاء مدرسة المترجمين والاستفادة مما جاء فيها من علم نافع.
فالحضارات تتفاعل وتتلاقى فى منظومة حوارية نشطة كي تقدم البشرية أفضل ما لديها من عطاء.
إن الحوار والتعايش السلمي مع الآخر هو فريضة إسلامية وليس فضيلة وذلك أن الله قد خلق الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا وجعلهم على شرائع ومناهج ولغات وقوميات يتسابقوا على طريق الخيرات. فمن دون الحوار يا يمكن التعارف بين الأمم والشعوب والحضارات والثقافات والقوميات، والإسلام يعترف بكل الآخرين ويحترم كل الرموز المقدسة على أساس التعايش السلمي.
*كاتب وباحث مصري.




الإصلاح وسؤال الزمان والمكان!

بقلم: رضوان السيد — خلال افتتاح مؤتمر منتدى «تعزيز السلم بأبوظبي»، وعندما كان العلاّمة الشيخ عبد الله بن بية رئيس المنتدى يلخّص ورقته التأطيرية قال لي أحد الجالسين بجانبي: الفكرة ممتازة والعرض ممتاز، إنما هل تظن الوقت ملائماً، بأن يتحقق السلم الشامل، وتتقبله نفوس المهجرين والمفجوعين بقتل أحبائهم، وذهاب الاستقرار والعيش الكريم؟! وعندما ألقيتُ كلمتي في اليوم التالي بعنوان: «رؤية إسلامية للسلم العالمي»، وأقمتها على ثلاث مقولات: الرحمة في العلاقة بين الله وعباده، والتعارف بين الناس بعضهم ببعض، ومقاصد الشريعة الخمسة في مشاركة العالم والانفتاح عليه، وفي أخلاق العمل- سارع اثنان من الزملاء ضاحكين إليّ: وهل تظن أحداً سيقتنع بهذه الطروحات الليبرالية، وبخاصةٍ أنّ ديارنا مملوءةٌ بمستنقعات الدم والخراب؟!

إنّ الإجابة على هذا السؤال ليست سهلةً على الإطلاق. وليس لأنّ هذه القيم ليست جميلة، ولا لأنها ليست من الإسلام؛ بل لأنّ قبول هذا الخير الكثير وهذا الانفتاح المنقطع النظير، يتطلب نفوساً راضيةً ومُرتاحةً، ومنفتحةً على التقبُّل، بحيث يُقبل الجميع على بناء السلم باعتبار ذلك مصلحةً عامةً لهم. أما في هذه الظروف، فإنّ القلق يساور الجميع: من أُصيب، ومن يخشى الإصابة. وهذا فضلاً عن مشاعر الذل التي تخالج الجميع، مما دفع البعض للقول: إمّا أن تقبل المذلة، وإما أن تقبل الموت!

لكن إذا توقفنا عن التفكير في السلم والمصالحة الداخلية، وفي السلم والمصالحة مع العالم، فماذا يحصل؟ أول ما يحصل استمرار الفتك هذا، واستمرارنا في قتل أنفسنا بأيدينا وأيدي العالم. نحن نقاتل «داعش»، و«داعش» يرد علينا، وهناك طرفان آخران يهجمان علينا وعلى «داعش»، ثم يبقى على الجبال الرابضة من حولنا أن ترداهما عنا! وبالطبع لن يتوقف الفتك والتهجير إن طلعنا بأطروحاتنا اليوم أو غداً. لكنّ الطرح الآن فيه مصلحةٌ لديننا، ولاستعادة السكينة فيه. إذ إنّ نظرة العالم، والواقع على الأرض، أنّ الدين يُستخدمُ باعتباره آلةً للقتل أو لتبريره. وما من دينٍ تصبح هذه شيمته، ويستطيع الصمود أو الاستقامة بعد ذلك. إنّ أصل الدين، أي دين، هو في قيامه على الإيمان والحرية. وليس في القتل إيمان، ولا حرية في دينٍ يعتمد القتل أو يُستخدم فيه. وسيقول كثيرون: لكنْ هناك مؤامرة لتصوير الإسلام باعتباره فاعلاً في هذه الجرائم الفظيعة! وعلى فرض التسليم بذلك، أي بالمؤامرة أو التواطؤ، تبقى تلك القابلية للاستخدام، وهذا أمرٌ لا يمكن إنكاره.

