من التقية والانتظار إلى ولاية الفقيه

د. هيثم مزاحم — شكّلت غيبة الإمام الثاني عشر عند المنظومة الشيعية الاثني عشرية، من دون تحديد موعد لظهوره كـ”مهدي للأمة” فراغاً عملياً في منصب المرجعية الدينية والقيادة السياسية. وبدأ علماء المذهب بالبحث عن آليات لسد هذا الفراغ للإجابة عن المسائل الفقهية والدينية المستجدة من جهة، وترشيد سلوك الشيعة السياسي والاجتماعي تجاه السلطة السياسية القائمة من جهة أخرى. وقد تطورت رؤية الفقهاء لمسؤولياتهم تدريجياً من قبولهم بأخذ الخُمس من الناس وتوزيعه على المستحقين، إلى إقامة الحدود وصلاة الجمعة. لكن نظرية النيابة العامة لم تتطور إلى نظرية سياسية تشمل جميع شؤون الحياة المعطلة في عصر الغيبة.

ترتب على اعتقاد الاثني عشرية بفكرة “التقية” والانتظار أن يرفض معظم فقهائهم التصدي للإمامة والقيام بتشكيل الدولة في عصر الغيبة، وذلك لأن الإمامة تشترط إماماً معصوماً ومنصوصاً عليه، بحسب اعتقادهم. ومع تطور علم أصول الفقه ونشوء مفهوم الاجتهاد والتقليد، نشأت نظرية النيابة العامة للفقهاء عن الإمام الغائب في إدارة الأمور الحسبية، التي تتضمن إدارة أموال الأوقاف والخُمس والزكاة وأموال السفهاء ومن لا ولي له وتكفّل اليتامى والمحتاجين، وهي من الأمور التي لا ينبغي تركها لضرورة حفظ النظام العام.

لكن قيام الدولة الصفوية، وما رافقه من نهوض اجتماعي وسياسي للشيعة في إيران، قد وفّر الظروف المناسبة لبحث مسألة الحكم والدولة في الفقه الاثني عشري. أما أول فقيه بحث بالتفصيل في مسألة ولاية الفقيه وجعل منها مسألة فقهية مستقلة، وأقام عليها الدليل العقلي والأدلة النقلية فهو الشيخ أحمد النراقي (ت 1248هـ)، فقيه العصر القاجاري، في كتابه “عوائد الأيام” حيث يشير إلى مسألة ولاية الفقيه للمرة الأولى بصورة يمكن اعتبارها جزءاً من الفكر السياسي. فقد رأى النراقي أن للفقيه ما للإمام المعصوم من الوظائف والأعمال في مجال الحكم والإدارة والسياسة، وهو تحوّل مهم في المذهب إذ منح الفقيه دور القيادة السياسية بعدما كان دوره مقتصراً على المرجعية الفقهية والدينية، أي السلطة الشرعية من دون السلطة السياسية الزمنية.

لكن اتجاه ولاية الفقيه لم يستطع أن يصبح اتجاهاً عاماً وعملياً عند الاثني عشرية، بل بقي اتجاهاً محدوداً ونظرياً، فيما ظهرت نظريات سياسية أخرى في موازاته هي نظرية “السلطنة المشروعة” التي تفصل بين الدين والدولة، حيث تمنح الفقيه السلطات الشرعية الدينية من قبيل الأمور الحسبية، من إدارة الأموال الشرعية والقضاء والفتيا في مقابل الاعتراف للسلطان المسلم ذي الشوكة بالسلطة السياسية أو الزمنية. كما ظهرت في أوائل القرن العشرين نظرية “الحكومة المشروطة” مع الشيخ محمد النائيني (ت 1355هـ)، التي واكبت ثورة الدستور في إيران عام 1905 ضد الشاه، وهي نظرية تدعو إلى تحديد سلطات السلطان السياسي المستبد وتقييدها بالدستور أو “المشروطة” ومشاركة بعض الفقهاء في مجلس الشورى (البرلمان) الذي يقوم بسنّ القوانين والتشريعات لضمان عدم مخالفتها للشريعة الإسلامية ولمنع استبداد الحاكم المسلم.

بيد أن التحول الأبرز في الفقه السياسي الاثني عشري جاء مع الإمام الخميني (ت 1989)، عندما أعاد إحياء نظرية ولاية الفقيه العامة، وجعلها ولاية مطلقة واستطاع أن يأخذ بها إلى حيّز التطبيق العملي عبر إقامة “الجمهورية الإسلامية” في إيران عام 1979 بعد انتصار الثورة على الشاه محمد رضا بهلوي.

مهّد الخميني للقول بولاية الفقيه بضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وقال: “إن ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) لا سيّما مع هذه السنين المتمادية، ولعلّها تطول. والعياذ بالله، إلى آلاف السنين. والعلم عنده تعالى”. وقال: “أية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبّر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في عصر الغيبة، مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلاّ بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد”. واستشهد بقول السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول محمد (ص) في خطبتها المعروفة و(الطاعة نظاماً للملّة والإمامة لمّاً من الفرقة) كدليل على لزوم بقاء الولاية والرئاسة العامة، وقال: “أمّا في زمان الغيبة فالولاية والحكومة، وإن لم تجعل لشخص خاص، لكن يجب، بحسب العقل والنقل، أن تبقيا بنحو آخر، لما تقد‍م من عدم إمكان إهمال ذلك، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي”.

وقد رفض الخميني نظرية التقيّة والانتظار السلبية للإمام الغائب المسمّى محمد بن الحسن العسكري والملقب بـالمهدي رفضاً مطلقاً، واستدل بالأدلة العقلية على ضعف الأحاديث التي كانت توصي بهذه النظرية. وكتب يقول: “بديهي أنّ ضرورة تنفيذ الأحكام (الشرعية) لم تكن خاصة بعصر النبي (ص) بل الضرورة مستمرة، لأن الإسلام لا يحد بزمان أو مكان. لأنه خالد فيلزم تطبيقه وتنفيذه والتقيّد به إلى الأبد. وإذا كان حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة، وحرامه حراماً إلى يوم القيامة، فلا يجوز أن تعطّل حدوده، وتهمل تعاليمه، ويترك القصاص أو تتوقف جباية الضرائب المالية، أو يترك الدفاع عن أمة المسلمين وأراضيهم. واعتقاد أن الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود، يخالف ضروريات العقائد الإسلامية، وبما أنّ تنفيذ الأحكام بعد الرسول الأكرم (ص) وإلى الأبد من ضرورات الحياة. لذا كان ضرورياً وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة. إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج والفساد الاجتماعي، والانحراف العقائدي والخلقي، فلا سبيل إلى منع ذلك إلاّ بقيام حكومة عادلة تدير جميع أوجه الحياة”.

ويستدلّ الخميني بضرورة الحكومة في عصر الغيبة بطول مدة غيبة الإمام المهدي والتي قد تطول ألوف السنين ويتساءل: “وهل تبقى أحكام الإسلام معطّلة؟ يعمل الناس خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمئتي عام مثلاً؟ هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء”. ويجيب بالنفي مؤكداً “أنّ كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام. ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها. وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف”.

يخاطب الخميني أصحاب نظرية الانتظار قائلاً: “لا تقولوا ندع إقامة الحدود، والدفاع عن الثغور، وجميع حقوق الفقراء، حتى ظهور الحجة (الإمام المهدي)، فهلاّ تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟”، وذلك في محاولة للاستدلال العقلي على وجوب التصدّي للإمامة من خلال الاستدلال بوجوب الصلاة في جميع الأزمنة والأمكنة والظروف، وعدم وجود أي مبرّر يجيز التوقّف عن الصلاة.

وحول من ينوب مقام الإمام المعصوم في الإمامة، يقول الخميني: “وبالرغم من عدم وجود نص على شخص ينوب عن الإمام حال غيبته، فإن خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يعتبر توافرها في أي شخص مؤهلاً إياه ليحكم في الناس. وهذه الخصائص التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة موجودة في فقهائنا في هذا العصر”.

وذكر الإمام الخميني في موضع آخر: “يرجع أمر الولاية إلى الولي الفقيه العادل، وهو الذي يصلح لولاية المسلمين؛ إذ يجب أن يكون الولي متّصفاً بالفقه والعدل”.

وقد ذهب إلى أنّ صلاحيات الفقيه هي صلاحيات الإمام المعصوم نفسها فقال: “للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (ع)، مما يرجع إلى الحكومة والسياسة، ولا يعقل الفرق، لأن الوالي، أيّ شخص كان، هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية، والآخذ للخراج، وسائر الماليات والتصرف فيها بما فيه صلاح المسلمين”.

وهكذا نرى أنّ الخميني كان يؤمن من خلال تأويله لتلك الروايات، بأنّ ولاية الفقيه ولاية دينية إلهية، ويقول في ذلك: “إنّ الله جعل الرسول (ص) ولياً للمؤمنين جميعاً، ومن بعده كان الإمام ولياً، ونفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه، وإن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأصلية». ثم يعتبر أن على الفقهاء أن «يعملوا فرادى ومجتمعين من أجل إقامة حكومة شرعية. وفي حال عدم إمكان تشكيل تلك الحكومة، فالولاية لا تسقط لأن الفقهاء قد ولاّهم الله. وليس العجز المؤقت عن تشكيل الحكومة القوية المتكاملة يعني بأي وجه، أن ننزوي، بل التصدي واجب”.

حصر الخميني الحق في إقامة الدولة في عصر الغيبة في الفقهاء فقط، إذ يقول: “الفقهاء العدول وحدهم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام وإقرار نظمه، وإقامة حدود الله وحراسة ثغور المسلمين، وقد فوّض إليهم الأنبياء جميع ما فوّض إليهم وائتمنوهم على ما ائتمنوا عليه”.

المصدر: خلاصة من بحث هيثم مزاحم “سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق”، ضمن الكتاب 130 (أكتوبر/تشرين الأول 2017) ‘مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار’ .الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي، نقلاً عن موقع ميدل ايست أونلاين




نسخ الكتب لدى بني منقذ أمراء شيزر(474-552هـ/1081-1157م)

بقلم: د. حجازي عبد المنعم سليمان – جامعة المنوفية – مصر — على الرغم من تقلب الأحداث السياسية التي عمت منطقة بلاد الشام والعراق ومصر في الفترة التي شهدت إعلان بني منقذ لقيام إمارتهم في مدينة شيزر عام 474هـ/1081م سواء أكانت أحداث سياسية محلية كصراعهم مع أتابكة حلب ودمشق والمدن الصغيرة الأخرى المجاورة لهم مثل حماة وأفامية وكفرطاب وغيرها، أم ممثلة في أحداث سياسية إقليمية كبرى شهدت استيلاء الصليبيين على بلدان العالم الإسلامي في الشام والعراق، وامتداد صراع الأتراك السلاجقة إلى بلاد الشام وآسيا الصغرى بحيث شغل ذلك جانبًا كبيرًا من اهتمام معظم الأطراف السياسية في المنطقة، فقد غدت إمارة شيزر – على ضفاف نهر العاصي في قلب بلاد الشام عمومًا وسوريا خصوصًا – في ظل بني منقذ واحدة من أهم مراكز العلوم والآداب في قلب بلاد الشام في تلك الفترة المفعمة بالإضرابات السياسية والعسكرية ومن ثم عدم الاستقرار بخلاف ما تقتضيه ظروف الاهتمام بالعلوم والآداب بشكل عام من استقرار ورخاء.
وقد اهتم أمراء بني منقذ بالعلوم والآداب وبرعوا في ذلك براعة لا نظير لها وبخاصة في مجالات الأدب بعامة والشعر بخاصة، وقد ازدهرت الحركة العلمية والأدبية في ظل بني منقذ لأكثر من عامل منها ظروف العصر السياسية التي جعلت من شيزر ملجأ آمن للعلماء الذين هجروا قراهم ومدنهم أمام زحف الصليبيين على بلاد الشام واستيلائهم على المدن والقلاع المحيطة بشيزر التي انتقلوا إليها واستقروا بها، علاوة على تشجيع الأمراء للعلماء والأدباء وتهيئة الظروف الملائمة للاهتمام بالعلوم والآداب، وإسباغهم عليهم بالأموال والهبات والعطايا، واهتمام بعض الأمراء أنفسهم ببعض المظاهر العلمية والأدبية، وفي مقدمتهم الأمير سديد الملك علي بن مقلد الكفرطابي والأمير مرشد بن منقذ بن علي، وأسامة بن مرشد بن منقذ، وابنه مرهف بن أسامة، ومرهف بن مرهف وغيرهم من بني منقذ. ناهيك عن وجود بعض مراكز العلوم والآداب في شيزر وعلى رأسها المسجد الجامع في المدينة، وتوافر الكتب والمكتبات وبخاصة المكتبات الخاصة، وما إلى ذلك من عوامل أخرى هيأت الظروف أمام العلوم والآداب إلى الازدهار في شيزر.
ويتصدى المقال لمعالجة دور بني منقذ في نسخ الكتب من خلال التعرض لاهتمام أمراء بني منقذ بنسخ الكتب سواء العلمية أم الأدبية علاوة على نسخ القرآن وتذهيب رؤوس السور والآيات والأجزاء، وقد اهتم بعض أمراء بني منقذ بظاهرة نسخ الكتب كأحد مظاهر اهتمامهم بالحياة العلمية والأدبية، وسوف يركز عليها الباحث بوصفها مظهرًا من مظاهر الحركة العلمية لدى أفراد الأسرة سواء داخل أسوار شيزر أم خارجها، وسواء حدث ذلك خلال إمرتهم لشيزر أم خلال فترات زمنية لاحقة لفترة إمرتهم لها. ولا أقصد من وراء ذلك ترجيح انتهاج أمراء بني منقذ لحرفة نسخ الكتب لأجل التكسب والتعيش وإنما بوصفها هواية أفادت ميولهم العلمية والأدبية، بيد أنهم أصلوها بدراستهم للخط وإجادتهم له.
وقد حفلت متون المصادر بإشارات كثيرة أشاد خلالها الذين ترجموا لهم بحسن خطهم وبراعتهم فيه، وأن أغلبهم كان يقوم بسطر مؤلفاتهم بأيديهم بخط حسن على ما أشار الأصفهاني والسمعاني وابن العديم وغيرهم، وقد اهتم بعض الأمراء بدراسة الخط وتحسينه بحيث اشتملت دروس تأديب أمراء بني منقذ وتعليمهم في حلقة الشيخ محمد بن طاهر الداني الطليطلي (ت:519هـ) متولي دار العلم في طرابلس على عهد بني عمار على تعليم الخط الذي كان أحد فروع تأديب صغار الأمراء آنذاك. وللغرض ذاته استضاف بنو منقذ يانس الناسخ الذي اشتهر بطريقته الحسنة في الخط، وظل مقيمًا في كنف بني منقذ وخدم الأمير مرشد بن منقذ بصفة خاصة ونسخ له ختمات عدة للقرآن الكريم. بيد أنه رحل إلى مصر فيما بعد واستُخدم في خزانة الكتب الأفضلية في ظل الفاطميين، وهناك أشاد بعض المؤرخين اللاحقين على غرار المقريزي ببراعته في الخط، وقُرن خطه بخطوط أخرى مشهورة لإبن البواب وراشد ومهلهل والحاكم البغدادي وغيرهم من مشاهير النساخ آنذاك. وهذا يعني أن خدمة يانس الناسخ للأمير مرشد بن منقذ كانت أحد أسرار براعة الأخير في النسخ، ومن المرجح أن قيام يانس الناسخ بتعليم أبناء الأمير مرشد وغيرهم على ما جرت به العادة آنذاك من استخدام المعلم في تعليم أبناء الأسرة الواحدة وتأديبهم، كما استخدم أسامة بن منقذ غنايم المعري الناسخ وكان مما نسخه له بخط يده كتاب “لباب الآداب” الذي انتهى من نسخه في صفر 579هـ.
وقد امتد نسخ الأمراء إلى المصحف الشريف وعلوم القرآن وتفسيره بجانب المجموعات الشعرية والملخصات والمُذيلات والحوليات التاريخية. ولا ينبغي التقليل من أهمية نسخ المصحف في تلك الحقبة، إذ عُد ناسخو المصحف من ذوى الفنون الجميلة آنذاك، وذاع صيت بعض من امتهنوا حرفة النسخ بين رعايا بني منقذ مثل غنائم المعري الذي نسخ عدة كتب لصالح بعض أمراء الأسرة. أما الأمير مرشد وابنه أسامة ناهيك عن مرهف بن أسامة وعلي بن مرشد ومنقذ بن مرشد وغيرهم فقد برعوا فيها جميعًا، وقد أبدى الإمام السمعاني اندهاشه من رؤيته لأحد المصاحف التي نسخها مرشد بن منقذ بخطه “…ورأيت مُصحفًا بخطه كتبه بماء الذهب على الطاق الصوري ما أظن الأعين رأت أحسن منه…”، وأضاف ياقوت الحموي “…ما رأيت ولا أظن أن الرائين رأوا مثله، فقد جمع إلى فضائله حُسن الخط…”.
ولم يُخفِ أسامة بن منقذ فضوله حينما سأل والده عن عدد الختمات التي نسخها “…وكان يكتب خطًا مليحًا (أي الأمير مرشد بن منقذ)…فلما حضرته الوفاة قال: في ذلك الصندوق مساطر، كتبتُ على كل مسطرة ختمة، ضعوها (يعنى المساطر) تحت خدي في القبر فعددناها، فكانت ثلاثاً وأربعين مسطرة، فكان كتب بعدتها ختمات، منها ختمة كبيرة كتبها بالذهب…وكتب ختمة أخرى بالذهب مجردة من التفسير…”.
ولم يقتصر اهتمام الأمير مرشد على نسخ القرآن وقراءاته وإنما نسخ أيضًا بعض كتب التفسير، فكتب ختمة كبيرة “…كتبها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن، قراءاته، وغريبه، وعربته، وناسخه ومنسوخه، وتفسيره، وسبب نزوله وفقهه، بالحبر والحمرة والزرقة، وترجمة بالتفسير الكبير…”.
وأشار ابن عساكر إلى نسخ الأمير مرشد بن منقذ ما يقرب من 70 ختمة للقرآن بخطه المليح، وأنه كان ينسخ مُصحفًا وهو يتذاكر مع أبنائه مهاجمة البيزنطيين لشمال الشام عام 531هـ/1137م فرفع المصحف ودعا الله أن يقبض روحه قبل مهاجمتهم شيزر. وقد تُوفي قبل مهاجمة البيزنطيين لشيزر532هـ/1138م، كما نسخ الأمير مرشد بعض أشعار أهل عصره ودونها بخطه الذي تغنى به بعض الشعراء، من ذلك قول الحصفكي:

ألم ترَ أن المزن فاضت فنولت رباب وأروى منه حلي الكواعب
بأبيات نظم أفحمت كل شاعر وآيات نثر أعجمت كــل خاطـــــــــب
وغر معان أعجزت كل عالم وأسطر خط أرعشت كـــــل كاتـــــــــــب

كما حصل ابن العديم أيضًا على مجموع آخر نسبه إلى أهل شيزر عامة ولم يحدد كاتبه، وهو على الرغم من ذلك يُعد تأكيدًا لسيادة الاهتمام بعملية النسخ على وجه العموم. ونقل ابن العديم بعض تراجمه في بغية الطلب عن مجموع شعري بخط أحد أبناء أسامة بن منقذ وقد رجح نسبته إلى الأمير مرهف الذي خلف أباه أسامة في الاهتمام بالآداب، وهو مجموع فيه شعر لشعراء من معرة النعمان. واهتم أمراء آخرون بنسخ الكتب التي تخدم اتجاهاتهم العلمية والأدبية، بحيث ارتبط معظم ما نقله ابن العديم عن خط الأمير أسامة بن منقذ باهتماماته الأدبية والتاريخية، ويرجح قيام أسامة بن منقذ بنسخ بعض كتبه بخطه؛ إذ قدم ابن العديم إشارة صريحة تتحدث عن نقله عن كتاب يُسمى “أزهار الأنهار” بخط أسامة بن منقذ، على حين أورد الأصفهاني رسالة للقاضي الفاضل موجهة إلى أسامة بن منقذ ذكر فيها وقوفه على كُتب بخط أسامة أو ابنه مرهف في حلب، وأكد الصفدي رؤيته نسختين من “ديوان أسامة” بخط يده وأنه نقل عن إحداها، ولا غرو في أن وجود نسختين بخط يد أسامة تُرجح بقوة نسخه مؤلفاته أو بعضها على الأقل بيده.
ونسخ علي بن مرشد صاحب الخط المليح بعض كتب الحديث الذي توفر على سماعه في بغداد، ونقل ابن العديم عن كتاب بخط علي بن مرشد يسمى “البداية والنهاية في التاريخ” وأشار جمال خطه الذي نقل عنه أكثر من 18 رواية، أما منقذ بن مرشد – وهو الابن الثالث للأمير مرشد – الذي شغف بدراسة التاريخ فإنه دون كتاباته بخطه الجميل واعتمد عليها ابن العديم في أكثر من موضع، وأقر له ابن عساكر بأنه “…سمع الحديث الكثير وكتب، وحصل من كتب الحديث قطعة صالحة”، وعليه فإنه يمكن ترجيح قيام أمراء بني منقذ نتيجة لحُسن خطهم وجماله ودراستهم للخط على يد نساخ مشهورين بنسخ مؤلفاتهم بأيديهم أو بعضها على الأقل سواء المؤلفات الدينية أم اللغوية والتاريخية وما سواها.
وقد جمع بعضهم إلى جانب النسخ بعض فنون الخط الأخرى كالتذهيب وتزيين المصاحف “…بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورءوس السور ورءوس الأجزاء…”، ناهيك عن براعتهم في فن التجليد. ولا ريب في أن نقل ابن العديم وغيره عن مؤلفات بخط بعض الأمراء بعد مرور أكثر من قرنين من ظهور تلك الأسرة على مسرح الأحداث وبعد مرور أكثر من قرن على انتهاء نفوذها السياسي ما يرجح أن أمراء بني منقذ قدموا أعمالاً قيّمة في مجال النسخ وظلت نسخهم متداولة في أيدي العلماء اللاحقين.

المصادر والمراجع:
أولًا : المصادر:
 ابن الأثير (ت:630هـ/1232م) علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري:
1- الكامل في التاريخ، عنى بمراجعة أصوله والتعليق عليه نخبة من العلماء، ط5، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ/1985م.
2- التاريخ الباهر في الدولة الاتابكية بالموصل، تحقيق: عبد القادر طليمات، القاهرة 1963م.
 أسامة بن منقذ الشيزري (ت: 584هـ/1185م):
3- الاعتبار، تحقيق: فيليب حتى، برنستون، 1930.
4- لباب الآداب، تحقيق: أحمد شاكر، القاهرة، 1354هـ/1935م.
5- ديوان أسامة، تحقيق: أحمد بدوى، وحامد عبد المجيد، المطبعة الأميرية، القاهرة 1953م.
6- العصا، تحقيق: عبد السلام هارون، في نوادر المخطوطات، وأخرى من تحقيق: حسن عباس، هيئة الكتاب، فرع الإسكندرية، ط2، 1981م.
7- المنازل والديار، تحقيق: مصطفي حجازي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1994م.
8- البديع في نقد الشعر، تحقيق: احمد بدوى وحامد عبد المجيد، القاهرة، 1960م.
9- مختصر سيرة ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، مكتبة دار الفكر العربي (د.ت).
 المقريزي: التاريخ المقفى الكبير، تحقيق: محمد اليعلاوى، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991م

ثانيا: المراجع
• أحمد قدري الكيلاني: أسامة بن منقذ، دمشق، 1997م.
• أحمد كمال ذكي: أسامة بن منقذ، القاهرة، 1968م.
• جرجس مخول: “شيزر وبنو منقذ، مجلة البحث التاريخي”، عدد 1، 1977م
• حسن عباس: أسامة بن منقذ، جزءان، الهيئة العامة للكتاب، الإسكندرية، 1981م.
• طاهر الغساني: أسامة بن منقذ، أو شيزر وأل منقذ، المكتبة الوطنية، حماة، د.ت.محمد عدنان قيطاز: أسامة بن منقذ، دمشق، 1998م.
• علي إبراهيم عبد الفتاح كيلاني: “الغربة في شعر أسامة بن منقذ”، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، جامعة مؤتة، الأردن، مجلد 8، عدد 2، ربيع ثان 1414هـ/ أيلول 1993م.
• فيليب حتى: “درس في حياة أسامة بن منقذ وكتاب الاعتبار”، مجلة المجمع العلمي العربي، مجلد10، 1930م.
• محمد أحمد حسين: أسامة بن منقذ؛ صفحة من تاريخ الحروب الصليبية، القاهرة، 1946م.
• محمد جاسم: إمارة بني منقذ العربية، بغداد، 1985م.
• محمد محمد مرسي الشيخ: الإمارات العربية في بلاد الشام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، الإسكندرية، 1980م.
• محمود عبد الله الجفال: أسامة بن منقذ، حياته وشعره، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة القاهرة.
• يعقوب صروف:
1- “كتاب لباب الآداب”، مجلة المقتطف، جـ12، مجلد32، ديسمبر، 1907م، شوال 1325هـ.
2- “نوادر من لباب الآداب”، مجلة المقتطف، جـ6، مجلد33،يونيه 1908، جماد أول، 1326هـ.




سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق

بقلم: د. هيثم مزاحم* — يرى الإمام الخميني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينقسمان إلى واجب ومندوب، فما وجب عقلاً أو شرعاً وجب الأمر به، وما قبح عقلاً أو حرم شرعاً وجب النهي عنه، وما ندب واستحب فالأمر به كذلك وما كره فالنهي عنه كذلك. وهو يفتي بأن الأقوى أن وجوبهما كفائي، فلو قام به من به الكفاية سقط عن الآخرين، وإلا كان الكل مع اجتماع الشرائط تاركين للواجب. ويشترط أن يكون الآمر أو الناهي يعرف أن ما تركه المكلف أو ارتكبه معروف أو منكر، فلا يجب ذلك على الجاهل بالمعروف والمنكر، فالعلم شرط الوجوب، إذ يجب تعلم شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموارد الوجوب وعدمه والجواز وعدمه، حتى لا يقع الآمر أو الناهي في المنكر في أمره ونهيه.

أما الشرط الثاني لوجوب الأمر أو النهي في الرأي الفقهي للخميني، فهو أن يحتمل تأثير الأمر أو النهي، فلو علم أو اطمأن بعدمه فلا يجب. والشرط الثاني هو الاستمرار بالمنكر. والشرط الثالث ألا يكون في إنكاره مفسدة، فلو علم أو ظن أن إنكاره، موجب لتوجه ضرر نفسي أو عرضي أو مالي يعتد به عليه أو على أحد متعلقيه كأقربائه وأصحابه وملازميه فلا يجب ويسقط عنه، بل وكذا لو خاف ذلك لاحتمال معتد به عند العقلاء.

يقول الخميني في مسألة متعلقة بالموضوع: “لو كان المعروف والمنكر من الأمور التي يهتم بها الشارع الأقدس، كحفظ نفوس قبيلة من المسلمين وهتك نواميسهم، أو محو آثار الإسلام ومحو حجته بما يوجب ضلالة المسلمين، أو إمحاء بعض شعائر الإسلام كبيت الله الحرام، بحيث يمحى آثاره ومحله وأمثال ذلك، لا بد من ملاحظة الأهمية، ولا يكون مطلق الضرر ولو النفسي أو الحرج موجباً لرفع التكليف. ويتابع الخميني: “لو كان في سكوت علماء الدين ورؤساء المذهب (أعلى الله كلمتهم) تقوية للظالم وتأييد له -والعياذ بالله- يحرم عليهم السكوت، ويجب عليهم الإظهار ولو لم يكن مؤثراً في رفع ظلمه. لو كان سكوت علماء الدين ورؤساء المذهب (أعلى الله كلمتهم) موجباً لجرأة الظلمة على ارتكاب سائر المحرمات وإبداع البدع يحرم عليهم السكوت، ويجب عليهم الإنكار، وإن لم يكن مؤثراً في رفع الحرام الذي يرتكب”.

ويفتي الخميني بأنه “لا يجوز إشفاع الإنكار بما يحرم وينكر كالسب والكذب والإهانة، نعم لو كان المنكر مما يهتم به الشارع ولا يرضى بحصوله مطلقاً، كقتل النفس المحترمة وارتكاب القبائح والكبائر الموبقة جاز، بل وجب المنع والدفع ولو مع استلزامه ما ذكر لو توقف المنع عليه. لو كان بعض مراتب القول أقل إيذاء وإهانة من بعض ما ذكر في المرتبة الأولى، يجب الاقتصار عليه، ويكون مقدماً على ذلك، فلو فرض أن الوعظ والإرشاد بقول ليّن ووجه منبسط مؤثر أو محتمل التأثير، وكان أقل إيذاء من الهجر والإعراض ونحوهما، لا يجوز التعدي منه إليهما، والأشخاص آمراً ومأموراً مختلفون جداً، فرب شخص يكون إعراضه وهجره أثقل وأشد إيذاء وإهانة من قوله وأمره ونهيه، فلا بد للآمر والناهي من ملاحظة المراتب والأشخاص، والعمل على الأيسر ثم الأيسر”.

أما المرتبة الثالثة للنهي عن المنكر فهي الإنكار باليد. يفتي الخميني بأنه “لو علم أو اطمأن الناهي بأن المطلوب لا يحصل بالمرتبتين السابقتين أي بالقلب واللسان، وجب الانتقال إلى المرتبة الثالثة، وهي إعمال القدرة مراعياً للأيسر فالأيسر. إن أمكنه المنع بالحيلولة بينه وبين المنكر وجب الاقتصار عليها لو كان أقل محذوراً من غيرها. لو توقفت الحيلولة على تصرف في الفاعل أو آلة فعله -كما لو توقفت على أخذ يده أو طرده أو التصرف في كأسه الذي فيه الخمر أو سكينه ونحو ذلك- جاز بل وجب.

يخطو الخميني خطوة أكبر في مسألة جواز استعمال العنف في النهي عن المنكر، لكنه يشترط الإذن من الفقيه الجامع للشروط، بل يشترط إذن الإمام المعصوم أو من يقوم مقامه في الجرح والقتل، إلا إذا كان دفاعاً عن النفس، فلا يحتاج إلى الإذن. يقول في فتاواه في “تحرير الوسيلة” في هذا الصدد: “لو لم يحصل المطلوب إلا بالضرب والإيلام فالظاهر جوازهما مراعياً للأيسر فالأيسر والأسهل فالأسهل، وينبغي الإذن من الفقيه الجامع الشرائط، بل ينبغي ذلك في الحبس والتحريج ونحوهما. لو كان الإنكار موجباً للجر إلى الجرح والقتل فلا يجوز إلا بإذن الإمام (عليه السلام) على الأقوى.

لكن الخميني حذر جداً ويحتاط كثيراً في الإفتاء بجواز استخدام العنف في النهي عن المنكر، فهو يحرم قتل مرتكب المنكر مع إمكانية دفعه عن المنكر بالجرح مع مراعاة الأيسر فالأيسر في الجرح، ولو تمكن من الدفع بالأدنى من ذلك كالإنكار بالقلب واللسان لوجب عليه ذلك، وإن تعدى الناهي وجب عليه ضمان ذلك من قبيل دفع تعويض لمرتكب المنكر. يقول الخميني: “لا يجوز التعدي إلى القتل مع إمكان الدفع بالجرح، ولا بد من مراعاة الأيسر فالأيسر في الجرح، فلو تعدى ضمن، كما أنه لو وقع عليه من فاعل المنكر جرح ضمن أو قتل يُقتص منه. ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في أمره ونهيه ومراتب إنكاره كالطبيب المعالج المشفق، والأب الشفيق المراعي مصلحة المرتكب، وأن يكون إنكاره لطفاً ورحمة عليه خاصة، وعلى الأمة عامة.

يحصر الخميني الأمور السياسية والقضائية والمالية من تنفيذ الحدود وأخذ الخمس والزكاة والحقوق الشرعية بالإمام المعصوم أو نوابه الفقهاء الجامعين للشروط، باستثناء الجهاد الابتدائي أي الهجومي، وليس الجهاد الدفاعي. وهو يوجب على هؤلاء الفقهاء وجوباً كفائياً القيام بهذه المهام بحسب إمكاناتهم، فيقول: “يجب كفاية على النواب العامين القيام بالأمور المتقدمة مع بسط يدهم وعدم الخوف من حكام الجور، وبقدر الميسور مع الإمكان. يجب على الناس كفاية مساعدة الفقهاء في إجراء السياسات وغيرها من الحسبيات التي من مختصاتهم في عصر الغيبة مع الإمكان، ومع عدمه فبمقدار الميسور الممكن”. ويرى الخميني أنه “لا يجوز الرجوع في الخصومات إلى حكام الجور وقضاته، بل يجب على المتخاصمين الرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط، ومع إمكان ذلك”.

ويتطرق الخميني في فتوى أخرى إلى المقاطعة الاقتصادية لدول أو شركات أجنبية تضر باقتصاد المسلمين، فيقول: “لو كان في الروابط التجارية من الدول أو التجار مع بعض الدول الأجنبية أو التجار الأجنبيين مخافة على سوق المسلمين وحياتهم الاقتصادية وجب تركها وحرمت التجارة، وعلى رؤساء المذهب مع خوف ذلك أن يحرموا متاعهم وتجارتهم حسب اقتضاء الظروف، وعلى الأمة الإسلامية متابعتهم، كما يجب على كافتهم الجد في قطعها”.

بناء عليه، فإن تولي الشرطة الدينية أو هيئة للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد جعل الأمر خاضعاً للتنظيم والقانون، وأصبح من شأن الدولة وبخاصة في المرتبة الثالثة كالنهي باليد وبخاصة الجرح والقتل. لكن ذلك قد عزز صلاحيات الشرطة الدينية و”الباسيج”، وأجهزة تابعة للأمن والحرس الثوري، التي تقوم بالأمر والنهي وبخاصة فرض ارتداء الحجاب الكامل على النساء في إيران. وكان الأمر مثار جدل كبير بين الإصلاحيين والمحافظين خلال العقدين الماضيين، وبخاصة منذ وصول الرئيس محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997، وكذلك منذ انتخاب الرئيس حسن روحاني عام 2013.

