تعرف على منارة الحدباء في الموصل

تعد أحد أبرز الآثار التاريخية في مدينة الموصل العراقية، وهي جزء من الجامع النوري الكبير الذي بني في القرن السادس الهجري، واشتهرت باسم الحدباء بسبب ميلانها.
الموقع
توجد منارة الحدباء في جامع النوري الكبير الواقع بالشطر الغربي من الموصل حيث الضفة الغربية لنهر دجلة الذي يقسم المدينة إلى قسمين، وتسمى المنطقة المحيطة به “محلة الجامع الكبير”.
التسمية
تسمى منارة الحدباء وسابقا “المنارة الطويلة”، وتقع في الركن الشمالي الغربي من حرم جامع النوري الكبير في الموصل، وهي مطبوعة على الدينار العراقي من فئة عشرة آلاف دينار.
التاريخ والمميزات
أنشئت منارة الحدباء سنة 1170م من قبل والي الموصل عماد الدين زنكي، حيث أقيمت ضمن ثاني مسجد أنشئ في الموصل، ويبلغ ارتفاعها 65 مترا، وعرضها 17 مترا، وتشكل واحدة من بين أكثر من 17 برجا مائلا في أنحاء متفرقة من العالم.
وأوكلت مهمة تنفيذ بناء المنارة إلى المعماري إبراهيم الموصلي الذي أخذ في الاعتبار أساليب البناء والنواحي الهندسية ومدى تأثير العوامل المناخية والبيئية، مع تجانس الخصائص الفنية والزخرفية وارتباطها بالناحية الدينية، وغيرها من المبتكرات المعمارية التي جعلت هذه المنارة تتميز بهندستها وبنقوشها الجميلة التي تعكس الفن المعماري الإسلامي.
أسباب الميلان
تتعدد التفاسير حول سبب ميلان المنارة، من بينها أن إبراهيم الموصلي تعمد ذلك لكي يقلل من الخسائر في حال سقوطها، لأنه في غرب المنارة كانت هناك بيوت كثيرة، ولكن إذا سقطت نحو الشرق فستقع على صحن الجامع وتقلل الخسائر.
وقد كتب الرحالة غراتان غيري في القرن التاسع عشر عن المنارة يقول “هي مائلة بضعة أقدام عن وضعها العمودي رغم أنها تبدأ بداية صحيحة عند الأرض. وعند القمة، قبل شرفتها وقبتها، تستعيد استواءها مرة أخرى، وهيئتها هيئة رجل ينحني”.
وعندما زار الرحالة ابن بطوطة مدينة الموصل بعد بنائها بنحو قرنين من الزمان، كانت المئذنة قد بدأت تميل بالفعل.
التصميم
ويكمن السر في عدم سقوط المنارة رغم ميلانها، إلى تصميمها المعماري الدقيق، فهي تشمل قسمين أحدهما أسطواني وآخر منشوري، القسم الأسطواني يعلو القسم المنشوري ويشمل سبعة أقسام زخرفية أجرية نافرة على شكل حلقات، ولها مدخلان يصل كل منهما بواسطة درج إلى الأعلى، فجعل إبراهيم الموصلي سلمين في باطن المنارة كل منهما منفصل عن الآخر، يلتقيان عند منطقة الحصن في الأعلى، فالصاعد إلى الأعلى لا يرى النازل إلى الأسفل.
كما عمد الموصلي إلى جعل سلمين للمئذنة بهدف تخفيف ثقلها الكبير على القاعدة.
واعتبر باحثون إيطاليون وفدوا لمعالجة شروخ في المنارة منتصف سبعينيات القرن المنصرم، أن المنارة الحدباء هي الأطول في العالم بين مثيلاتها، وهي الأجمل في فنون العمران، وأن مسألة تشييدها بهذا الارتفاع الشاهق في زمن بنائها يعد معجزة.
الإهمال
تعرضت منارة الحدباء للانهيار عبر مراحل التاريخ بسبب الإهمال، وفي عام 1981 قامت شركة إيطالية بمحاولة لتثبيتها، علماً بأن القصف على الموصل في فترة الحرب العراقية الإيرانية كسّر بعض أنابيب المياه تحت الأرض، وتسبب في تسرب أدى إلى إضعاف بنية المنارة، مما زاد ميلان المئذنة منذ تلك الفترة بنحو 40 سم.
وفي عملية أخرى حاولت وزارة السياحة والآثار العراقية ترميم المنارة بضخ كميات من الإسمنت المسلح إلى قاعدة المنارة للحفاظ عليها، إلا أن هذه العملية لم تكن أكثر من حل مؤقت.
وأكد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم 22 يونيو/حزيران 2017 أن جامع النوري ومنارة الحدباء تم تفجيرهما من طرف تنظيم الدولة الإسلامية.
ويحمل جامع النوري رمزية كبيرة بالنسبة لتنظيم الدولة، حيث أعلن زعيمه أبو بكر البغدادي من منبره صيف 2014 قيام ما سماها “الدولة الإسلامية في العراق والشام” على أراض واسعة من سوريا والعراق.