كان الإسلام منذ القديم ( لدى البيزنطيين في القرنين الثامن والتاسع مثلاً) موضع اتهامٍ لجهة استخدام العنف في نشر الدين. لكن عندما جاءت الحروب الصليبية بعد أربعة قرون، تبين أنّ أكثر سكان الشام ومصر ما يزالون مسيحيين، لكنّ الدولة عربية أو إسلامية. وهذا لا يعني أنّ العنف من أجل الفتح هو أمرٌ أقل قسوة بل ما أقصده أنّ العنف ما استُخدم في تغيير الدين أو الإكراه على الإسلام!

لكنْ لماذا اللف والدوران؟ لنسأل: لماذا يستشري العنف الآن، كما لم يستشرِ من قبل؟ لثلاثة أسباب: عدم رضا الناس عن بعض الحكومات، والثوران بداخل الدين، والسياسات الدولية التدخلية. وفي المجال الأول هناك عنفٌ عارٍ وفظيع. لكنّ أحداً لا يقول إنه عنفٌ ديني أو يحدث باسم الدين. وصحيح أن العنف السياسي هذا يظل بارزاً؛ لكنّ الثوران بداخل الدين ظاهرة جديدة لا نعرف عنها الكثير، وينبغي الإفادة من دراساتها عند الأميركيين. لا يفيد في شيء أن نسميهم «خوارج العصر»، أي أنهم يقومون بما كان به أهل حروراء يقومون ولا شيء أكثر. وهذا قياسٌ مع الفارق، وأسباب أهل حروراء غير أسباب أهلنا اليوم. ثم إنّ أهل حروراء قتلوا ثلاثةً أو أربعةً، بينما قتل «داعش» الآلاف المؤلفة. وقد كان إمامهم يسمي نفسه أمير المؤمنين، ويقتصر عدد أتباع الخارجي على الثلاثين أو الأربعين، فيخرج بذلك ملايين المسلمين من الإسلام، وهو الذي يفعله «داعش» فيمن يُدعى ولا يستجيب لدعوة الولاء!

إنّ دعوة السلم هي دعوةٌ إلى سكينة القلب والعقل، بحيث تقابل أخاك بوجهٍ بشوشٍ، وتستقبل يومك بالتفاؤل برحمة الله وعنايته. وسكينة الدين مؤديةٌ إلى سكينة الدنيا، وإلى تجدد الأمل فيها. والأمل يحوّل كل أعمالنا إلى مجالاتٍ للإرادة والفعالية، فضلاً عن السعي لصنع الجديد والمتقدم. وقد قضينا السنوات الماضية ونحن نكافح التطرف والإرهاب، وننهى عن المنكر. وقد آن الأوان للدعوة إلى المعروف، لكي يعرف الجميع إلى أين ينبغي الذهاب بعد الخروج من المأزق!

المصدر: الاتحاد




السلام العالمي في منظور إسلامي جديد

بقلم: رضوان السيد — يعاني المسلمون من سوء علاقاتٍ متفاقمٍ بالعالم، ما عاد متعلقاً وحسْب باصطدام الإحيائيات والأُصوليات بنظام العالم؛ بل تعدى ذلك إلى صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا المفزعة، ومصير القوى الإقليمية والدولية إلى التدخل في ديارنا وسيادتنا بالقتل والتهجير والتدمير، بحجة أننا جميعاً نشكّل خطراً على أمنها وأمن العالم!

وعلى وقع اعتبارات هذه الهموم والمشكلات، عقد منتدى تعزيز السلم مؤتمره السنوي الرابع في أبوظبي وهدفه اجتراح رؤية إسلامية للسلم العالمي والسلام مع العالم. وبخلاف الكثير من الندوات وورشات العمل، ما كان القصد التجديد في هذه المسألة أو تلك، أو ترميم هذا الصدع أو ذاك، بل صوغ سردية أو تأويلية شاملة تعيد النظر بصورة جذرية في الرؤية والخطاب وفي التدبير والتصرف.