المصدر: مقتطفات من دراسة للباحث بعنوان “سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق”، ضمن الكتاب 130 (أكتوبر/تشرين الأول 2017) “مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار”، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي، منشور في موقع ميدل ايست اونلاين




الشعائر الحسينية: منهج التطبيق

بقلم: الشيخ أ.د. محمد شقير * — 

 للشعائر الحسينية أهمية كبيرة في الوعي الديني والممارسة الاجتماعية للجماعات الإسلامية الشيعية في مختلف البلدان والمجتمعات، حيث تعبّر تلك الجماعات عن اعتقادها بتلك الشعائر من خلال إقامة مجالس العزاء، والمسيرات، والاحتفالات، والزيارات لأئمة أهل البيت(ع)، والعديد من الأعمال الفنية والمسرحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، التي تدخل تحت ذلك العنوان، أي إحياء الشعائر الحسينية، أو إحياء أمر أهل البيت(ع).

وعلى الرغم من وضوح مفهوم الشعائر، وإحيائها إلى حدٍ بعيد، ورغم الاتفاق على العديد من مصاديق تلك الشعائر وتطبيقاتها؛ مع ذلك، وقع الاختلاف والنقاش في العديد من المصاديق الأخرى[1]، أنها تعدّ تطبيقاً صحيحاً، ومصاديق صائبة لمفهوم الشعائر الحسينية وإحياء الأمر؟ أم أنها ليست كذلك؟

وهذا ما يستدعي منا البحث في منهج تطبيق الشعائر، لأن الإشكالية تكمن – أكثر ما تكمن – في عملية التطبيق تلك، وفي تشخيص المصاديق التي ينطبق عليها مفهوم الشعائر وإحياء الأمر، وفي تحديد الموارد التي تدخل في إطار إحياء تلك الشعائر الحسينية وإقامتها.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل يوجد منهج في تطبيق الشعائر الحسينية؟ وما هي ميزات أو سمات هذا المنهج، وما هي وظيفته؟ وما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على بلورة هذا المنهج وبنائه؟ وقبل كل ذلك، هل من المبرّر معرفياً طرح هذا السؤال حول ضرورة المنهج في تطبيق الشعائر، أم لا ضرورة لذلك؟ فضلاً عن مفهومنا للمنهج الذي سوف نعمل على صناعته، في إطار الشعائر الحسينية وتطبيقها.

إذاً، الهدف من هذا البحث هو محاولة اجتراح منهج، يهدي الى الصحيح في تطبيق الشعائر وإحيائها، ويساعد على صحة تشخيص مصاديقها، بما يمكن أن يؤدّي الى إيجاد قاعدة منهجية، تصلح للاعتماد عليها في معالجة اختلافات التطبيق في نماذج الإحياء الشعائري، وبما يساعد على تجنب التطبيقات الخاطئة، والمصاديق التي لا تصدق عليها مشخصات المنهج ومعاييره، وبما يسهم في تطوير الإحياء الشعائري بشكل منهجي وصحيح، ويؤدي الى إيجاد دينامية منهجية للتجديد الدائم فيه، وبما يؤسس لإمكانية استحداث نماذج إحيائية جديدة لم تكن من ذي قبل، لكنها قد تصلح لتكون من أهم مصاديق الإحياء الشعائري وموارده.

وعليه، بعد البحث في مفهوم الشعائر والمنهج، سوف نبحث في العناوين التالية:

الأدلة على الشعائر والمفاهيم المستقاة منها، ثم لنجيب على هذا السؤال:

 هل عنت أدلة الشعائر فقط بالمفاهيم والكبريات؟ أم أنها عنت أيضاً بالمصاديق والصغريات؟ ولماذا لم تُذكر جميع مصاديق الشعائر بشكل حصري في لسان الأدلة؟

 وما هي أهمية هذه البنية المنهجية (مفهوم/ مصداق)، (كبرى/ صغرى)؟ وما هي فلسفتها، وأهم النتائج التي قد تترتب عليها؟

 وكيف تحصل عملية تطبيق المفاهيم على مصاديقها؟ ومن الذي يقوم بعملية التطبيق تلك، أي تطبيق تلك المفاهيم على مصاديقها، والكبرى على صغراها؟ وما هي شروط التطبيق ومعاييره؟ وكيف تُمارس عملية التطبيق تلك؟

 وصولاً الى البحث في فلسفة إحياء الشعائر، ودلالات الممارسة الشعائرية، وضرورة تعزيز الشعور بالمسؤولية وخطرها فيما يتصل بتلك الشعائر، إلى خاتمة نحاول فيها عرض أبرز النتائج التي توصلنا إليها، وأهم التوصيات التي يمكن أن تقدم في هذا الشأن.

مفهوم الشعائر والمنهج:
الشعائر جمع شعيرة، وهي بمعنى العلامة، التي تدل على شيءٍ ما. فالشعائر هي العلامات التي تدل على شيءٍ ما ذي مكانة أو قدسية. بغض النظر عن طبيعة تلك المكانة، أو مضمون تلك العلامة[2].

أما الشعائر الحسينية، فهي تلك الأعمال والأمور، التي تدل على معاني ثورة الإمام الحسين(ع) ورسالته ومدرسته، وتؤدّي في حال إقامتها وممارستها الى إحياء تلك المعاني، بل الى إحياء تلك النفوس والمجتمعات بتلك المعاني، التي جاءت في رسالة الحسين(ع)، ومدرسته، وثورته. حيث يمكن لتلك الأعمال أو الممارسات أن تأخذ طابعاً اجتماعياً، كالاحتفالات والمسيرات ومجالس العزاء، أو إعلامياً من قبيل الكثير من النشاطات الإعلامية التي تقام في المناسبات العاشورائية، أو فكرياً وثقافياً من قبيل الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تقام في هذا السياق، أو فنياً من قبيل المسرحيات والأفلام التلفزيونية، وغيرهما مما يرتبط بهذا الجانب.

ولربما يأخذ التعبير الشعائري أبعاداً أخرى غير ما ذكرنا، لكن كل ذلك ينبغي أن يكون مما تصدق عليه المفاهيم الدينية، التي وردت في مدرسة أهل البيت(ع) حول قضية الشعائر الحسينية وإحيائها، وأن تنطبق عليه العناوين المستفادة من الأدلة الدينية والشرعية ذات الصلة.

وهذا ما يتطلب منا أن نعرض جملة تلك الأدلة الشرعية التي ترتبط بالشعائر الحسينية وإحيائها، حتى نكون على دراية بمنظومة المفاهيم التي أسست لتلك الممارسات الشعائرية، بل لتلك الظاهرة الفريدة في الشعائر الدينية وإقامتها.

أدلة الشعائر:
يمكن القول إن أدلة الشعائر الحسينية على قسمين: قسم منها يتضمن عنواناً عاماً ينطبق على مصاديق مختلفة من تلك الشعائر، وقسم آخر يتضمن عنواناً خاصاً بأحد مصاديق تلك الشعائر. وسوف نعرض هنا بشكل مجمل لكلا القسمين، لنسأل في العلاقة بين هذين القسمين، أي القسم الذي يتضمن عنواناً عاماً صالحاً للانطباق على مصاديق شعائرية مختلفة، والقسم الذي يتضمن عنواناً خاصاً بمصداق شعائري محدد.

أما تلك الأقسام من العناوين فهي ما يلي:

القسم الأول: لعلّ من أهم العناوين العامة ما ورد عن أئمة أهل البيت(ع) من روايات تدعو إلى إحياء أمرهم، من قبيل قول الإمام الباقر(ع): ” أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا “[3]، حيث إن مفهوم إحياء الأمر هو مفهوم عام يشتمل على مصاديق مختلفة، ويستوعب جميع مصاديق الشعائر الحسينية، مما ذكرتها الروايات، أو لم تذكرها.
القسم الثاني: وهو مما جاء في رواياتهم(ع) من تحديد لعناوين بعينها، ولمصاديق محدّدة من الشعائر الحسينية، من قبيل دعوتهم الى البكاء، والتباكي على الإمام الحسين(ع)، وإقامة المآتم، وإظهار الجزع عليه، وندبه، وزيارة مرقده، وجعل الأيام العشرة الأوائل من محرم أيام حزن ومصيبة وبكاء، إلى إنشاد الشعر وإنشائه في الحسين(ع)، وغيرها العديد من تلك المصاديق الجزئية، التي جاءت بها الأدلة، أو وقعت مورداً للنقاش العلمي في مشروعيتها، وكونها من مصاديق الشعائر أم لا[4].
أما عن العلاقة بين هذين القسمين، فسوف يظهر لنا لاحقاً بشكل أوضح أن هذه العلاقة هي علاقة بين مفهوم ( إحياء الأمر )، وبين مصاديق ( البكاء، الزيارة، المآتم ..). وبالتعبير المنطقي أيضاً هي علاقة بين كبرى ( إحياء الأمر ) وبين صغريات، وهي مجمل الموارد التي ذكرناها في القسم الثاني، وغيرها مما لم نذكره.  

وهذا ما يدعونا الى طرح العنوان التالي:

منظومة روايات الشعائر الحسينية وتصنيفها:
يُفهم مما تقدم أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) كانت على قسمين: قسم عُني بالمفهوم العام للشعائر، والقسم الآخر عُني بالمصاديق الخاصة لتلك الشعائر، حيث يُلحظ أن تلك المنظومة الروائية لم تقتصر فقط على المفهوم العام ( الكبرى ) للشعائر، وتدع التطبيقات والمصاديق بأسرها لتشخيص الاجتماع الديني.

 وفي المقابل لم تقتصر على المصاديق الخاصة ( الصغريات )، وتُعرض عن المفهوم وكبرى تلك الصغريات، وإنما ضمّت إليها مفهوماً عاماً ( كبرى)، ينطبق عليها كمصاديق شعائرية له، وصغريات لكبراه.

وعليه، يمكن القول إن هذه المنظومة الروائية هي منظومة ذات بعد ثنائي، أو هي بنية ثنائية، أي: مفهوم/ مصداق، أو: كبرى/ صغرى. فلم تأت هذه البنية مشتملة على المفهوم خالية ًمن المصداق، كما لم تأت مشتملة على المصداق خاليةً من المفهوم، وإنما اشتملت عليهما معاً، وأدرجتهما ( المفهوم والمصداق ) في بنيتها جنباً إلى جنب.

وهذا ما يطرح السؤال في فلسفة هذه الثنائية في المنظومة الروائية وغايتها.

لكن قبل ذلك لا بد من طرح السؤال التالي، الذي وإن كان يدخل ضمناً في السؤال السابق، لكن من المفيد منهجياً إفراده في البحث، وهو: لماذا لم تقتصر المنظومة الروائية الواردة عن أهل البيت(ع) على مصاديق الشعائر الحسينية، وتدع ما سواها من المفهوم والكبرى؟.

منظومة روايات الشعائر الحسينية وتجاوز المصاديق:
من الواضح أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) لم تقتصر على بيان المصاديق الشعائرية، ولعلّ الهدف من ذلك هو أن الاقتصار على ذكر تلك المصاديق فقط، كان من الممكن أن يؤسس لفهم توقيفية وحصرية جميع تلك المصاديق الشعائرية التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، وهو ما سوف يؤدي بدوره إلى عدم إمكانية اعتماد مصاديق جديدة، لم ترد في لسان تلك الروايات، وإلى عدم الأخذ بنماذج شعائرية مستحدثة، لم تأتِ في متن تلك النصوص، مع أن صناعة الشعائر تدخل في جانب منها في البعد الاجتماعي المتحرك. بمعنى أن المتغيرات الاجتماعية قد تفضي إلى إمكانية إنتاج مصاديق شعائرية جديدة، لم تكن موجودة من ذي قبل،  لكنها تحمل قيمة شعائرية كبرى. أما القول بحصرية المصاديق الشعائرية، فسوف يقفل الباب على إمكانية انتاج تلك المصاديق الشعائرية الجديدة، واعتمادها، والاستفادة منها.

ومن هنا لا بد من القول، بأن ذكر مجمل مصاديق الشعائر الحسينية في روايات أهل البيت(ع)، لا يراد منه حصرية تلك المصاديق، وإقفال الباب على إمكانية استحداث مصاديق جديدة، تنسجم مع شروط ومعايير الشعائر وصناعتها وأهدافها. وإنما يُراد منه القول بأن هذه المصاديق الشعائرية هي من أهم، بل أهم تلك المصاديق، التي استطاعت في التاريخ- وما زالت إلى الآن- أن تؤدي بشكل فاعل ومؤثر وظيفة إحياء أمر أهل البيت(ع)، واستمرار مدرستهم ونهجهم، مع فتح الباب لإمكانية استحداث مصاديق شعائرية جديدة.

البنية المنهجية لمنظومة روايات الشعائر الحسينية وفلسفتها:
      أصبح جلياً إلى الآن أن منظومة روايات الشعائر الحسينية تقوم على هذه البنية المنهجية، وهي: مفهوم/ مصداق، أو: كبرى/ صغرى، حيث إن بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع) تضمّنت بيان المفهوم أو الكبرى ( إحياء الأمر )، في حين أن روايات أخرى تضمّنت بيان جملة من المصاديق الشعائرية، مع إمكانية استحداث مصاديق جديدة.

والسؤال هنا هو في فلسفة هذه البنية المنهجية، أنها لماذا كانت على هذه الكيفية؟ وما الفوائد والنتائج التي قد تترتب على هذه البنية؟.

يمكن أن نتلمس هنا العديد من النتائج التي تترتب على تلك البنية المنهجية، وهي:

عدم الاقتصار على تلك المصاديق الشعائرية، التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، مع كونها من أهم المصاديق الشعائرية، التي قامت بدور استثنائي وكبير جداً في التاريخ – وما زالت – في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه. لكن هذه المصاديق وإن كانت ثابتة بتغير الزمان والمكان، لكنها ليست مصاديق حصرية.
تؤسس تلك البنية لدينامية مستديمة وخلاّقة في تطوير الشعائر الحسينية، بمعنى أنها تفتح الباب على إمكانية أن يُعمل على رؤية ذات شروط ومعايير منهجية، قادرة على تلقّف جميع المتغيرات والتطورات الاجتماعية وغيرها، بهدف اجتراح نماذج مستحدثة، وانتاج مصاديق شعائرية جديدة، تنسجم مع وظيفة الشعائر وشروط صناعتها، وتكون قادرة على القيام بأكثر من دور في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه.
إذاً، هذه البنية المنهجية هي بنية قادرة على استيلاد تلك المصاديق الشعائرية الجديدة التي يجب العمل على صناعتها واستحداثها تبعاً للتطورات والمتغيرات الاجتماعية، والعلمية، والاختلاف في ظروف العصر.

مراعاة الزمان والمكان في تطبيق الشعائر، بمعنى أن تطبيق الشعائر وإقامتها له بعد اجتماعي واضح لا يمكن نكرانه، يتصل بالعادات، والأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية… – طبعاً الحديث هنا ليس في تلك الشعائر الثابتة والمنصوصة، التي تتصل بالبعد الفطري الثابت، وإنما الكلام في تلك الشعائر المستحدثة، التي تدخل في مساحة التغيّر- ومن هنا يمكن لإحدى الشعائر الحسينية أن تؤدي دورها في الإحياء، وتقوم بجميع وظائفها في زمانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في زمانٍ آخر. ويمكن لإحدى الشعائر أن تؤدّي ذلك الدور، وتقوم بتلك الوظائف في مكانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في مكانٍ آخر.
 والسبب في ذلك  أن اختلاف الزمان والمكان، وما يعنيه ذلك من اختلافٍ في الأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية، وغير ذلك؛ قد يؤدّي إلى اختلاف النتائج والآثار التي تترتّب على هذه الشعيرة أو تلك، وإقامتها. فلربما تكون النتائج السلبية أكثر بكثير من النتائج الإيجابية، ولربما يكون العكس من ذلك. وذلك بحسب تلك الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية، واختلافها بين مكانٍ وآخر، أو بين زمانٍ وآخر. وهو ما يستدعي ملاحظتها بشكل دائم من أجل بحث وتقييم مجمل الإيجابيات والسلبيات، التي قد تترتب على هذا التطبيق الشعائري أو ذاك، فما غلبت ايجابياته سلبياته يُعمل به، وما غلبت سلبياته إيجابياته يُعرض عنه.

 وهذا ما يتطلب أن تؤخذ بشكلٍ واعٍ وهادفٍ شروط الزمان والمكان، دون حماسة مفرطة، قد تعطّل دور العقل والوعي، ولربما تسيء بشكل أو آخر إلى معاني الإحياء وأهدافه، هذا من جهة. ودون مغادرة ثقافة الاعتزاز، وقيم الانتماء إلى الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره، والتعبير عنها، وإقامتها بثقة عالية، وعزة كافية، من جهة أخرى.

شروط التطبيق الشعائري:
إن عملية التطبيق الشعائري ليست تلك العملية التي تتميّز ببساطتها، وإنما هي عملية تحتاج إلى مراعاة شروطها والالتزام بها، حتى يمكن لها أن تنتج تلك المصاديق الشعائرية، التي تؤدّي وظيفتها، وتحقّق مقاصدها، دون ترتّب تلك النتائج السلبيّة عليها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري هي ذات بعدين: بعد مفهومي، وبعد واقعي اجتماعي؛ فهذا يعني ضرورة وجود شروط منهجية لتلك العملية، تتماهى مع هذين البعدين.

أما أهم تلك الشروط المنهجية، التي ينبغي مراعاتها في عملية الاستحداث تلك، فهي:

فهم الشعائر وفلسفتها بشكل منهجي، ومعرفة قيمها ورسالتها، والدراية بتلك الأهداف التي تسعى إلى إنجازها على المستوى التربوي، والثقافي، والمعنوي، والديني، والإعلامي، والاجتماعي، وعلى مستوى صناعة الوعي وتنمية المجتمعات، وسوى ذلك.
فهم الواقع الاجتماعي الذي يراد استحداث المصداق الشعائري وإقامته فيه، ومعرفة عاداته، وأعرافه، وثقافته المجتمعية، وجميع العناصر الأخرى الدخيلة في ترتّب هذا النوع أو غيره من النتائج، على هذه الممارسة الشعائرية، أو تلك.
القدرة على الوصل الصحيح والهادف ما بين فهم الشعائر وأهدافها وقيمها من جهة، وما بين الواقع الاجتماعي وعاداته وأعرافه وثقافته من جهة أخرى، لأنه لا تكفي المعرفة بالمفهوم والواقع، من دون أن تكون هناك إمكانيات منهجية وعلمية وتخصصية (مجمل التخصصات والعلوم ذات الصلة ) كافية، تسهم في عملية الوصل المنهجي الصحيح ما بين المفهوم والواقع.
وهنا لا بدّ من القول، إن تحصيل هذه الشروط يعتبر أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف الشعائر، وصحة إقامتها، واستحداثها. وإن أي إخلال بأيٍّ من هذه الشروط، أو عدم تحصيلها بشكل كافٍ؛ سوف يؤدّي إلى وجود خللٍ ما، أو نقصٍ ما، في استحداث المصاديق الشعائرية الصحيحة، أو صحة إقامتها، أو صوابية ممارستها، مما قد يؤدّي إلى ترتّب بعض النتائج، التي لا تنسجم مع أهداف الشعائر ومقاصدها، ومجمل قيمها.

كيفية تطبيق الشعائر واستحداث مصاديقها:
وصلنا إلى هذه النتيجة أن منظومة الشعائر الحسينية تمتلك بنيتها التي تقوم على ثنائية: مفهوم/ مصداق. ( أو ركني: الكبرى والصغرى ).

المفهوم تمّ بيانه، وبيان مجمل ما يتصل به في النصوص الدينية ذات الصلة. كما بيّنت أيضاً في تلك النصوص العديد من المصاديق، وإن كان هناك إمكانية لاستحداث مصاديق شعائرية جديدة، ينطبق عليها ذلك المفهوم، وتصدق عليها تلك الكبرى.

وبناءً عليه، لا بد من الإضافة هنا – في مقام الجواب على سؤال كيفية التطبيق الشعائري – بأن عملية استحداث مصاديق جديدة ترتبط ببعدين اثنين: البعد المفهومي (مفهوم الشعائر)، والبعد الاجتماعي ( ظروف المجتمع وجميع اعتباراته)؛ وهذا يعني  أن عملية التطبيق يجب أن تتم على النحو التالي: يُنظر أولاً في مفهوم الشعائر لمعرفة رسالتها وأهدافها، وقيمها، وجميع أبعادها. ثم يُنظر في ذلك الواقع الاجتماعي الذي يُراد إقامة الشعائر فيه، ويُدرس في عاداته ،وأعرافه، وتقاليده، وثقافته، وجميع اعتباراته، وذلك بهدف معرفة أية ممارسة شعائرية تحقق أهداف الشعائر فيه، وجميع غاياتها الدينية والتربوية لديه، من دون أن يترتب عليها أيٌ من النتائج السلبية، التي تتنافى مع تلك الأهداف والغايات، من قبيل توهين الاسلام ومدرسة أهل البيت(ع)، أو الإساءة الى مكانتهما، أوالإضرار بصورتهما.

فإن كانت النتيجة أن استحداث هذه الممارسة الشعائرية، أو إقامتها في هذا الواقع بعينه، تترتب عليه مجمل أهداف الشعائر وقيمها، من دون أن تترتب عليه تلك النتائج السلبية، التي تفوق نتائجها الايجابية؛ فهذا يعني صوابية هذا الاستحداث، وصحة هذا الفعل، بل ومطلوبية إقامة هذه الشعائر المستحدثة في ذلك الواقع الاجتماعي.

أما إن كانت النتيجة خلاف ذلك، بأن كانت هذه الممارسة الشعائرية، أواستحداثها في هذا الواقع، لا تترتّب عليه تلك الأهداف والنتائج المفترضة، وإنما يترتّب عليه ما هو خلافها أو يفوقها؛ فهنا ينبغي الإعراض عن تلك الممارسة الشعائرية في هذا الواقع، وعدم إقامتها فيه، والبحث عن تلك الممارسات الشعائرية البديلة،  التي تحقق أهدافها وغاياتها فيه، وتنسجم مع ظروفه، وتتلاءم مع اعتباراته.

من يقوم بعملية التطبيق الشعائري؟
ليس المراد بهذا السؤال بعده الشخصي ( أي ليس السؤال عن أفراد بعينهم )، وإنما المراد به بعده المعرفي. أي إن السؤال هو  في الخصائص والمواصفات المعرفية والمنهجية التي يجب أن تتوفر فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق جديدة للشعائر الحسينية، وفيمن يشخّص صحة أو عدم صحة ممارسة هذه الشعيرة أو تلك، في هذه البيئة المجتمعية والثقافية، أو في غيرها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق مختلفة للشعائر، وتشخيص ممارستها، تقوم على بعدين: نظري- مفهومي، وواقعي- اجتماعي؛ فمعنى ذلك أنّ من ينبغي له أن يتولى تلك العملية يجب أن تتوفر فيه معرفياً تلك المعرفة، التي تتصل من جهة بالجانب الديني (منظومة الشعائر ولوازمها المعرفية)، والتي ترتبط من جهة أخرى بالجانب الاجتماعي ( مجمل العلوم ذات الصلة بهذا الجانب).

وبتعبير آخر يمكن القول، إن الذي يجب أن يتولى عملية استحداث مصاديق جديدة، أو دراسة صحة هذه الممارسة الشعائرية أو تلك؛ هو العقل، الذي يمتلك في صناعته المنهجية بعدين: بعدٌ ديني، يرتبط برسالة الدين، ووظيفة الشعائر وأهدافها؛ وبعدٌ معرفي علمي، يتصل بمجمل تلك العلوم والخبرات البشرية في مختلف المجالات الثقافية، والتربوية، والاعلامية، وفي حقول علوم النفس والاجتماع ذات العلاقة بهذا الجانب، فضلاً عن معرفته بمجمل تلك الشروط المنهجية الواجب معرفتها، ومراعاتها في عملية التطبيق، أو التشخيص تلك.

ومن هنا يمكن القول، إن هذه العملية ليست عملية دينية بحتة بالمعنى الخاص للدين، وليست صناعة فتوائية منفصلة عن الواقع الاجتماعي وبيئته. ولذلك لا يصحّ أن توكل هذه العملية إلى أيّة جهة دينية، إذا لم تكن على دراية تامة بمجمل العلوم والخبرات ذات الصلة، وإذا لم تكن على معرفة كافية ووافية بجميع الاعتبارات، والظروف الاجتماعية، والعادات، والتقاليد، والأعراف، التي تملكها تلك البيئة المجتمعية المراد ممارسة الشعائر فيها، واستحداثها لديها.

وفي المقابل لا يصح أن توكل هذه العملية إلى أية جهة، مهما كانت متقدمة في مجمل علوم الاجتماع، أو النفس، أو التربية، أو الاعلام، أو الفن.. أو كانت على دراية تامة بمجمل الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة المجتمعية أو تلك؛ ما لم تكن على معرفة كاملة بتلك المنظومة الشعائرية، ولوازمها المعرفية، وعلى وعي هادف لرسالة الشعائر، وقيمها، وأهدافها، وجميع مقاصدها.

ومن هنا إذا ما أردنا أن نجيب على هذا السؤال، أن هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية أو تلك، في هذه الظروف أو غيرها، هل تنسجم مع رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، أم لا؟؛ لن يكون من الصحيح عندها أن يُبادر إلى تقديم الجواب، ما لم يتم توظيف جميع العلوم والخبرات والتخصصات ذات الصلة، وما لم تتم الاستفادة من مجمل أهل الاختصاص والمعرفة بجميع تلك العلوم ذات العلاقة بهذا البحث. وقد يحتاج الأمر إلى القيام بدراسات علمية هادفة وشاملة، للوصول إلى اعتماد هذا الجواب أو ذاك.

أما أن يُصار إلى الشروع في اعتماد هذا الجواب أو ذاك، من دون إيفاء هذا السؤال حقّه في البحث والدراسة والعمل – وخصوصاً فيما يرتبط بالبعد الاجتماعي، والتشخيص المجتمعي والعلمي للمصاديق الشعائرية – ؛ فهذا لا يعبّر عن مستوى الاحترام الكافي، أو الاهتمام المطلوب بتلك الشعائر ووظيفتها، ذلك الاهتمام الذي يجب أن يكون في تجلياته بمستوى تلك الشعائر، وسموّ رسالتها، وأهمية أهدافها.

أما أن يكون الغالب هو الحماسة المفرطة، بعيداً عن التزام ضوابط وشروط الصناعة المنهجية والعلمية للشعائر وممارستها؛ أو في المقابل، أن يغلب علينا الخوف ممن يتعمد دائماً الاساءة  إلى الشعائر وأهلها، بعيداً عن الاعتزاز بهذه الشعائر وممارستها؟؛ فكلا الأمرين لا يساعد على الوصول إلى صناعة شعائرية تنسجم مع أهداف الشعائر، ومقاصدها.

 وبناءً على ما تقدّم، ليس من الصحيح أن تكون هذه الصناعة الشعائرية صناعة  شعبوية، وإنما يجب أن تكون صناعة توّفى حقّها في البحث، والدراسة، والعمل، من قبل أهل العلم والاختصاصات اللازمة، بعيداً عن أيّة شعبوية قد تفتقد إلى الوعي اللازم بالشعائر ورسالتها، أو المعرفة الكافية بالبيئة المجتمعية والثقافية، وظروفها، وجميع حيثياتها.

ومن هنا قد يكون من الضروري أن يكون هناك عمل مؤسّسي شامل، يُعنى بتلك الشعائر، ويتجاوز أي انشغال فردي أو فئوي عليها، ويشترك فيه جميع أهل العلم والمعرفة والاختصاص، ممن له علاقة بذلك المجال من علماء الدين، والاجتماع، والتربية، والنفس، والاعلام، والفن.. من أجل بحث ودراسة مجمل المصاديق الشعائرية، ونماذج الشعائر الحسينية، وذلك في الموارد التالية:

مدى صحة استحداث هذه المصاديق الشعائرية الجديدة، أو عدم ذلك.
تجاوز مصاديق استحدثت فيما سبق.
صحة اعتماد هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية والثقافية بعينها، أو عدم صحة ذلك.
بل قد يكون من أهم الوظائف الذي يُعنى به ذلك العمل المؤسسي، الذي يحتوي على إمكانياته العلمية والمعرفية الكافية، ما يلي:

العمل على انتاج مصاديق شعائرية جديدة، قد يكون لها تأثير أكبر، ودور أهم من مصاديق أخرى، في تحقيق أهداف الشعائر، وإنجاح رسالتها.
دراسة مجمل تلك الممارسات الشعائرية مورد الجدل بشكل علمي ومنهجي، بعيداً عن أي انفعال، أو شعبوية، أو حماسة أو.. من أجل الوصول إلى خلاصات، ونتائج، وتوصيات، تخدم رسالة الشعائر وقيمها، وأهدافها.

ذ) ما هي فلسفة إحياء الشعائر؟

تتضمن منظومة الشعائر الحسينية جملة من المعاني والقيم والدروس، التي ما وجدت لتبقى في إطارها النظري وبعدها المفهومي، وإنما ليُعمل على زرعها في النفوس، واسكانها في القلوب، والتربية عليها، والدعوة إليها، وتحويلها إلى وعي مجتمعي، وثقافة مجتمعية، تؤمن بها، وتعمل بها جميع تلك المجتمعات، التي تحيي تلك الشعائر، وتقيمها في ربوعها.

ومن هنا كان من الضروري العمل على تحويل تلك الشعائر الحسينية إلى ممارسات ذات بعد اجتماعي، أو جماعي، أواحتفالي عام، يؤدّي تلك المهمة، ويوصل إلى تلك الغاية، بطريقة مؤثرة، وفاعلة، ومعبّرة عن سمو تلك المعاني، ورفعة تلك القيم، مما يؤدي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وفهمها، والتفاعل معها، والإيمان بها، والعمل بمضمونها، وبلوغ جميع أهدافها، ومقاصدها.

 ومن هنا فإن أية ممارسة شعائرية يجب أن تتصف بالشروط التالية:

أولاً: أن تحمل تلك القيم، والمعاني، والعبر، والدروس، التي جاءت بها ثورة الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره.

ثانياً: أن تكون قادرة على إيصال تلك المعاني، والتعبير عن تلك القيم، بشكل فعّال، ومؤثّر، وهادف.

ثالثاً: أن تكون خالية من أية دلالات سلبية، قد تغطي على تلك المعاني، أو تشوّه تلك القيم، أو تسيء إلى رسالة الشعائر.

ولذلك، إن ما ينبغي الإلفات إليه، هو أن تلك الممارسات الشعائرية للشعائر الحسينية لا تهدف في فلسفتها إلى إثبات الوجود، أو إلى مجرد التعبير عن الهوية بأية طريقة كانت، حتى لو كان هذا التعبير تعبيراً يفتقد لشروطه العلمية المنهجية، أو مشوهاً للقيم، أو مسيئاً إلى رسالة الحسين(ع) ومعانيها؛ وإنما هي تهدف في فلسفتها، إلى إحياء النفوس بتلك المعاني، وإلى إيقاظ القلوب بتلك القيم، وتربية الأفراد على تلك الدروس، وبناء المجتمعات بتلك الثقافة، وذاك الوعي، الذي تحمله  الشعائر ويُقيم في رسالتها.

ومن هنا فإن تلك الممارسة الشعائرية ليست – في حقيقتها – استجابة لحاجة نفسية، اجتماعية، شعبوية فارغة من معناها؛ وإنما هي تعبير عن مشروع رسالي هادف، وفعل قيمي جادّ. إنها تحكي عن منظومة من المعاني والدروس والعِبر، التي يُراد بيانها وإظهارها من خلال التوسل بتلك الممارسات ذات البعد الاجتماعي والاحتفالي، الذي يصلح للحكاية عن تلك المعاني، والتعبير عن تلك القيم، وإظهار تلك الرسالة، والوصول إلى أهدافها.

ر) الممارسة الشعائرية ودلالتها:

إن أية مدرسة دينية، تفهم كظاهرة اجتماعية أكثر مما تفهم كظاهرة نصيّة، أو كمجرد رؤية فكرية. وذلك من خلال تجلّياتها الاجتماعية في ممارساتها، وثقافتها الاجتماعية، وسلوك مجتمعاتها، وأخلاقها في مختلف المجالات والميادين ذات الصلة بالاجتماع الإنساني.

ومن هنا تأتي أهمية تلك الممارسة الشعائرية، أو الظاهرة الشعائرية، أنها تقدم صورة اجتماعية حيّة عن تلك المدرسة الدينية أو الفكرية ومعانيها وقيمها. بمعنى أنه بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية ممارسة راقية ومعبّرة وسامية؛ بمقدار ما سيؤدي ذلك إلى تقديم صورة راقية وسامية ومعبّرة عن تلك المدرسة ومعانيها وقيمها.

وفي المقابل، بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية غير مكتملة الأوصاف، وتعاني من خللٍ أو آخر، بمقدار ما يؤدي ذلك إلى الإضرار بتلك المدرسة، والإساءة إلى معانيها، ولربما تشويه صورتها، وتوهين مكانتها.

 ومن هنا جاءت العديد من الفتاوى ذات الصلة بهذا الموضوع لتؤكد على هذا المعيار، وهو تجنّب ما يؤدي إلى توهين المذهب، أو توهين المقدسات، أو تضعيف التشيع، وغيرها من التعابير التي وردت في هذا الإطار، والتي تؤكد في مجملها على ذلك البعد الاجتماعي في الممارسة الشعائرية[5]، وهي تعبّر عن خوف حقيقي، وهاجس مجتمعي في هذا الإطار، يمكن لحاظه بوضوح في الكثير من الاستفتاءات والأسئلة، التي تطرح في هذا السياق، وهو ( أي ذاك الخوف أو الحذر) ما ينبغي أن يستثمر  في إنتاج  وعي علمي ومنهجي كافٍ في الممارسة الشعائرية وصناعتها.

 بالإضافة إلى أمر آخر لا ينبغي أن نتغافل عنه، وهو أن أية ممارسة شعائرية، إنما تعكس مستوى الوعي الاجتماعي والثقافة المجتمعية لأي مجتمع. أي أن الممارسة الشعائرية السامية، إنما تعبّرعن رقي الثقافة المجتمعية، وتقدّم الوعي المجتمعي لذاك المجتمع، الذي يعتمد تلك الممارسة، ويقوم بها.

في حين إن أية ممارسة شعائرية ذات طابع شعبوي فاقد للمواصفات اللازمة، إنما تعبّر في المقابل عن غلبة الثقافة الشعبوية في ذاك المجتمع، الذي يعتمد تلك الممارسة ويحترفها.