المصدر: الجزيرة نت + وكالات




صـورة الإســلام والمسلمين فـي المتخيّـل الأوروبـي فـي القرون الوسطى

download

 

مقدمة

اختزنت الثقافة الغربيّة منذ القديم تصوّرات عن الإسلام والمسلمين تعود إلى بداية ظهور الدعوة، وما تبعها من تمدّد الدين الجديد في الشرق البيزنطي (مصر وبلاد الشام) ومن ثمّ إلى القارة الأوروبية، بعد اكتساحه لشبه الجزيرة الأيبيريّة وتهديده ببسط النفوذ على جنوب أوروبا.

وإنّ استشعار الخطر القادم من الشرق قد دفع مؤرّخي الغرب الأوروبي إلى الترويج لفكرة تقوم على اعتبار ظهور الإسلام، غضبا إلهيّا مسلّطا على عالم مسيحي لم يعد متمسّكا بدينه، وقد نهض المؤرّخون البيزنطيّون بالخصوص، بمهمّة التسويق لهذه الفكرة، حيث قاموا بدور بارز في تدعيم الجهل بالإسلام وعقيدته، وعملوا على تغذية المخيال الأوروبي – على المستوى النفسي- بكمّ كبير من التشويه عن الإسلام ونبيّه[2]

ولعلّ تأصّل هذه الفكرة في الذهنيّة الغربيّة قد أوجد سيكولوجيّة عامّة كارهة للإسلام وأهله، تراه عدوّا لا سبيل إلى التعامل معه، باعتباره دين عنف وقسوة ودمويّة[3].

هكذا، ومنذ البدء يتضح أثر التراكمات التاريخيّة في تشكيل طبيعة العلاقة بين المسلمين والنصارى، وفق صور نمطيّة رسمها كل طرف للآخر، تعود جذورها إلى فترات زمنيّة سابقة بلغت مداها مع الصليبيّات، وعبّرت عن نفسها بوضوح أكثر من خلالها.

وإنّ استقراء هذه الصور النمطيّة وتفكيك أبعادها قد مكّن من فهم لحظة الصراع بين الطرفين، وهي لحظة فارقة في التاريخ الوسيط، بحكم ما ترتّب عليها من نتائج، لعلّ أهمّها تراجع الحضارة العربية الإسلامية وانحراف مسار التطور الحضاري منها إلى الغربي المسيحي من جهة، كما مكّنت من النبش في الذاكرة لربط هذه الصور (لدى الجانب الأوروبي تحديدا) بالمرجعيات والروافد التي منها تغذّت من جهة ثانية.

1- الصورة النمطيّة للإسلام والمسلمين في المخيال المسيحي:

لقد وجد الغربيون على مدى العصور الوسطى في الإسلام والمسلمين مادة خصبة، حبّروا في شأنها الكثير، كثرة ساهمت في إيجاد نموذج نمطيّ متخيّل، بات من ثوابت التوجّه المسيحي لا يتزحزح عنها، وقد يعود هذا إلى أنّ الأوروبي، كما صرح برنارد لويس Bernard Lewis “هو الأكثر تعصّبا تجاه المسلم”[4]. وحَسْبُنا قراءة متأنية لمدوّنات المؤرّخين والرحّالة المسيحيين ممّن عاصروا الحروب الصليبية لنقف على استنتاج مهم، وهو أنّ هذه المدونات أو أغلبها، صادرة عن شعور بالعداء للطرف المسلم، فجاءت متخمة بالنعوت المنفرة من المسلمين من قبيل وصفهم بـ”الجنس الشرير” و”أعداء الله” و”البرابرة الوثنيين” و”القتلة” و”سفاكي الدماء” و”أتباع الشيطان”[5] و”الأمم النجسة”[6] وغير ذلك من العبارات التي زخرت بها قواميس القذف والشتم في تلك المرحلة.