لقد كان هناك دائماً فقه للدين وفقه للعيش. وعندما بدأ الاختلال يتناول فقه العيش وترتيباته، نتيجة لمتغيرات الحداثة، وللصراع في الإصلاحيين في النظام الدولي؛ بذلت جهودٌ كبيرة من جانب الإصلاحيين والصحويين للتجديد في فقه الدين بحيث يعود التلاؤم بين الطرفين أو بين الفقهين، لكنّ الانتظام لم يحصل، وتحول الأمر إلى مساعٍ من جانب العاملين في فقه الدين إلى الضغط به على فقه العيش المتغير إلى أن انفجر الأمر من طرفيه، دونما قدرة حتى الآن على استعادة الانضباط. وهذا أدى إلى زيادة الاختلالات في العيش وترتيباته، والدين وراديكالياته.

وقد كانت هناك محاولاتٌ خمسٌ كبرى للتجديد في الخطاب الديني خلال القرن العشرين، والأُولى قام بها محمد عبده ومدرسته في الإصلاح الديني، وعلى أساس تحقيق السُنن في النهوض، وإصلاح شأن المؤسسات الدينية. أما الثانية فقام بها محمد إقبال في «تجديد التفكير الديني في الإسلام». والإصلاح عنده مزيجٌ من الاعتراف بالجديد في الفكر والحركات من جهة، والاعتصام ببعض القديم من جهة أُخرى. وفي الثالثة تدخل عبد الرزاق السنهوري للملاءمة بين المدني والشرعي في اشتراع القانون في الدولة الحديثة. وفي الرابعة قام المفكر الجزائري مالك بن نبي في طرح نظرية في الحضارة. وكان الوحيد بين الإصلاحيين الذي كان ذا نظرة جيواستراتيجية اعتبر أنها يمكن أن تُخرج بتحالفاتٍ كبرى من القابلية للاستعمار، وتصنع الجديد والمتقدم. وفي المرحلة الخامسة أو المشروع الخامس تجدد الاهتمام بمقاصد الشريعة، باعتبارها القادرة في فهمها المتجدد للمسألة الإنسانية أن تُعيد الوصل مع العالم في مجال تحقيق مشتركاتٍ كبرى في قيم العيش والتصرف.

وما تحقق نجاحٌ كبيرٌ في كل هذه المشروعات، لأنها ما كانت شاملة، ولأنّ أصحابها كانوا يفتقرون إلى المرجعية، ولأنّ الإحيائيين نجحوا في تغيير المفاهيم وأرادوا مكافحة الاختلالات بالقوة فحصل الانفجار الذي لا نزال نعاني من آثاره.

تقوم السردية الجديدة في فقه الدين وتغيير رؤية العالم على ثلاث مقولات؛ ترى الأولى أنّ الرحمة هي القيمة العليا في علاقة الله سبحانه وتعالى ببني البشر. وفلسفة الدين هذه ليست جديدة، فقد اختلف المتكلمون في سياقاتٍ أُخرى وزمنٍ آخر على القيمة أو الميزان فذهبت المعتزلة إلى أنه العدل، بينما ذهب أهل السنة إلى أنها الرحمة. وبالطبع فإنّ الأمر لا يخلو من مشكلاتٍ بشأن حصرية الحقيقة، وحصرية الخلاص. وهي المشكلة التي ما خرجت منها المسيحية رغم موجة الاعترافات في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965). ثم إنّ ميزان الرحمة يتضمن تصوراً آخر لعلائق الإيمان بالعمل، وهي مشكلة قديمة، لكنّ العمل عليها يحصل بمعانٍ أُخرى وسياقاتٍ أُخرى.
أما المقولة الثانية فتعتبر التعارف القيمة العليا في العلاقات بين البشر، وهذا هو نصُّ القرآن الكريم. وتترتب على هذا الاعتبار مسائل ومشكلاتٌ بشأن الموروث في النصوص والوقائع والوعي، بشأن الحرب والسلم، ودار الإيمان ودار الكفر، وعلائق الدين بالدولة، ومعاني ودلالات التعارف والمعروف والاعتراف. وهذه جميعاً مفاهيم داخَلَها التغيير الكبير الذي اصطنعته الإحيائيات، وصارت المعاني الجديدة قوية في اعتبارات الوعي العام. وتشجع عليها الاستنزافات الكثيرة وانجراحات الوعي والواقع، بحيث صارت مفاهيمُ دينية كبرى مجالاً لانفجار العواطف، وانفعالات الغيظ والغضب والإحباط.