 كما نستطيع القول في المقابل إن المجتمعات التي تملك ثقافة مجتمعية راقية ومتقدمة، لا يمكن لها أن تنتج إلا مستوى راقٍ من تلك الممارسات الشعائرية، التي تعبّر بشكل ناجح، ومؤثر، وبشكل هادف وصادق عن جميع تلك المعاني، والقيم، والدروس، والعبر، التي تحملها ثورة الحسين(ع) وتؤديها رسالة الشعائر.

أما المجتمعات التي لا تمتلك ذلك المستوى نفسه من الثقافة المجتمعية، فقد لا يساعدها ذلك على إنتاج ذلك النوع من الممارسة الشعائرية في رقيّها ومستواها وتأثيرها، بالمقارنة مع غيرها من المجتمعات الأخرى، وإن كانت تشترك في التوجهات الشعائرية نفسها.

ز)  الشعائر وروح المسؤولية:

ما نعنيه بهذا العنوان هو التأكيد على خطورة المسؤولية في قضية الشعائر، وأن جملة الاعتبارات والدلالات التي ذكرناها آنفاً، يجب أن تدفع إلى اعتماد نمطٍ من التفكير، وطريقة في المعالجة، وأسلوب في إدارة تلك القضايا؛ يوصل إلى نتائج أفضل، وإلى مخرجات أكثر صحة، ويساعد على تحقيقٍ أحسن لمجمل أهداف منظومة الشعائر وقيمها.

إن تنمية حس المسؤولية تجاه الشعائر وصناعتها وممارستها، لهو المدخل الأهم إلى تطوير الوعي بتلك الشعائر، وتجنب أية عوامل ومؤثرات غير عقلانية، قد تؤدي إلى أخذ بعض تلك الممارسات إلى ما يتنافى مع فلسفة الشعائر وأهدافها. وخاصة عندما تكون تلك العوامل والمؤثرات ذات بعد شعبوي، يفتقد إلى مضمونه العلمي والمنهجي.

إن العمل على تنمية الشعور بالمسؤولية؛ يتأتّى من خلال إدراكنا لأمرين اثنين:

الأول: وهو الأهم. وهو أن تلك الممارسات الشعائرية، إنما تعبّر بالدرجة الأولى عن معاني الثورة الحسينية ورسالتها، بل عن مدرسة أهل البيت (ع) وقيمها. ومن هنا فإن هذه الممارسة ينبغي لها أن تُبرز سمو تلك المعاني، ومكانة تلك الرسالة، وحضاريّة تلك القيم. وأن تكون في مجمل تعابيرها وتجلياتها مستمدة من سموّ تلك المعاني، ومكانة تلك الرسالة، وحضاريّة القيم. وأن يكون ذاك التعبير بطريقة تؤدّي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وتسهم في الدعوة إليها، والإيمان بها، وتوصل إلى الحكاية عنها بأرقى الصور، وأجمل التعابير، وأسمى التجليات.

وعليه يمكن القول إنّ طريقة ممارسة الشعائر، إما أن تؤدّي إلى تحقيق تلك الأهداف والوصول إلى تلك النتائج، من احترام معاني عاشوراء، وتبجيل قيم الثورة الحسينية، بل أيضاً مدرسة أهل البيت(ع)، وتعاليمها؛ وإما أن تؤدّي – ولو في بعض تعابيرها – إلى خلاف ذلك، كأن يترتّب عليها شيءٌ من الإساءة إلى تلك المعاني العاشورائية، أو التوهين لقيم الثورة الحسينية، أو عدم التعبير بشكل صحيح وراقٍ عن تلك المعاني والقيم. ولربما تؤدّي أحياناً إلى الإضرار بمكانة مدرسة أهل البيت(ع)، وصورتها، وسموّ قيمها.

وهذا ما يتطلب أن يكون منطلق تفكيرنا في هذا الموضوع غير نابعٍ من أي منطلقٍ شخصي، أو جماعتي، أو شعبوي، أو استقطابي.. وإنما من منطلق يرتبط بما تعبّر عنه تلك الشعائر في أهدافها، وقيمها، ورسالتها.

 ولا شك أن الانطلاق بشكل صادق ومخلص وهادف من هذه المنطلقات، سوف يجعل المقاربة أكثر قدرة على تلمس ما هو صائب، والوصول إلى ما هو صحيح في تشخيص مصاديق الإحياء الشعائري، واجتراح نماذجه الأقدر على القيام بوظائف الشعائر، وتأدية رسالتها، وتحقيق جميع أهدافها.

الثاني: إن هذه الممارسات الشعائرية، إنما تعبّر أيضاً عن مستوى الثقافة المجتمعية والوعي المجتمعي لتلك المجتمعات، التي تعنى بتلك الممارسات. وبالتالي فهي تبرز من خلال تلك الممارسات وطريقتها مستواها الثقافي والحضاري والمدني.. ليس كمجتمعات مجردة عن مدرستها الفكرية والدينية، وإنما كمجتمعات ينبغي أن تكون قد بنت تلك الثقافة، وتلك الأبعاد الحضارية، من خلال تلك المدرسة، ومعانيها، وقيمها.

وعليه، فإن الارتقاء بتلك الممارسات الشعائرية إلى مستويات أعلى في التعبير والصناعة، سوف يؤدي حُكماً إلى تقديم أكثر من صورة مشرقة عن تلك المجتمعات، وثقافتها، ووعيها. ومن وراء ذلك عن تلك المدرسة الفكرية والدينية، التي تستمد منها تلك المجتمعات ذلك الوعي الذي تحمل، وتلك الثقافة التي تملك، وجميع تلك المعاني الحضارية التي تؤمن بها.

وفي المقابل، فإن الإخفاق في ذاك التعبير، أو الخلل في تلك الصناعة، سوف يؤدّي إلى الانتقاص من تلك المجتمعات ومكانتها. ومن وراء ذلك إلى الانتقاص من تلك المدرسة التي تعبّرعنها تلك المجتمعات، وتؤمن بها، وتعمل على الالتزام بها، وتحقيق معانيها.

وهذا أيضاً ما يعزّز الشعور بتلك المسؤولية، ويرفعها إلى مستويات أرقى. وإن أمكن القول أيضاً إن تعزيز هذا الشعور بالمسؤولية، وما يستولده من طاقة للعمل البحثي، والديني؛ لا يكفي لوحده في بلوغ تلك النتائج، لأنه يجب أن يُضاف إليه العمل على منهجة البحث والتفكير في هذه الموضوعات والإشكاليات، وأخذها إلى أبعاد أكثر علمية وموضوعية.

 وهنا، إذا استطعنا أن نعمل على تنمية الشعور بالمسؤولية، وأن نرتقي بمنهجية التفكير والبحث وعقلانيته وعلميته إلى مستويات أفضل..؛ يمكن في هذا الحال أن نرتقي في توظيف تلك المسؤولية والشعور بها إلى مستويات أفضل في الصناعة الشعائرية والتطبيق الشعائري، وأن نتوقع نتائج أكثر انسجاماً مع رسالة الشعائر وقيمها.

الخاتمة:

إن ما أردنا قوله في هذا البحث، هو أنه إذا كان لدينا من إشكالية في موضوع الشعائر وممارستها، فهذه الإشكالية ترتبط – أكثر من أي شيء آخر – بالمنهج والتطبيق. أي إن الإشكالية أكثر ما تكمن في تشخيص المصاديق الشعائرية، وفي المنهج الذي يُمكِّن من تشخيص تلك المصاديق بشكل صحيح، ينسجم مع أهداف الشعائر ورسالتها وقيمها. وإن كان هناك مساحة ما ترتبط بفهم منظومة النصوص الشعائرية، ومجمل ما يتصل بها.

وبما أن تطوير المنهج في تطبيق الشعائر، وصناعة مصاديقها، وكيفية ممارستها، هو المدخل الضروري لتحديد جملة من المعايير والضوابط، التي تساعدنا على تقييم أي مصداق شعائري إشكالي، أنه ينسجم مع أهداف الشعائر وقيمها، أم يتنافى معها؛ كان من المجدي في هذا المجال تحديد مفردات ذلك المنهج الشعائري، ومعاييره، والعمل على بنائه. ذلك المنهج الذي – ومن دون  أي شك – قد يساعد على فهم تلك المنظومة الشعائرية بشكل أفضل، ولو في بعض مواردها، وإن كان يستهدف في مقاصده وغاياته وضع أسس وضوابط منهجية، يمكن أن يستند إليها في تطوير التطبيق الشعائري، وفي تمييز تلك المصاديق الشعائرية الإشكالية بشكل منهجي، أنها تتماشى مع تلك المعايير والضوابط، أم لا، وفي توفير إمكانية منهجية تُوظّف في اجتراح مصاديق شعائرية، قد تكون أكثر قدرة على حمل رسالة الشعائر وبيان قيمها. ولربما تسهم أيضاً – بمستوى أو آخر – في معالجة بعض ذلك الاختلاف والجدل القائم حول مشروعية بعض المصاديق الشعائرية، أو مدى انسجامها مع منظومة الشعائر الحسينية من عدمه.

ونحن لا ندّعي هنا أنّ هذه المحاولة سوف تقضي على أي اختلاف قائم في هذا الإطار، وإنما قد تساهم في جعل ذلك الاختلاف وممارسته أكثر علمية، ومشدوداً أكثر إلى تلك الضوابط والمعايير المنهجية في منهج التطبيق، مما قد يؤدي إلى تقليص مساحة الاختلاف، أو بالحد الأدنى جعله أكثر منهجية وموضوعية، وإلى إيجاد قاعدة منهجية يمكن الانطلاق منها في ممارسة ذلك الاختلاف وحسن إدارته وتوظيفه.

وقد نكون استطعنا أن نحقق ما هدفنا إليه، أو شيئاً منه، لكنه من دون شك قد يساعد ما جاء في هذا البحث على الدفع بقوة نحو الأهداف، التي أريد العمل على بلوغها، والوصول إليها.

هذا وسوف نذكر هنا خلاصة ما توصلنا إليه، وأهم النتائج التي يمكن استخلاصها، فضلاً عن أهم التوصيات، أو المقترحات ذات الصلة.

الخلاصة:
الشعائر الحسينية هي ظاهرة دينية – اجتماعية أصيلة، تعود إلى بدايات التاريخ الإسلامي، حيث نجد أنّ أهل البيت(ع) قد أمروا بجملة من الأعمال والأمور، التي ترتبط بالإمام الحسين(ع)، وثورته، ورسالته، ومعاني تلك الرسالة، ودروسها، وقيمها. حيث إن الهدف من تلك الأعمال بيان تلك الدروس، وإظهار تلك القيم، والمحافظة عليها، وإحيائها، بل إحياء القلوب، والنفوس، والمجتمعات بها، وبمعانيها، ودلالاتها.

ثم تحولّت هذه التوجيهات من أهل البيت(ع) إلى ممارسات شعائرية، ثم تحولّت هذه الممارسات إلى ظاهرة تشمل الملايين، بل مئات الملايين من الناس قديماً وفي زماننا الحالي، وتسهم فيها الكثير من المجتمعات، وتكتب فيها الكثير من البحوث والدراسات.

وبما أنّ الإشكالية الأساس التي ترتبط بتلك الظاهرة الشعائرية هي إشكالية المنهج، الذي يجب أن يُعمد إلى بنائه وبلورته، ليُعمل بالتالي على توظيفه في هداية الصناعة الشعائرية وتطويرها، واجتراح مصاديق للشعائر الحسينية، تنسجم مع رسالة الشعائر، وتؤدي وظيفتها، وتبلغ مقاصدها؛ كان من الضروري العمل على تسطير هذا البحث، ليوصل تالياً إلى خلاصات منهجية، فيما يرتبط بذلك المنهج، وشروط تطبيقه.

هذا ويمكن لنا أن نلخّص موضوعات البحث في النقاط التالية:

تعني الشعائر الحسينية في مفهومها تلك الأعمال والأمور، التي ندب إليها وأمر بها أهل البيت(ع) فيما يتصل بالإمام الحسين(ع)، من حيث إحياء أمره، – بل أمر أهل البيت(ع) -، واستمرار قضيته، وبقاء رسالته قائمة، تؤدّي دورها من خلال تلك الأعمال والممارسات الشعائرية، سواء كانت ذات بعد اجتماعي، أو وجداني، أو معرفي، أو فكري، أو ثقافي، أو فني، أو إعلامي، أو تربوي، أو أدبي، أو إنساني.. إلى غيرها من تلك الأبعاد ذات الصلة.
إن مراجعة الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) في خصوص الشعائر ومصاديقها، توصل إلى هذه النتيجة، أنه يوجد قسمان من تلك الروايات: قسمٌ تضمّن عناوين عامة من قبيل الدعوة إلى إحياء أمر أهل البيت(ع)؛ وقسم آخرتضمّن عناوين خاصة، هي عبارة عن مصاديق شعائرية بعينها، من قبيل البكاء على الإمام الحسين(ع)، والجزع عليه، واتخاذ الأيام العشرة الأوائل من محرّم أيام حزن، وجعل اليوم العاشر منه يوم حزن ومصيبة، إلى زيارته، والدعاء عند ذكره، وإنشاد الشعر فيه، وغيرها مما ورد في الروايات التي جاءت عنهم(ع).
يلحظ مما تقدم في النقطة السابقة، أن هناك منظومة من روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع)، توزّعت على قسمين: قسم عني بالمفهوم، وقسم آخر عني بالمصداق. أو– بتعبير آخر- قسم عني بالكبرى، وقسم عني بالصغرى. فكانت هذه المنظومة ذات بنية ثنائية ( مفهوم- مصداق ). فهي لم تتطرق إلى المفهوم، وتهمل المصداق. كما في المقابل لم تتطرق إلى المصداق وتهمل المفهوم، بل هي شملتهما معاً.
إن ما ينبغي الإلفات إليه – بناء على ملاحظة تلك البنية الثنائية – هو إن منظومة روايات الشعائر لم تقتصر على بيان المفهوم فقط، وإلا لأدّى هذا الأمر ( أي اقتصارها على بيان المفهوم ) إلى إيجاد أساس لمساحة كبيرة من الاختلاف، أو عدم الوضوح في تحديد المصاديق؛ كما إنها لم تقتصر على بيان المصاديق فقط، وإلا لأدّى هذا الأمر( الاقتصار على بيان المصاديق فقط ) إلى التأسيس لفهم حصرية تلك المصاديق وتوقيفيتها، وبالتالي إغلاق الباب على أية مصاديق جديدة حتى لو كانت ذات جدوى شعائرية كبيرة.
في فلسفة تلك المنظومة الشعائرية وبنيتها المنهجية الثنائية، يمكن القول إن تلك الفلسفة تترتّب عليها النتائج التالية:
أولاً: فتح الباب أمام استحداث مصاديق شعائرية جديدة، وعدم الاقتصار على ما ورد بلفظه في روايات أهل البيت(ع)، ونُصّ عليه فيها.

ثانياً: تؤسس لدينامية خلاّقة ودائمة في تطوير الشعائر الحسينية، من خلال الاستفادة من مجمل التطورات العلمية والاجتماعية ذات الصلة، على أن يكون ذلك التطوير منسجماً مع جميع الشروط والمعايير المنهجية الواجب مراعاتها في منهج التطبيق الشعائري.

ثالثا: مراعاة ظروف الزمان والمكان في عملية التطبيق الشعائري، وممارسة مختلف الشعائر، بمعنى ضرورة معاينة البيئة المجتمعية بجميع حيثياتها لمعرفة إن كان من الممكن لتلك الشعائر وممارستها، أن تقوم بوظيفتها بلحاظ تلك الظروف والحيثيات، أم إنه لا يمكن ذلك.

تتوزع شروط التطبيق الشعائري على بعدي المفهوم والواقع المصداقي، حيث يمكن إجمال تلك الشروط فيما يلي:
أولاً: الدراية بالشعائر وقيمها، ورسالتها، وجميع أهدافها التربوية، والدينية، والإعلامية، والاجتماعية..

ثانياً: فهم الواقع المجتمعي الذي يراد إقامة المصداق الشعائري فيه، بجميع ظروفه وحيثياته.

ثالثاً: القدرة على الوصل العلمي والمنهجي الصحيح ما بين البعد النظري للشعائر ورسالتها، وقيمها، وما بين البعد الواقعي للمصداق الشعائري، وظروفه، وجميع اعتباراته.

في كيفية التطبيق الشعائري – سواء في استحداث مصاديق جديدة، أو ممارسة ما هو موجود منها – يُنظر أولاً في البعد المفهومي للشعائر لمعرفة معاني تلك الشعائر، وقيمها، ووظيفتها، وجميع أهدافها؛ ثم يُنظر في ذلك المصداق الشعائري وجميع ظروفه وحيثياته؛ ثم يلاحظ إن كان ذلك المصداق الشعائري يمكن له أن يحقق تلك الأهداف، ويقوم بتلك الوظيفة في هذه البيئة المجتمعية، أو تلك، أم لا يمكن له ذلك. فإن كانت النتيجة إنّ هذا المصداق يمكن له تحقيق تلك الأهداف في هذه البيئة؛ فهذا يعني مطلوبيته، وجدوائيته الشعائرية. وإلا، فهذا يعني عدم تلك الجدوائية، وانتفاء تلك المطلوبية.
فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، وبما إنّ هذه العملية هي ذات بعدين: بعد نظري – مفهومي، وبعد اجتماعي – واقعي؛ فهذا يعني أنّ من يقوم بعملية التطبيق الشعائري تلك، يجب أن تتوفر لديه تلك المعرفة، التي ترتبط بذلك البعد النظري والمفهومي، وأيضاً تلك المعرفة، التي ترتبط بذلك البعد الاجتماعي والواقعي. أما الاقتصار على توفّر أحد البعدين دون توفّر الآخر، فسوف يؤدّي الى اختلال الشروط المعرفية، فيمن يقوم بعملية التطبيق، وبالتالي في القدرة على القيام بتلك العملية وصوابيتها.
فيما يرتبط بفلسفة إحياء الشعائر، يمكن القول إن في مدرسة الإمام الحسين(ع)، ورسالته، وثورته جملة من القيم والدروس والعِبر، والتي يراد لها أن تبقى متوهّجة حاضرة، ليُعمل على إظهارها، وفهمها، ومعرفتها، والإيمان بها، والالتزام بمعانيها. ومن هنا كانت الممارسة الشعائرية هي الوسيلة الأمثل للتعبير عن تلك المعاني، والدعوة إلى تلك القيم، وحكاية تلك الدروس والعِبر، وذلك بهدف إحيائها، والحياة بها.
أما فيما يتصل بشروط الممارسة الشعائرية، فلا بدّ من القول إن أيّة ممارسة شعائرية ينبغي أن تتصف بالشروط التالية:
أولاً: أن تحمل في نفسها تلك القيم، والمعاني الحاضرة في ثورة الإمام الحسين(ع)، ومدرسته، ورسالته.

ثانياً: أن تكون قادرة على التعبير عن تلك القيم، والمعاني، بطريقة ناجحة، ومؤثرة، وصحيحة.

ثالثاً: أن تخلو من أيّة نتائج ودلالات سلبية، قد تطغى على إيجابيات النتائج، والدلالات، وتتفوّق عليها.

إن أيّة ممارسة شعائرية تملك نوعين من الدلالات، نوع يرتبط بتلك المدرسة الدينية، أو الفكرية، التي تنتمي إليها الشعائر، وتنبثق منها؛ ونوع يتصل بذاك المجتمع، الذي يمارس تلك الشعائر ويقيمها لديه. وهذا النوع قد يعود بشكلٍ أو بآخر إلى الأول.
وهنا بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية راقية في تعبيرها، وتمتلك جميع المواصفات اللازمة في أدائها؛ بمقدار ما تعبّر عن رقي تلك المدرسة الدينية، التي تنتمي إليها، وأيضاً عن رقي ذلك المجتمع الذي يمارسها في وعيه، وثقافته المجتمعية. وفي المقابل، بمقدار ما تكون تلك الممارسة خالية من تلك المواصفات، وفاقدة لتلك الشروط، بمقدار ما تعطي دلالاتها السلبية على تلك المدرسة، وذاك المجتمع الذي يقيمها.

12- إن ما تقدم في النقطة السابقة، يشير إلى طبيعة المسؤولية التي تترتّب على الممارسة الشعائرية وخطورتها، وأنها ترتبط بصورة المدرسة الفكرية التي تعبّر عنها تلك الشعائر ومكانتها، أي مدرسة أهل البيت(ع)، ورسالة الحسين(ع)، وثورته. حيث إن طبيعة الممارسة الشعائرية، قد تقدم تلك المدرسة بشكلٍ مشرقٍ، وصحيحٍ، وراقٍ، وهادف، وقد لا تنجح في ذلك.

ب)التوصيات:

توجد مجموعة من التوصيات التي ينبغي الإلفات إليها في هذا الشأن، وسوف نبدأ فيها من حيث انتهينا في البحث.

يجب أن ندرك حجم المسؤولية، وخطورتها في موضوع الشعائر وممارستها، وأن نعمل على تنمية حسّ المسؤولية والوعي بها، من حيث النتائج والدلالات، التي تترتب على تلك الشعائر وممارستها على أكثر من مستوى.
التجرّد عن الذاتية في الممارسة الشعائرية والتطبيق الشعائري، سواء كانت هذه الذاتية فردية، أم فئوية. لأنّ هذا التجرّد هو من أهم العوامل المساعدة على صوابية الممارسة والتطبيق.
إضافة إلى ما سبق، يمكن القول بضرورة عدم التعصب للرأي، لأنه من أخطر الآفات التي قد تقفل الباب على إمكانية الاهتداء إلى الصواب، وإدارة الاختلاف بشكل صحيح ومفيد. بل إن طريقة ممارسة الاختلاف تعبّر- فيما تعبّر عنه – عن وعي المختلفين ومستواهم الثقافي، ومدى التزامهم بالقيم الدينية التي يدعون إليها.
اعتماد الحوار، وأخلاقياته، وأساليبه في هذا الموضوع، لأنه المدخل الصحيح والضروري لتطوير الوعي الشعائري لدينا، وتنمية الثقافة الشعائرية في مجتمعاتنا، بطريقة تساعد على تحقيق أهداف الشعائر، وبلوغ مقاصدها.
حسن الظن بأهل العلم والدين والحكمة، وأصحاب التجربة والعقل. لأنه الشرط الأساس للإستفادة منهم، ومن آرائهم، وتجربتهم، في مجمل ما يرتبط بالشعائر وقضاياها.
تعزيز البعد المنهجي والعلمي في معالجة جميع الإشكاليات، والقضايا، التي تتصل بالمنظومة الشعائرية، وموضوعاتها.
متابعة البحث في المنهج ( منهج التطبيق الشعائري )، لأنه بمقدار ما يَغنى هذا البحث، بمقدار ما يسهم في منهجة الوعي والتفكير في مجمل قضايا الشعائر بشكل أفضل. وهو ما تترتّب عليه العديد من الفوائد والنتائج في مختلف الميادين.
إشباع الموضوعات والإشكاليات الشعائرية دراسة وبحثاً، بجميع أبعادها ذات الصلة، من اجتماعية، وتربوية، وإعلامية، وسيكولوجية، وثقافية… فضلاً عن بعدها الديني.
عدم التأثّر بالمزاج الشعبوي، أو بأيّة عوامل ومؤثرات أخرى غير موضوعية، من قبيل الحماسة المفرطة، وغيرها من العوامل، بعيداّ عن التزام الضوابط، والمعايير المنهجية في الصناعة الشعائرية، وممارسة الشعائر.
عدم التأثر في المقابل بأية عوامل أو مؤثرات، قد تدفع بعيداً عن حمل رسالة الشعائر، وتأديتها بثقة عالية، وعزّة كافية بالهوية، والولاء، وممارسته في الإطار الشعائري.
عدم التردد في مغادرة أيّة ممارسة شعائرية، يتبيّن بالدليل أنها لا تخدم رسالة الشعائر، ولا تنسجم مع قيمها، أو أنها يترتّب عليها من السلبيات ما يفوق إيجابيات تلك الممارسة.
العمل على تطوير جميع الآليات، والأدوات المنهجية، وغير المنهجية التي تؤسس لدينامية تطوير دائمة، وخلاّقة في الإطار الشعائري.
السعي الدائم إلى اجتراح واستحداث أعمال، ومصاديق شعائرية جديدة، ذات بُعد فني ( أفلام، مسلسلات..)، أو إعلامي، أو غير ذلك، قد تكون لديها قدرات تعبيرية كبيرة جداً واستثنائية، بالمقارنة مع غيرها من الأعمال والمصاديق.
رصد ومتابعة جميع المتغيرات أو التطورات العلمية، أو الاجتماعية، مما له دخل في التطوير الشعائري، بهدف الإفادة منها في هذا المجال.
الالتفات إلى أن أيّة ممارسة شعائرية – على مستوى دلالاتها وآثارها – لم تعد مغلقة على بيئتها المجتمعية الضيّقة، كما كان عليه الحال في الماضي.
أن يبقى الانشداد دائماً في أيّة معالجة، أو ممارسة شعائرية إلى رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، التي كانت من أجلها، وبهدف التعبيرعنها.
أن يكون الإخلاص أساس أي مشاركة أو إسهام في أي عمل شعائري، لأنه الشرط الأساس في سلامة العمل، وقدرته على بلوغ مقاصده.

المقترحات:
لتحقيق مجمل الأهداف والتوصيات ذات الصلة بالشعائر ووظائفها ومقاصدها، يمكن تقديم المقترحات التالية:

بناء آليات للتواصل الفعّال، والمنظّم، والهادف، بين مختلف الجهات التي تعنى بموضوع الشعائر، ومجالاتها، بهدف التفاعل الإيجابي والبنّاء لتنمية الوعي بالشعائر، وتطوير القدرة على حمل رسالتها، وتأدية جميع وظائفها.
المبادرة إلى إنشاء مؤسسة تعنى بالظاهرة الشعائرية وجميع ما يرتبط بها، تملك من الخبرات والإمكانيات ما يساعدها على العمل الجادّ لتنمية تلك الظاهرة وتطويرها، والقيام بمجمل المهام والوظائف التي تتصل بها وبقضاياها. وقد يضاف إلى الاهتمام بتلك الظاهرة الشعائرية جميع ما يرتبط بالخطاب العاشورائي وموضوعاته.
قد يكون من المجدي والمفيد في هذ الإطار العمل على تنظيم مؤتمر دولي يعالج جميع إشكاليات الشعائر وقضاياها. تحتشد فيه أهم الخبرات والطاقات العلمية ذات الصلة، وتسوده جميع أجواء التفاعل الإيجابي والبنّاء، بهدف تبادل الأفكار والخبرات، لتطوير الوعي الشعائري، وتنمية تلك الظاهرة الشعائرية بشكل مستديم، وصحيح، وفعّال.
 

[1] – المراد بهذه المصاديق في هذا البحث هو المصاديق غير المنصوصة، والتي لا دليل واضح وثابت عليها، وإنما وقعت مورداً للجدل والنقاش.

[2] – المعجم الوسيط، إستانبول، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط2،ص485.

[3] – الحر العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1414هـ ق، ط1، ج5، ص137.

[4] – لقد بادر سماحة العلامة السيد محمد حسن ترحيني إلى تأليف مصنّف خاص بالشعائر الحسينية المنصوصة. وقد طبع في سنة 2002م في بيروت بعنوان: الشعائر الحسينية المنصوصة (بيروت، دار الهادي).

[5] – انظر على سبيل المثال: السيد محمود الهاشمي، الصراط (أجوبة الاستفتاءات)، مركز أهل البيت(ع) للفقه والمعارف الإسلامية، 2014م، ط1، ص ص:407-410؛ كما يمكن مراجة تقرير محاضرات الشيخ محمد السند في هذا الموضوع، والتي طبعت بعنوان: الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد، قم، دار الغدير، 2003م، ط1، ص ص:178-186.

*أستاذ جامعي وباحث لبناني.




مسألة الدولة العلمانية على محك التفكيك

بقلم: الدكتور رضوان السيد – بعد الأحداث الأسطورية الأهوال التي يمر بها العالم العربي، ما عاد الحديث في الدولة بعامة، وصيغتها أو صيغها نظرياً أو من نوافل القول. فالبحث في صيغة النظام وطبيعته صار ضرورياً لعدة أسباب. الأول في نظر العالم الآن بسبب ظهور أفكار الدولة الدينية، وتحول دعاتها إلى إرهابيين. وبسبب الرؤية السلبية للنظام الديني الآخر القائم في إيران. لكنّ الغربيين وكثيرين من المراقبين والمثقفين العرب كانوا قد يئسوا من الأنظمة العربية ذات الطبيعة العسكرية والأمنية والقائمة منذ عقود. ولذلك تحمسوا للحراكات المدنية التي بدأت في أواخر العام 2010. أما نحن من جانبنا فقد تلطّفنا في التعبير عن الدولة المرجوة وسميناها بالدولة المدنية. وهو مصطلحٌ أسهم في انتشاره في الثمانينات من القرن الماضي الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان يريد أن يتمايز به عن “الدولة العلمانية” الغربية، والدولة العسكرية، والدولة الدينية الثيوقراطية التي قامت في إيران. بيد أنّ داعشاً ومن قبله القاعدة، كانا من الهول، بحيث صار بشار الأسد والآخرون من أمثاله يفتخرون بأنهم علمانيون! ولذلك فقد سارع مفكرون عرب إلى اشتراط الديمقراطية لكي تكون الدولة علمانية(!).

وعلى أي حال، ففي مقابل تقدم مصطلح “الدولة المدنية”، واطمئنان حتى قسم من المتدينين إليه، انصبّت البحوث في العالم الغربي والعربي في العقد الأخير على نقد مقولة الدولة العلمانية، والتقصد إلى تفكيكها. ولا تتوحد الأسباب أو تتفق لماذا صارت الدولة العلمانية مرذولةً لدى شريحة معتبرة من الباحثين الغربيين في الفلسفة والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية. فهناك من يأخذ عليها استبداديتها القاسية، وإرادتها الصهر المطلق للمجتمعات، وممارسة الإرغام المنظور وغير المنظور باسمها على الناس بحجة حصولها أو تفردها بشرعية العنف من أيام توماس هوبز وهيغل..الخ وإلى أيام جورج أورويل ومزرعة الحيوانات. وهناك من يأخذ عليها أو على صيغتها القومية أنها تسعى لطهوريةٍ وصفاء عرقي وتهمّش الآخرين وتضطهدهم انتصاراً لمفاهيم الأمة والقومية، وتحولها إلى إثنيات وفاشيات. وهناك من يأخذ على الدولة العلمانية “الفساد المَرَضي” الذي خالط الدم ودخل إلى النخاع الشوكي بسبب الاستعمار واستعباد الشعوب؛ حتى أنّ الصفاء والتفوق العرقي “من جانب الناس الأكثر قيمة، وأصحاب الرسالة الحضارية”، جعل من المستحيل على الدولة العلمانية “الديمقراطية” أن تقيم أنظمةً عادلةً وإنسانية. وهذه النقدات أضاف إليها الماركسيون في النصف الثاني من القرن العشرين عمقاً وشسوعاً بحيث وفي فترة من الفترات، صارت مقولات لينين فماوتسي تونغ عن الدولة والثورة هائلة الشعبوية.

ثم بدت الدولة العلمانية الديمقراطية (هل هناك علاقة ضرورية بينهما؟) في حقبة انتصار الرأسمالية على الشيوعية- باعتبارها قد فازت فوزاً نهائياً (خاتمة التاريخ) أو نهايته. ثم عندما دبّت فوضى عالمية، وبدأت الدول تتصدع، نتيجة عدم قدرة الولايات المتحدة على التحول إلى “بوليس” في العالم كلّه، اشتدّ النقد للرأسمالية وأيديولوجيا السوق، ومن وراء ذلك وبالتدريج تجدد النقد (غير الماركسي هذه المرة) للدولة الحديثة بشتى أنظمتها باعتبارها تمثل احتقاراً لإنسانية الإنسان وحرياته.

لقد قرأتُ أخيراً أربعة كتب لأنثروبولوجيين وفلاسفة وعلماء دين وتار يخ، تتحدث عن هشاشة الدولة وفكرتها، وعن أنها قزمٌ متعملق، وأنه وباسم العلمانية أو الديمقراطية سادها ويسودها الفساد وسيطرة الطبقات العليا على الموارد والحياة السياسية، والحريات. كتابي طلال أسد قديمٌ نسبياً واسمه “تشكلات العلماني: المسيحية والحداثة والإسلام” (2006). وهو فيه ما يزال من نقاد الخطاب الاستعماري للدولة والدولة القومية. لكنه يدخل أيضاً في الفلسفة والأنثروبولوجيا. وقد اشتهر الكتاب بسبب جدية طلال أسد، وصعود نجمه في الأنثروبولوجيا منذ السبعينات، ووجوده في مواقع مؤثّرة في الجامعات الغربية (المدرسة الجديدة لعلم الاجتماع- نيويورك). أما الكتب الثلاثة الأُخرى فهي إمّا لتلامذة أسد أو لتلامذة مارسيل غوشيه، صاحب كتاب: نزع سحر العالم. فغوشيه الأنثروبولوجي المعروف يعمل منذ الثمانينات على عمليات “خروج الدين من العالم”. بيد أنه في كتبه الأخيرة (2014، 2015)، بدأ يتأمل الدولة في علاقاتها بالدين تأملاً نقدياً. وقد ظهر ذلك أكثر لدى التلامذة؛ الذين بدأوا يدرسون “صناعة الدين العلماني” الذي أنشأته الدولة. على أنّ تشارلز تيلور فيلسوف الدين المشهور في كتابه: “الزمن العلماني” أوضح أنّ الدولة فشلت في إلغاء الدين، فاشتبكت معه، ثم تشابكت واستعار هو منها، وهي استعارت منه. على أنّ الطريف هو إقبال مجموعة من الانثروبولوجيين على دراسة ظاهرة العنف الديني أو العنف باسم الدين، واعتبار أنّ ذلك أسطورة، وأنّ الصحيح هو أنّ السلطة العنيفة والمسيطرة وطرائق اشتغالها؛ كل ذلك هو الذي صنع العنف وسلّمه للدين، الذي سارع إلى تبنيه للأسباب نفسها: شَرَهُ رجالاتٍ من الإحيائيين للوصول للسلطة، ونفاد حيلة الأساليب السابقة، بحيث عمدوا لتطوير مقولات يجب تطبيقها باسم الدين في عمليات الاستيلاء على الدولة، لأنها تملك سلطة الإرغام وحدها. وبذلك يصبح المهووسون الدينيون هم أصحاب السلطة بالاستيلاء وإنْ بطرقٍ ديمقراطية شكلاً، كما حصل في عدة بلدان عربية وإسلامية(!).
ليس المقصود من هذه العجالة صبّ الماء في مطحنة أولئك الذين يريدون هدم الدولة لأنهم فوضويون عدميون، أو لأنهم يملكون تصوراً ثيوقراطياً ما لبث أن ظهر لفترةٍ مؤقتةٍ أو قصيرة، وربما يعود للظهور إذا اشتدت الهجمات، وتعاظمت الاستنزافات! كما أنه ليس المقصود الدخول في خطاب النقد الاستعماري للدولة الإمبريالية ميولاً أو خطاباً أو ممارسة. فقد قرأتُ قبل سنة كتاباً للأستاذ المعروف في الفقه الإسلامي وتاريخه: وائل حلاّق، عنوانه: الدولة المستحيلة، والتعبير هنا مزدوج. فالمستحيل ليس الدولة الإسلامية التي يدعو إليها الجهاديون المسلمون وحسْب، بل وهي الدولة العلمانية/العقلانية الغربية، ذات الصيغة الاستبدادية مع أيديولوجيا السوق، وانعدام الأخلاق، والميل إلى النزوع الإطلاقي!
لست بالطبع جازماً في أيّ المصطلحات أفضل: المدني، أو الديمقراطي، أو العلماني. والاستاذ الجابري كان ضد استخدام هذا التوصيف للدولة، لأنه يملك حَمولةً سلبية، ورأى إمكان استخدام المصطلح: المدني أو الديمقراطي. لكنّ الدخول من جانب الأنثروبولوجيين والشبان الراديكاليين إلى مقولات نقد الدولة العلمانية أو الحديثة؛ (بالحجج التي ذكرناها سابقاً)، غير مفيدٍ على الإطلاق، لأنه ينصر وجهة نظر المتطرفين، الذين يختارون من المقولة نفسها جزءها الأول الخاص بالأنظمة الديمقراطية، بل ويتجاهلون تماماً النقدات الموجهة للدولة الشمولية، والأخرى الفاشية أو الثيوقراطية.