إن هذه اللهجة المتشنجة لا يمكن أن تكون وليدة الفترة الصليبية وحدها، بل هي رجع لصدى الماضي الذي يعود بنا إلى بداية تشكّل الظاهرة الإسلامية، وصور التعامل المسيحي معها. فعندما تحوّل العرب من الوثنية إلى الإسلام في القرن السابع الميلادي لم تكن أوروبا في بادئ الأمر، تلحظ ذلك التحول، ويبدو أنه لم تطرح إلا أسئلة قليلة عن هذا الدين الجديد وأتباعه الذين اعتبرتهم المسيحية غير مختلفين عن بقية الشعوب البربريّة الأخرى، وأن دينهم لا يتجاوز كونه تعبيرا عن “هرطقة”[7] مسيحية جديدة، ولذلك، فليس ثمة حاجة تدعو إلى المزيد من المعلومات عنهم في هذا الوقت المبكر[8].

لقد اختزلت خطبة البابا “أوربانوس الثاني”Urbanus II (1042-1099) في مدينة “كليرمونت” الفرنسية سنة 1095م[9] الصورة التي يحملها المخيال المسيحي عن الإسلام والمسلمين، وهي صورة تشكلت بالتدريج عبر الزمن حتى اكتملت أبعادها عشية الحادثة الصليبية، وقد كان من الضروري تبسيطها وإعطاؤها طابعا نمطيا عدائيا، مع تنامي الحاجة إلى إشباع نفسي لدى الشارع الغربي الذي وقعت تعبئته بشكل أصبح معها راغبا في صورة تبيّن الصفة الكريهة للإسلام، عن طريق تمثيله بشكل فجّ على أن تكون في نفس الوقت مرسومة بشكل يرضي الذوق الأدبي الميّال إلى كل ما هو غريب مستهجن.

وهكذا، حدث أن الكتّاب اللاتينيين الذين أخذوا على عاتقهم بين العام 1100 والعام 1140م إشباع هذه الحاجة لدى الإنسان الغربي، قد عمدوا إلى توجيه اهتماماتهم نحو إطلاق أوصاف عدائية على المسلمين، تنتمي كلها إلى معجم القذف والشتم والسخرية مثل “السراقنة[10] Saracens” و”الوثنيين Pagans” و”الكفار Infidelss” و”المحمديين Mouhammadanss” … إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف التي لم يرد ضمنها على الإطلاق لفظ “المسلمين Musulmans”.

و لقد قدّر لهذه الصورة أن تتجاوز حدود التدوين التاريخي، لتصبح مادة مطلوبة لكثير من الأعمال الأدبية الفلكلورية والقصص البيزنطيّة، هدفها الوحيد إثارة اهتمام القارئ بالعرض المشوّه للعقيدة الإسلامية، بل إن الملاحم قد وصلت – في علاقة بهذا الهدف – إلى أعلى ذرى الابتكارات الخياليّة، فقد اُتُهم المسلمون بعبادة الأوثان، وكان محمد في عرف تلك الملاحم صنمهم الرئيسي، واعتبره معظم الشعراء البيزنطيين كبير آلهة المسلمين، تقام له تماثيل ضخمة تصنع من مواد غنية وذات أحجام هائلة[11] ولدينا وصف معبّر للمسلمين، رسمته كلمات المؤرخ الصليبي فوشيه دى شارتر Foucher De Charters (1055/1060-11277) الذي كان شاهد عيان لمعظم أحداث الحملة الصليبية الأولى، وهو وصف معبر عن رؤية المصادر الغربية عموما في ذلك الوقت المبكر من أدوار الصراع الصليبي الإسلامي، يقول: “كانوا (ويقصد المسلمين) يبجّلون معبد الرب تبجيلا عظيما ويفضّلون تلاوة الصلوات فيه، غير أن هذه الصلوات كانت تضيع سدى لأنها تقدّم إلى صنم أقيم هناك”[12].

والثابت أن هذا المؤرخ قد خلط بين الاحترام الذي كان المسلم يكنّه لمسجد قبة الصخرة (معبد الرب في التسمية الصليبية) وبين العبادة فيه بإقامة الصلوات، وتلك مغالطة، الغاية منها التشويه الذي جاوز حدّه، بتعمد الطرف المسيحي الترويج لفكرة أن المسلمين لم يكن لهم دين يدينون به، من ذلك إشارة فوشيه دي شارتر سالف الذكر والذي ردد في أكثر من موضع في كتابه “يا له من عار على المسيحيين أن يلومنا مَنْ لا دين لهم على ديننا”[13] كما نستحضر قوله في حيّز آخر “يا له من عار إذ قام جنس خسيس مثل هذا الجنس (يقصد المسلمين) جنس منحلّ تستعبده الشياطين بهزيمة شعب يتحلّى بإيمان عظيم”[14].