وتبدو المقولة الثالثة في السردية أو التأويلية أسهلَ قبولاً لكثرة العمل عليها في العقود الأخيرة، والمعني بها: مقولة مقاصد الشريعة أو المصالح الضرورية. وهي بحسب الفقهاء القدامى خمس: حق النفس (الحياة)، وحق العقل، وحق الدين، وحق النسل، وحق الملك. وهي تشكّل بالمعنى الجديد تكليفاً والتزاماً باتجاه تحقيق مقولة التعارف تجاه النفس وتجاه الغير؛ إذ إنّ هذه الضرورات أو المقاصد صارت قيماً عالمية وقواسم مشتركة، ومجالاتٍ للشراكة مع العالم. وبالوعي الجديد أفاد كثيرون منها في إعلاناتٍ إسلامية لحقوق الإنسان. وكان اللاهوتي الكاثوليكي البارز هانز كينغ قد قال: لا سلام في العالم إلاّ بالسلام بين الأديان، ولا سلام بين الأديان إلاّ بظهور الوعي بأخلاقٍ عالمية، أو مشتركات كبرى في القيم.

في مؤتمر منتدى تعزيز السلم، جرت نقاشاتٌ غنية بين المئات من المدعوّين والمشاركين. وقد كان هناك وعي قوي بضرورات الخروج من المأزق، والذي يرفض الخلط بين المحافظة والالتزام من جهة، والأصولية العقدية من جهة ثانية. كما يرفض اعتبار الشريعة بمثابة القانون الذي ينبغي أن يحكم الدولة لتكون إسلامية. ثم إنّ العلاقة بالعالم في التصور المتطرف يراد إدراكها باعتبارها علاقة بين الإيمان والكفر، وليس علاقة تعارف أرادها لنا القرآن الكريم.

وكما قيل جديدٌ كثيرٌ في النظر والاعتبار وبخاصة المقدمة التأطيرية للعلامة ابن بية رئيس منتدى تعزيز السلم، قال عالم الاجتماعيات فرهاد خسرو فاهار الكثير ذا المعنى عن الإسلاموفوبيا، وعلائقها بالهجرة والعنف والوعي، وهي ثلاثة أمورٍ تجري على مستوياتٍ مختلفة وتتحكم بالمشهد.

ولنعد إلى الأولويات الثلاث العربية والإسلامية والتي طرحتها مؤتمرات المنتدى: استنقاذ الدولة الوطنية، واستعادة السكينة في الدين، وتصحيح العلاقة مع العالم. وكما كان بارزاً في إعلان مراكش وفي مؤتمر الدولة الوطنية بأبوظبي: مبدأ المواطنة والحكم الصالح والرشيد؛ فإنّ البارز في مؤتمر الإسلام والسلم العالمي: استعادة السكينة في الدين، وتصحيح العلاقة مع العالم. إنّ هذين الأمرين ضروريان لبقاء الدين والأمة، وهما يقتضيان بالفعل فلسفة جديدة؛ إذ إنّ الترقيع والترميم ما عادا ممكنين، بل الضروري المتفق مع روح الدين اعتبار قيمة الرحمة في العلاقة بالله عز وجل لاستعادة السكينة والطمأنينة في الدين، وقضية التعارف في العلاقة مع بني البشر، لاستعادة السلم والأمن والثقة، والمشتركات الخمس مع الآخرين، لكي نكون جزءاً من العالم في قيمه وتنظيماته فنصون الحق في الوجود وفي الكرمة، وفي صنع الجديد والمتقدم والإنساني.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مبدأ الخير العام والواجب الإنساني المشترك ضد العنف