نحن محتاجون إلى أنظمةٍ تعدديةٍ تظهر فيها المواطنة وحقوق الإنسان أو تبدأ مراعاتها، وصولاً إلى مشاركةٍ معقولة، وعدالة قضائية لا تخلو من حكم القانون أو الطموح إليه. وقبل ذلك وبعده أن لا يُقتل الإنسان ولا يُهجَّرُ لأنه ليس من هذه الطائفة أو تلك: هل هذا كثير؟ ولا شكَّ أنّ نظام الدولة الغربي فيه نقائص كبيرةٌ، إنما إذا لم يكن السعي إلى ما يشبهه، فإلى ماذا نسعى وليس لدى البشر غير هذا النموذج اليوم؟ أنتم محقون يا طلال أسد ويا طه عبد الرحمن ويا تشارلز تايلور ويا جورج أورويل ويا وائل حلاق. لكنّ طموحنا أقل: دولة ليست على شاكلة دولة القذافي أو الأسد- وسمّوها بعد ذلك ما شئتم!

المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد
http://www.ridwanalsayyid.com




حضور المرأة في الخطاب السياسي الإصلاحي لإبن رشد

بقلم: حفيظ بوبكر – باحث مغربي — وجد ابن رشد أمامه، وهو يلخص كتاب الجمهورية لأفلاطون، مسألة تناولها صاحب الكتاب بالدرس والتحليل، يتعلق الأمر، بما إذا كان من الواجب أن تشارك النساء، الرجال في مهام حفظ المدينة وتدبيرها، أم أنه يُستحسن حصر مهمتهن في الإنجاب وتدبير أمور البيت والاعتناء بالأبناء؟ وقد اغتنم الفرصة ليُدلي برأيه، من خلال أربع ملاحظات أساسية: أولاها: تتعلق بالناحيَّة المبدئيَّة، والثانية بالناحية العملية، والثالثة فيُشخّص فيها وضعية المرأة في المجتمع العربي الإسلامي ككل، وفي الأندلس خاصة، أما الملاحظة الرابعة والأخيرة فتتناول الموقف الشرعي من المسألة.

يبدو إذن، أن المشروع السيَّاسي الإصلاحي الرشدي يجسّد رؤية متكاملة؛ ومتصلة بكل أطياف الشّعب الذي يمثل جمهور النساء سواده الأعظم. ومن هنا تنبني أطروحته على أساس الإيمان بالمساواة النوعية بين الرجل والمرأة من حيث القُدرات العقلية، لأنهما ينتميان إلى جنس واحد، وهو جنس البشر، مع تأكيده أن هناك اختلافات بينهما، لكنها لا تعدو أن تكون اختلافات كميَّة وليست نوعيَّة. وهكذا، فقد كان فيلسوف قرطبة، حريصاً على التأكيد على الفوارق، قدر حرصه على تأكيد أوجه التشابه بين الجنسين، حيث بيّن أن انتساب الجنسين إلى سلالة البشر، لا يترك مجالاً للتميِّيز بينهما على أساس النوع، حيث يقول: “إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم فيها [الأفعال الإنسانية] وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف. أعني أن الرجال أكثر كدّا في الأعمال الإنسانية من النساء، وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فنّ الموسيقى العملية، ولذلك يُقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء. فإذا كان ذلك كذلك، وكان طبع النساء والرجال طبعا واحدا في النوع وكان الطبع الواحد بالنوع إنما يقصد به في المدينة، العمل الواحد. فمن البيّن إذن، أن النساء يقُمن في هذه المدن بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال، إلا أنه بما أنهن أضعف منهم فقد ينبغي أن يُكلفن من الأعمال بأقلها مشقة”[1]، و نسجل هنا بإعجاب وارتياح كبيرين هذا الحِلم الذي يُظهره ابن رشد اتجاه النساء، بل إنها دعوة منه لنا لأن نحذو حذوه، خصوصا وأن ما تعيشه المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية عامة والمجتمع المغربي على وجه الخصوص ينذر بكارثة كبيرة.

كان ابن رشد مقتنعا بأن السبيل لتحقيق تفاهم و تناغم داخل المجتمع، لا يمكن أن يتم إلا عبر الاعتراف بما يوجد من اختلاف كمي و تطابق نوعي بين الجنسين، إلا أن هذا الاختلاف في أداء بعض الأعمال لا يمنح في نظره أفضلية لهذا عن ذاك، حيث أنه و بعد أن بيّن التفوق البدني للرجل على المرأة في بعض الأعمال، لم يترك المجال مفتوحا هكذا ولم يترك كلامه قابلا لتأويلات قد تؤدي إلى نتائج غير تلك التي يبتغيها هو، بل سارع إلى تبديد كل سوء فهم، فأكد أن المهن التي يُعتقد أنها مهن ذكورية هي أيضا مهن يمكن للنساء القيام بها، و من بينها أن يُنتدبن لرئاسة الدولة وأن يكنّ فيلسوفات و محاربات؛ حيث يقول في ملاحظته الثانية المتعلقة بالناحية العملية: ” إنا نرى النساء يشاركن الرجال في الصنائع، إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة، وإن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع، كما في صناعة النسج و الخياطة و غيرهما، فذلك بين من حال ساكني البراري و أهل الثغور، و مثل هذا ما جُبلت عليه بعض من النساء من الذكاء و حسن الاستعداد، فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة “[2] .

بناء على ما سبق، يتّضح أن انخراط المرأة في تدبير أمور المدينة و حفظ أمنها أمر ضروري وطبيعي، ما دام الفرق الوحيد بينها وبين الرجل لا يعدو أن يكون فرقا على مستوى القوة الجسمانية التي منحتها الطبيعة للرجل بنسبة تكبر تلك الموجودة لدى المرأة، إلا أن هذه الأخيرة أكثر ذكاء و فطنة على حد قوله في أعمال كثيرة أخرى . و درءا لأي تشكيك حول ما ذهب إليه فيلسوفنا، استثمر ما راكمه من معارف و علوم حيث عمل على استدعاء العلم الطبيعي كما تبلور مع ارسطو، واستخدام البراهين التجريبية التي تدعم رأيه و تعضده فقال : ” و قد تبيّن ذلك بالفحص في الحيوان، أعني أنه ينبغي أن يكون هناك في النساء حافظات و ذلك [حاصل] عند الحيوانات التي شبهنا بها الحافظ فيما تقدم . و نرى هذا في أنثى الكلاب، فهي تحمي ما تحميه الذكور منها، و تصارع ما تصارع ذكورها، غير أنها أضعف منها في ذلك، و قد جعلت الطبيعة أحيانا للذكر – وهو نادر – آلة بها يحارب و لم تضعها للأنثى كما هو عليه الحال في الخنزير (الوحشي)، و لما كانت الآلات (= كالأنياب و المخالب)، التي بها تُهاجم الحيوانات التي من شأنها أن تهاجم، و هي في الذكر منها و الأنثى في الأغلب على حد سواء، فذلك دليل على أن الأنثى تفعل هي أيضا نفس ما يفعله الذكر “[3].

وهذا المثال الذي قدمه، يكشف عن الجانب الواقعي والحضور الأرسطي لدى فيلسوفنا، حيث لجأ إلى الواقع التجريبي ليُضفي الشرعية على ما قدمه من تصور بخصوص المسألة النسوية. فهو يُجسد بهذا المثال حرصه الشديد على المساواة بين الجنسين، وهو ما يبرز جانبا مهما لديه يتعلق بالطموح الإصلاحي الذي يحركه تجاه واقعه وعصره، فالأمر ليس مجرد تلخيص لوجهة نظر أفلاطون في السياسة و إنما هو إعلان صريح عن الانشغالات و الهموم المجتمعية التي تثقل كاهله، وهو ما يحيلنا على ملاحظته الثالثة التي جعلت من قضية المرأة في عصره ومدينته قضية القضايا، فقد بات واضحا بالنسبة له، أن الحاجة إلى مواجهة السائد من الأقوال والتصورات أصبحت مسألة ملحة إلى حد ما، و قد بيّن في ملاحظته هذه أنه أدرك بعضا من مِزاجية هذه النظرة الدونية للمرأة في مجتمعه وما تمثله من مشكل حقيقي يعيق حركة هذا المجتمع . فالنظرة الدونية إلى المرأة و إقصاءها من عملية الإنتاج وتغييبها من المشهد المجتمعي بكل تلويناته السياسية والاقتصادية والثقافية من شأنه أن يدخل المجتمع بأسره في متاهات الفقر والتخلف وسيظل في هذه الحالة يتخندق في شتى أنواع القهر.

لقد كانت هذه الفترة فترة مكابدة فكرية وسياسية، تدور حول طائفة من الأفكار والتمثلات السائدة في المجتمع الأندلسي، وما تستلزمه من مجهودات نقدية مُضنية أملا في تغييرها . و هذه المواجهة القلقة المضطربة، قد هيأت فرصة استثنائية لابن رشد ليُبدع في تناوله لمسألة الإصلاح السياسي بشكل عام و للمسألة النسوية بشكلٍ خاص، حيث وجد نفسه وجها لوجه أمام تردي أوضاع المرأة في مدينته وفي زمانه، و هي أوضاع لا تتطابق مع صورة المرأة ككائن إنساني حر عاقل، و ذو مؤهلات للقيام بكل الأعمال الذهنية والعملية؛ و بالتالي لا مجال لتبنّي الخطابات الذكورية المليئة بالنفحة التقليدية بعد الآن. وهكذا حرص فيلسوف قرطبة و مراكش على تبني خطاب مضاد لما هو سائد؛ فدعا إلى ضرورة خروج المرأة إلى العمل لتُشارك الرجل في كل الأنشطة، و هنا يؤكد ابن رشد على مسألة أساسية وجوهرية، و هي أن السبب في شقاء المُدن و فقرها، هو تجميد الطاقة النسوية واختزالها في الحضانة والاعتناء بالبيت وخدمة الأزواج والسهر على راحتهم . فكيف لا يكنّ سببا في شقاء المدن، و هنّ يُشكلن حسب ابن رشد ثلثي السكان ؟ و كيف لا يكون المجتمع أعرجا ما دام هذا العدد الهائل من السكان يرزح تحت وطأة البطالة والتغييب الكلي من المشهد السياسي الاقتصادي للمدينة ؟

يقول : ” و إنما زالت كفاية النساء في هذه المدن (= مدن الأندلس)، لأنهن اتُّخذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن، و كذا الإنجاب و الرضاعة و التربية، فكان ذلك مُبطلا لأفعالهن [ الأخرى ] . و لما لم تكن النساء في هذه المدن مهيأت على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يُشبهن الأعشاب، و لكونهن حملا ثقيلا على الرجال صِرن سببا من أسباب فقر المدن . و بالرغم من أنهن ضِعف عدد الرجال، فإنهن لا يقُمن بجلائل الأعمال الضرورية، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال كما في صناعة الغزل والنسج عندما تدعوا الحاجة إلى الأموال بسبب الإنفاق، و هذا كله بيّن بنفسه “[4].

تؤلف الأوضاع السياسية والاجتماعية في الأندلس؛ سياقا مهما نفهم في إطاره، النمو الوافر الخصيب على نحو فريد للمشروع الإصلاحي الرشدي خلال تلك الفترة، فهي فلسفة ملتزمة سياسيا، وموجة عميقة وجدية تعكس الاعتلال والاضطراب الذي ساد في الأندلس وضرورة تجاوزه، حيث وضع نُصب عينيه وهو يُشخّص هذه المسألة أهدافا إصلاحية تروم النهوض بوضعية المرأة، مؤكدا أن جمهور النساء يعيش على هامش الحياة الاقتصادية جرّاء الإقصاء الممنهج ضدهن . وهو ما جعلهن يُشبهن الأعشاب الطفيلية التي تستهلك دون أن تنتج.

يتبين لنا ونحن نتابع التناول الرشدي لهذه المسألة، أنه قد سلك طريق المحاججة في إقناع الرجل بضرورة انخراط المرأة في العمل وفي بناء المجتمع، فأكد أن المرأة التي لا تعمل عالة على الرجل، لأنها تلحق به الأذى اقتصاديا واجتماعيا .

والظاهر أن إستراتيجية ابن رشد في بعث الثقة في قُدرات المرأة، تقوم على نسف المُرتكزات النظرية التقليدية التي تُعتمد في إقصاءها من كل مشاركة في الحياة العامة. و لأجل ذلك نراه يوجه سهام نقده القاسي إلى المجتمع الأندلسي ( الأبيسي ) -إن شئنا القول- الذي لم يُحسن معاملة المرأة، كما لم يُهيأها للقيام بالأعمال الجليلة؛ داعيا إلى القطع مع الصورة النمطية التي نُسجت عن المرأة والتي تقوم على حجج واهية ومضللة، بل إنها فاقدة لكل مصداقية ومشروعية، و بهذا يكون فيلسوفنا قد خاطب النزعة الذكورية بخطاب عقلاني واقعي، إذ ركز على المسألة الاقتصادية التي تهمهم أكثر من غيرهم، فالمرأة التي لا تشتغل لا يمكنها أن تُعين بعلها، و بالتالي فهي سبب البلاء الذي يصيب الأزواج من حيث لا يعلمون .

أما الملاحظة الرابعة والأخيرة، فتتعلق بالجانب الشرعي. وهو في هذا الباب، يرفض صراحة استبعاد بعض الشرائع للمرأة من أن تكون حاكمة ورئيسة؛ فبالعودة إلى طبيعة المجتمع الإسلامي أنذاك، نجد أن الثقافة السائدة فيه، ثقافة مُتحيّزة ضد المرأة كما أسلفنا الذكر، أضف إلى ذلك، الدور الخطير الذي يلعبه الدين في مجتمع متشبع بالثقافة الدينية ومُتعصب لها إلى أبعد الحدود، غير أن ما ينبغي التنبيه إليه هو براءة الدين من المكانة المتدنية التي وصلت إليها المرأة، ذلك أن تأويلات الفقهاء للنصوص الدينية كانت موجهة لتبرير ثقافة طغى عليها الطابع الإقصائي الممنهج ضد المرأة، لأن الإنسان العادي الذي يرى في المرأة عورة يجب أن يتم سترها، يجد لنفسه تبريرات لدى الفقهاء المتزمتين الذين يخدُمون أجندات سياسية ما دمنا نتحدث عن دولة ” وحداني التسلط “. وهذه التصورات المزعومة يجب التصدي لها، بوصفها فتنة تتستر بالنص المقدس، لتبرر ثقافة الجهل المقدس، و هذا بالضبط ما كان عليه أن يقف في وجهه لأنه تأليب بغير وجه حق للذكور على الإناث .

لقد تصدى ابن رشد وبالقوة اللازمة، لهذه التصورات الرجعية الهدامة للمجتمع، لأنها تتوهم الحفاظ على الطابع النسوي للمرأة و سترها لأنها عورة كما يقول الغزالي، لكنها في حقيقة الأمر تصورات تعمل من حيث لا تدري على تقويض أسس بناء مجتمع تنتفي فيه الفوارق و كل أشكال الفقر والتهميش، لأن استقرار المجتمع من عدمه قد يتوقف على حسن أو سوء معاملة المرأة؛ وفي هذا الخصوص يقول الباحث التونسي فريد العليبي متحدثا عن إحاطة ابن رشد بكل التصورات السائدة سواء بين أوساط عامة الناس أو عند حجة الإسلام : ” لا شك أن ابن رشد كان على اطلاع على مثل هذه الطروحات التي كانت شائعة في عصره، و بلورته لموقف مناقض لها، إنما يعني أنه يقف أيديولوجيا على أرضية مغايرة. منطلقه في ذلك الدفاع عن المرأة وقضاياها، حاشدا الحجج اللازمة لإقناع من يتوجه إليهم بخطابه الفلسفي على نحو خاص بأن ” صلاح المدينة ” يكمن في الكف عن اضطهاد النساء و منحهن دورا في إدارة شؤونها “[5] .

كان لزاما على ابن رشد وهو يتناول الموقف الشرعي من المرأة أن يضع معطف الفيلسوف جانبا ليرتدي معطف الفقيه المسلم الفطن، لأنه وجد نفسه وهو يخوض في القضايا الخلافية، مضطرا للخوض فيها هذه المرة من زاوية فقهية شرعية. يقول : “و لما ظن أن يكون هذا الصنف في النساء منعت بعض الشرائع أن تجعل فيهن الإمامة أعني الإمامة الكبرى، و لإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع “[6].

يؤكد لنا هذا القول ما قلناه سابقا، عن اعتراضه على استبعاد بعض الشرائع المرأة من أن تكون رئيسة حيث يشير وهو يوظف لفظ ” ظنّ “، إلى أن المسألة لا تتجاوز حدود الظن، و أنها تستند إلى خلفية مشكوك في صحتها . إنها حقا معضلة مقلقة سيحاول ابن رشد أن يجد لها مخرجا بصفته فقيها ضليعا في الفقه، و كان عليه أن يستحضر آراء المذاهب الفقهية المختلفة بخصوص مشكل جواز ولاية المرأة أو عدم جوازها .

إن ” الإمامة ” بمعناها الديني الضيّق مرتبطة بطقوس يؤديها فئة من الناس الذين ينتسبون إلى الديانة الإسلامية تحديدا . و قد رفض جمهور العلماء جواز ” إمامة المرأة “، و أعني الإمامة بمعناها الطقوسي طبعا؛ و قد استندوا في رفضهم هذا، إلى مجموعة من الآيات والأحاديث النبوية، لا نرى سببا في استحضارها، لأن ما يهمنا نحن، هو الموقف الذي اتخذه فيلسوفنا و طريقة تعامله مع الآراء الفقهية . وبعد تتبعنا لآرائه المعبر عنها حول الإمامة الصغرى يمكننا أن نقول، بأن ابن رشد الفقيه؛ لا يمكنه إلا أن يساير ما أجمع عليه جمهور العلماء حول مدى جواز الإمامة للمرأة في ثوبها الديني، و قد جاء هذا التحريم بناء على تبريرات قدمها هؤلاء، حيث بينوا أنه لو كان جائزا لكان في الصدر الأول، كما أن سنتهن في الصلاة هي التأخير عن الرجال؛ و يقول ابن رشد مستحضرا هذه الآراء المتضاربة : ” اختلفوا في إمامة المرأة . فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال و اختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي و منع ذلك مالك و شذ أبو ثور الطبري ، فأجازا إمامتها على الإطلاق وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال . لأنه لو كان جائزا لقلنا ذلك على الصدر الأول، و أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير على الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم، لقوله عليه الصلاة و السلام ” أخّروهن حيث أخرهن الله “[7] .

هذا عن موقف ابن رشد الفقيه من الإمامة الدينية. فماذا عن موقف ابن رشد الفيلسوف من الإمامة الكبرى ؟ هل سيلتزم بما أقره الشرع في هذا الباب أيضا ؟

يبدو إذن، أن فيلسوف قرطبة، كان ملتزما بالحدود التي رسمها جمهور العلماء في قضية الإمامة الصغرى، دون أن يعني ذلك أنه يتفق أو يساير هذا التوجه . أما بخصوص الإمامة الكبرى فموقف الشريعة منها لا يختلف عن الموقف المُعبر عنه سابقا في ما يتعلق بالإمامة الصغرى، حيث حرمت عليها أن تتولى زمام السلطة السياسية، و ابن رشد كان ” مُدركا لتحريم الشريعة الإسلامية تولي المرأة الرئاسة (الخلافة أو الإمامة الكبرى ) وهو الفقيه العارف بأصول الدين و أحكامه، فالحديث واضح [ لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ] و الآية صريحة كذلك [ الرجال قوامون على النساء ] ” [8].

واضح أن الأرضية التي يتحرك فيها فيلسوفنا تتباين فيها الآراء و المواقف، بين الرأي الشرعي والرأي الفلسفي بخصوص المسألة المُثارة. لهذا سيترك الرأي الشرعي دون الخوض فيه منصرفا نحو الرأي الفلسفي الذي يقر للمرأة الحق في تولي الرئاسة و غيرها من الأعمال، لأنه لا شيء يُعوزهن عن فعل ذلك . فابن رشد الذي التزم بحدود الشرع في الإمامة الصغرى، لا يريد أن تُعاد الكرّة من جديد على حساب طموحه، و لهذا ” سكت عمدا في تلخيصه لـ ” الجمهورية “عن منطوق المقدس الإسلامي في استبعاده المرأة من تلك الوظائف مع بعض التلميح عند الحديث عن ” بعض الشرائع ” و ما كان بإمكانه أن يفعل أكثر من ذلك في ظل سلطة إيمانية نصية سائدة، و إننا نلمس لديه في علاقته بذلك نزوعا تحرريا يهدم أركان الذهنية الرائجة ” [9].

يمكن إجمال كل هذا في القول بأنه كلما كان الباب الشرعي ضيّقا، إلا و ازداد الباب الفلسفي رحابة و اتساعا، و هو ما أفرز تباينا واضحا بين النظر الشرعي و النظر الفلسفي، فرغم التزام فيلسوفنا بما دأب عليه علماء الفقه بخصوص إمامة المرأة للرجال في المسجد؛ فإنه يتفادى الخوض في قضية الإمامة الكبرى من زاويتها الدينية الحسّاسة، فرجّح كفّة الرأي الفلسفي كنوع من الاجتهاد؛ فإذا أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر هذا الاجتهاد .

و هذا الصمت الذي ينهجه ابن رشد حينا والتلميح حينا آخر، لا ينبغي فهمه، على انه ضعف أو شيئا من هذا القبيل، خصوصا و أننا وقفنا له على آراء جِرّيئة، بالنظر إلى ما يُحيط به من مخاطر في مُجتمعٍ يُموّه الحقائق و يختلق الشائعات، ويمزِج الحق بالباطل، بل يمكننا فهم هذا الصمت على أنه ذكاء منه لأنه لا يُريد أن يوسّع الهوّة بين النظر الشرعي والفلسفي، فيكون بذلك ممن أساءوا إلى الفلسفة وحاربوها من داخل البيت الفلسفي نفسه، ليُفضّل بذلك ترك مشروعه الإصلاحي يطبخ على نار هادئة . إننا اليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى استلهام روح المواجهة والجرأة التي اتسم بهما ابن رشد، وهو يحاول تفتيت بنية من التصورات المغلوطة حول المرأة في بلده وزمانه، خصوصا وأننا نعيش زمن “الردة” والتراجع عن المكتسبات التي تحققت في هذا المضمار، فقد آن الأوان لنخوضها حربا لا هوادة فيها، ضد الأفكار والمواقف المتزمتة التي لا ترى في المرأة سوى مطرحا لتصريف الرغبات المكبوتة، أو أنها في أحسن الأحوال عورة تثير الفتنة، فوجب سترها اتقاء للشبهات. من هذا المنطلق يحق لنا أن نتساءل عن عدد عورات الرجل التي لا تعد ولا تحصى؟

إنها عورات بصيغة الجمع، وإن أعظمها فكر أعرج.

المراجع والمصادر:

—- الضروري في السياسة: ( مختصر كتاب السياسة لأفلاطون )، نقله عن العِبرية إلى العربية أحمد شحلان، مع مدخل و مُقدمة تحليلية و شروح للمشرف على المشروع، محمد عابد الجابري، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 1998 م . ( سلسلة التراث الفلسفي العربي . مؤلفات ابن رشد، 4 )، الطبعة الأولى .

—- ابن رشد: بداية المجتهد و نهاية المقتصد، دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت، الجزء الثاني، الطبعة السادسة، 1402 هـ / 1982 م.

—- فريد العليبي: رؤية ابن رشد السياسية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 ، (سلسلة أطروحات الدكتوراه،64).

210 – ابن رشد: الضروري في السياسة ( مختصر كتاب السياسة لأفلاطون )، ص 124.

211 – المصدر نفسه ، ص ن .

212 – المصدر نفسه ، ص 125 . 213 – المصدر نفسه ، ص 125 .

214 – العليبي : رؤية ابن رشد السياسية ( سلسلة أطروحات الدكتوراه ،64) ، ص 301 .

215 – ابن رشد:الضروري في السياسة، ص 125.

216- ابن رشد: بداية المجتهد و نهاية المقتصد (الجزء الأول)، دار المعرفة، ص 145 – 146.

217 – العليبي: رؤية ابن رشد السياسية ، ص 279 .

218 – المرجع نفسه ، ص ن .

المصدر: موقع كوة




الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : قضايا وإشكاليّات

بقلم: حيدر حبّ الله(*) —
(a) تمهيد
الكلام حول مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعدِّد الجوانب والحيثيات. ونحن لا نريد أن نتكلَّم عن أهمِّية الأمر بالمعروف، أو عن وجوبه، أو أحكامه الفقهيّة. وإنّما سوف نعالج مجموعة من النقاط، التي نعتقد بأنّها تحظى بأهمِّيةٍ وضرورة يمكن أن تسلِّط الضوء على موضوعٍ مهمّ للغاية في هذا الإطار.
وقبل الدخول في أصل البحث، أودُّ أن أشير إلى نقطةٍ جديرة بالذكر، وهي أنّ المستشرق الإنجليزي مايكل كوك ـ وهو مستشرقٌ بريطاني معاصر، مختصٌّ بالدراسات الإسلاميّة، وأستاذ في جامعة بريستون الإنجليزيّة، والذي لديه مؤلَّفات كثيرة حول الإسلام ـ ألَّف كتاباً بعنوان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي». وسبب تأليفه هذا الكتاب أنّه في يومٍ من الأيّام كان في بلد غربي، وشاهد مجموعة رجالٍ في محطّة القطار يغتصبون امرأةً، ولم تتمكَّن من الدفاع عن نفسها، ولم يقُمْ أحدٌ بالتدخُّل، والجميع واقفون في الطريق غير مبالين وغير معنيّين، ثمَّ بعد فترةٍ جاءت الشرطة.
فكَّر مايكل كوك في هذه الظاهرة، وصَدَمه هذا الحَدَث، وكيف أنّ كلّ الناس لم يتدخّلوا، ولم ينهوا عن منكرٍ من هذا النوع؟! ثمّ تأمَّل أكثر في خلفيّات هذه الثقافة، وقارن بينها وبين الإسلام؛ فوجد أنّ في الإسلام فريضةً في غاية الأهمِّية غير موجودة في الثقافة الغربيّة، بل يمكن أن يوجد نقيضها في الثقافة الغربيّة من وجهة نظره، وهي فريضة: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). إنّه يقول: إنّ مَنْ سبَّب لي أن أبحث في هذا الموضوع هو أنّني تفاجأت: لماذا لا يحدث مثل هذا الأمر في بلاد المسلمين؟ حيث يقوم المسلمون باستنكار حَدَثٍ من هذا النوع، والتدخُّل مباشرةً؛ لمنع وقوعه فوراً، بينما عندنا في الغَرْب لا توجد عملياً في أرض الواقع حركةٌ أو ردّة فعلٍ عفويّة ذاتيّة نابعة من قلب الإنسان تجاه المنكر في الخارج.
وانطلاقاً من هذه الحادثة كتب مايكل كوك كتابه الضخم، وتمَّتْ ترجمته ونشره بالعربيّة والفارسيّة وغيرها من اللغات. وقد درس فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جميع مذاهب الإسلام، معتمداً على مئات المصادر. وهو أهمّ وأكبر وأوسع دراسة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ حتّى عند المسلمين ـ استقصاءً وبحثاً وتتبُّعاً ونقداً. والكاتب لم يتناول المسألة فقهياً؛ لأنّه ليس فقيهاً، وإنّما استقرأ نظريّة مهمّة على امتداد 1400 سنة من خلال عدّة أسئلة: كيف تطوّرت؟ كيف فهمها المسلمون؟ كيف تعاملوا معها؟ كيف ربطوها بالحياة السياسيّة والاجتماعيّة؟ كيف أصبحت في داخلهم المسؤوليّة تجاه الآخر؟
إذن هذه الفريضة ليست فقط للنهي عن معصيةٍ أو الأمر بواجب جزئيّ هنا أو هناك، وليست مسألةً جزئيّة، وإنّما هي تمثِّل عنوان (الحسّ الاجتماعي عند المسلمين)، وهي عنوانٌ للإصلاح (إصلاح المجتمع أخلاقياً، اجتماعياً، تربوياً، فكرياً، وثقافياً). فالعنوان كبيرٌ جدّاً، لكنّنا نحن المسلمين مع الأسف صغّرنا هذا العنوان في ممارساتنا، فأصبح مجرّد تصوّر بسيط قد يتصوّره بعضنا لفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما لو سمعت صوت أغنية في سيارة أجرة فتقول له: هذا حرامٌ.
(b) نماذج من إشكاليّات تتّصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وبعد الذي قدّمناه يمكن أن نبيِّن مجموعة من الإشكاليّات في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي إشكاليّات تواجه هذه الفريضة، التي كان يسمِّيها بعض رموز التيّار الإخواني قديماً (الفريضة الغائبة)، وإذا جُمعت مع الجهاد كانتا: الفريضتين الغائبتين (أُطلقت هذه التسمية في كتاب ألّفه الشيخ المهندس محمد عبد السلام فرج، بعنوان: «الفريضة الغائبة»، ويعدُّ هذا الكتاب أحد الأسس الفكريّة الأولى للإخوان المسلمين. وقد أُعدم مؤلِّفه عام 1982م في قضيّة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات).
(c) الإشكاليّة الأولى: غياب التنظير الموسَّع والاجتهادات المعمَّقة
لو استقرأنا قليلاً بحوث العلماء والمفكِّرين والفقهاء نجد أنّ الدراسات حول هذه الفريضة محدودة وقليلة، ولا توجد عناية في الدراسات الفقهيّة أو الكلاميّة اليوم بهذا الموضوع بالشكل اللائق به.
في فترةٍ من الفترات كانت هذه الفريضة شعاراً للمسلمين، وخصوصاً المعتزلة والزيديّة؛ لأنّ المعتزلة، كثيراً منهم، كان يعتقد بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلٌ من أصول الدين الخمسة، وليس فرعاً، وكانوا يقولون: إنّ دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العقل، وليس النصّ، وإنّ النصّ مجرّد مؤيِّد (انظر: شرح الأصول الخمسة: 89، 501). لذلك تجدهم يفهمون الأمر بالمعروف شاملاً لكلّ جوانب الحياة السياسيّة، فأدخلوا مفهوم الثورة على الظلم ضمن فكرة الأمر بالمعروف وإنكار المنكر. وهذا ما تراه بوضوحٍ من خلال مسألة فقهيّة وهي: الموقف الفقهي من شخصٍ أنكر أو تخلّى عن الأمر بالمعروف؟
إنّ المعتزلة والزيديّة متشدِّدون للغاية في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الإمام الحقّ هو الذي يأمر بالمعروف، وكلُّ إمامٍ أسدل ستارَه ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فليس بإمامٍ. فالإمامة من وجهة نظرهم تكليفٌ، وليست تشريفاً. وعليه، إذا قرأنا التاريخ بموضوعيّةٍ نجد أنّ المعتزلة والزيديّة كان لهم دورٌ في مناصرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنْ عموماً لا توجد متابعةٌ اجتهاديّة بحثيّة علميّة لهذا الموضوع منذ حوالي سبعة قرون.
ولو قمنا بمقارنةٍ بين النتاج الفقهي لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وباقي المسائل ـ كالطهارة وغيرها ـ لوجدنا الفارق شاسعاً، أي لا توجد إضافةٌ نوعيّة على بحث الأمر بالمعروف، مقارنةً بما حصل في موضوعات أُخَر. وعلى سبيل المثال: لو أخذنا البيع أو أصول التجارات (قضايا البيع والمكاسب) في الفقه الإسلامي نجد أنّه تطوّر خلال القرون الأربعة الأخيرة تطوّراً مذهلاً، خاصّةً في الفقه الإمامي. فلو قرأنا كتاباً في أصول التجارات قبل أربعة قرونٍ، وقارنّاه بالموضوع عينه اليوم، سنجد قفزةً خياليّة مذهلة. أمّا لو قرأنا كتاباً عن الأمر بالمعروف قبل خمسة قرون، وآخر حديث الظهور في الموضوع عينه، فإنّنا لن نجد أيَّ فارقٍ يُذْكَر. وهذا يعني أنّه لم تحصل قفزاتٌ واهتمامات نوعيّة بهذا الموضوع كما ينبغي.
ولعلّ أهمَّ قفزةٍ ـ في تقديري الشخصي ـ شهدها الفقه الشيعي الإمامي في هذا الموضوع كانت كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من «تحرير الوسيلة»، للإمام الخميني. فلو قمنا باستقراء فقه الأمر بالمعروف من زمن الشيخ الكليني(329هـ) إلى زمن الإمام الخميني، وتابعنا كتب الاستفتاء والفتاوى الفقهيّة، سنجد أنّنا مع كتاب «تحرير الوسيلة» نشاهد قفزةً جديدة مختلفة، حيث وسَّع الإمام الخميني الفكرة لتشمل الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والعلاقة مع السلطة.
وللإنصاف هناك قفزاتٌ أخرى، ولكنّها قليلةٌ ومحدودة، وليست بالشَّكْل الذي نشهده مع سائر الأبواب الفقهيّة، ولا سيَّما أبواب الطهارة والعبادات والمكاسب والبيع.
اذن لا بُدَّ من تطويرٍ، من عدّة جهاتٍ تقتضيها المرحلة التي نعيشها، لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اجتهاديّة، علميّة، قرآنيّة، فقهيّة، تفسيريّة، وحديثيّة.
(d) الإشكاليّة الثانية: أزمة الوسائل والأدوات
هذا كلُّه في جانب البحث العلمي في هذه المسألة. أمّا على خطِّ الوسائل والأدوات فثمّة إشكاليّة أخرى تواجهنا، وهي الأساليب والطرق والوسائل والآليات التي تُستخدم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول الشيخ مرتضى المطهَّري قبل حوالي أربعين عاماً: ينبغي اليوم إغلاق الأمر بالمعروف والنهي عن النكر وإلغاء هذه الفريضة؛ لأنّ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في أيّامنا يصدّون الناس عن الدين بأساليبهم وطرقهم. (انظر: رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 3: 94 ـ 95). فهناك حاجةٌ ـ من وجهة نظر المطهَّري ـ لأن نُبدع ونطوِّر في الأساليب؛ حيث لا يزال بعضنا يستخدم الطرق القديمة. وعلى سبيل المثال: هناك فكرةٌ موجودة، وهي أنّ الأمر بالمعروف يجب أن يكون بصيغة الأمر، مثلاً: صَلِّ. فهذا هو الأمر بالمعروف، أمّا إذا قلنا له: الصلاة جيِّدةٌ، ومن المناسب أن تصلِّي، فهذا وعظٌ، وليس أمراً بالمعروف! فكأنّ فكرة الأمر بالمعروف مرتَكَز فيها العنصر المباشر بالأمر أو النهي. وأمّا العناصر غير المباشرة فهي غائبةٌ عن وعينا؛ لأنّ الناس قديماً كانت هذه وسائلهم؛ إذ لم يكن هناك إعلامٌ أو مدرسة أو وسائل تربويّة أو معلوماتيّة. وما زال بعضنا يستعمل نفس تلك الطرائق القديمة في الأمر بالمعروف. وليست المشكلة في استعمال القديم، ولكنْ لنفكِّر في الطرائق الجديدة أيضاً.
الشيخ المطهَّري استشعر أنّ أساليبنا فجَّةٌ، ولهذا وصل إلى مرحلةٍ يُطالِب فيها بإغلاق الأمر بالمعروف. المطهَّري لم يكن يقصد أن نغلق فريضة الأمر بالمعروف، وإنّما يقصد التذمُّر من أساليبنا الفجَّة، التي أبعدت الناس عن الدين. يقول بعض العلماء: عندما تريد أن تصطاد سمكةً ينبغي أن تضع طعاماً يناسبها هي، وتستلذّه، لا أن يكون طعاماً يناسبك أنتَ. فيجب أن نغيِّر الأساليب تَبَعاً لقناعات الناس وثقافتهم. اليوم يلعب الإعلام دَوْراً حتّى في تذوُّقنا للجمال. نحن غائبون عن هذا المشهد، ما زلنا نتكلَّم بطريقةٍ مباشرة مع الطرف الآخر.
وعليه، هناك ضرورةٌ كبيرة للتطوير، وخاصّةً أنّ هناك ظاهرةً موجودة في الغرب، وهي ما يُسمَّى بـ «الإلحاد الجديد». وهذا الإلحاد لا يتكلَّم عن وجود الله فحَسْب. إنّه لا يقوم فقط على أساس إنكار الأسس الميتافيزيقيّة أو عدم إنكارها، وإنّما الإلحاد الجديد، الذي شهد قفزةً كبيرة بعد الحادي عشر من سبتمبر، يقوم على فكرةٍ مركزيّة، وهي: «الدِّين مُضرٌّ بالإنسان». والدليل: شاهِدْ ماذا فعل الدين بالمسلمين! وشاهد القَسْوة والعُنْف التي سبَّبها لنا الدين في مختلف أنحاء العالم. هذا ما أرادوا أن يركِّزوه، مستفيدين من تعثُّرنا، وتعثُّر أمم متديّنة كثيرة، واستغلوا حادثة الحادي عشر من سبتمبر وغيرها، ليقولوا: ما ينتجه الإسلام ـ بل كلُّ دينٍ ـ إنّما هو عنفٌ، قسوة، صلافة، قتل، دمار، فُرْقة… الدِّين ليس فيه محبّة أو تواصل، بل فيه قطيعة وبُغْض. والنتيجة هي تحوُّل الدين إلى فزَّاعة من وجهة نظرهم.
من هنا يجب علينا أن نطوّر أساليبنا لمَحْو هذه الصورة التي يُراد لها أن تُخلَعَ على الدِّين، دون أن نغيِّر من الأحكام الشرعيّة شيئاً، ودون أن نتراجع عن معتقداتنا ومفاهيمنا وأفكارنا وأصولنا. وإنّما الكلام في الأساليب والطرق والوسائل والآليات، وإنْ كنتُ أعتقد أنّ الكثير من مفاهيمنا وتصوّراتنا وفقهيّاتنا ورؤانا لها دورٌ عميق أيضاً في وضعنا الحالي الذي وصلنا إليه، وأنّ المشكلة لا تقف عند حدود الأساليب، بل تتعدّاها، لكنَّ مسألة الأساليب ضروريّة جدّاً أيضاً.
وخلال القرن الأخير، صار هناك نشاطٌ حول هذه الفريضة من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: هبَّ فريقٌ من العلماء والمفكِّرين والمثقَّفين والفقهاء ليقولوا بضرورة إحياء هذه الفريضة؛ لأنّها فريضة ميّتة ونائمة، لا أحد يمارس الأمر بالمعروف، بل ليست جزءاً من أدبيّاتنا. الجهة الثانية: تطوير الأساليب أيضاً. وقد كُتب في هذا الموضوع كثير، لكنْ أعتقد أنّ ما كُتب يختلف عمَّا تحتاجه مرحلتنا هذه (مرحلة العولمة) أو ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي؛ حيث تغيَّر العالم، وتغيَّرت قواعد اللعبة، وعلينا أن نغيِّر وضعنا وتموضعنا، تَبَعاً لتغيُّر قواعد اللعبة في العالم. الجهة الثالثة: توظيف فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار مفهوم النهضة الإسلاميّة؛ لأنّنا ـ منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا ـ نشهد مجموعةً من العلماء الكبار المنظِّرين لموضوع النهضة الإسلاميّة، الذين قالوا: إنّ موضوع الأمر بالمعروف أحد الوسائل الكبرى والأساسيّة التي تمكِّننا من تحقيق النهضة الإسلاميّة المنشودة.
إذن نحن بحاجة إلى: 1ـ اجتهادات فقهيّة موسَّعة في هذا الموضوع، كلٌّ من موقعه. 2ـ نحن بحاجةٍ إلى مؤتمرات وندوات حول تطوير وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستعين بأهل الاختصاص في مختلف المجالات، وخاصّةً مجالات العلوم الإنسانيّة في قضايا التربية والتعليم والإعلام والإدارة والتأثير النفسي وغيرها. 3ـ نحن بحاجة إلى ندوات (ولو مغلقة) للمراجعة والنقد الذاتي، تظلّ متواصلةً؛ لنرى أين هي نقاط ضعفنا؟ لماذا أخفقنا في المكان الفلاني؟ كيف يمكن تطوير عناصر القوّة وتجاوز عناصر الضعف؟ 4ـ لا بُدَّ لنا من نشاطٍ لاستحضار هذا المفهوم القرآني، والدعوة إليه، والترويج له، ونشر هذا المصطلح في حياة الناس؛ لأنّه غائبٌ نوعاً ما.