إن هذه القسوة التي تميز بها المسيحيون في الأدوار الأولى من الحروب الصليبية تعبير عن المستوى الحضاري المتعصب الذي عاشه مجتمع أوروبا في تلك المرحلة، حيث تمّ شحذ أذهان الناس بأن المسلمين ليسوا أهل دين وما محمد نبيهم إلا “ذاك الشخص المثير للجنون، وعد أصحابه بالملذات الحسية من مأكل وجنس…وحتى كلامه عن قوى روحيّة لم يستند إلى وقائع برهانية قويّة، بل هي ثرثرات يفندها العقل البشري البسيط…ما هو إلا شخص جاب بسيفه كاللصوص ربوع الصحراء، حيث خشيته الشعوب هناك، مستهزئا بقصص وثرثرات ما قبل النوم المأخوذة من حكايات العهد القديم”[15].

ولم تكتف المخيلة المسيحية بتضخيم عقيدة المسلم وتشويه سلوكه ونمط حياته، بل أضافت إلى ذلك اعتبارات سيميولوجية تتعلق بلونه وهيأته، إلى درجة كثفت فيها صورة المسلم في العصر الوسيط مخاوف اللاوعي الجمعي المسيحي لإنتاج ردود فعل رافضة للإسلام في كليته، وخلق شروط التعبئة النفسية لمحاربته.

تلك تصورات نراها مزيجا بين العنصرية والانغلاق على الذاتية تجاه الآخر، معتنقي عقيدة محمد وقد تم تصويرهم على أنهم أناس أغبياء يعيشون في الفيافي يتقاتلون فيما بينهم، جاهلين بعقيدة الرب المسيحي.

والواقع أن هذه الصورة التي تمثلتها أذهان العامة من المسيحيين رجع صدى للدعاية المحمومة التي قادتها البابوية أثناء الحروب الصليبية، على أن أخطر ما فيها إسهامها في تأبيد الموقف النافر من الإسلام والمسلمين حتى أيامنا هذه. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن مرجعياتها اعتبارات دينية محضة، أو مدّ وجزر عسكريين فقط، لأن المدى الزمني الطويل الذي تشكلت فيه هذه الصورة لم يكن خاضعا لحسابات المؤسسة الكنسية وحدها وهو ما يفسّر عدم قدرة المخيلة الغربية، وربما عدم رغبتها في تجاوز الأحكام المسبقة عن الإسلام والمسلمين، رغم الاقتناع بحجم التشويهات التي اتصفت بها.

2- الروافد والمرجعيات:

في العصور الوسطى، استثمر الغرب المسيحي كل الوسائل الكفيلة بتكوين متخيل جمعي يعلي من شأن الذات، ويقدم الآخر في أشكال منتقصة شيطانية، محفزة على الإيمان بعدوانيته وشراسته إلى الدرجة التي يصل فيها الاعتقاد بأن مواجهة الإسلام “حرب على الظلام قصد إشاعة الأنوار”[16].

وسواء أكانت هذه العملية “إيديولوجيا” أو “دعاية” فإن ما أثار الانتباه عند الباحثين المهتمين، استعمالهم الكبير لقاموس المتخيل أو المخيلة، أو الإدراك، أو الصورة النمطية، وهو ما يضعنا مباشرة في قلب الإشكالية التي تحركنا منذ البداية باعتبار ما للمتخيل من دور حاسم في تشكيل النظرة الغربية القروسطية للإسلام والمسلمين. فإذا كانت الحضارات تنتصر – كما يزعم فرنان بروديل Fernand Braudel (1902-1985) لأنها تعرف كيف تمارس كراهيتها للآخرين، فهل يصحّ القول حينئذ، بأن التشويه الذي تعرض له الإسلام من طرف الأوروبيين عبّر عن حاجة ضروريّة “للتعويض عن شعورهم بالنقص”[17]. بمعنى هل أن التعبئة المسيحية حين قرنت الإسلام بالظلام والمسيحية بالنور، زرعت في الوجدان المسيحي الشعور بضرورة الانتصار على النقص لهزم الظلام الإسلامي؟ الجواب في هذه الحالة، أنه مهما كانت قوة الإسلام والمسلمين فإن المسيحيين من جهتهم قد ترسّخت لديهم القناعة بتفوقهم بفضل دينهم[18] ومن ثم فإن الصورة المشوهة عن الإسلام يتعين النظر إليها بأنها “إسقاط للجانب المظلم في الشخصية الأوروبية”[19].