بقلم: صلاح سالم — بات العنف حقاً مشكلة عالمية، لا يستطيع أحد مجابهتها وحده، بل ثمة حاجة إلى أخلاقية عالمية، منصفة وتعددية وإنسانية، لمجابهة الظاهرة وتقليل خطرها على المصير البشري. تفرض هذه الأخلاقية كبحاً مزدوجاً لجماح التطرف في فهم الدين، وجماح النزعات الفوضوية في ممارسة الديموقراطية، دفاعاً عن مفهوم الخير الكوني، وغرسه في أذهان الناس؛ أي في سلوك الأفراد والجماعات، وفي بنى الثقافات، وهو ما لن يكون ممكناً إلا إذا اقتنع الجميع بأن العالم يمكن أن يسعنا جميعاً مهما كانت اختلافاتنا… المؤمن والملحد، الأبيض والأسود، الغنى والفقير، طالما ساد التعاطف الذي يسمح بالتفهم وليس فقط الفهم.

يقتضي إعمال هذا المبدأ الأخلاقي، ألا يتطلع كل فرد إلى مصلحته فقط، بل إلى هذه المصلحة في سياق الصالح العام للمجتمع أو الدولة، ليكون ممكناً لنا الحديث عن مجتمع واحد، وألا تسلك أمة سوى الطريق الذي يحقق مصلحة جموع الأمم حتى يكون ممكناً الحديث عن عالم واحد؛ فالعامل الحاسم في تأكيد السلم العالمي لا بد أن يتجذر في ذلك الشعور بالواجب المشترك الناجم عن القوة الروحية للنزعة الإنسانية، حيث يتمكن الأفراد المستنيرون في جميع الأمم من تجاوز حدود دولهم وأممهم إلى الشعور بالمسؤولية عن المجتمع البشرى قاطبة. إنه الشعور الذي نما في ضمير البشرية بظهور الديانات العالمية وحلولها محل نظائرها المحلية، وأيضاً مع تبلور الأنساق الفلسفية الكبرى، وخصوصاً مع رسوخ النزعة الإنسانية العلمانية، ولكن أثره السياسي المباشر لم يبلغ القدر الضروري اللازم لقيام مجتمع عالمي، ولذا يتوجب الشروع في تعليمه لمواطني كل الدول بدعم حكوماتهم حتى لا يظل قصراً على المستنيرين والخواص وحدهم.

قد لا يكون سهلاً بلوغ المثال الأعلى لمجتمع عالمي موحد، بحكم أسباب كثيرة، ولكن على الجماعات البشرية كلها أن تسعى صوب هذا الهدف، كي تصيب ولو قدراً منه؛ أو تتمكن، على الأقل، من وقف الحركة في الاتجاه العكسي له؛ فإذا ما تركنا النزعة الفردية تصل إلى ذروتها المطلقة نكون بشكل أو بآخر أمام أنانية جديدة، ليست تلك البدائية القديمة قليلة الحيلة، بل الحديثة المسلحة بكل عوامل القوة والدهاء، القادرة على النيل من كل فرد آخر أو قيمة اجتماعية مستقرة. وإذا تركنا الفكرة القومية تعمل عملها بلا رادع فإن المثال النازي المقيت لن يظل خلف ظهورنا، ولا النموذج الفاشي سيبقى مجرد جزء من ماضينا التعس، بل سوف نواجههما على طريق المستقبل، غداً وبعد غد، فالهمجية الجمعية لا حدود لها يمكن أن تقف عندها، خصوصاً مع التطور الهائل في إنتاج شتى أدوات الدمار والموت.