(e) الإشكاليَّة الثالثة: حصر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يتصوّر الكثير من الناس ـ على خلاف ما هو ثابتٌ في الفقه والإفتاء ـ أنّ هذه الفريضة هي وظيفة الفقهاء والمشايخ والعلماء، فهم يعرفون الحلال والحرام، أما سائر الناس فكأنّه لا شأن لهم بذلك، ولو فرضنا أنّهم معنيّون بهذه الفريضة فليس ذلك إلاّ بشكلٍ فرديّ محدود جدّاً، لا يشكّل جزءاً من برنامج حياتهم.
هذا المفهوم خاطئٌ تماماً وفقاً لرأي جمهور علماء المسلمين، باستثناء نزرٍ يسير منهم قديماً؛ فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا فرق فيه بين العالم الديني وغيره، ولا بين الرجل والمرأة؛ هذه فريضةٌ عامّة. والنصوص القرآنيّة والحديثيّة واضحةٌ في عدم وجود تمييز في هذه الفريضة، بل لو تأمّلنا قليلاً نصوص الكتاب والسُّنَّة سنجد أنّ هذه الفريضة لها ثلاثة وجوه:
1ـ وجه فردي: الإنسان يأمر أخاه الإنسان.
2ـ وجه سلطويّ حكومي: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحجّ: 41). فالدولة أو السلطة في الإسلام عليها مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز لها أن تتَّخذ موقف الحياد في ذلك؛ فإنّ التمكين في الأرض يعني السلطة، سواء كانت عشائريّةً أم دينيّة أم إعلاميّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة أم غير ذلك. والدولة أبرزُ أشكال التمكُّن، وكلُّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض، سواء كان فرداً أم جماعةً، فهو مُطالبٌ بالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح شؤون مجتمعه ومحيطه.
3ـ وجهٌ مجتمعيّ، أي إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ مجتمعيّة، فالمجتمع برمّته معنيٌّ بهذا الأمر، سواء كانت هناك سلطةٌ أم لا.
ثمّة رأيٌ للشيخ محمد مهدي شمس الدين يقول بأنّ التكاليف على قسمين في الإسلام: التكاليف الفرديّة، ويكون خطاب الكتاب والسنّة فيها خطاباً للأفراد؛ والتكاليف المجتمعيّة التي يكون الخطاب فيها موجَّهاً للأمّة (شمس الدين، جهاد الأمّة: 47 ـ 59).
إنّ الكثير ممّا يسمّيه الفقهاء بالواجبات الكفائيّة يسمّيه العلاّمة شمس الدين بالواجبات المجتمعيّة، أو واجبات الأمّة. ومثال ذلك: فريضة الجهاد. فهذه الفريضة ليست موجَّهةً لي وحدي؛ إذ لا معنى لأن أجاهد وحدي؛ لأنّ طبيعة الجهاد هي طبيعة جماعية (أعني بالطبع الجهاد الحربي العسكري)، فهذا الخطاب موجَّهٌ للجماعة، وهي المطالبة بالجهاد، بصرف النظر عن كلّ فردٍ وحده. وعلى منوال الجهاد يقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من الوظائف التي أُمرت بها الأمّة بما هي أمّة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110)، ولم يقُلْ: كنتَ أيّها المسلم خير فردٍ أُخرج للناس.
إذن هذه الفريضة تختلف عن فريضة أداء الصلاة في جوف الليل؛ فأداء الصلاة شأنٌ فردي يقوم به المكلَّف وحده، وإنْ كانت له انعكاساته الاجتماعيّة الأخرى. أمّا فريضة الأمر بالمعروف فتارةً تلاحظ على أنّها فريضة فرديّة؛ وأخرى على أنّها فريضة أُسريّة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132)؛ وتارةً تلاحظ على أنّها وظيفة سلطويّة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾؛ ورابعةً تلاحظ على أنّها فريضة جماعيّة، بحيث تكون هناك جماعةٌ في الأمّة مستنفرة ـ بما هي جماعة ـ للأمر والنهي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾؛ وخامسةً تلاحظ على أنّها فريضةُ الأمّة بأجمعها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ…﴾.
وبناءً عليه، فهذه الفريضة متعدِّدة الجهات، من الفرديّة إلى الأُسريّة إلى السلطويَّة إلى تشكيل جماعات داخل الأمّة وظيفتها الأصليّة هذا العمل، إلى أن تكون هذه وظيفة الأمّة بما هي أمّةٌ، أي كلّ أمّة الإسلام لها رسالة إزاء ذاتها، وإزاء باقي الأمم الأخرى، عليها أن تقوم بها، فهي وظيفة الكلّ، كلٌّ بحسب سعته، وبحسب المكان الذي يحلُّ فيه في هذه الدنيا. بل قد يتعدّى الأمر أكثر من هذا في زماننا ـ كما يقول بعض من العلماء ـ، حيث تصبح بعض الواجبات الكفائيّة أحياناً واجباتٍ عينيّة، تماماً كحال شخص في الصحراء مسافر مع صديقه، وتوفّي صديقه، يجب أن يقوم بتجهيزه من الدفن والتكفين والصلاة عليه، وهذه كلّها واجبات كفائيّة، لكنْ باعتبار عدم وجود شخصٍ آخر غيره ينقلب هذا التكليف من واجب كفائي إلى واجب عيني، فكلّما لم يكن هناك متصدٍّ بمقدار الكفاية تصبح الظروف أقرب إلى العينيّة.
في عصرنا هذا يعتقد بعض العلماء أنّ هذه الفريضة انقلبت من الحالة الكفائيّة إلى الحالة العينيّة؛ لقلّة حجم المتصدِّين اللائقين نسبةً إلى حجم التحدّيات، بمعنى أنّك لو قارنت حجم المتصدِّين ـ على كثرتهم ـ في قضايا الأمر بالمعروف مع حجم التحدِّيات والغزو الثقافي وحجم الانحراف الأخلاقي الموجود في المجتمع تجد أنّ هؤلاء غير قادرين على تغطية هذه المساحة، إذن فالآخرون أيضاً مطالبون بالتصدِّي؛ لأنّ نسبة التصدّي إلى التحدّي غير متكافئة، والمطلوب أن يكون هناك تكافؤٌ ولو في حدّه الأدنى.
ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ سورة العصر تقدِّم مبدأً مهماً جدّاً، وهو: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، أي التوصية المتبادلة (أنت توصيني، وأنا أوصيك)، من المواصاة (مفاعلة) بين طرفين، فهذا أيضاً مبدأٌ من مبادئ الأمر بالمعروف، وينتج مفهوماً مجتمعياً لفكرة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، بدل المفهوم الفردي الخاصّ، كما سنشير إليه، وهو مبدأٌ يفتح على نهي العلماء للناس عن المنكر ونهي الناس للعلماء عن المنكر لو فعله أحد الطرفين، دون اختصاص النهي والتوصية بطرفٍ منهما.
والأمر المهمّ على هذا الصعيد، هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما لا يختصّان بعلماء الدين، فهذا معناه أنّ آحاد المسلمين من حقّهم بل من واجبهم ممارسة هذا الدور، ليس تجاه بعضهم بعضاً فقط، بل تجاه علماء الدين أنفسهم. فلا يوجد عندنا نصٌّ في الكتاب أو السنّة الثابتة يوقف هذه الفريضة إذا أُريد تطبيقها تجاه رجال الدين أنفسهم. ومن ثم فعلى عموم الناس إذا رأَوْا منكراً صدر من عالم من علماء الدين أن ينهوه عن المنكر هذا. وكونه منتسباً إلى سلك علماء الدين لا يمنحه أيّ حصانة في أن يُرشده الناس أو ينكروا عليه، طبقاً للقواعد الشرعيّة التي يلزم توفّرها هنا أيضاً. وعلى هذا فما يطرحه بعض الناس، من أنّ رجال الدين وفقهاءهم ومراجعهم هم فوق ممارسة فريضة الإرشاد أو النهي عن المنكر أو الأمر بالمعروف في حقّهم، لا أساس له سوى بعض الاعتبارات الاجتماعية، مثل: حفظ مكانتهم، وأنّ قيمة الدين بهم، وأنّ نقدهم أو الإنكار عليهم أو إرشادهم لأمرٍ هنا أو هناك هو توهينٌ لهم أو تضعيفٌ للدين… إنّ الأمر على العكس تماماً، حيث يجب على علماء الدين تربية الأمّة على نصحهم والإنكار عليهم وتقويمهم لو صدر منهم ما هو غير مناسب.

(f) الإشكاليّة الرابعة: الأمر بالمعروف وثقافة اللامبالاة
في مقابل هذا كلّه توجد مشكلة تواجهنا أحياناً، وتؤسِّس لمنطق يشبه المنطق الذي انتقده (مايكل كوك)، وهي فكرة (اللامبالاة)، التي قد يستند بعضهم فيها إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105). هذه الآية مطروحةٌ بين العلماء، فهل تريد أن تؤسِّس لمبدأ اللامبالاة إزاء الآخرين أو لا؟ إنّ الآية واضحة ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي لست معنيّاً إلاّ بنفسك، وقدَّم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ للإشارة إلى الحصر، وفق قواعد لغة العرب، بمعنى أنّه ليس عليكم سوى هذه النفس. ففكرة اللامبالاة موجودةٌ، سواء بمبرِّر ديني؛ اعتماداً على هذه الآية، أم بمبرِّرات أُخَر، وهي تكرِّس المبدأ الذي يقول: أنا غير معنيّ، أو إنّ التدخُّل في حياة الآخرين فكرةٌ خاطئة، وليس لي أن أتدخَّل في شؤونهم.
تشير بعض الروايات التاريخيّة إلى أنّ فكرة الاعتماد على هذه الآية القرآنيّة لتأسيس منطق اللامبالاة إزاء قضايا الأمّة وقضايا الانحراف جاءت من جماعةٍ من المسلمين أعلنوا هذا المنطق، معتمدين على هذه الآية بعد وفاة الرسول الأكرم. ولعلّ الذي قال هذا شاهد انقساماً في الأمّة، فقال: لا علاقة لي. هذه الجماعة لا يُعرف اسمها، لكنّها مذكورةٌ في رواية تاريخيّة أوردها الإمام أحمد بن حنبل (مسند ابن حنبل 1: 5).
والسؤال هنا: كيف نفهم منطق اللامبالاة في الآية؟ وكيف نتعامل مع هذا المنطق الموجود في أوساطنا هذه الأيّام؟
توجد أجوبةٌ ومحاولات متعدِّدة لتفكيك دلالة هذه الآية الكريمة. وبعضها لا نوافق عليه، وإنْ لم يكن المجال مجال المناقشة التفصيليّة. وأهمُّها:
الجواب الأوّل: ما ذكره بعض العلماء، حيث قال بأنّ الآية واضحة في مناقضتها لمبدأ الأمر بالمعروف، وحيث لا يمكن فكّ هذا التناقض قالوا: هذه الآية نُسخت بآيات الجهاد والحرب والآيات اللاحقة (محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 30: 34).
إلا أنّ المشكلة أنّ هذه الآية من آيات سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، الأمر الذي استدعى القول بأنّ الآية مكيّة، لكنّها وُضعت في سورة مدنيّة، وهذا أمرٌ موجودٌ نظائره في علوم القرآن وكتب التفسير.
الجواب الثاني: ما ذكره بعض العلماء (الفخر الرازي، التفسير الكبير 12: 112)، من أنّه يمكن التوفيق أو إجراء مصالحة بين هذه الآية وسائر آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك أنّ هذه الآية تريد أن تقول: يا أيّها الذين آمنوا، إنّ ضلال الآخرين وانحرافهم لا يضرّكم في شيءٍ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بمعنى أنّ انحراف أحد الأقرباء أو الجيران أو عامّة الناس لا يضرّكم في شيء: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164).
إلا أنّ هذه المحاولة الجوابيّة يمكنها أن تفسِّر لنا قوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ولكنّها لا تفسِّر لنا قوله سبحانه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ إذ هذه الجملة تحتوي على فعل أمر، ومن ثم فإنّها تعني: إنّك معنيٌّ فقط بنفسك.
الجواب الثالث: ما أفاده بعض العلماء أيضاً، من أنّ (اللام) في هذه الآية القرآنيّة هي لام النهي، فتعني الآية: يا أيّها الذين آمنوا، حافظوا على دينكم وتقواكم وعدالتكم وإيمانكم، ولا تسمحوا للآخرين بأن يلحقوا الضرر بدينكم وإيمانكم بعد أن اهتديتم، فهذا لا ينافي مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن ثمّ فأنا ملزمٌ بأن أراعي نفسي، وأنتبه إليها، ولا أسمح للآخرين أن يُلحقوا الضرر المعنوي والروحي والسلوكي بي، وفي الوقت عينه أنا ملزمٌ بأن أصلحهم، فلا تنافي في البَيْن.
الجواب الرابع: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ هذه الآية فُهمت خطأً، فكلُّ ما تريد أن تقوله هو: يا أيّها الذين آمنوا، أنتم تتحمَّلون مسؤوليّة أنفسكم، أنتم يوم القيامة عندما تأتون تحملون مسؤوليّة أوزاركم التي فعلتموها، ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ أي إذا انحرف الآخرون فأنتم لا تتحمّلون مسؤوليّتهم ووزر أعمالهم يوم القيامة (حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه 2: 240). فكلُّ واحدٍ يتحمّل مسؤوليّة نفسه، وما تفعله نفسه هو يتحمّل وزرَه يوم القيامة، أمّا ما يفعله الآخرون فليس في رقبتك.
ونترك مجال التفصيل في دلالة هذه الآية الكريمة إلى ما تعرَّضنا له في كتابنا (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 86 ـ 98)، فليراجع.

(g) الإشكاليّة الخامسة: الأمر بالمعروف وأزمة التوتُّر النفسي عند الدعاة والمبلِّغين
فهذه الآية التي تثير فكرة اللامبالاة هي في الحقيقة تشبه مجموعةً من الآيات التي تؤسِّس لمبدأ مهمّ في الأمر بالمعروف، وهو أن لا نُتعب أنفسنا وأعصابنا. فهناك بعض الناس في أوساطنا الدينيّة عندما يرَوْن انحرافاً من أيّ نوعٍ يسعَوْن لتغييره، والآخرون لا يستجيبون لهم، فيصبحون وكأنّهم مسؤولون عنهم، فينفعلون ويحرقون أعصابهم ويُصابون بضغطٍ نفسيٍّ شديد، وهذه القضية نبَّه اللهُ رسولَه إليها عدّة مرّاتٍ في القرآن:
قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف: 6)، أي لعلّك مُتلفٌ نفسك عليهم؛ لأنّهم ما آمنوا، فالهداية بيد الله، وليست بأيدينا، وعليك دعوتهم.
وقال سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 3)، فالإنسان بطبيعته عادةً مترقِّبٌ لنتائج الأعمال، فتجده متوتِّراً وعجولاً؛ لذلك تجيبه الآية اللاحقة بأنّ الله لو أراد أن ينفعل مثلك أو يغضب أو يذهب بنفسه لنزَّل عليهم آيةً من السماء، وحسم الأمور: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: 4).
إذن هذا مبدأٌ مهمّ نستطيع أن نسمِّيه: (مبدأ الوَسَطيّة في حمل الهَمّ الديني)، حتى لا نبدو متوتِّرين وكأنّنا فقدنا أعصابنا. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66)، فأنا لست المتوكِّل لأموركم، وإنّما ربّكم هو المتوكِّل لها. فنحن ندعو الآخرين، وإنْ استجابوا فبها ونعمت، وإنْ لم يستجيبوا فالأمر إليهم. وهذا هو منطق التوكُّل على الله؛ لأنّ مقاليد الأمور بيده سبحانه وتعالى، وعالم الأرواح والنفوس تحت سلطانه، فالتوتُّر والعصبيّة والانفعال وفقدان الأعصاب ليست هي الاستراتيجية عندنا. بل على العكس، نحن نضع خطّةً وبرنامجاً، عارفين بأن أمر القلوب بيد الله تبارك وتعالى، وليس بأيدينا، والمهمّ أن نقوم بوظائفنا، مَنْ اهتدى فلنفسه، ومَنْ لم يهتدِ فأمره إلى الله سبحانه، وندعو له بالهداية والتوفيق.
والنتيجةُ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفةٌ اجتماعيّة وسياسيّة وفرديّة وأُسريّة وأمميّة، مطالبٌ بها الجميع. ولا يحقّ لنا رفع هذه المسؤوليّة ووضعها على كاهل العلماء فقط؛ فكلُّ واحدٍ منّا مطالبٌ، بل لا يبعد أن تكون هذه المسؤوليّة قد دخلت حيِّز الواجب العيني، ولا توجد في الثقافة الدينيّة فكرة اللامبالاة العامّة، بل المسؤوليّة كبيرةٌ على الجميع، دون أن تُدخلهم في حالةٍ من التوتُّر والضغط النفسي غير المبرَّرين.

(h) الإشكاليَّة السادسة: تعطيل الفريضة لفقدان التأثير
ذكر الفقهاء شروطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن بين هذه الشروط كان شرط وجود احتمال التأثير؛ فلو لم يُحتمل التأثير في الطرف المقابل فلا يجب أمره ونهيه. وهذه الفكرة صحيحةٌ، لكنّها فُهِمَتْ عملياً أو طُبِّقت بصورةٍ ملتبسة.
قال الفقهاء ـ كما يشير إلى ذلك السيد الخميني (تحرير الوسيلة 1: 469) ـ بأنّ احتمال التأثير له أوجه متعدِّدة. فمثلاً: زيد يشرب الخمر، فأقول له: هذا حرامٌ، وأنا أعلم أن كلامي معه غير مؤثِّرٍ فيه، فهنا نقول: لا يوجد احتمالٌ للتأثير، والنتيجة عدم وجود تكليفٍ إلزامي في حقّي تجاهه بعد ذلك في هذه القضيّة ما دامت الحال كذلك.
هذه هي النظرة الفرديّة التي كان السيد الصدر يسمِّيها بـ (النزعة الانكماشيّة في الفقه). فهناك مَنْ يفكر بأنَّ الأحكام تُدار بهذه الطريقة تطبيقيّاً، بينما يلزمنا أن نفكِّر ونحن نتعامل مع فريضة الأمر والنهي بوصفنا جماعةً كبيرة منتشرة في الأُمَّة، كلُّ فردٍ من أفراد هذه الجماعة يأمر وينهي واحداً أو اثنين. وهنا يجب أن أنظر إلى حالتي بوصفي جماعةً. فهل قيام جميع أفراد الجماعة يمكن أن يُحْدِث تأثيراً على المستوى الفردي أو الاجتماعي، حتّى لو كان هذا الفرد أو ذاك في هذه الحالة أو تلك لا يَجِدُ احتمال التأثير في هذا الفرد من الناس أو غيره؟
إنّ وجود حالة الأمر بالمعروف في المجتمع، حتّى مع فقدان التأثير الجزئي هنا أو هناك، هو بنفسه له تأثيرٌ على الناس، بمعنى أنَّ مَنْ يفعل المنكر لا يشعر بطمأنينةٍ نفسيَّة. وهذا أيضاً شكلٌ من أشكال التأثير. وفكرة التأثير ليس مستندها ـ في نظري ـ نصٌّ ديني ثابت السند والدلالة يحكي عنها، وإنّما عمدتها المقاربة العقلانيّة لطبيعة الفريضة وملابساتها (انظر: حيدر حبّ الله، فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 339 ـ 348). إنّ سكوت الآمرين بالمعروف يجعل شريحةً كبيرة من الناس لا تشعر بأنَّ ما تفعله هو ذنبٌ، وهذا معنى الرواية التي قالت: «كيف بكم إذا صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً» (تفصيل وسائل الشيعة 16: 122). فعندما يسكت الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ويروج الانحراف الأخلاقي والاجتماعي في الأُمَّة، لا يلتفت الناس إلى أنَّ ما يفعلونه هو المنكر. فنفس وجود ظاهرة الأمر بالمعروف حالةً جماعيَّة يؤدّي إلى شعور المذنبين بأنَّ هناك وجهة نظر (على الأقلّ) تقول بأنَّ ما يفعلونه غيرُ صحيحٍ.
سأقف قليلاً عند قصَّةٍ وردت في القرآن الكريم، اهتمَّ بها بعض المفسِّرين في موضوع الأمر بالمعروف، وهي قصَّة (أصحاب السبت). فقد كانت هناك جماعةٌ من بني إسرائيل يعيشون على شاطئ البحر، وكانوا فَسَقةً، فأراد الله ـ لأنَّهم فاسقين ـ أن يبتليهم، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ…﴾ (النساء: 160). والباء في الآية سببيَّة، أي إنّه بسبب ظلمهم حُرِّمت عليهم (طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ). فأراد الله أن يعاقبهم، فحرَّم عليهم الصيد يوم السبت، فكانت الأسماك لا تأتي شواطئهم سائر أيّام الأسبوع، بينما كانت في يوم السبت (شُرَّعاً)، أي أسراباً على شاطئ البحر، تبدأ تتابع على مرأىً منهم ومشهد. وقعت المعصية منهم بالصيد يوم السبت، بعد أن حرّمه الله عليهم، فتشكَّلَتْ فيهم أمَّة عاصية معتدية. وهنا انقسم سائر الناس قسمين: فريقاً يقول: يجب أن نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر؛ وفريقاً يقول: لا فائدة من ذلك، فهؤلاء سينزل بهم العذاب لا محالة، ولن يصلح حالهم قبل ذلك.
وبهذا أصبحت لدينا ثلاث مجموعات: المجموعة المعتدية؛ والمجموعة الواعظة؛ والمجموعة الساكتة. وهنا قال تعالى: ﴿واسألْهُم عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (النساء: 163 ـ 165). وهذا يعني أنَّ الأمَّة الواعظة قد ذكَّرتهم، فنسوا وأهملوا ما ذُكِّروا به، وأنجينا خصوص الذين ينهَوْن عن السوء.
والسؤال: أين ذهبت (الأُمَّة الساكتة)؟ إنّ بعض الروايات تقول: ذهبت مع الذين ضلّوا بعذابٍ بئيس؛ لأنَّ الأُمَّة الواعظة حصلَتْ على العُذْر، لكن الأُمَّة الساكتة لم تحصَلْ على العُذْر، فلحقها عذاب القوم: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
هذه القصَّة تعطينا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةٌ، على الرغم من الاحتمال الضئيل في هداية هذه الأُمَّة. فترك الأمر بالمعروف ـ ولو مع الاحتمال الضئيل للتأثير ـ من الكبائر؛ بناء على تفسير الكبائر بما توعَّد الله عليه في القرآن بالعذاب.
ما نهدف إليه هو أنّه لا يصحّ تضخيم فكرة احتمال التأثير، بحيث نختلق منها لأنفسنا أعذاراً للتخلّي عن مسؤوليّاتنا. ولهذا نجد أنّ بعض الفقهاء تحدَّثوا عن كفاية الاحتمال في التأثير، ولو في المستقبل، على تقدير تكرار الأمر والنهي، ولو لمدّةٍ غير قصيرة (انظر ـ على سبيل المثال ـ: الخميني، تحرير الوسيلة 1: 468؛ وفضل الله، فقه الشريعة 1: 627 ـ 628).
بل لعلّ مستوحٍ يستوحي من هذه القصّة أنّ وجود ظاهرة الأمر بالمعروف من المنجيات من العذاب، وأنّ فقدانها قد يجعل العذاب لاحقاً حتّى للمؤمنين الصالحين.
وربما يُستوحى هذا أيضاً من سورة العصر، حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَصْر* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالخارجون عن دائرة الخسران هم المتَّصفون بصفاتٍ ثلاث: أـ الإيمان؛ ب ـ العمل الصالح؛ ج ـ التواصي بالحقّ والصبر، بمعنى دعوة بعضنا بعضاً للإيمان والصبر والفضيلة.