إن التصور المسيحي للإسلام، أو ما يمكن لنا التعبير عنه بالوعي الضدّي بالآخر جاء نتاج الأدبيات التي وضعها رجال الكنيسة، وعلماء الكلام، والمؤرخون، والدعاة، لسبب بسيط وهو أن الرهبان والكهان وموظّفي الكنيسة الكبار هم الذين يدعون امتلاك مفاتيح المعرفة، وبعهدتهم وحدهم تناط تربية المؤمنين بكتاباتهم ودعواتهم[20].

في هذا السياق يشير “أليكسي جورافسكي Alex Georavsky” إلى أن تعرّف أوروبا على الكتابات الدينية والجدليّة المناهضة للإسلام قد مرّ عبر النموذج البيزنطي بالدرجة الأولى[21]، أي أنه مهما كان دور المسيحيين الشرقيين في التمهيد لعناصر الصورة المسيحية عن الإسلام فإن الوساطة البيزنطية أعطت لكثير من هذه العناصر بعدا ينشّط المخيلة ويحرّك الوهم أكثر مما يستدعي النظر العقلي الهادئ. وإن الإطار المرجعي لهذه الوساطة البيزنطية تمثله الأعمال التي تركها يوحنا الدمشقي John de Damas Jean Damascéne /(676م – 749م)[22] وكان الإسلام موضوعا لها.

● مقولات يوحنا الدمشقي رافدا من روافد المتخيّل:

لئن كانت نشأة يوحنا الدمشقي في بيئة عربية بيزنطية وإسلامية، فإنه ساهم بقدر مهم في إثراء الجدل الكلامي بين الإسلام والمسيحيّة، وإضفاء نوع من “العقلنة” على نمط المناظرة الذي دار حول قضايا لاهوتية بين علماء الكلام المسلمين وعلماء اللاهوت المسيحيين.

غير أننا نشير إلى أن يوحنا الدمشقي ساهم بشكل تأسيسي في رسم بعض ملامح المسلم، ذلك أنه حاول التشكيك بكون الإسلام دين إبراهيم من خلال وصفه المسلمين على نحو لا يخلو من مخاتلة بـ “السرااقنة”، فهو أول كاتب بيزنطي استخدم هذا التشويه الإيتمولوجي لأغراض الجدل العنيف وتحفيز الذاكرة، كما وصف المسلمين بـ “المفسدين”، وصوّر من جهة ثانية النبي محمدا على أنه واحد من “أتباع بدعة أريان” وبأنه استقى من الآريانية[23]Arianismee العقيدة التي تفيد بأن “الكلمة” و”الروح” لا يعدوان كونهما مخلوقين لله، واقتبس من النسطوريّة Nestorianisme[24] ما يتعلق بعدم تأليه الابن المتجسّد[25]، كما اعتبر يوحنا القرآن نتاجا “لأحلام اليقظة” والنبي محمدا “شخصا مضللا” وينتقد بقوة ما يعتبره “معاملة لا تليق بالنساء من قبل المسلمين”[26] ثم ينتهي معددا أهم الممارسات والمحظورات في الإسلام على الشكل التالي: الختان، عدم اتخاذ يوم السبت للراحة والعبادة، إلغاء المعمودية، إحداث تغيير في محرّمات الطعام ومنع شرب الخمر[27]. وبغض النظر عن التأثير الذي كان ليوحنا الدمشقي على المناخ الجدلي الكلامي الإسلامي، أو عن انتمائه “السامي” و”ثقافته السوريّة” أو حتى الاحترام الذي تمتع به من قبل المسلمين والمسيحيين، فإن هذا الرجل في نظر بعض الباحثين قد ناقش الإسلام “باعتباره بدعة”[28] بل إن “التصورات المتكونة عن الإسلام كبدعة مسيحيّة مرتدّة ومنشقّة، وعن محمد كنبيّ مزيّف انتقلت من سوريا إلى البيزنطيين ومنهم إلى الأوروبيين عبر شخصه”[29].

إن المتخيّل المسيحي في الزمن الوسيط قد بلور الصورة التالية عن الإسلام: “إنه عقيدة ابتدعها محمد، تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنه دين الجبر والانحلال الخلقي والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة”[30].