نحن، اليوم، بحاجة حقيقية إلى إعادة بناء مثل التنوير العليا، في مكونها المتصالح مع الإيمان الروحي، وبالذات النزعة النقدية وأخلاقيات العقل العملي لدى كانط، وإلى تحويل مفهومه العظيم عن «الواجب الأخلاقي» إلى نص شبه مقدس عن «الواجب الإنساني المشترك»، نقرأه صباحاً ومساء، بحيث نتصرف تجاه العالم بالشكل الأخلاقي الذي نأمل أن يتصرف به العالم تجاهنا، وأن نؤمن بأن سلوكنا اليوم وغداً هو سلوك الآخرين جميعاً، كي نجعل من سلوكنا مصدراً لخير العالم. باختصار نحتاج إلى ضمير جديد لا يصنعه الدين وحده بل تلهمه الخبرة الإنسانية المشتركة كلها، لا يخاطب فقط عالماً غيبياً ولا يخطب ود زمن مقدس، بل يخاطب واقعنا على هذه الأرض، وزمننا هذا (المدنس)، إيماناً بقدرتنا على أن نجعله أقل دنساً وربما أكثر طهارة، عندما نقيم سلام العالم وأمن الدول على قاعدة الديموقراطية والمشاركة والحوار داخل هذه الدول، الأمر يفرض علينا مساءلة النسقين الأساسيين المحيطين بالوجود الإنساني والأكثر هيمنة على مصيره:

النسق الأول يتمثل في المجتمع القاعدي، حيث يأخذ مبدأ الخير العام شكل منظومة القيم الأخلاقية المعتبرة لدى الأديان، والتي تحظى بتوافق إنساني واسع دلت عليه الخبرة الإنسانية المشتركة لدى الحضارات التاريخية الكبرى، فعبر التوافق على تلك المثل العليا تكتسب الأديان قدرة كبيرة على البقاء، وطاقة لا نهائية على التجدد، أما التفريط فيها فيمنح للأصوليين في كل دين مبرراً أخلاقياً لممارسة العنف، وقدرة عملية على تجنيد أصوليين آخرين، بذريعة التصدي لأولئك الفجار الذين يتنكرون للأخلاق السماوية، أو يرفضون المشيئة الإلهية.

وفي مواجهة التناقض الذي يراه البعض بين هذا المبدأ، باعتباره قيداً على حرية الإرادة الإنسانية، والنظريات الليبرالية الحديثة القائمة، والتي تعتبر أن الخير العام هو مجرد حاصل لخيارات الذوات الفردية الحرة، يمكن الادعاء بأنه مجرد تناقض ظاهري؛ لأن تحديد معايير كلية وسقوف عليا للخير والشر إنما هي أمور لا تنال من إرادة الفرد ولا من حريته في ارتكاب الأفعال الخيرة أو الشريرة، حيث الفارق كبير بين وضع معاير عامة وكلية للخير، يمكن للأفراد أن يستلهموها، وجبر هؤلاء الأفراد على السير نحوها، وذلك على منوال القانون، الذي يمثل قواعد عامة مجردة تحدد الخطأ والصواب، وهو مطلب أساسي لكل مجتمع متمدين. وبين قسر الناس على أن يكونوا مواطنين صالحين يراعون تلك القواعد القانونية. والأمر المؤكد أن الأديان، بطبيعتها، ولأنها تقوم على الحق المطلق للضمير الفردي وواجبه في اتخاذ قرارات اعتقادية وأخلاقية، سوف تبقى على احترامها لهذا الحق في كل الأحوال، ولكن ذلك لا يمنعها أبداً من وضع معاييرها الكلية للخير العام، وأن تدعو الناس إلى بلوغه، فإن لم تفعل فقد وقعت الإنسانية في قبضة النسبية الأخلاقية، على نحو يفتح الباب أمام تنامى التوترات النفسية، وتزايد السلوكيات العدمية.

وهنا تكمن أهمية الإسهامات التي قدمها الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس، وبالذات بحثه عن «الدين في المجال العام»؛ فالتسامح لديه أساس الثقافة الديموقراطية، ولكنه يتشكل من مــسار ذي اتـــجاهين دائماً، فلا ينبغي أن يتسامح المؤمنون فقط إزاء اعتقادات الآخرين وقناعاتهم، بل من واجب العلمانيين والملحدين أن يثمنوا قناعات المتدينين، حتى لا تصبح العلمنة سلطة عليا تضبط الأمور وتحدد لنا ما ينبغي التفكير فيه وما لا ينبغي التفكير فيه؛ بمعنى ألا تتحول إلى أيديولوجيا شمولية مغلقة تطرح نفسها على الجميع في صورة أمر فكري أو سياسي أو أخلاقي، فعندها سوف تتوقف عن محاولة الفهم، وتتحول إلى ما يشبه سلطة الفقهاء المسلمين المتشددين الآن، أو سلطة الإكليروس المسيحي في العصور الوسطى، محض تصور سلفي عن أصل ما، وإن اختلفت منابع الأصولية العلمانية، كسلفية تنسب إلى أصل مرجعي حديث، عن الأصولية الدينية كسلفية تنسب إلى أصل مرجعي قديم.