(i) الإشكاليَّة السابعة: الجمود على المنكر الفرديّ
واحدة من القضايا التي تسود أدبياتنا هي أنَّ المنكرات مسلكيّات فرديَّة، يمكن أن نواجهها في الحياة. وعادةً ما لا ننتبه إلى أنَّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها أوجه عامَّة (غير سلوكيَّة) أيضاً. فلها وجه اجتماعي، وآخر سياسي، ومحاربة الظلم والاستبداد، ومحاربة الطبقيَّة المنتشرة في أوساط المسلمين، بمَنْ فيهم أهل الإيمان والصلاح والتديُّن، والفساد المالي والإداري والطبقي، والفساد الأخلاقي وغيره. لكنْ هناك جانبٌ مهمّ في هذه الفريضة لا نلتفت إلى ضرورته، وهو الجانب الفكري والثقافي.
إنّ الكثير منَّا يتصوَّر أنَّ هذه الفريضة هي محاولة لتغيير معصيةٍ صدرَتْ من شخصٍ، لكنّ مفهوم الدعوة إلى الخير، وإرشاد الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مفاهيم تشمل حتَّى إلفات نظر الآخرين إلى الانحراف الفكري والثقافي الذي يُعانون منه.
لقد ميَّز الفقهاء بين فكرة الأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل، حيث قالوا: لو فعل شخص فعلاً غير حقٍّ، ولكنّه لا يعرف أنَّه باطلٌ، فوظيفتنا تجاهه هي (إرشاد الجاهل)، أمَّا إذا فعله وهو يعلم أنَّه غير صحيح فوظيفتنا تجاهه هي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). نحن هنا لا نتحدَّث بالمفهوم الفقهي، بل نتحدَّث عن الأمر بالمعروف بمفهومه الواسع: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: 104)، أي بالمفهوم العامّ. وهنا لا فرق بين أن أصرف شخصاً عن فعلٍ حرام وهو يعلم أنَّه حرام وبين أن أوضِّح له الحقَّ من الباطل، فكبرى مهمّات الأنبياء^ هي مواجهة الانحراف العقائدي والثقافي والفكري عبر مثل: التوحيد، والمعاد، والنبوّات، وغيرها.
إنّنا كثيراً ما نعتقد بأنّ الحوار الفكري والثقافي والعقائدي ليس جزءاً من عمليَّة الأمر بالمعروف، بينما الصحيح هو أنّه يقع في سياقه، ولا ينفصل عنه. وفي تقديري كلُّ نشاطٍ علميٍّ يُراد منه تصحيح الأفكار والمفاهيم فهو يصبُّ في نهاية المطاف في عنوان الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف ليس فقط إصلاح فرد في منكرٍ سلوكيٍّ يفعله وهو يعلم به، وإنَّما أيضاً إصلاح ثقافة مجتمع ووَعْيه وأفكاره.
يذهب بعض المفكِّرين المعاصرين، مثل: الدكتور حسن حنفي، إلى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز أن ندخلهما في عالم المفاهيم والأفكار، وهما من الأمور الاجتماعيَّة؛ لأننا إذا أقحمنا فكرة الأمر بالمعروف في قضايا الفكر والثقافة والخلاف العلمي فسيوجب ذلك سلب الحُرِّيات. فكلُّ شخصٍ يختلف مع الآخر يجب أن يقمعه ويصادر حرِّيته؛ لأنَّه يعتقد بأنَّه يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. وهذا ما سيؤدِّي إلى سدِّ باب الاجتهاد في الفقه والتاريخ والكلام والفلسفة وعلوم التفسير والحديث والأصول والرجال، وسائر العلوم الإنسانيّة (انظر: حنفي، من العقيدة إلى الثورة 5: 257 ـ 258). وعليه يجب تحييد هذه الفريضة عن عالم الفكر؛ لأنَّه عالم مفتوحٌ ليس للأمر بالمعروف علاقة به، ولا يجوز حظر الأفكار بحجَّة الأمر بالمعروف. هذه الفكرة استشهد لها الدكتور حسن حنفي بالتاريخ الإسلامي، حيث اعتبر أنّ المعتزلة أخطأوا هنا. فكلُّنا يعرف أنَّ المعتزلة إحدى الفِرَق التي دَعَتْ إلى الحُرِّيات والمنطق والعقل والتفكير، وآمنت بإرادة واختيار الإنسان، وقد تعرَّض المعتزلة للسجن والقمع والحصار والتنكيل، إلى أن قيَّض الله لهم أحد الخلفاء العبَّاسيّين ليكون معهم، وعندما آمنت الدولة العبَّاسيّة بالفكر المعتزلي أصبح كلّ القضاة والمفتين والعلماء وكلّ دارسي الكلام والمناظرة في بغداد وغيرها تحت رحمة المعتزلة، فشهد مذهبهم نهضةً عظيمة في القرن الثالث الهجري.
لكنّ الخطأ الذي ارتكبه المعتزلة ـ من وجهة نظر هؤلاء الأشخاص الذين يقولون بتحييد الأمر بالمعروف عن عالم الفكر ـ هو أنَّهم عندما جعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين قالوا بأنّ إصلاح الأفكار أحد أهم معالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا سوَّغوا لأنفسهم أن يضربوا بيدٍ من حديدٍ كلَّ مَنْ خالفهم الرأي، فقتلوا كلَّ مَنْ خالفهم، وزجّوا بهم في السجون، ووقعَتْ مآسٍ في التاريخ الإسلامي في تلك الفترة. ليستمرّ الوضع على هذه الحال حتّى قيَّض الله لأهل الحديث خليفةً عبَّاسيّاً آخر بعد ذلك، فاستعمل مع المعتزلة نفس ما استعمله المعتزلة مع خصومهم، فقضى عليهم. ومنذ القرن الرابع الهجري وحتّى مطلع القرن الرابع عشر الهجري انتهى الاعتزال في تاريخ المسلمين، فقُتِلوا وشُرِّدوا وأُحْرِقت كتبهم، ولم يُسْمَح لهم بالكلام.
لو تأمَّلنا في وجهة النظر هذه ـ وهي عدم إقحام الأمر بالمعروف في عالم الفكر ـ سنجد أنَّ مصدر القلق الأساسي فيها هو القمع. وبالاصطلاح الفقهي هو المرتبة الثالثة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (مرتبة اليد)؛ فإنَّ للأمر بالمعروف ثلاث مراتب: 1ـ مرتبة القلب؛ 2ـ مرتبة اللسان؛ 3ـ مرتبة اليد. فإذا أقحم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه الثلاث في باب الإصلاح الفكري، وفي باب المواجهة العقائديّة والثقافيّة، فسينجرّ ذلك إلى القمع والضرب والتنكيل والعنف ومصادرة الحُرِّيات. إذن، فمصدر القلق هو (القمع). وهو ما يشكِّل الفَرْق بين عصور المعتزلة وأهل الحديث القمعيّة وعصر آل بُوَيْه الذين سمحوا للمفكِّرين من جميع المذاهب والاتِّجاهات الإسلاميّة أن يكون لهم رأيٌ، وأن ينشروا كُتُبهم، وأن يكون لهم كرسيُّ الكلام في بغداد، وأن يشهدوا المناظرات في البلاط. ولذلك عُرِف القرن الذي حكم فيه آل بُوَيْه، من عام (320هـ) وحتّى عام (447هـ)، لحظة سقوط بغداد على يد السلاجقة، بـ (العصر الذهبيّ للإسلام)، حتّى باعتراف المستشرقين، حيث نجد من الناحية الفكريّة ظهور أكثر المصنَّفات والعلوم الإسلاميّة في هذا القرن، بخلاف القرن الذي سبقه، ومارس فيه أهل الحديث والمعتزلة ما مارسوه.
فالمشكلة ليست في مبدأ الأمر بالمعروف، بوصفه حواراً فكريّاً لإقناع الآخرين بما أراه الحقّ والصواب والسلامة، وإنَّما تكمن في المرتبة الثالثة من مراتبه، إذا أقحمناها في الأمر بالمعروف، فيفضي بنا الخلاف الفكري إلى القمع المتبادل، ومَنْ له القوَّة سيكون معه الحقُّ بناءً على هذه المعادلة.
لذلك أُريد أن أدخل إلى الإشكاليَّة الثامنة لمعالجة هذه المشكلة، عنيْتُ فكرة العنف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل شُرِّع العنف في هذا السياق أساساً ـ في الفكر أو غيره ـ أو لا؟

(j) الإشكاليّة الثامنة: مسألة العنف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إنّ الإضاءة على هذه الإشكاليّة، ووضع جوابٍ يتصل بها، سوف يساعدنا في حلِّ الإشكاليّة السابقة، ومن ثَمَّ سيصبح العمل الفكري في باب الأمر بالمعروف مشروعاً ومشرّعاً.
يتحدّث الفقهاء منذ قرون عن أنّ مراتب الأمر بالمعروف ثلاثة وهي: (القلب، اللسان، اليد).
أمّا مرتبة القلب فلها معنيان: أحدهما ليست له علاقة بالأمر بالمعروف؛ والثاني على صلةٍ وثيقة به.
إنّ معنى مرتبة القلب في تفسيرها الأوّل هو عدم الرضا ـ نفسياً ووجدانياً ـ بالمنكر. إنّ هذا الأمر واجبٌ، لكنّه ليس أمراً بالمعروف؛ لأنّني لا آمر أحداً. والفقهاء المتأخِّرون قالوا: هذا من الواجبات التي دلَّ الدليل عليها، فإذا رأيتُ منكراً في مكانٍ ما فعليَّ أن أستنكر في قلبي، أي إنّ عليَّ أن أربّي نفسي تربية أخلاقيّة بحيث يصبح سماع المنكر بالنسبة إليها فيه نوعٌ من الضيق النفسي والكراهية والانزعاج، فأنا بيني وبين نفسي أحبّ المعروف وأشعر بالسعادة لوجوده، ولا أرضى بالمنكر. هذه هي التربية التفاعليّة الإيجابيّة مع المعروف والتفاعليّة السلبيّة مع المنكر، وهذا واجبٌ من حيث المبدأ، لكنّه ليس له علاقة بالأمر بالمعروف.
أمّا مرتبة القلب التي لها علاقة بالأمر بالمعروف فهي التي وصفوها بأنّها كلُّ ردّة فعلٍ خارجيّة يقوم بها الإنسان تجاه منكرٍ ما، وليس للسان أو اليد بها علاقة، مثل: أن يعبس في وجه فاعل المنكر، أو يصرف نظره عنه، أو يبدي انزعاجه منه، أي هي كلّ أسلوب غير لسانيّ، ولا يستخدم العنف. هذا هو ما يُسمّى بمرتبة القلب هنا، فيما كلُّ أسلوبٍ يستخدم اللسان (البيان اللفظي) فهذا يُسمّى مرتبة اللسان.
من هنا قال العديد من الفقهاء المتأخِّرين: لا يوجد فرقٌ بين مرتبة القلب واللسان، فهي كلُّ إبرازٍ غير عنفي، واللسان يعني البيان، أي: أُبيِّن له بتقاسيم وجهي أو إعراضي عنه أو بعدم استجابتي لطلبه؛ أو أُبيِّن له باللسان والألفاظ، لهذا قال بعض الفقهاء بأنّ مرتبة القلب واللسان واحدةٌ (انظر: الخوئي، منهاج الصالحين 1: 352 ـ 353). بل لو أردنا ـ مصرّين ـ أن نفصلهما عن بعضٍ فيكون القلب كلَّ وسيلةٍ إبرازيّة ليس للسان واليد دَوْرٌ فيها، ويصبح اللسان كلَّ وسيلةٍ إبرازيّة تستخدم اللسان والبيان اللفظي لتوضيح المسألة للطرف الآخر، أمراً أو نهياً.
وأمّا مرتبة اليد (المرتبة الثالثة) فهناك جدلٌ بين العلماء حول معنى (اليد). ويوجد هنا أكثر من تفسير، نذكر بعضها:
التفسير الأوّل: ما ذهب إليه مشهور العلماء من أنّ معنى (اليد) هو العنف. وهو أمرٌ ليس سيِّئاً بالضرورة؛ فكلُّ القوانين في العالم تستخدم العنف (كالسجن مثلاً). والعنف هنا قد يكون ضرباً، أو سجناً، أو حجزاً، أو مصادرةً لأموالٍ، أو إتلافاً لها، أو تصرُّفاً بها، أو غير ذلك. بل هناك مَنْ يرى أنّها تشمل حتّى الجرح أو كسر بعض الأعضاء أو بترها. بل ثمّة مَنْ يرى هنا أنّه لا يوجد دليلٌ على ربط تطبيق هذه المرتبة بإذن الحاكم الشرعي أو أجهزة الدولة الشرعيّة، وإنْ كان هناك رأيٌ آخر يرى ربطها ـ وخاصّةً في مثل: الجرح والكسر ـ بهذا الإذن.
وقد آمن الكثير من العلماء ـ سنّةً وشيعةً ـ بهذا التفسير من حيث المبدأ، لكنّ مجموعةً من العلماء المتأخِّرين أعادوا النظر في هذا الموضوع، وقالوا: مرتبة اليد ـ بهذا المعنى والتفسير ـ لا دليل عليها. ومن العلماء الذين رفضوا هذه المرتبة السيد محمود الهاشمي حفظه الله، والميرزا جواد التبريزي&، والسيّد تقي القمّي&، والمحقِّق الأردبيلي&، الذي قال ـ أعني الأردبيلي ـ: لولا الإجماع، لا دليل على هذه المرتبة (انظر: مجمع الفائدة والبرهان 7: 543)، وهو يقصد أنّه لا توجد بأيدينا آيةٌ كريمة أو حديثٌ شريف يمكن أن يدلاّ على ثبوت هذه المرتبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
التفسير الثاني: إنّ معنى (اليد) هو ممارسة النفوذ؛ للحيلولة دون وقوع الحرام. فمثلاً: لو كان هناك حزبٌ سياسي إسلامي يتدخَّل لإصدار قوانين في البرلمان؛ للحدِّ مثلاً من شُرْب المُسْكِر، فهو هنا يمارس مرتبة اليد، بمعنى أنّه يمارس نفوذه ـ دون أيِّ عنفٍ مباشر ضدّ أحد ـ لكي يحول بين الناس والمعصية.
فاليد هنا هو الممارسة العمليّة التي تعمل للوصول إلى الحيلولة بين العاصي وارتكاب المعصية في المجتمع، دون استخدام العنف بالمعنى السائد.
التفسير الثالث: وهو رأي أحد علمائنا القدامى، وهو سلاَّر الديلمي، صاحب كتاب (المراسم العلويَّة)، حيث قال بأنّ اليد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعني أن يفعل الآمرُ بالمعروف المعروفَ ليقتديَ الآخرون به (المراسم العلوية: 263). فالمفهوم هنا يقع على العكس تماماً من الشيء الموجود في ذهننا. فالأمر بالمعروف باليد هنا يعني بالفعل. فأنت مثلاً لك مكانتك الروحيّة بين الناس، فتصلِّي في المسجد جماعةً، فالناس تقتدي بك وتتحرَّك لتصلِّي جماعةً في المسجد، فهذا أمرٌ بالمعروف، لكنّه أمرٌ عمليّ، وليس قوليّاً، ولا هو مجرّد إبداءٍ للكراهة، دون أن يصل ـ في الوقت عينه ـ إلى استخدام العنف.
ومن بين هذه التفاسير الثلاثة نريد أن نتوقَّف قليلاً مع التفسير الأوّل، فإنّ الذين قالوا بالعنف الجسدي كانت لهم أدلّةٌ كثيرة، أبرزها دليلان:
الدليل الأوّل: إطلاق الآيات القرآنيَّة والروايات، حيث قالت: عليكم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، فلم تكن مقيَّدةً، بل مطلقة، ولم تحدِّد ذلك باليد أو إبراز الكراهة في الوجه، وإنَّما بأيِّ وسيلةٍ تنهى الآخر عن المنكر، وهذا يعني أنّه لا يوجد تقييد في الآليات، وفي السبل، وفي الوسائل، وفي الطرائق، وإنَّما الأمر بيدي أنا، فالمهم أن يتحقَّق المطلوب. نعم، يأتي هنا في الفقه قانونٌ نسمِّيه (قانون الأيسر)، يعني الأيسر فالأيسر، أي الأخفّ فالأخفّ (من الأسفل إلى أعلى)، فإذا لم تنفع كلُّ الطرق، ولم يبقَ إلاَّ العنف، فنستخدم العنف في هذه الحال.
الناقدون الذين رفضوا فكرة العنف الجسدي يمكنهم أن يقولوا هنا: لا يمكن الاستدلال بمطلقات النصوص؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ عندما يأمرنا بشيءٍ فهو يأمرنا باستخدام كلّ الوسائل ما لم تكن تلك الوسيلة محرَّمة في حدِّ نفسها. فعلى سبيل المثال: إذا قال لي النصّ: أدخل السرور على قلب أخيك المؤمن، فلو كان ذلك الشخص يُسَرُّ باستغابة الناس فهل يجوز أن نستغيبهم لكي نُدْخِل السرور على قلبه؟! بالتأكيد لا، مع أنّ الرواية مطلقة، بل إنّ أدلّة الواجبات منصرفةٌ عن المحرَّمات، يعني عندما يأمرني الله بواجب فيمكن أن أستخدم أيَّ وسيلةٍ لتحقيق الواجب ما لم تكن تلك الوسيلة من المحرَّمات (في حدِّ نفسها عند الله تعالى)؛ إذ لا يُطاع الله من حيث يُعصى، وإلاَّ يلزم ارتكاب كلّ المحرَّمات بالتحايل على الله.
وينتج عن هذا أنّ الآيات والروايات تأمر بالمبدأ، ولا تحدِّد الطريقة. فالتفاصيل واستخدام العنف وعدم استخدامه مسكوتٌ عنه في النصوص.
الدليل الثاني: وهو الدليل الأقوى هنا، عنيتُ الأحاديث التي تبلغ حوالي خمس عشرة روايةً بحثها الفقهاء في محلّه، ومنها: الرواية المشهورة: (مَن رأى منكم منكراً فليغيِّرْه بيده…)، بل هذه الرواية بالخصوص موجودةٌ في مصادر السنّة والشيعة معاً، ويمكن القول بأنّها تقريباً متَّفقٌ عليها بين المسلمين. إنّ هذه الروايات واضحة، فقد حدَّدت لنا الطريق، وبرَّرت العنف.
العلماء الناقدون يمكن أن يقولوا هنا أيضاً: إنّ غالبيّة الروايات فيها نظرٌ من حيث السند والمصدر. وهذا البحث لا علاقة لنا به حالياً، لكنْ لنتوقّف قليلاً عند هذا الحديث المشهور الراسخ في أذهاننا جميعاً: (مَنْ رأى منكم منكراً فليغيِّرْه بيده، فإنْ لم يستطِعْ فبلسانه، وإنْ لم يستطِعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (صحيح مسلم 1: 50). إنّ هذا الحديث يستحيل أن يكون المراد (باليد) فيه هو العنف؛ لأنّ هذا يعني أنّه إذا رأيت شخصاً يرتكب أمامي معصية فعليَّ مباشرةً أن أضربه، فإنْ لم يقتنع بالضرب أتحدَّث معه. وهذا غير منطقيٍّ، بل هو على عكس فتوى الفقهاء. ولذلك قال سلاَّر الديلمي: لأنّ الرواية ابتدأت باليد، فالمراد باليد هو أن تفعل أنت المعروف.
ومن هنا يطرح الناقدون أنّ هذه الرواية غير واضحةٍ في موضوع العنف؛ لأنّها تخالف النظام المستدلّ عليه في الفقه، وهو نظام (الأيسر)، أي الذهاب من الأدنى إلى الأعلى. مضافاً إلى أنّ هذه الرواية في المصادر الشيعيّة ضعيفة السند لا يعتمد عليها عند العديد من العلماء، بل هي واردة في بعض الكتب غير المعتبرة عندهم. وقد درستُ مختلف هذه الأدلّة والروايات بشكلٍ تفصيلي في كتابي المتواضع (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 470 ـ 516).
من هنا يبدو التحفُّظ العامّ على أدلّة العنف في الأمر بالمعروف. لكنّ السؤال: كيف يمكن أن يفهم الرافضون لهذه المرتبة الموضوعَ؟
إنّنا بوصفنا رافضين لاستخدام وسائل العنف نحلِّل الأمر بالمعروف في إطارٍ عامّ، حيث هناك مفهومان للأمر بالمعروف: عامٌّ؛ وخاصٌّ.
المفهوم العام للأمر بالمعروف هو كلُّ وسيلةٍ تسعى لتطبيق الدِّين؛ لكي يقع الحقّ والمعروف؛ ولكي لا يقع المنكر. فإذا كان كذلك فاليد إذا أردنا تفسيرها بالعنف يصبح معناها مثل (القضاء)؛ لأنّ القاضي يستخدم القوّة، فتصبح اليد بالمعنى العامّ هي القصاص، القوانين الجزائيّة، الحدود، الديات. و(اليد) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصبح الجهاد أيضاً، وهكذا.
إذن، لو أخذنا المعنى العامّ للأمر بالمعروف تصبح لدينا: مرتبة القلب، ومرتبة اللسان (دعوة الناس إلى الحقِّ)، ومرتبة (القوّة)، والمراد بها القوّة ضمن قنواتها القانونيّة، مثلاً: ضمن شروط الحدود، وشروط الجهاد، وشروط القصاص، وهكذا، فتصبح (اليد) بمعنى السعي لإقامة الشرع الإسلامي بدرجاتٍ متفاوتة. ومعنى ذلك أن أسعى لإقامة الشريعة دون قهر أحد، فإنْ لم أستطِعْ عند ذلك أتكلَّم مع الناس وأدعوهم، فإذا استطعنا أن نجعل الشريعة في الحياة بشكلٍ طبيعي فقد تحقَّق المطلوب، أمّا إذا عجزنا فعلينا أن نقنع الناس بأن تجعل الشريعة قانون حياتها، وأن يلتزموا بالدِّين، وأن يعملوا المعروف… وبهذا يختلف تصوُّرنا لـ (اليد) اختلافاً جَذْرياً عن الجميع، بمَنْ فيهم سلاَّر الديلمي.
وأمّا الأمر بالمعروف بالمعنى الخاصّ، الذي هو أمرٌ مغاير للجهاد والقصاص والقضاء وغير ذلك، فليس منه القوّة العنفيّة أبداً، إلا في حدودٍ استثنائيّة خاصّة جدّاً.
إذا تبنَّيْنا وجهة النظر هذه فلن تكون هناك مشكلة في الحرِّيات الفكريّة؛ حيث سيصبح الخلاف مع الانحراف الفكري خلافاً فكريّاً، عبر إصدار الكتب أو إلقاء المحاضرات أو استخدام الإعلام أو النشاط الاجتماعي في مقابله، ما لم يرتكب الآخر جُرْماً قانونياً، كالقتل أو الزنا، فإذا ارتكب يجب أن يُعاقَب وفقاً للشريعة، ضمن الشروط الموضوعيّة لذلك. وبهذا ينتفي مبرِّر القلق الذي دفع أمثال الدكتور حسن حنفي للتحفُّظ عن سريان هذه الفريضة لمجال الفكر والمعرفة والثقافة، بل الأمرُ والنهيُ هنا فاعلان، دون أن يؤدّي ذلك إلى المخاوف التي يقول بها أمثال حسن حنفي، مثل: سدّ باب الاجتهاد، وقمع الفقهاء والعلماء.

(k) الإشكاليّة التاسعة: غياب فقه الأولويّات
إنّ نظريّة فقه الأولويّات موجودةٌ في علم أصول الفقه، ولكنْ بشكلٍ بسيط، ومن أبرز مَنْ ركَّز عليها وأَوْلاها أهمِّيةً هو الشيخ مرتضى مطهَّري، حيث قال بأنّ فقه الأولويّات مثل ميزان الحرارة في الجسم، فإذا اختلّ ميزان الحرارة تعطَّلت الأعضاء، وصار المقدَّم مؤخَّراً والمؤخَّر مقدَّماً، والمهمّ غير مهمٍّ وغير المهمّ مهمّاً.
ويعطي مطهَّري مثالاً، وهو عبارة عن شخص يخرج من طهران لزيارة الإمام الحسين× في كربلاء، فيوقفوه على الحدود؛ ليسألوه، فيكذب؛ نتيجة وجود مشكلة معيَّنة عنده مثلاً، فهنا يكون قد ارتكب حراماً، وهو الكذب؛ لأجل مستحبٍّ، وهو الزيارة.
وهذا مثالٌ بسيط. وكثيراً ما نقع في مثل هذا من حيث لا نشعر؛ لأنّنا لم ننتبه للخارطة الهَرَميّة للأولويّات.
وبهذا خلص مطهَّري إلى أنّه لا يجوز أن أرتكب محرَّماً كي أقدم على أمرٍ مستحبّ، ولو كان مؤكَّداً.
عندما تغيب عن الأمر بالمعروف ـ على المستوى الاجتماعي العامّ ـ نظريّة فقه الأولويّات فمن الممكن أن يشغل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر كلَّ الساحة بموضوعٍ طفيف ـ يعتبره هو المهمّ ـ، ويترك عشرات الأولويّات الأُخَر التي لا يعرف أنّها أهمّ من الموضوع الذي يشتغل عليه.
وهذا الأمر من المشاكل الأساسيّة في نشاط العاملين في المجال الفكري والثقافي والدعوي والتبليغي والإيماني.
ولكي يكون لنا عقلُ أولويّاتٍ يجب أن نعرف الزمان والمكان وما يريده النصُّ؛ حيث يمثِّل النصُّ والواقعُ ثنائيّاً: فماذا يريد النصُّ مني؟ وماذا يتحمَّل الواقع أو يتطلَّب؟ وبهذا أجمع بين النصِّ والواقع، كما كان ينادي السيد محمد باقر الصدر. يجب أن أعيَ الواقع لأحكِّم النصَّ فيه، بدل أن أحكِّم النصَّ في فراغٍ، ويجب أن أعرف الواقع كي أُنزل القِيَم فيه، وإلاّ فسوف أُضيِّع القِيَم، وأُضحي بالأفكار، وأنا أظنُّ أنّني أخدمها.
إنّ فقه الأولويّات مهمٌّ جدّاً في عالم التبليغ والدعوة، وليس فقط في الأمر بالمعروف؛ بل في كلِّ شيءٍ هو مهمّ. والذي يفقد فقهَ الأولويّات فسوف يفقد وعي الزمان والمكان وكلَّ شيءٍ، ويذهب علمه سدىً، ليس في داخل نفسه، بل في تطبيق علمه على الخارج؛ وتختلّ عنده الموازين، فيرى هذا أهمّ فيشتغل عليه، فيضيع عليه ما هو الأهمّ واقعاً، فيُشْغِلُ الساحةَ بالأقلّ، في حين كان يفترض أن يُشْغِلَها بالأكثر.
إذن، يجب وعي المتطلّبات والأولويّات، وأنّنا في أيِّ مرحلةٍ زمنيّة نعيش؟ وما هي الأصول الأولى التي ينبغي أن نشتغل عليها الآن؟ وما هي الأمور الفرعيّة التي نريد أن نعطيها حقَّها كذلك؟ كيف نوازن؟ وكيف نميِّز؟
هذه قضايا تضيع على كثيرين. بل في رأيي المتواضع إنّ هذه النقطة ناشئةٌ من عدم وعينا ودراستنا للسيرة دراسةً تحليليّة. فدائماً سيرة الأنبياء والأئمّة والصحابة ندرسها دراسةً فرديّة، وبحَسَب تعبير المؤرِّخين (دراسة حوليّة)، أي حَسْب تسلسل الزمن، لكنْ قليلاً ما نرى ـ إلاّ عند العلماء المتأخِّرين، والحمد لله ـ سيرةً تحليليّة، مثل: ما هي الأهداف؟ ما هي الخطط الاستراتيجيّة التي وضعها الأئمّة؟ ما هي الأولويّات التي كانوا يعتمدونها؟ كيف كانوا يضحّون بالأقلّ قيمةً في سبيل الأكثر قيمةً؟ كيف كانوا يوازنون بين المصالح والمفاسد؟ علماً أنّ المصالح هنا هي مصالح القِيَم والمبادئ والدِّين. هذا هو ما نحتاج إليه اليوم. وغياب فقه الأولويّات عن العامل في المجال التبليغي والدعوي يمكن أن يؤدّي ـ بل قد أدّى في غير موضعٍ ـ إلى كوارث عليه وعلى المجتمع من حوله، بل على قِيَمه نفسها.
إنّ فقه الأولويّات يبدأ من وعي الواقع بزمانه ومكانه أوّلاً؛ وثانياً بعرض هذا الواقع على النصِّ، لنعرف ماذا يريد؟ وماذا يطلب؟ من هنا، ينبغي تجهيز ورش عمل تأهيليّة لكلِّ الذين يعملون في المجال التبليغيّ، ولكلِّ الذين يعملون في مجال الأمر بالمعروف؛ لكي يَعُوا الواقع. فلو أردْتُ الذهابَ إلى بلدٍ ما للتبليغ فيجب عليَّ أن أعرف هذا البلد، وما هي مشاكله؟ وما هي إيجابيّاته؟ وما هي سلبيّاته؟ وما هي طبائع الناس فيه؟ ولو أردْتُ أن ألقي محاضرةً على مجموعة أشخاص فيجب أن أسأل: ما هو الموضوع الأفضل بالنسبة إليهم؟ وما هو الهامشي؟ فقد أخطئ، وقد أصيب، لكنْ عليَّ أن أُفكِّر بهذه الطريقة.
واليوم، إحدى أهم الأولويّات بالنسبة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هي آليات المواكبة، أي مواكبة كلّ المستجدّات التي تحصل من الإشكاليّات متعدِّدة الألوان؛ لذلك يجب أن نوزِّع الأدوار؛ بعضنا يعمل على الإشكاليّات التي تأتي من طرف (أ)، وبعضنا يعمل على الإشكاليّات الآتية من طرف (ب)، وهكذا. يجب توزيع الأدوار، ووضع خطط استراتيجيّة من موقع الفعل، لا من موقع ردّة الفعل، وهذا معنى أنّ فقه الأولويّات يفرض المواكبة. من الضروري أن تكون لدينا أولويّة مواكبة وتواصل، وليس أولويّة تباعد وتقاطع، وأولويّة اشتغال على نقد الذات؛ كي نهدم النواقص فينا؛ لأجل بناء ذواتنا.
ونعتقد بأولويّةٍ كبرى جدّاً اليوم في مرحلتنا، أختم بها كلامي، وهي: أولويّة القِيَم الأخلاقيّة والروحيّة.

(l) خاتمةٌ في أولويّة القِيَم الروحيّة والأخلاقيّة
لقد أصبح مرتكزاً في أذهاننا أنّ الدِّين عبارةٌ عن الحلال والحرام (الفقه)، مع أنّ الفقه له وجهان: وجهٌ ظاهري، وهو الأمور الشكليّة، من كيفيّة الوضوء أو التيمُّم أو الصلاة والصوم؛ ووجهٌ أخلاقيّ وروحيّ، هو أعمق من الأوّل. ومع الأسف نحن نهتمّ بالجانب الشكليّ أكثر من الروحيّ والأخلاقيّ. لذلك عندما نقيِّم شخصاً إذا كان متديِّناً أو لا ننظر إلى جانبه الشكليّ، هل هو صاحب لحيةٍ ـ مثلاً ـ أو لا؟ فإذا كان حليق اللحية فهو ليس متديِّناً!! أمّا أن يستغيب الناسَ عشر ساعات أمامي فهذا متديِّنٌ، لكنّه استغاب!! مع أنّ الغيبة أكبر معصيةً من حلق اللحيّة.
إنّنا نؤمن بالموضوع الظاهري الشكليّ، لكنْ لا ينبغي أن نجمد عليه. وهذا هو الذي دعا إليه دائماً الأخلاقيّون والعُرَفاء وأصحاب النزعات الروحيّة. إنّ الدِّين ظاهره الفقه، والفقه وسيلةٌ لنزول القِيَم الروحيّة في قلوبنا، قال تعالى: ﴿…وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14)، ذكره في القلب، وليس لقلقة اللسان فقط، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ…﴾ (الحجّ: 64)، فلو ذبح شخصٌ البدن أو الهدي في منى فلن تصل هذه اللحوم إلى الله، المهمّ هو الحالة الروحيّة التي ابتعدنا عنها؛ جموداً على الأمور الظاهريّة والشكليّة أحياناً، وهي ـ أي الشكليّات ـ مهمّةٌ، لكنْ لا يجوز الاقتصار عليها، واضمحلال الرسالة الروحيّة بسبب ذلك.
وحتّى في التوحيد، هناك الكثير من المسلمين اليوم لديهم مشكلةٌ، فنحن نتصوَّر أنّ توحيد الله سبحانه وتعالى هو معركة أرقام ـ كما أسمِّيها ـ: هل أنّ الله واحدٌ أو اثنين أو ثلاثة؟ فهل المعركة هنا حقّاً؟! هل أرسل الله كلَّ الأنبياء والرسل وجَرَتْ كلُّ هذه المعارك مع خصومهم؛ لكي يتحارب على رقم (واحد)، وليس (اثنين)؟ الأمر ليس كذلك، فكلُّ هذا التركيز على التوحيد هو لأنّ العرب لم تكن مشكلتها أنّ الله الخالق واجب الوجود واحدٌ، بل هم يؤمنون بأنّ الذي خلق العالم واحدٌ، والقرآن نفسه قال ذلك: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت: 61)، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (يونس: 31 ـ 32). إنّهم يعرفون الإدراك النظري لوحدانيّة الله، لكنّ الوحدانيّة الشعوريّة تجاه الله غير موجودة، بل الحاضر في حياتهم اليوميّة هو الأصنام، فإليها اللجوء والطمع، ومنها الخوف، ولها تُقَدَّم القرابين، وغير ذلك.
إنّ الله سبحانه وتعالى غيرُ حاضرٍ في حياتنا. فمع أنّ أكثر كلمة تكرَّرَتْ في القرآن، هي وأوصافها، هي كلمة (الله)، لكنْ نحن لا نشعر بالحضور الروحيّ لله سبحانه وتعالى في أرواحنا! إنّ كلَّ المنظومة الدينيّة هي التوحيد، لماذا؟ لأنّ التوحيد هو الطاعة، والعبادة، والتوكُّل على الله. إنّه إحساسٌ بأنّ كلَّ هذا العالم بكلِّ ذراته يتَّجه نحو الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: 128)، الرضا بقضاء الله، الثقة بوعد الله، الطاعة لله. هذا هو التوحيد. بينما عمليّاً نحن نعبد زيداً وعَمْراً وبَكْراً، أو نعبد ذواتنا…
التوحيدُ يظهر مع شخصٍ مثل إبراهيم×، هل هناك شخصٌ لأنّ الله أوحى له فهو مستعدٌّ أن يذبح ابنَه؟ القصّة والسيناريو سهلٌ، لكنّ التطبيق شيءٌ غير عاديّ أبداً: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الصافّات: 103)، فقد حصل التسليم، والتسليمُ هو المهمّ عند الله تعالى، إنّه يعني أنّ الأنا غيرُ موجودةٍ أمام الله، وليس ثمّة إلاّ الله الواحد. وقد نجد شخصاً يقبل بالسجن حتّى لا يقع في معصيةٍ، لكنْ أن نجد شخصاً يقول: ﴿…السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ…﴾ (يوسف: 33) فهذا ليس أمراً سهلاً، فإنّ (أَحَبّ) هذه حالةٌ إيمانيَّة فاعليّة، فهي ليست قبولاً بالأمر الواقع الصعب، بل هي محبّةٌ له لأجل طاعة الله.
اليوم هناك الكثير من الاعتبارات تحكمنا ـ مثل: الاعتبارات الماليّة، والوجاهة ـ؛ لأنّ حالة التفاني والتضحية الموجودة مع الله ربما تكون قد تراجعت. لذلك نحتاج إلى هذا الزَّخْم الروحي للدخول في مرحلةٍ أفضل، لتلمُّس الشعور الديني بشكلٍ أفضل، بدل الجمود على الشكليّات. أعتقد أنّ التركيز على القضايا الأخلاقيّة في هذه المرحلة مهمٌّ جدّاً، وأقصد بها الأخلاق الروحيّة والعلاقة مع الله بكلِّ معانيها ـ بعيداً عن بعض الالتباس عند بعضهم في هذا المجال أيضاً ـ، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الحالة الروحيّة وحضورها، وعدم الجمود على الفقه بشكله السائد اليوم، فالفقه ليس إلاّ وسيلةً لتهيئة أرواحنا لنزول القِيَم الروحيّة والارتباط بالله تبارك وتعالى.