يُرجع الدارسون عنف الأحكام المتخيلة على الإسلام إلى طبيعة الشغف الإسلامي وما تولد عنه من إرادة القوة المتطلعة إلى انتزاع مناطق شاسعة من السيطرة المسيحيّة. ولم يمنع احتكاك المسيحيين الشرقيين بتحولات الواقعة الإسلامية وبنصوصها التأسيسيّة حرص الوساطة البيزنطية على تنشيط متخيل عدائي للإسلام أفضى إلى تكوين الصور النمطية المؤسسة للوعي واللاوعي المسيحي طيلة الزمن الوسيط”[31]

لقد خضعت هذه الصور النمطية إلى تطور خاص، تبعا لسيرورة المد الإسلامي، ولطبيعة النزاع الذي شهدته المنطقة المتوسطية وما جاورها بين الإسلام والمسيحيّة. ويجمع الباحثون على أن الإدراكات والصور الأولى التي كونتها المخيلة المسيحية عن الإسلام كانت باهتة وغامضة ولا تستند – باشتثناء حالات قليلة محددة مثل حالة يوحنا الدمشقي – إلى اطّلاع ومعرفة كافية بأصول الإسلام ونصوصه التأسيسيّة.

وفي كل الأحوال، فإن المسلمين شكلوا – ولمدة طويلة – بالنسبة إلى الغرب المسيحيّ “خطرا قبل أن يصبحوا مشكلة”[32]. وضمن جدلية المد والجزر هذه، والاحتكاك العنيف أحيانا، بدأت الصور المسيحية عن الإسلام تتحدد أكثر، دون أن يعني ذلك اقترابها أو مطابقتها للوقائع. فكلما توغّل الإنسان عميقا للبحث عن الأصول المباشرة لهذه الصور إلا صعب عليه التمييز بين ما هو واقعي وما هو متخيّل، بل إن البعد الأسطوري لهذه الصور يغدو حاسما في إعادة إنتاجها وتكريس معانيها في أعماق اللاوعي الجمعي، خصوصا أنها تعلقت بمنظومة دينية وثقافيّة تحمل كل عناصر الضدية بالنسبة إلى المسيحيّة.

إن ارتباط نمط الإدراك بالخلفيّة الدينية ينشّط لا محالة آليات المتخيل، ويجعل البعد الأسطوري يعيش حياة خاصة يغدو فيها الواقع بعدا يصعب القبض عليه، بل تصبح للأسطورة وظيفة تفسيرية لا يهم فيها إن كانت صائبة أو خاطئة، تعكس الواقع أو تشوّهه “مادامت قدرتها على التمثل تفرض ذاتها على الذاكرة الجمعيّة، وتجثم بكل ثقلها الواقعي على المستقبل.

هكذا، تساهم الأسطورة في تأسيس سلوكات في العمق، وبهذه الصفة تغدو مشاركة في الواقع[33].

3- مضامين الرؤية المسيحيّة القروسطية للإسلام:

نشير بدءا إلى أنّ العنف المتخيل والقسوة في الحكم على الإسلام والمسلمين قد استدعته شروط تنظيم الهجوم المضاد المسيحي على المد الجارف للتوسع الإسلامي، وهو تمدد كاسح شكل أكبر تهديد للوجود المسيحي في البحر الأبيض المتوسط، بل إنه أحدث قطيعة حاسمة بين المرحلة الرومانية التي كانت ترى في المتوسط مركز العالم والفضاء الاستثنائي للمسيحيّة وبين واقع جديد أعطى للعلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي أبعادا عميقة في العقل والوجدان، مما جعل المؤسسة الكنسيّة تشعر بحسرة لا متناهية على فقدان وحدتها الجغرافيّة والروحيّة.

وضمن هذا السياق، تندرج الحرب الرمزية والنفسية من خلال الانتقاص من كل مظاهر الواقعة الإسلامية نصوصا ونبيّا وحضارة وإنسانا، لإعادة بناء الوعي المسيحي بالذات، في سياق خلق صور قدحيّة للآخر، قصد التعويض عن الفقدان الكبير الذي أحدثه الإسلام في منطقة تعتبرها المسيحية مجالا حيويا منذ القديم. ولذلك عملت الظاهرة الصليبية بمراحلها المختلفة على “تكثيف الصور الأولى التي كونتها المسيحيّة الأوروبية عن الدين المنافس”[34]، وقد نجحت في ذلك إلى أبعد مدى لصدورها عن تأويلات وأخبار مغرضة ضد الواقعة الإسلامية تعكس بشكل ما، ذلك الشعور العميق بما سماه فرنان بروديل الكراهية.