والنسق الثاني يتمثل في الدولة، باعتبارها النظام المجتمعي الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان، صاحبة الحق الأول في صوغ المجال العام؛ ومن ثم يتوجب تقديم نقد أخلاقي لطريقة عملها يدفعها إلى العمل وفقاً للمعايير الصحيحة التي تنبع جوهرياً من دورها في المجتمع الحديث، ومن ثم يتعين مساءلة العقائد السياسية والأمنية المعتبرة لديها: فهل ما تمارسه النظم القمعية من قهر واستبداد وتسلط على مواطنيها يستهدف الحفاظ على أمن مواطنيهم أم أنه تأبيد لحكم تلك النظم؟. وهل ما تعتمده من استراتيجيات تحرك في المجتمع الدولي يمثل حاجات ضرورية لأمنها، أم أنها تعكس فقط ميولاً عدائية، وتبغي تحقيق غايات استعراضية؟. وهل ثمة معقولية للأسلحة النووية باعتبارها سلاحاً للدفاع والردع، على رغم قدرتها على التدمير الشامل والمتبادل؟؛ ما يجعلها سلاحاً لا عقلانياً ولا إنسانياً، حيث تسمح، بل أدت بالفعل إلى هلاك أعداد لا تحصى من البشر على مذبح تفوق القوى العظمى، وسياسات الهيمنة العالمية؛ سواء في الحروب الساخنة أو الباردة، ناهيك عن التكلفة المادية الهائلة لها، والتي إذا ما استخدمنا في مواجهتها القانون الاقتصادي الشهير عن «الفرص البديلة»، وتخيلنا إنفاقها المنضبط والعقلاني على التنمية البشرية، وما قد يفضي إليه من ترقية عيش الإنسانية برمتها، ومن ثم حصار بعض نزعاتها الشريرة التي تنطلق من الفقر والحاجة والضغط الاقتصادي، كان في مقدورنا أن نحلم بعالم أقل عنفاً وأكثر إنسانية عن ذلك الذي نعيش في ظله.

إن الواجب الإنساني المشترك، القادر على تحقيق مبدأ الخير العام الكوني، هو فكرة شفافة، تبدو إنسانية جداً ولكنها أيضاً ضعيفة جداً، لا يمكن أن تبقى أو تنمو طالما تركت أسيرة فقط لوعي الأشخاص القادرين على اتخاذ مبادرات في هذا الاتجاه، بل لا بد من تغلغلها في بنية الدولة الديموقراطية، وفى البنيان الدستوري لها، ومن ثم في صرح القانون العقلاني المدني، الذي يعكس خبرات المجتمعات والحضارات الكبرى لها، ويجسد فعلاً المشترك الإنساني، وهو صرح غالباً ما تكون له أصول دينية، فكثير مما يعبر عنه اليوم بالعقلانية القانونية ما هو إلا نوع من تقاليد تشريعية كانت في الدين أصلاً ولكن تمت أنسنتها، لتصبح في ما بعد علمانية أو دنيوية؛ ولذلك فعلى الحس المشترك أن يعمل انطلاقاً من أرضية فعل ديموقراطي تعددي بالمعنى الواسع لا الضيق، فلا يعمل من أجل جماعة سياسية واحدة بل من أجل إنسانية واحدة، تنطوي على نظم سياسية متعددة ولكنها يمكن أن تكون متقاربة، وعلى معتقدات دينية مختلفة، ولكنها يجب أن تكون متعايشة على قاعدة التعدد الصوتي للإيمان الروحي.

المصدر: الحياة