الدين والاستيعاب التشريعيّ: جولةٌ في بعض المنطلقات العقلانية والقرآنية لقاعدة (ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكمٌ)

بقلم: الشيخ حيدر حبّ الله(*) —

تمهيد
منذ قديم الأيّام كان هناك سؤالٌ أقلق المجتهد المسلم، وهو: كيف يمكن للنصوص المتناهية أن تحكم في الوقائع غير المتناهية؟ (راجع: الشهرستاني، الملل والنحل 1: 199).
وقد دفع ذلك ـ أحياناً ـ لتبنّي خيارات مكمّلة تسدّ النقص البادي بسبب هذا السؤال؛ فاختار بعض الفقهاء المسلمين القياس ـ مثلاً ـ؛ لكي يردموا من خلاله ثغرة تناهي النصوص، فيقومون باستنساخها في المتشابهات؛ كي يستوعب الدِّينُ تمامَ الوقائع؛ فيما لجأ فريقٌ آخر من الفقهاء والأصوليّين إلى نظريّة الثنائية التي تعتمد تارةً مبدأ العموم والإطلاق في النصوص؛ وأخرى مبدأ الأصول العمليّة، مثل: أصل البراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير، حيث قالوا بأنّ الأصول العمليّة تحدّد الوظيفة العمليّة للمكلّف في ظلّ غياب المعرفة بالوظيفة الواقعيّة القائمة في أصل الشرع، وإنّ هذه الأصول العمليّة الأربعة لها قدرة استيعاب تمام الوقائع؛ لأنّ تمام الوقائع تخضع لتقسيم عقلي حاصر تشتمله هذه الأصول الأربعة، يمكن مراجعته في كتب أصول الفقه الإمامي بالخصوص. (انظر: مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول 1: 2).
لكنّنا لو تأمّلنا قليلاً سنجد هذا السؤال (حكم المتناهي على غير المتناهي) مبنيّاً على جوابٍ محدّد عن سؤالٍ آخر افتُرض مسلَّماً واضحاً في الخلفيّات المعرفيّة للمفكِّر المسلم، وهو: هل تستوعب الشريعة تمام وقائع الحياة بالفعل؟ وإذا كانت تستوعبها فما معنى هذا الاستيعاب؟
إذن، فنحن أمام سؤالين جوهريّين: أصل الاستيعاب؛ وكيفيّته. وما لم نجِبْ عن هذين التساؤلين فلن نستطيع الدخول في اجتهادٍ إسلامي يغطّي الحياة الإنسانيّة، بل سيكون الفقه الفردي والمجتمعي وفقه النظريّة و.. أمام تحدٍّ كبير.
والذي يظهر من ممارسة الفقيه والمفكّر المسلم أنّ شمول الشريعة لكلّ وقائع الحياة عبارة عن مصادرة قبليّة مفروغ منها بل افترضت مسلّمة معروفة بديهية (انظر: محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن: 230؛ والصدر، المدرسة الإسلاميّة: 144). لكنّ الملفت أنّنا لم نجد دراسةً مستقلّة لهذه القاعدة المتردّدة في الكتب أو على الألسن: «ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكم»، لم نجد لها دراسةً مفردة تُذكر، لا في علم الكلام الإسلامي، ولا في علم أصول الفقه الإسلامي، ولا في الفقه نفسه، وإنّما كان يُشار إليها هنا أو هناك، مع أنّها من الأمور التي تحتاج إلى درسٍ واع في أصول الاجتهاد الإسلامي. ومن الغريب أن لا تُفرد مسألةٌ من هذا النوع بالبحث، مع أنّ نمطيّة علم الأصول والفقه تقوم عليها. وخاصّة أنّ هناك قولاً منسوباً بإنكار هذه القاعدة، بل يرى المحقق العراقي أن القول بالمعنى الواسع للتصويب يقوم على إنكار هذه القاعدة في الجملة (انظر: نهاية الأفكار 4 (القسم الثاني): 229 ـ 230).
ومن الضروري بدايةً أن أنبّه لأمرٍ مهمّ، وهو أنّ هناك فرقاً نسبيّاً بين موضوعين هنا: أحدهما: شموليّة الدين وتشريعاته؛ وثانيهما: ضرورة الدين والوحي والنبوّة. فقد تقول بضرورة الوحي، لكنّ هذا لا يعني شموليّته التشريعيّة، وقد يكون الوحي موجوداً وشاملاً، لكنّه لا توجد ضرورةٌ قهريّة له عقلاً، بل هو أمرٌ حَسَنٌ، لكنّه لو لم يقع لما ألحق ضرراً بشيء، ولما لزم من ذلك قبح على الله سبحانه. فهاتان المسألتان ينبغي التمييز جدّاً بينهما، وإنْ تداخلتا في بعض الحالات، فليُتنبَّه لهذا الأمر.

قاعدة «كلّ واقعة لها حكمٌ»، رصدٌ موجز لبعض المنطلقات الاستدلاليّة
تفيد هذه القاعدة أنّ كلّ واقعةٍ أو حدث أو حالة أو أمر من أمور الحياة الإنسانية والبشريّة لها جوابٌ شرعي ديني، وهناك موقفٌ شرعي واقعي منها يشكِّل أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة، ومعها ـ أحياناً ـ أحكامٌ وضعيّة، كالصحّة والبطلان و..
ونودّ هنا أن نتناول بالبحث المختصر جدّاً هذه القاعدة، من زاوية بعض المنطلقات العقلية والعقلانية والقرآنية التي نشأت منها. وسأشير بنحو العجالة إلى عيِّنات استدلاليّة من ذلك، وهي:

1ـ شمول الدين وخاتميّته، واستدعاء التقنين التفصيلي المستوعب
أوّل الأدلّة هنا هو ما ذكره بعض العلماء من أنّ الدين الإسلامي دينٌ شاملٌ، على خلاف الديانات الأخرى، ومقتضى شموليّته أنّ كلَّ حدثٍ في الحياة فله فيه موقفٌ إيجابيّ أو سلبيّ، سواء كان هذا الحدث مما تقتضيه الطبيعة البشريّة، كالأكل والشرب، أم لم يكن كذلك (انظر: محمد تقي الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 230؛ وعبد الله نصري، الدين بين الحدود والتوقُّع: 72)، بل إن الخاتميّة تستدعي مفهوم الشمول التشريعي (انظر: جعفر السبحاني، مقدمة المهذب 1: 6؛ والصافي، مجموعة الرسائل 1: 174؛ ومكارم الشيرازي، مجلة فقه أهل البيت، العدد 4: 71 ـ 73).
إلا أنّ هذا الدليل ـ لو قصد قائلُه الاستدلالَ به ـ ليس سوى مصادرة على الموضوع؛ لأنّ كون الدين شاملاً تعبيرٌ آخر عن استيعاب أحكامه ومنظوماته لتمام وقائع الحياة، فما هو الدليل على شموليّته بهذا المعنى؟ فإنّ هذا هو محلّ التنازع في الموضوع. ولهذا أعتقد أنّ هذه المحاولة لا تعبِّر عن استدلالٍ أساساً، بل هي المسلَّمةُ المفروضة سَلَفاً.

2ـ حكم العقل بعدم خلوّ الوقائع، محاولة المحقِّق النراقي
ثاني الأدلّة على شمولية الشريعة هو ما ذكره المحقِّق النراقي، من أنّ العقل حاكمٌ بعدم تحقُّق واقعة إلاّ ولها حكمٌ (النراقي، عوائد الأيّام: 365؛ وأياد المنصوري، نظريّة التزاحم الحفظي: 77 ـ 79).
ولم يشرح لنا النراقي تقريب حكم العقل بذلك! وكيف كانت عملية الحكم العقل هنا! ولعلّ مراده أنّ أيّ حدثٍ من الحوادث لا يخلو إما أن يكون حَسَناً أو قبيحاً؛ أو يتساوى حُسْنه وقبحه، ولنقل: لا يخلو أيّ فعلٍ إمّا أن يكون راجحاً؛ أو مرجوحاً؛ أو تتساوى فيه الجهات، فلا هو بالراجح ولا بالمرجوح:
أـ وعلى الأوّل (رجحان الفعل) إمّا أن يكون رجحانه شديداً، بحيث يكون تركه قبيحاً، فهو الواجب، أو لا يكون كذلك، فهو المستحبّ.
ب ـ وعلى الثاني (مرجوحيّة الفعل) إمّا أن تكون مرجوحيّته شديدة، بحيث يكون الإتيان به قبيحاً، فهو الحرام، وإلاّ فهو المكروه.
ج ـ وعلى التقدير الثالث والأخير (التساوي) فهو المباح.
ولا توجد حالةٌ أخرى في علم الله تعالى. فلا بُدَّ من فرض موقفٍ إلهيّ في البَيْن، وليس إلاّ هذه، ومعه يكون الموقف الإلهيّ بالضرورة أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة.
وهذا الدليل رغم وجاهته، بَيْدَ أنه يُغفل أمراً بالغ الأهمّية، وهو أنّنا لا نبحث في واقع صفة الفعل الخارجيّ، من حيث كونه راجحاً أو مرجوحاً أو غير ذلك، ولا في علم الله تعالى بالرجحان هذا أو المرجوحيّة، وإنّما في جعل الشارع سبحانه ـ بعد هذا العلم ـ تشريعاً يتعلَّق بعهدة المكلَّفين. فليست مرحلة الثبوت، بمعنى الملاك والإرادة، كافيةً هنا، دون أن يجعل الشارع حكماً نتيجتها، فمصبّ التنازع إنّما هو في وجود حكمٍ مجعول من قبل المولى، لا في علمه وحبّه فحَسْب.
ولتقريب الفكرة نأخذ الأحكام العقليّة العملية، حيث وقع خلافٌ بين علماء أصول الفقه الإسلامي في أنّه بعد حكم العقل بحُسْن العدل هل يجب أن يحكم المولى سبحانه بوجوب العدل أو لا؟ فذهب بعضهم إلى عدم الوجوب، بل إلى عدم وجود داعٍ ومبرِّر لهذا الحكم الشرعي بعد محرِّكيّة العقل نفسه؛ فيما ذهب آخرون إلى خلاف ذلك (انظر ـ لمزيدٍ من الاطّلاع ـ: الصدر، دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة، القسم الأوّل): 429)، وهذا معناه أنّ العبرة ليست في حُسْن الشيء في ذاته بقدر ما هي في صدور حكم شرعي متعلّق به، بعد كونه حَسَناً أو قبيحاً. ومن ثمّ فمن الممكن أن يرى الله الفعل حَسَناً، لكنّه لا يُشرِّع فيه حكماً، بل يترك للبشر أن يُحاولوا اكتشاف هذا الحُسْن وهذا الرجحان في هذا الفعل، والانقياد لعقولهم فيه.

3ـ مفهوم كمال الدين، محاولة السيد السيستاني
الدليل الثالث هنا هو ما يلوح من كلمات مثل: السيّد السيستاني، من الاستناد إلى أدلّة كمال الشريعة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (المائدة: 3)، فإنّه لو لم يكن لهذه الشريعة قدرة الشمول لتمام وقائع الحياة لم تكن كاملة، وهذا ما يقع على النقيض من نصوص كمالها. (السيستاني، قاعدة لا ضرر ولا ضرار: 292).
وكان الدكتور عابد بن محمد السفياني قد استند بشكل مركّز على آية إكمال الدين هنا في كتابه الذي طبع قبل عقود (انظر له: الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية: 136 ـ 147).
ولكنّ الاستدلال بكمال الشريعة هنا يعاني هو الآخر من مشكلة، وذلك أنّ كمال الشريعة مفهومٌ له معنيان:
المعنى الأوّل: أن تكون الشريعة مغطيةً لجميع وقائع الحياة، فيكون كمالها بالنسبة إلى الواقع، فهي كاملةٌ لأنها تستوعب الواقعَ كلَّه، وهذا هو الكمال الذي ينتج هنا ـ أوّلياً ـ قاعدةَ: ما من واقعةٍ إلاّ ولها حكم.
المعنى الثاني: أن يراد وصولها إلى نقطة الغاية المرادة لها، فتكون قد كمُلت، بمعنى أنّ هناك مجموعة عناصر تكوِّن هذه الشريعة وهذا الدين، فعندما تلتئم بأجمعها يحصل كمالُ الدين، سواء كان الدين هذا يغطي كلَّ وقائع الحياة أم أُريد له من البداية أن يغطّي مساحةً محدَّدة منها؛ لمصلحةٍ في ذلك.
ولو نظرنا إلى الآية القرآنيّة المشار إليها وأمثالها لم نجد لها دلالةً واضحة على المعنى الأوّل، بل هي أقرب إلى المعنى الثاني؛ لأنّها ظاهرة في إكمال الدين، فهي تريد أن تقول: إنّني أكملت اليوم لكم الدين، فالدين بالأمس لم يكن قد كمُل بالنسبة إليكم، واليوم قد حظي بكماله، لا أنّه لم يكن قد كمُل في ذاته بالنسبة لوقائع الحياة واليوم قد كمُل بهذه الملاحظة.
وبعبارةٍ أخرى: لو فرضنا أنّ الدين الإلهيّ يغطّي مساحة 90% من مجموع وقائع الحياة، والقرآن والسنّة كانا يبرزانه ويظهرانه، ثمّ نزلت هذه الآية تفيد أنّنا أكملنا لكم الدين، فإنّ معنى ذلك أنّ التسعين في المائة هذه قد كمُلت لكم، فتصدق الآية الكريمة في هذه الحال أيضاً، ومعه لا يكون فيها ظهور في الكمال بالمعنى الأوّل المطلوب.
هذا، وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين ـ وهو الباحث الأستاذ مصطفى كريمي ـ، تَبَعاً للشيخ صادق لاريجاني، تقديمَ صيغةٍ استدلاليّة أخرى؛ للانطلاق من مفهوم كمال الدين الوارد في الآية الكريمة إلى مفهوم شموليّة الشريعة والدين، نؤجِّل التعرُّض له ومناقشته بصورة مستقلّة إنْ شاء الله تعالى.

إكمال الدين، ومقاربة الأستاذ مصطفى كريمي
هذا، وقد ذكر بعض الباحثين هنا أنّ الكمال يمكن فرض تفسيرين له، هما:
التفسير الأوّل: أن يُراد بكمال الشيء استكماله لأجزائه وأصوله وفروعه، أو هو بلوغه لهدفه النهائي. وفي هذه الحال لا يمكن فرض درجات ومراتب للكمال؛ لأنّ الشيء له حالتان: إما لا تكتمل أجزاؤه أو لا يصل إلى هدفه، وإمّا أن تكتمل أجزاؤه ويصل إلى هدفه، فلا يمكن فرض التشكيك في الكمال هنا، بل إمّا وجودٌ أو عدم.
التفسير الثاني: أن تكون للكمال هنا درجاتٌ ومراتب، فيكون الشيء كاملاً بالنسبة إلى شيءٍ آخر، وناقصاً بالنسبة إلى شيءٍ ثالث، وهذا معناه أنّ الكمال أمرٌ مشكّك نسبي. وبهذا يُفهم أيضاً معنى أنّ الإسلام أكمل الأديان.
ووفقاً لهذين التفسيرين يمكن القول بأنّ آية إكمال الدين لها دلالةٌ ما على شموليّة الإسلام ومفاهيمه وتشريعاته، وذلك من خلال بيانين:
البيان الأوّل: إذا اعتبرنا الكمال بمعنى تحقّق الأجزاء والأهداف جميعاً، انسجاماً مع التفسير الأوّل المتقدّم للكمال، فإنّ معنى ذلك أنّ البرنامج الإسلاميّ كاملٌ، فيكون الإسلام أكمل البرامج وأعمّها؛ نظراً لما للدين من دورٍ في برمجة الحياة، وهذا يعني أنّه قادرٌ على الإجابة عن جميع حاجات البشر في حدود ضرورات الكمال المفترض، مما يُلزمه بالعناية بمختلف الأبعاد الوجوديّة الإنسانيّة، ما لم يطرأ مانعٌ.
ويظهر هذا التفسير جيّداً عندما نلاحظ تكملة الآية الكريمة تتحدّث عن إتمام النّعمة الإلهية؛ لأنّ النعمة هنا معناها أنّ الله تعالى يريد أن يقول: إنّ جميع ما تتطلّبه سعادتكم قد جاء في دينكم.
ولا معنى هنا لفرض أنّ كمال الدين يكون بمعيّة دور العقل، أي إنّ علل كماله هو الأنبياء والعقل معاً، فقسمٌ من الدين يكون ويصل عبر العقل، وقسمٌ منه عبر الوحي. والسبب في رفض هذا الاحتمال أنّه يتعارض مع مفاد إكمال الدين بواسطة الأمر الإلهي؛ لأنّ ظاهر ﴿أَكْمَلْتُ﴾ هو أنّ الإكمال قد تمّ من خلال الوحي إلى الرسول| لا بواسطة العقل.
البيان الثاني: إذا كان الكمالُ صفةً وجودية تعبّر عن استغناء الموجود عن غيره إذا قيس به فسيكون مفهوم إكمال الدين في الآية الكريمة أكثر وضوحاً في إفادة شموليّة الإسلام، كما هو جليٌّ (انظر: مصطفى كريمي، الدين حدوده ومدياته، دراسة في ضوء النصّ القرآني: 274 ـ 282، ترجمة: محمد عبد الرزّاق، نشر مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، ط1، 2010م، بيروت).

وقفةٌ نقديّة مع مقاربة الأستاذ كريمي
هذا الطرح برمّته يعاني من ثغرات عدّة. وقد استند فيه كاتبه إلى أُطروحات الشيخ صادق لاريجاني، بل يبدو أنّه استقى أكثر أبحاثه هنا منه. ويمكن التعليق:
أوّلاً: إنّ الباحث اعتبر أنّ تفسير كمال الدين بتحقّق أجزائه وأهدافه يُنتج أكمليّة البرامج الدينية وأعمِّيتها وقدرتها على الجواب عن تمام متطلّبات الحياة. وهذه هي المصادرة عينها؛ لأنّه ما دمنا نفرض أنّ الكمال بملاحظة الأجزاء فهذا معناه ـ ضمناً ـ عدم أخذنا أيّ شيءٍ آخر غير البُنْية الداخليّة للدين. كما أنّ فرض كمال الدين من خلال تحقّق الأهداف لا يعني شموليّة الدين، إلاّ إذا أثبتنا في المرحلة السابقة أنّ الهدف من الدين هو تنظيم جميع مرافق الحياة وتغطيتها بنفسه. والمفروض أنّنا ما نزال نبحث في أنّ الدين هل هو معنيٌّ بهذا المستوى من التغطية أو لا؟ وكأنّ الكاتب الموقّر ما زال مسكوناً بفرضيّة الشموليّة، ولهذا فسّر الكمال استتباعاً لما استكنّ في أعماق فكره.
ثانياً: لم يتّضح لماذا إذا كان الكمال الديني بملاحظة تماميّة الأجزاء والأهداف فسيكون الدين حاوياً لأكمل البرامج وأعمّها؟! وذلك أنّ المفروض أنّنا في البيان الأوّل صرفنا النظر عن عنصر المقارنة النسبيّة مع خارج الشيء، وركّزناه على بنيته الداخلية في أجزائه ومكوّناته، فلو تمّ بهذا الاعتبار فكيف نثبت أنّه صار الأكمل، وأنّه لا توجد برامج أكمل منه وأعمّ؟!
ثالثاً: إنّ الاستعانة هنا بمقطع (إتمام النعمة) من الآية الكريمة غير موفّقة في ما يبدو؛ لأنّ فاعل الإتمام هنا ليس هو الدين، وإنّما هو الله سبحانه. وهذه هي المشكلة التي تورّط فيها الكاتب المحترم؛ فهناك فرق بين أن أقول: إنّ الدين قد جاء بكلّ ما تتطلّبه سعادة الإنسان، وبين أن أقول: إنّ الله قد أعطى الإنسان كلَّ ما تتطلّبه سعادته. ففي الحالة الأولى ربما أمكن استفادة شيء، أما في الحالة الثانية فلا؛ لأنّ الله إذا أعطى تمام النعمة فلا دليل على أنّ إعطاءه ذلك كان من خلال الدين فحَسْب، حتى نجسّر بين تمام النعمة والدين، فقد يكون أعطى ذلك بالدين والعقل والفطرة وغير ذلك، فباكتمال الدين تمّت العناصر كلّها وتحقّق إتمام النعمة، لا أنّ الدين هو تمام عناصر السعادة والنعمة. وهذا يُشبه ما يُنسب إلى القدّيس الإسكندراني تيتوس فلاويوس إكليمندس (كليمنت)(حوالي 215م) من القول: إنّ الله خاطب اليونانيّين بعقولهم، وخاطب اليهود بالوحي والنبوّة.
رابعاً: لو تنزَّلنا عن الملاحظة الثالثة، وسلَّمنا بأنّ الدين هو الذي يعطي الإنسان تمام النعمة، فهنا نسأل: ما هو المراد بتمام النعمة؟
فإذا قيل: إنّ تمام النعمة هنا هو في الفوز الأخرويّ، ولا سيَّما بناءً على ثقافة القرآن التي تركّز البُعْد الأخروي، فإنّه لا يثبت أكثر من أنّ الدين معنيٌّ بتحقيق النعمة العليا، وهي السعادة الأخرويّة. وأين هذا من شموليّة تشريعاته لتنظيم شؤون الحياة الدنيويّة؟!
وأمّا إذا قيل بأنّ تمام النعمة هو في كلّ خيرات الدنيا والآخرة فهذا واضح الفساد؛ لأنّ الله لم يتمّ على العرب المسلمين آنذاك كلّ هذه النعم بإنزال هذه الآية، أو بتنصيب الإمام علي× بناءً على ربطها بذلك؛ لأنّ الآية تفرض تحقّق تمامية النعمة خارجاً وواقعاً، لا تقديراً، ونفس تشريعات الدين لوحدها ليست كافية لتحقّق تمام النعم الدنيويّة والأخرويّة ما لم تطبّق في الواقع الخارجي.
وأما إذا قصد السعادة الدنيوية والأخروية معاً فإنّ الآية تشير إلى إتمام ذلك لا إلى تمامه. فإتمامه كان بأمرٍ وحياني، وهذا غير أنّ تمامه كان وحيانيّاً. والإتمام يتحقّق بكون الجزء الأخير وحيانياً، ولا يفترض كون تمام الأجزاء كذلك، فتأمَّلْ جيّداً.
ولعلّ المراد من إتمام النعمة هو البُعْد الديني، أي إنّ الله قد أتمّ عليكم ـ بإنزال هذه الآية، أو بتنصيب عليّ× ـ نعمَتَه المنظورة له، لا تمام نعمه، ولا بعضاً معيناً لنا منها. وهذه النعمة عنوانها العام هو صلاحهم وفوزهم، بل ربما يكون معنى النعمة هنا هو الدين نفسه.
وعليه فلا يوجد شاهدٌ في إتمام النعمة على فرضيّة الشمول في إكمال الدين.
خامساً: إنّ مناقشة الباحث لفرضيّة أنّ إكمال الدين كان بمعيّة العقل بأنّ ظاهر الآية هو الإكمال بواسطة الوحي، دون غيره، هذه المناقشة غير واضحةٍ أيضاً؛ لأنّ الإكمال وحييٌّ، لا الكمال، كما تقدّم. يضاف إلى ذلك مشكلةٌ أخرى، وهي أنّ الله تعالى ينسب الإكمال إلى نفسه، فإذا أخذنا بالتفسير الشيعي للآية وأسباب نزولها سيكون المعنى: إنّ الله تعالى قد أكمل الدين بيوم الغدير وتنصيب عليٍّ للخلافة، وهذا التنصيب ـ وفق المعتقد الشيعي ـ لم يكن قد حصل في يوم الغدير، وإنّما تمّ الإعلان عنه في هذا اليوم؛ إذ يعتقد الشيعة بأنّ نصوص إمامة عليّ× ممتدّة إلى يوم الدار في السنوات الأولى من البعثة النبويّة، وأنّ هذه النصوص القرآنية والحديثية استمرّت بشكلٍ متواصل، لا أنّ إمامة عليٍّ جُعلت من قبل المولى سبحانه في يوم الغدير. وهذا ما يفرض علينا اعتبار أنّ إكمال الدين ـ انسجاماً مع المعتقد الشيعي ـ لم يكن أساساً باكتمال أجزائه؛ لأنّها كانت مكتملةً، بل قوّته وكماله الواقعي، وحمايته والطمأنينة عليه.
وقد فسّر بعضُهم أو احتمل أن يُراد بالآية أنّكم كُفيتم خوف عدوّكم، وأُظهرتم عليه، تماماً كما تقول: اليوم تمّ لنا الملك، وكمل لنا ما نريد. (انظر: الزمخشري، الكشّاف 1: 593؛ والطوسي، التبيان 3: 435؛ والطبرسي، مجمع البيان 3: 274). ووفقاً لذلك كيف نجعل الاكتمال منحصراً بالوحي؟! بل ما يعزِّز هذا الاحتمال هو أنّ الآية نفسها قالت: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: 3)، فإنّ هذا ما ينسجم مع فرضيّة الكمال الواقعي، لا الكمال البنيوي الذاتي.
وهذا كلُّه معناه أنّ الباحث هنا ملزمٌ بمزيدٍ من تفكيك الموقف وتحليله وفق الأصول العقديّة الشيعيّة.
سادساً: إنّ البيان الثاني المذكور لا ينفع شيئاً؛ لأنّه مبنيٌّ على فرضيّة تفسيرية للكمال غير ظاهرة لغةً، ولا عرفاً؛ فإنّ حذف المتعلَّق والطرف المقيس عليه الكمال من الآية يفيد أنّ الاكتمال كان له في بنيته الداخلية، ولا يظهر من الآية أنّها تريد أن تقول بأنّني اليوم جعلت الدين أكمل من أيّ برنامجٍ آخر.
وحصيلة الكلام: إنّ هذه المداخلة هنا غير واضحة بهذا المقدار.
وبهذا يظهر لنا أنّ آية إكمال الدين ومفهوم إكمال الدين لا ارتباط لهما بمفهوم شمول الدين لجميع وقائع الحياة وزواياها، وإنّما هما مرتبطان إمّا برسوخ الدين في الواقع الإنساني، بحيث لم تعُدْ هناك خشية عليه من خصومه، أو بالتئام أجزائه ومكوّناته الداخليّة، أو ببلوغه مرحلة تحقيق الهدف المرجوّ منه… وهذه المفاهيم أو الصور الثلاث لا يوجد ارتباطٌ عضويّ أو قهريّ ضروري بينها وبين مفهوم الشمول.

4 ـ قاعدة اللطف والشموليّة القانونيّة، محاولة السيّد الصدر
رابع الأدلّة هنا هو ما ذكره السيد محمد باقر الصدر، من الاستناد إلى قاعدة اللطف، حيث ذكر أنّ الله تعالى عالمٌ بجميع المصالح والمفاسد الراجعة لحياة الإنسان، وهذا معناه أنّه «من اللطف اللائق برحمته أن يشرّع للإنسان التشريع الأفضل، وفقاً لتلك المصالح والمفاسد، في شتى جوانب الحياة…». (انظر: الصدر، دروس في علم الأصول 1: 148).
وهذا الاستدلال ـ إذا قصده الصدر بجِدِّية في موضوع بحثنا ـ يحمل في طيّاته نزعةً كلامية واضحة، مبنيّة على قاعدة اللطف. وهنا يمكن التعليق بعدّة أمور:
أوّلاً: ثمّة كلام في أصل صحّة قاعدة اللطف. ونحن لا ننكر كبرى قاعدة اللطف، مع أنّ بعض علماء العدلية أنكرها ـ كالإمام الخميني في بعض أبحاثه (انظر: أنوار الهداية 1: 257) ـ إلاّ أننا ننكر، وفاقاً للمحقّق النراقي (انظر: عوائد الأيّام: 197، 705 ـ 709)، قدرتنا على تطبيقها الموردي. وقد ذكرنا في محلّه (انظر: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 151 ـ 152) أنّ العقل الإنساني لا يملك الأدوات المعرفيّة التي يستطيع من خلالها تحديد ما هو الأصلح هنا وهناك؛ لأنّ تشابك المصالح والمفاسد في الخلق، والأسرار الإلهيّة في العلل الغائيّة لهذا الخلق، لا تبدو واضحة للإنسان في أكثر التفاصيل. وهذا معناه أنّ بإمكان العقل أن يحكم في أصل الموضوع (اللطف)، لكنّه غير قادر على الحكم في الامتدادات الميدانيّة. فتشخيصه للأصلح يظلّ أمراً عسيراً جدّاً، تماماً كمعرفة العقل لحُسْن العدل، وصعوبة توصُّله إلى تحليل الكثير من مصاديقه.
ثانياً: واستتباعاً لما تقدّم، ما هو المانع أن يرى المولى سبحانه أنّ البشر من صالحهم أن نعطي عقولهم حقّ التشريع في مساحاتٍ محدَّدة، دون تدخُّلنا المباشر بجعل الأحكام في تلك المساحات، ولا سيَّما أنّهم كما قد يختلفون في أحكامهم العقليّة، قد اختلفوا كثيراً في فهم الأحكام الشرعيّة. فإمكانيّة الخطأ في الحالتين واردة عمليّاً. ونحن لا نريد فرض تخلّي الوحي عن دوره، بل فرض كونه لا يغطّي كلّ الوقائع، بحيث تكفينا القضيّة المهملة، ولو بنسبة الخمسة في المائة. فهل من استحالةٍ عقليّة في هذا أو حكمٍ بالقُبْح في ذلك على الله سبحانه؟! وكيف؟ يُرجى بيانه عقلانيّاً.

5ـ مرجعيّة البيانيّة القرآنيّة
الدليل الخامس لإثبات الشموليّة التشريعيّة هو الاعتماد على نصوص البيانيّة الكلّية للقرآن الكريم، حيث تُثبت هذه النصوص أنّ في القرآن بيانات ترجع لكلّ شيءٍ، وهذا ما يُثبت شموليّة القرآن الكريم وجامعيّته لكلّ ما يتصل بشؤون الإنسان والمجتمع وغير ذلك.
وهذه الآيات القرآنيّة هي:
1ـ قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء﴾ (الأنعام: 38).
2ـ قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89).
3ـ قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ (الأنعام: 114).
4ـ قوله تبارك اسمه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (الأعراف: 52).
5ـ قوله عزَّ من قائلٍ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1).
6ـ قوله جلَّ جلاله: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111).
هذه الآيات القرآنية الكريمة تنطق بإثبات عدم سقوط شيءٍ من الكتاب الكريم، وأنّه استوعب كلَّ شيءٍ، وبيّن كلَّ شيءٍ، وكان ما فيه مفصَّلاً تفصيلاً، وأنّ تفصيله تعلَّق بكلِّ شيءٍ. فبعد هذه النصوص هل يمكن الحديث عن نفي الشموليّة القرآنية، أو أنّ الدين ليس بمستوعبٍ لكلّ وقائع الحياة؟! (انظر ـ على سبيل المثال ـ: عبد الله نصري، الدين بين الحدود والتوقُّع: 65 ـ 70؛ ومصطفى كريمي، الدين: حدوده ومَدَياته: 282 ـ 292).

قراءةٌ نقديّة في الاستناد لمفهوم الكلِّية القرآنيّة
وهذا الدليل يمكن عدُّه ـ إلى جانب النصوص الحديثيّة ـ أقوى الأدلّة على مبدأ الشمول والكلِّية. ولا بُدَّ لنا هنا من بعض التعليقات:

أـ بين الكتاب التشريعي والكتاب التكويني
التعليق الأوّل: إنّ الآية الأولى ـ وفق ترتيبنا ـ لا ربط لها بموضوع بحثنا هنا، كما ذكرنا ذلك في مناسبةٍ أخرى (انظر: حيدر حبّ الله، حجِّية السنّة في الفكر الإسلامي: 235 ـ 236)؛ وذلك أنّ ملاحظة الآية بتمامها، والتي جاء هذا المقطع في سياقها، يعطي معنىً آخر للكتاب الوارد فيها، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: 38). وهذا السياق المرتبط بالشؤون التكوينية يثير احتمالاً آخر في المراد من الكتاب؛ لأنّ كلمة (الكتاب) قد استعملت في القرآن بمعانٍ مختلفة، منها:
1ـ التوراة والإنجيل، ولهذا سُمِّي اليهود والنصارى بـ (أهل الكتاب).
2ـ القرآن الكريم، قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (المائدة: 48).
بل يمكن أن يكون المعنى الأوّل والثاني راجعين إلى معنىً واحد، وهو الدين أو الشريعة أو الوحي الإلزاميّ النازل من السماء على النبيّ، فيكون القرآن أو التوراة مجرَّد تطبيقات لهذا العنوان.
3ـ اللوح المحفوظ أو أيّ شيء يشبهه في أنّه خلقٌ تكويني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 59).
بل ربما كانت هذه التعابير كنائيّةً عن ثبات العلم الإلهي المتعلّق بوقائع العالم وحتميّته.
4ـ الفرض والإلزام والتنجيز القانوني، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء: 103).
5ـ ما يرجع للتوافقات القانونيّة بين طرفين، مثل: المكاتبة مع العبد، قال تعالى: ﴿…وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آَتَاكُمْ…﴾ (النور: 33).
6ـ صحائف الأعمال يوم القيامة، مثل: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (الإسراء: 71)، ففيها تُثبت وتحتم وتنجّز أعمال الإنسان.
وغير ذلك من المعاني والاستخدامات.
وبعضُ هذه المعاني يمكن إرجاعه إلى بعضٍ. والجامع في كلمة الكتاب في اللغة العربيّة هو التنجيز والحَتْم والثبات، ولهذا سمُّي الكتاب كتاباً؛ لأنّ المكتوب فيه ناجز وحتمي بشكلٍ أكبر في المعاملات التجاريّة وغيرها. وقد شرحنا في بعض محاضراتنا التفسيريّة مفردة الكتاب، ووجوه تصريفها في القرآن الكريم، وجذورها اللغويّة. وعليه، فلو لاحظنا التردُّد في الاحتمالات يكون الأقرب في الآية التي نحن فيها هو المعنى الثالث المتقدِّم (اللوح المحفوظ)، ولا أقلّ من عدم إمكان الجزم بظهورها في أنّ المراد من الكتاب هو القرآن الكريم.

ب ـ مفهوم (التفصيل) في توصيف القرآن الكريم
التعليق الثاني: إنّ ما ينصرف اليوم إلى ذهننا من كلمة «التفصيل» هو تناول جزئيات الأمور، واستيعاب الامتدادات والثنايا، في مقابل الإجمال، الذي بات يعني التناول العامّ لموضوعٍ ما. وهذا المعنى يوحي في آيات تفصيل الكتاب بشموليّته واستيعابه بما يخدم نظريّة الشموليّة هنا.
إلاّ أنّ الرجوع إلى اللغة والتفاسير يوضِّح للإنسان أنّ المراد بالتفصيل هو التبيين، فالمفصَّل هو المبيَّن، في مقابل المُجْمَل الذي يعني غير المبيَّن. فوصفُ القرآن بأنّه فُصّلت آياته أو فيه تفصيل يعني أنّه كتاب واضح ومبين وتبيان ونور. ولهذا فسَّروا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44)، بمعنى أنّه بيّنت بلسانٍ عربي واضح نفهمه (انظر ـ على سبيل المثال ـ: الطبرسي، مجمع البيان 9: 29؛ والطبري، جامع البيان 24: 157). فليس المراد من تفصيل القرآن استيعابه وشموله، وإنّما بيانه ووضوحه ونوريّته وما شابه ذلك. ولعلّ ما بتنا نعبّر عنه بالتفصيل اليوم إنّما سمَّيناه بذلك لأنّه مصداقٌ للتبيين، وأسلوبٌ من أساليبه.
هذا كلُّه بقطع النظر عن قيد «كلّ شيء» الوارد هنا في الآية.