إنّ أبعاد الصورة النمطيّة المشوّهة تمتدّ لتلامس أفقا تخييليا رحبا لم يضق به الوجدان المسيحي، بل استوعبه وتَمثَّله بشكل أرضى في داخله نزعة الحقد والتشفي. ونقتصر في عرضنا لهذه الأبعاد المشكلة لتلك الصورة على المسلّمات التالية:

  • الإسلام دين الوثنية: نسج الغرب المسيحي في الزمن الوسيط خطابا حول الإسلام تداخلت فيه المعلومة المنتزعة من سياقها وواقعها بالخيال المتدفق بالميل المقصود إلى التشويه، وتقديم الإسلام بكل الأشكال المتناقضة مع ماهيته وأصوله. ففي الوقت الذي نجد فيه الإسلام يتأسس على التوحيد قاعدة دينيّة ثابتة، نجد الخطاب المسيحي مراهنا على الترويج لما هو مناقض لهذه القاعدة بالذات، من خلال الادعاء بأن الإسلام ديانة وثنية تدعو إلى التعدد، ومؤسسها دجال وساحر ومنشقّ، وفي كل الأحوال لا يمكن أن تنطبق عليه صفات النبوة المشكوك فيها أصلا، لأن القول بأن محمدا أرسل إلى الناس لتصحيح التحريف الذي طرأ على اليهوديّة والمسيحيّة، وبأن كل ما هو جيّد في الإنجيل موجود في القرآن قول باطل لأن ذلك ينمّ عن “ادّعاء وجنون أكيد”[35].
  • الإسلام دين العنف: هو دين شعاره السيف والحرب والقتال، وهي صفات تمثل النقيض المباشر للمسيحيّة، إذ المسلم يتقدم إلى مساحة الإدراك المسيحي الأوروبي باعتباره رجلا محاربا، شرسا، متوحشا، يقوم بكل أنواع النهب والتنكيل خالقا بذلك وراءه تعاسة وشقاء لا يوصفان، فيصبح المسلم ممثلا لكل التعبيرات العدوانية، يحركه ميل قويّ للقتل حتى أصبحت القوة عنده، وعلى نطاق عام تقريبا، عنصرا مؤسسا للديانة الإسلامية وعلامة بديهية على الضلال[36].
  • الإسلام دين الشبقيّة: عمل رجال الكنيسة المسيحيين على بناء سيرة ذاتية للنبي محمد خاصة بهم، لعبت فيها المخيلة دورا حاسما في إنتاج الصور واختلاق الأخبار بدمج بعض التفاصيل القريبة من الصحة في قالب متخيل يجعل من التهويل والتضخيم قاعدة له، ومن توليد النفور والرفض غايته. فالنبي محمد عندهم رجل “شبقي” ينغمس في عوالم اللذة بشكل عبثي، يقول بتعدد النساء وبالتمتع بالحياة معهن، وفي العرف المسيحي الداعي إلى الورع والتقشف والتعالي عن اللذات والامتناع عن الزواج يمثل هذا السلوك قمة التفسخ والانحلال الأخلاقي، وهو ما استغله المسيحيون في كتاباتهم للتشكيك في نبوة الرسول، من منطلق إدراكهم بأن التحامل عليه، بما لم يثبتوه فيه بالدليل، أحسن وسيلة لنسف الإسلام، وتدمير صدقية رسالته، وزرع الشك لدى معتنقيه الذين يبقى الأمل في مشروعا تبشيريا قائما.

ولاستكمال المشهد، التجأت المخيلة المسيحية الغربية إلى استثمار كل أشكال التجريح والدعاية، وفي هذه الصورة كما في الصورتين السابقتين ينشط المتخيل بشكل لا حدود له قياسا إلى واقعيّة الأمور.