ج ـ مفهوم (الكلِّية) ومناسبات الحكم والموضوع
التعليق الثالث: إنّ الأخذ بحرفيّة «كلّ شيء» الوارد في الآية الثانية والسادسة هنا يستلزم اشتمال القرآن على كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ على الإطلاق من كلّ جزئيّات العلوم والمعارف، بل وكلّ الأحداث التي وقعت وتقع وستقع إلى ما بعد يوم القيامة. والآية الكريمة لا تفيد فقط اشتمال القرآن على هذا، بل بيانه له. والالتزامُ بمثل هذا اللازم غير معقول إطلاقاً، ومن ثم فلا بُدَّ من فهم «كلّ شيء» بما يخرج هذا العنوان عن الشموليّة المطلقة. وحيث إنّ المراد بكلّ شيء بعد إلغاء الكليّة المطلقة غيرُ واضحٍ لنا فنأخذ بكلِّ ما يثبت كونه قَدْراً متيقَّناً.
من هنا، نجد أنّ السياق ومناسبات الحكم والموضوع وطبيعة ما يظهر عقلائياً من القرآن و…، ذلك كلّه يفرض أنّ الكلّية هنا بلحاظ الهداية والإرشاد وتقريب الإنسان نحو الله سبحانه وما فيه صلاحه وكماله من هذه الجوانب، تماماً كما لو قال شخصٌ يضع كتاباً في الكيمياء: إنّ هذا الكتاب فيه تبيان كلّ شيء، فإنّ المناسبات تستدعي إرادته الشموليّة بملاحظة الكيمياء، لا مطلق العلوم والمعارف البشريّة.
بعد هذا كلِّه ينبغي أن يثبت لنا أنّ «الشيء» هنا، المراد تعلّق الكلِّية «كلّ» به، ما هو؟ وذلك من دليلٍ آخر خارج الآية نفسها، ولو كان حافّاً بها. فلو أثبتنا أنّ الشأن الذي تصدّى له القرآن الكريم هو البرنامج الحياتي والأخروي للإنسان، بتمام الأبعاد الوجوديّة لهذا الكائن البشري، فإنّ الآيتين هنا ستثبتان أنّ القرآن استوعب كلّ ما يتّصل بهذا الجانب. أما لو أنّنا أثبتنا أنّ الدليل يدلّ على تصدّي القرآن لتوضيح الجانب الروحي والخُلُقي للإنسان ـ مثلاً ـ فإنّ الشموليّة لن تفيد في بعض الجوانب السياسيّة، وهكذا. وهذا ما يُنتج عدم قدرة هذه الآيات هنا على البتّ في هذا الموضوع، فلا يُستدلّ بها لوحدها، وإنّما تحتاج لمُعينات خارجيّة أو حافّة.
وما قلناه برمّته مبنيٌّ على غير النظريّة الصوفية العرفانيّة في فهم القرآن الكريم ونهج تأويله، وأنّه تعبيرٌ آخر عن العلم الإلهي المتنزِّل في النشآت، فباطنه نشأةٌ وجودية له، وليس باطناً دلاليّاً. لكنّ إثباتَ ذلك كلِّه بالدليل مشكلٌ.

د ـ نقد الفهم المنطقي لمفهوم (الكلِّية) في اللغة العربيّة
التعليق الرابع: سلَّمْنا أنّ القرآن الكريم يتصدّى لبيان كلّ شأنٍ إنسانيّ يرتبط بالحياة الإنسانيّة وبنائها ونظامها، لكنْ مع ذلك يمكن التوقُّف عند إفادة «كلّ» للكلِّية المطلقة، بحيث لا وجود لمساحةٍ محدودة ترك القرآن فيها الحديث والتصدّي.
والموجِبُ لإثارة هذا التساؤل هو استخدامات كلمة «كلّ» في الأعمّ الأغلب عند العرب، بل وفي القرآن الكريم، مثل:
1ـ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام: 44). فهلّ حقّاً فتح عليهم أبواب كلِّ شيءٍ على الإطلاق؟!
2ـ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 154).
3ـ قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف: 145). فهل حقّاً في توراة موسى كلُّ شيءٍ، بحيث صارت مساويةً تماماً للقرآن الكريم في مضمونها؟!
4ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (الكهف: 84). فهل حقّاً كان لذي القرنين سببٌ لكلّ شيءٍ على الإطلاق، بحيث كان يمكنه الذهاب في الفضاء مثلاً، أو صناعة القنبلة الذريّة؟!
5ـ قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 16).
6ـ قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النمل: 23). فهل حقّاً أنّ ملكة سبأ كان عندها من كلّ شيءٍ، أو هو تعبير كنائي أو بليغ عن الكثرة والوفرة والعظمة؟
7ـ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون﴾ (القصص: 57). فهل مكّة في زمن النبيّ وقبله كانت تجبى إليها ثمرات العالم كلِّه، ثمرات أفريقيا وشرق آسيا وشمال أوروبا والقارة الأمريكيّة؟!
8ـ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 68 ـ 69). إنّ هذا كلَّه يدلّنا على أنّ استخدام كلمة (كلّ) في اللغة العربيّة ليس كما أراد الأصوليّون والفلاسفة في السور المنطقي للقضيّة المنطقية أن يفسِّروه، وهو الشموليّة المطلقة والموجبة الكلِّية، فهذا بيانٌ منطقيّ دخل اللغة العربيّة في القرن الثاني الهجري، وأمّا اللغة العربيّة فكثيراً ما تستخدم مثل هذه التعابير وتريد الكثرة والوفرة والمبالغة فيهما، بل هذا هو الأصل في الاستخدام عندما يكون المورد واسع المصاديق والأفراد وغير محصور، ولو أراد المتكلِّم الشموليّة المطلقة للزمه مزيدُ بيانٍ.

هـ ـ مصادرة القفز من البيانيّة الشموليّة للشريعة الشاملة
التعليق الخامس: وهو في نظري من أهمّ التعليقات عندي هنا؛ وذلك أنّ غاية ما تُثبت الآيات المستدلّ بها هنا أنّ القرآن فيه كلّ شيءٍ، لكنّها لا تثبت أنّ هناك شيئاً اسمه شريعة شاملة حتّى يتكلّم عنها القرآن. وهنا نقطة الضعف الاستدلالي بهذه الآيات.
ولتوضيح مرادي أقول: نحن افترضنا أنّ الشريعة والدين شاملين لكلّ الحياة، ثم لما قال القرآن بأنّ فيه كلّ شيء فهذا يعني أنّ فيه أحكاماً دينيّة لكلّ الحياة. مع أنّ هذا مصادرةٌ؛ وذلك أنّه من أين عرفنا أنّ الدين شاملٌ لكلّ الحياة؟ فلعلّ الدين مختصٌّ بمساحة تساوي الثمانين في المائة من الحياة مثلاً، والقرآن جاء وبيَّن كلّ شيءٍ، ومعنى أنّه بيَّن كلّ شيء هو أنّه بيّن هذه الثمانين في المائة، ثم بيّن العشرين لكنْ لا بوصفها جزءاً من الدين، بل بوصفها قِيَماً أو أحكاماً عقليّة إنسانيّة (ليست مجعولات دينيّة شرعيّة)، قام بالإخبار عنها. فالانطلاق ـ وأرجو التأمُّل ـ من شموليّة البيان القرآني لشموليّة الشريعة مغلوطٌ، بل لا بُدَّ أوّلاً من إثبات شموليّة الشريعة، حتّى تكون شموليّة البيان القرآني مغطِّيةً للشريعة الشاملة من قَبْل، وإلاّ كان القرآن مبيِّناً للشريعة غير الشاملة، وأمّا سائر الأمور فهو يبيِّنها لا بما هي شرعٌ، بل بما هي معطيات حقّة غير دينيّة، تماماً كحديثه عن أيّ قضيّة تكوينيّة، فهل كون النحل يأكل من الأزهار مسألةً دينيّة؟ مع أنّ القرآن قد ذكرها… إلاّ بناءً على قول:
أـ مَنْ يرى أنّ كلّ العلوم دينيّةً، كما في ما يُنسب لبعض المعاصرين، مثل: أستاذنا الشيخ عبد الله جوادي الآملي.
ب ـ أو مَنْ يرى أنّ كلّ ما بُيِّن في القرآن فهو دينٌ، فلو كان أمراً سلوكيّاً (وبُيِّن حتّى ولو من دون ظهور البيان في نسبته للدين) صار شريعةً مجعولة مدخلة في العهدة والذمّة بيننا وبين الله.
لكنّ كلا هذين التوجُّهين غير صحيح؛ فليست كلُّ العلوم دينيّةً، حتّى لو كانت تبحث عن خلق الله الراجع للفعل الإلهي، فهذا لا يصيِّرها دينيّةً، والبحث في هويّة العلم الديني موضوعٌ طويل جدّاً، نَكِلُه لمباحث فلسفة الدين والكلام الجديد.
وليس كلُّ ما ذكره القرآن فهو دين أو شرع، بل قد يذكر ما هو مجعول شرعي أو عقيدة دينيّة، وقد يذكر أموراً واقعيّةً حقيقيّة (في الفعل أو التكوين) لخدمة المجعول الشرعي أو العقيدة الدينيّة، كتوصيفه السماوات والأرض. فهذا التوصيف حقٌّ، لكنّه ليس بدين. نعم، تصديق القرآن في توصيفاته واجبٌ شرعيّ. لكنّ هذا لا يعني أنّ نفس توصيفاته هي دينٌ (أترك تفصيل هذه النقطة لمباحث فلسفة الدين والكلام الجديد، وكذلك مباحث اللغة الدينيّة عموماً، وأكتفي بهذا القَدْر). وهذا كلُّه يعني أنّ عليَّ مراجعة النصّ الديني والقرآني، فما ظهر أنّه بُيّن بوصفه تكليفاً شرعيّاً أو حقيقةً عقديّة أخذتُ به، وما لم يظهر لي ذلك لا أستطيع أن أقول ـ بنحو القاعدة المسبقة المسقطة من الأعلى ـ بأنّ القرآن قد قدَّمه حقيقةً دينيّة، حتّى لو لم أَرَه بنفسي، بل يمكن أن يكون قد قدَّمه بوصفه حقيقةً واقعيّة، أعمّ من الدينيّة وغيرها. فبحثنا في الشريعة الشاملة التي تستبطن مفهوم جعل قانوني شرعي إلهيّ لكلّ الوقائع، لا في أصل الحسن الذاتي لهذا الفعل أو غيره في كلّ واقعةٍ، فهذا لا يلازم الجعل التشريعي، كما قلنا سابقاً في إطار مناقشة مداخلة المحقّق النراقي، فراجِعْ. وهذا يفيد أنّ القرآن ربما تحدَّث عن أحكام العقل والتجربة الإنسانيّة، وأمرنا باتّباع عقولنا، وبيّن لنا الذي تحكم به عقولنا، دون أن يقول بأنّ حكم عقلنا هو مجعولٌ شرعيّ ديني له، بل المجعول الشرعي الوحيد هو وجوب اتّباع أحكام عقولنا القائمة على التجربة الإنسانيّة والقِيَم الفطريّة. فسلوك الإنسان يوجَّه دينيّاً من خلال النصّ والعقل معاً.
والذي نفهمه من جملة المقاربات التي تقدَّمت أنّ القرآن الكريم قد اشتمل على مجمل القضايا الدينية المرتبطة بهداية البشر إلى الله تعالى، وأنّ ذلك لا يمنع من وجود بعض الأمور التي ترك القرآن الكريم أمر بيانها إلى مصدرٍ آخر. كما لا يوجد ما يمنع من أن تكون المساحة التي يغطّيها البيان القرآني غير شاملة لكلّ تفاصيل حياة الإنسان.

نتيجة البحث
أكتفي بهذا القَدْر من الأدلّة. وغيرُها يظهر حاله ممّا ذكرناه. وبهذا يظهر أنّه لم يتوفَّر لنا دليلٌ عقلي أو عقلاني أو قرآني حاسم يكشف عن مبدأ شموليّة الشريعة الإسلاميّة لكلّ وقائع الحياة. وهذا ما يؤكِّد أنّ المستند العمدة هنا هو ثنائي الحديث الشريف، المؤيَّد بالإجماع أو الشهرة، والذي يحتاج لدراسةٍ أخرى مستقلّة، نتركها لمناسبةٍ ثانية.




عبد الوهاب المسيري: فكّك الصهيونية والعلمانية ومهّد لثورة 2011

بقلم: محمد يسري * — أحاط الجدل كتاباته ومسيرته، فكّك الصهيونية والعلمانية، انضمّ إلى حركة الإخوان المسلمين، ثمّ الشيوعية، وبعدها حركة كفاية، وأسس مبادئ ثورة يناير 2011، ولكن رحل قبل أن يرى ولادتها.

بالأمس، في الثالث من شهر يوليو الحالي، حلّت الذكرى التاسعة لوفاة المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري (2008_1939).

المسيري الذي ولد في مدينة دمنهور، ودرس اللغة الإنجليزية في جامعة الإسكندرية، ثم حصل بعدها على درجة الدكتوراه، كان واحداً من أهم المفكرين الذين أسهمت كتاباتهم في تشكيل الوعي العربي.

المسيري مفكراً: تفكيك الصهيونية والعلمانية

في رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية الطويلة الممتدة على ما يزيد عن الثلاثين عاماً، تبقى مساهمته في حقلي تفكيك موضوعي الصهيونية والعلمانية خاصة، هي الأكثر بروزاً وأهمية.

فقد كانت أبحاث المسيري وكتبه عن الصهيونية واليهودية، معلماً فارقاً ومميزاً في تاريخ الاهتمام البحثي بذلك الحقل المعرفي المهم، حيث ألف المسيري العشرات من الكتب حول الصهيونية، منها على سبيل المثال:

نهاية-التاريخ

نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفـكر الصهيوني في عام 1972م، والأقليات اليهودية بين التجارة والادعاء القومي في 1975م، وأرض الميعاد: دراسةٌ نقديةٌ للصهيونية السياسية في 1980م، والأيديولوجية الصهيونية: دراسةُ حالةٍ في علم اجتماع المعرفة في 1981م.
بالإضافة إلى موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الذائعة الصيت، والتي صدرت في ثمانية مجلدات ضخمة في عام 1999م.

ورغم أن كل تلك المؤلفات جعلت المسيري واحداً من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيونية، إلا أنها قد لاقت ردود أفعال متباينة من شتى الاتجاهات الفكرية.

حيث نظر البعض لأفكار المسيري على كونها تصب أساساً في اتجاه الدفاع عن اليهود والصهاينة، وأنها تبرر لهم الكثير من أفعالهم الوحشية تجاه الفلسطينيين.

طرح المسيري في موسوعته رؤيته الجديدة، والتي تعلن أنّ اليهود هم جماعات لا تنطبق عليهم الصورة الأخلاقية النمطية السيئة المعروفة عنهم.

وفسّر ذلك بأنه لا توجد برأيه علاقة مباشرة ما بين سلوك أفراد الطائفة اليهودية من جهة وبين عقيدتهم أو التلمود والنصوص الدينية التي يؤمنون بها من جهة أخرى.

ويُرجع المسيري ما تواتر عن سوء أخلاق اليهود وتآمرهم، لأسباب حضارية ودينية وتاريخية متباينة وقعت في فترة ما بعد منتصف القرن التاسع عشر بين يهود روسيا وبولندا، بالإضافة إلى بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بكونهم قد اعتادوا على العيش كأقليات في المجتمعات التي احتضنتهم.

ويرى المسيري أيضاً أنّ طبيعة اليهود وهويتهم الدينية قد تغيرت جذرياً بعد عصر الاستنارة أو في العصر الحديث، حيث لم يعد بإمكانهم بحسب رأيه الحفاظ على عقيدتهم والبقاء في عزلتهم داخل الأحياء الضيقة التي كانوا يسكنون بها في المدن الأوروبية الكبرى، وإنما فرض عليهم الواقع الجديد الاندماج والانصهار في مجتمعاتهم والإصطباغ بصبغتها.

ومن ثم فقد تمّت علمنتهم بصورة كبيرة، وبحسب ما يرى المسيري، فإن اليهود قد فقدوا جوهر عقيدتهم الدينية ولم يعودوا كعادة أسلافهم يتصرفون كأقليّة، خاصة أنهم في النهاية تبنوا صيغ جديدة لليهودية وهي اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، التي يعتبرها المسيري صيغ مخففة للغاية من اليهودية التقليدية، كما أصبح كثير منهم ملحدين، ولذا لم يعد لهم علاقة بأي طائفة يهودية قديمة.

ومن هنا فإن المسيري قد حرص على التأكيد بأن ظاهرة الصهيونية ظاهرة غربية بشكل رئيس، وناتجة عن عوامل غربية أكثر من العقيدة اليهودية الداعية لعودة اليهود إلى فلسطين، وأن اليهودية برأيه بريئة بشكل كامل من الصهيونية، وأن الأخيرة إنما تستمد جذورها ومبادئها من الفكر الغربي الأوروبي والأميركي.

أفكار المسيري عن اليهودية والصهيونية، نالت الكثير من الإشادات من جانب المثقفين العرب والغربيين على السواء، ولكنها تعرضت في الوقت نفسه، للكثير من المعارضة من جانب البعض الأخر.

فعلى سبيل المثال، كان اتجاه المسيري لرفض نسبة كتاب بروتوكولات حكماء صهيون لليهود، قد أثار زوبعة من النقد ضده، حيث اهتم الإعلام العربي بتلك القضية، وتم عقد عدد من الجلسات الفكرية والمناظرات بين المسيري ومنتقديه للبت في تلك المسألة تحديداً.

المحطة الثانية الأكثر أهمية في مسيرة المسيري الفكرية، كانت أبحاثه التفكيكية لمصطلح العلمانية، ودراساته النقدية لمفاهيم عصر ما بعد الحداثة.

فالمسيري يوضح أنّ هناك فرق بين مصطلحي العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، فالعلمانية الجزئية بحسب المسيري هي فصل الدين عن الدولة في المجال السياسي، وفي جانبها العلمي هي الاحتكام إلى قواعد العلم الحديث ووفق ما هو مرئي لنا في هذا العالم الذي نعيشه.
أما العلمانية الشاملة فيفسرها بكونها إنكار المعاني والقيم الإنسانية بشكل كامل، بحيث يتم تحويل الإنسان إلى مجرد شيء ليس أكثر.

وقد عمل المسيري على عرض وجهة نظره فيما يخص العلمانية في عدد من الكتب والمؤلفات، لعل أشهرها كان كتاب العلمانية تحت المجهر الذي ألفه مع بالاشتراك مع المفكر السوري عزيز العظمة في 2000، وكتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة في 2002.

وكذلك دخل في بعض المناظرات والمناقشات مع بعض المثقفين العرب لتبيان وجهة نظره، ولعل من أشهر هذه المناظرات، تلك التي عقدها مع المفكر المصري سيد القمني حول مفهوم العلمانية وهل هي صالحة للتطبيق في الوطن العربي أم لا.
المسيري سياسياً: من الإخوان المسلمين لحركة كفاية

رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية والعلمية، تماشت جنباً بجنب مع رحلته السياسية، فالمفكر الذي انصب اهتمامه على دراسة الصهيونية ومفردات عصر ما بعد الحداثة، مر بالعديد من المحطات السياسية المهمة خلال سنوات حياته.

المحطة الأولى في مشوار المسيري السياسي، تمثلت في انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين.

يحكي المسيري عن تلك المرحلة في كتابه رحلتي الفكرية، فيقول إنّه كان وقتها في الرابعة عشر من عمره، وإن نشاطه اقتصر على قراءة القرآن وبعض العبادات فحسب، ولم يصاحب ذلك أي ممارسات سياسية حقيقية.

المحطة الثانية، بدأت بعد سنتين فحسب، وتجلت في اعتناق المسيري للفكر الشيوعي.

يفسر المسيري ذلك التحول بقوله “في هذه الفترة اعتراني الشك، وهذا الشك خلق في نفسي فراغاً، فلم يعد من الممكن قبول الأطر القديمة، وكان لابد أنْ يُملأ هذا الفراغ العقدي أو الأيديولوجي، وبما إني كنت ثائراً ضد الظلم الاجتماعي، كان من الحتمي تقريباً أن أتوجه للماركسية”.

ومع انتقاله لمدينة الإسكندرية للدراسة في جامعتها، وجد المسيري الفرصة مُهيئة لممارسة العمل السياسي، فانضم للحركة الوطنية للتحرر الوطني (حدتو)، والتي كانت من أهم المنظمات الشيوعية في مصر في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

مؤهلات وقدرات المسيري العلمية مكنته من ارتقاء المناصب داخل الحركة بشكل سريع، فنجده أضحى مسؤولاً عن خلية كما أنه ساهم في تنظيم عدداً من المظاهرات العمالية في بعض مصانع الإسكندرية.
ورغم الترقي الذي حظي به المسيري في الحزب الشيوعي، إلا أنه لم يستمر طويلاً على النهج الماركسي، وقد فسر ذلك بغضبه من النزعة الداروينية النتشوية والنرجسية التي كانت تميز معظم رفاقه الشيوعيين في هذا الوقت.
وعلى الرغم من اعتزاله للماركسية، فقد استمر المسيري طوال حياته ميّالاً للخط اليساري، وإن اصطبغ ذلك الخط، فيما بعد، بنزعة إسلامية عقائدية واضحة.
وفي عام 2004، عاد عبد الوهاب المسيري إلى ساحة العمل السياسي مرة أخرى، عندما انضم لعدد من الناشطين السياسيين والمفكرين المعروفين، لتقديم طلب لتأسيس حزب الوسط الجديد، والذي كان من جملة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، فإن مؤسسيه قد أعلنوا مراراً من قبل عن رفعهم راية العدالة الاجتماعية والدولة المدنية.
مشاركة المسيري السياسية لم تقتصر على حزب الوسط، بل إنه لعب دوراً كبيراً كذلك، في تدشين تجمع الحركة المصرية من أجل التغيير، والذي عُرف إعلامياً بحركة كفاية.
بعد تغيير وزاري قامت به الحكومة المصرية في يوليو 2004، اجتمع ما يقرب من 300 مثقف ومفكر وسياسي مصري من مختلف الأطياف والمرجعيات، وصاغوا وثيقة تأسيسية تطالب بتغيير سياسي حقيقي في مصر، وبإنهاء الظلم الاقتصادي والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية.
واختار الموقعون على تلك الوثيقة تحويل مشروعهم لمشروع حركي، وتوافقوا على أن يكون رفضهم للرئيس المصري آنذاك حسني مبارك ولتوريث السلطة لابنه هو أساس حركتهم، ومن هنا جاء اسم الحركة “كفاية”.
وتم اختيار عبد الوهاب المسيري ليكون المنسق العام لتلك الحركة، وقبل ذلك المنصب رغم الآلام التي تداهمه وقتها بحكم إصابته بمرض السرطان. وقد ظل المسيري على رأس تلك الحركة، وقام بتنظيم العديد من الفعاليات الاحتجاجية والمعارضة للنظام السياسي المصري حتى وفاته في الثالث من يوليو 2008.
رحل المسيري قبل ما يقرب من عامين فحسب من اندلاع ثورة يناير 2011، تلك التي كان قد ساهم فعلياً في تهيئة المناخ لها والإعداد لظهورها.

*محمد يسري باحث مصري في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية.

المصدر: موقع رصيف 22.




الرفاعي والعظم والخشت: ثلاثة تيارات رئيسية في فلسفة الدين العربية في القرن العشرين

بقلم: د. كاتا موسر* – ترجمة: د. غيضان السيد علي** — تهدف فلسفة الدين إلى توضيح ظواهر الدين ، والتي تعني – تقليديا- الدين المعين تاريخيا والمحدد للفيلسوف نفسه، واستناداً إلى ذلك يمكن إعطاء المزيد من التوجيهات للتلاقي بين الأديان الموجودة اليوم، ولهذا الغرض يتشاور فلاسفة الدين حول تلك المواقف القائمة حول فلسفة الدين الكلاسيكية، سواء كانت عند كانط أو هيجل.
إن مشروعي البحثي يقع في حدود فلسفة الدين، على الرغم من أنني أجعل مهمتي نقدَ النظرة التقليدية وتجاوزها، ولذلك أود أن أضيف مهمة أخرى إلى فلسفة الدين، هي الحوار مع الأفكار الفلسفية حول الدين، تلك الأفكار التي أدلى بها أنصار الديانات الأخرى والتقييم النقدي لمحتواها. ففي مشروعي البحثي أخصص نفسي لهذه المهمة التي تنشد استكشاف المواقف في فلسفة الدين العربية التي تطورت في معظمها ضمن إطار الدين الإسلامي المعتمد تاريخياً.

فلسفة الدين في العالم العربي:
تعد فلسفة الدين تخصص فلسفي حديث نسبيا، إذ ظهرت أول دراسة حولها في عام 1964، وعاد الفلاسفة العرب في ذلك الوقت إلى نظريات فلسفية تدور حول فلسفة الدين، ولهذا يمكننا القول بأنه تخصص يحتاج إلى وقفة فاحصة.
إن فلاسفة الدين العرب يشكلون مجموعة غير متجانسة، يرتبط بعضُها بالبعض باهتمامها ببعض الموضوعات الدينية الغامضة فقط من خلال بعض الأساليب الفلسفية. ولذلك فإني أتعامل – من خلال مشروعي البحثي – مع فلسفة الدين العربية من أجل تصنيفها بطريقة افتراضية. حيث أفترض أن أصنفها على ثلاثة أنواع حسب وجهة نظر وموقف كل فيلسوف:
(1) النوع الدفاعي أو التبريري، وهو ذلك النوع الذي يتصور الدين الإسلامي كما هو معطى، ويبحث عن ما هو غير مبرر ليسعى إلى تبريره، عبر تحقيق عقلانية من خلال المصادر الدينية والمبادئ والمعتقدات. ويعد عبدالجبار الرفاعي (العراق) على سبيل المثال معبرا عن هذا النوع.
(2) النوع الناقد للدين، الذي يعدّ الدينَ عقبةً في وجه تحقيق السيادة المطلقة للعقل، ومن ثم يسعى إلى تحديد إطار الدين أو الحدّ من أهميته. ويمثل هذا النوع على سبيل المثال صادق جلال العظم (سوريا/ لبنان).
(3) النوع الفلسفي النقدي، وهو الذي يتصور الدين الإسلامي تماما كما هو معطى في أدبياته، وهو النوع الدفاعي أو التبريري، إلا إنه يتميز بأنه يتناول مختلف الجوانب الدينية بعقلانية، وعلى وفق المعايير الفلسفية. ويمثل هذا النوع على سبيل المثال محمد عثمان الخشت (مصر).

وفي مشروعي البحثي أهدف إلى التأكد من هذا التصنيف الأولي، وفي حالة وجود خطأ سأعاود وضع تصنيف آخر أكثر إيجازاً وتفصيلا لفلسفة الدين العربية في القرن العشرين، ولهذا سأعمد إلى التعامل مع النصوص العربية التي تتعامل بشكل مباشر مع فلسفة الدين. ولكن، نظرا لأن فلاسفة الدين الذين عادة ما يعملون على دينهم، وغالبا ما يدافعون عن الأهمية الحاسمة لهذا التعادل الشخصي لفعل التفاهم.
كيف يمكن فهم فلسفة الدين العربية؟
من أجل الإجابة على هذا السؤال، وإيجاد ما يوجهنا لفهم ذلك، فإني أعتمد على هيرمينوطيقا هانس جورج غادامر، وعلى التعديلات التي وضعها أنصار التآلف بين الثقافات، كما يسميها حميد رضا يوسفي. ومن المنظور المنهجي، وفي إطار هيرمنيوطيقا غادامر والتأويلية العمومية عند يوسفي في شكل الحوار الذي يستلزم الكشف عمّا هو متوقع من وجوه البحث.
وفي هذا الصدد، أناقش وجهات النظر حول الفلسفة العربية للدين وفي الإسلام، انطلاقا من داخل فلسفة الدين الغربية، فضلا عن موقع مفهوم الذات للفلاسفة العرب من الدين. أما بالنسبة لدراسة نصوص الفلسفة العربية للدين نفسه، فإني أعتمد المناهج البنيوية والنقد التاريخي والتحقيق الفلسفي.
كتب د. فالح مهدي المقيم بباريس، والاستاذ السابق في جامعة فيرساي الفرنسية تعقيبا، بعد مطالعة ملخص بحث د. كاتا موسر:
(د. عبدالجبار الرفاعي احد كبار المثابرين، وله خط فكري واضح، على العكس من د. صادق جلال العظم، اذ كان ينتقل من موضوع الى آخر، دون أن يطور منهجا… مع ان صادق جلال العظم استاذي، فقد تأثرت بكتابه اليتيم متمثلا بنقد الفكر الديني، واستقباله لي في بيروت، اذ استضافني في بيته لمدة أربعين يوما. إنما لا يمثل صادق جلال العظم توجها او مدرسة، كما هو الحال معكم مثلا. “لا أتكلم عن د. محمد عثمان الخشت، لأنني لا اعرف شيئاً عنه”. الرفاعي طوّر منهجا وتابعه، وهذا لم يكن شأن صادق العظم. اتذكر جيدا أن الطيب الذكر محمد اركون قال لي: “ان كتاب نقد الفكر الديني، لا يعتد به”. بل قال اركون اكثر من ذلك ، فقد اشار بيده الى نقد الفكر الديني، وقال لي: ما هذا! انه خالٍ من أي بعد تاريخي. اركون يكره الكتب المثيرة، والتي تكتب في المناسبات. انما يجب الاكتفاء بعبارة “لا يعتد به”، فهي تفي بالغرض. محبتي).

وكتب د. غيضان السيد علي استاذ الفلسفة بجامعة بني سويف بمصر تعقيبا على ما كتبه د. فالح مهدي:
(أتفق كثيرا مع رأي د.فالح مهدي … التبريري يرى تبرير كل ما يبدو غير عقلاني من خلال التأويل، أما النقدي الفلسفي فهو يعالجه من منظور عقلي بحت بعيدا عن مباديء الدين. الفارق كبير، وهو الفارق نفسه بين ليبنتز التبريري وسبينوزا الفلسفي في تاريخ الفلسفة… لا أري أن موقف د. عبدالجبار الرفاعي دفاعي تبريري، يتعامل مع الدين كما هو معطى. أو انه يحاول تبرير ما هو غير عقلاني، كما زعمت الباحثة السويسرية… لو اطلعتم على البحث كاملا فمن المؤكد سيكون هناك رد توضيحي، خاصة ان د.كاتا موسر أوضحت انها على استعداد لإعادة النظر في تصنيفاتها… لكن جهدها بلا شك جهد مشكور ومنصف.. هذا الصدى رائع … مشروع الرفاعي الفكري بدأ يلقى اهتماما كبيرا في مصر في الآوانة الاخيرة … وانا أرى ان هناك ثالوثا رائعا على الساحة العربية اليوم، يتمثل في “الرفاعي- الخشت – طه عبدالرحمن”.. ولذلك أنا أوجه طلابي في مرحلة الليسانس، وفي الدراسات العليا، لتناول إنتاج أصحاب هذا الثالوث الفكري الجاد).

وكتب د. عبدالجبار السعيدي، استاذ الاجتماع السياسي في الحامعة المستنصرية ببغداد تعقيبا، بعد مطالعة تعريب ملخص بحث الباحثة السويدية:
(د. عبدالجبار الرفاعي أصبح الفخر به مضاعفا، شخصيا، ووطنيا، حين يبحث الأوربيون في فكره. عندما يصل فكره الى اوربا موطن الفلسفة الحديثة، فهذا أثر يثير الفخر.. حالما قرأت المنشور أجريت بحثا حول الباحثة والبحث.. أجيد شيئا من الألمانية .. فوجدت أن هذا كان مشروع بحث مهم في معهد الدراسات الإسلامية. وقد نشر منه الملخص فقط في مطلع 2016. وإليكم بعض التفاصيل حول الباحثة د. كاتا مويسر.. بالمناسبة الكاتبة كانت موجودة حينما كنت في لايبزك لإلقاء محاضرة في معهد الدراسات الشرقية هناك عام 2012 ، غير أني لم ألتقِ بها.. نعم اتفق مع الدكتور فالح مهدي حول إن د. الرفاعي له خط فكري واضح، ولديه إصرار ومثابرة على منهجه.. أما بالنسبة للدكتور صادق جلال العظم فمشكلته تتمثل بموقفه الأيديولوجي الصارم، فقد لبث قابعا في سجنه الايديولوجي الماركسي… “نقد الفكر الديني، وذهنية التحريم، ودفاع عن المادية والتاريخ”، وهي أهم عناوين أعمال العظم الفكرية، كانت نتاجات إبداعية، لكنها كانت صادرة عن رد فعل إيديولوجي ماركسي، وهذا الأخير يبدو ظاهريا ذا منطق حرّ في تحليل الظواهر، لكنه بالنهاية مرتبط بحتميات ماركسية لايتراجع عنها، فهو مثلا ينتقد المنطق السياسي اللاواعي عند الغرب، في اختزاله واقع الشرق الإسلامي، استنادا الى نظرة إنثروبولوجية ثقافية محضة، تحيل الى اختزال ذلك الواقع بالدين او بالإسلام على وجه الخصوص، وهو مايتناغم مع طروحات الجماعات الإسلامية. ذلك النقد بالطبع ينطلق من مسلمات د. صادق جلال العظم الايديولوحية الراسخة. أما د. عبدالجبار الرفاعي فهو لاينطلق من أية مسلمة إيديولوجية، وذلك هو ماجعله حرا في اختيار منهجه الفلسفي والمثابرة عليه).

*ملخص بحث في جامعة برن السويسرية، ونشره معهد العلوم الإسلامية بجامعة برن.
** أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في جامعة بني سويف بمصر.