لقد نُعت المسلمون بكونهم يمارسون الشذوذ الجنسي، ولا يتورعون في جعل الجنس مسألة حيوية في علاقاتهم ووجودهم، وهذا ما يعبّر عن ضعفهم وعجزهم أمام غرائزهم وأهوائهم، فكيف لنبي ولمن اتبعه أن يدّعي الإتيان بمشروع إلهي وهو غير قادر على الترفع عن غرائزه البسيطة، والتحرر من إغراءات اللذة والحياة العابرة؟

خاتمــة:

إن الخطاب المؤسس للنظرة المسيحيّة للإسلام في القرون الوسطى ارتهن بقاموس لفظي كان فيه للوهم والمتخيل دور حاسم، فالوعي الضدّي بالآخر والإدراك القويّ للمنافسة، وما يفترضه ذلك من الاحتفاظ بالوجود ولّدا لدى المؤسسة الكنسيّة الشعور بضرورة القيام بردّ الفعل، فالتجأت من أجل تحقيق ذلك إلى كل الوسائل لشحن المتخيل الجمعي بالصور المضادّة للحقيقة المسيحية، سواء أقدمت هذه الصور في أشكال متخيلة تشوّه الإسلام باعتباره عقيدة، أو صورا كاريكاتوريّة تضخّم بعض الجوانب الواقعيّة، وتصوغها في قالب لا أخلاقي منفّر أو في صور انتقائيّة تجعل من بعض المواقف الإسلاميّة، ولا سيما في موضوع الجنس فرصة للتهويل لإنتاج ردود أفعال رافضة لهذا الدين، وخلق شروط التعبئة النفسية والمعنويّة لمحاربته.

 


([1]) نشر في ملف بحثي بعنوان “الاسلام في الغرب”، إشراف بسّام الجمل، تنسيق أنس الطريقي.

[2] محمد الدعمي: “تحيّز الغرب لتصوراته في قراءة الإسلام” مجلة الكلمة، العدد23، السنة السادسة، 1999. (من الموقع الإكتروني للمجلة).

[3] أليكسي جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة: خلف محمد الجواد، سلسلة عالم المعرفة، طبعة الكويت 1996، ص 87. وتعتبر الدراسة من أفضل ما كتب عن تطور الرؤية الأوروبية للإسلام في العصور الوسطى.

[4] برنارد لويس: “اكتشاف المسلمين لأوروبا” ترجمة وتقديم: ماهر عبد القادر محمد، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1996، ص 49

[5] منى حماد: “صورة المسلمين في المصادر اللاتينية للحملة الصليبيّة الأولى” مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد13، عدد1، 1997، ص 259

[6] وردت هذه العبارة في خطبة البابا أوربانوس الثاني في مؤتمر كليرمونت المدينة الفرنسية سنة 1095، وهي خطبة اكتست بعدا حماسيا لاهبا الغاية منها تعبئة المسيحيين وتحفيزهم على محاربة المسلمين تخليصا للقبر المقدس/ للمزيد: أحمد الشامي، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، ط11، دار النهضة العربية، القاهرة 1985، ص 192

[7] الهرطقة: يطلق عليها أيضا لفظ الزندقة، وهي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرّة وخاصة الدين بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء منها بما يجعلها بعد التغيير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه هذه الهرطقة، وقد نشأت الهرطقة مفهوما في السياق المسيحي لكنها تنطبق في سياقات مختلف العقائد الدينية منها أو غيرها، وفي الإسلام تستخدم الزندقة أو البدعة للدلالة على ذات المعنى في سياق الجدل الكلامي بين مختلف الفرق.

[8] أول من بحث في هذا الموضوع هم المسيحيون الإسبان، وهي ريادة تحسب لهم لأسباب بديهية وهي أن سيطرة المسلمين على شبه الجزيرة الأيبيريّة دفعت هؤلاء الباحثين إلى إخضاع هذا الدين ومعتنقيه إلى الدراسة والتمحيص.

[9] اجتمع المجلس التاريخي بمدينة كليرمونت في مقاطعة أوفرني الفرنسية في نوفمبر من العام 1095م، وألقى البابا أوربانوس الثاني خطبة حماسية لاهبة عدّها بعض المؤرخين الأعظم في تاريخ العصور الوسطى، غايتها التعبئة والحشد لزحف صليبيّ مقدّس قصد تحرير أماكن الحج المسيحي من سيطرة المسلمين، ونقتطف من كتاب “قصة الحضارة” بعض ما جاء في هذه الخطبة: “على مَنْ إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم، أنتم مَنْ حباكم الله أكثر من أي أقوام آخرين بالمجد في القتال وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس مَنْ يقفون في وجوهكم، ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوّي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم…فليثر همتكم ضريح المسيح المقدّس، ربَّنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدّسة التي لُوّثت ودُنِّست …” لمزيد الاطلاع على ما ورد في نص الخطبة آنظر: وول ديورانت: “قصة الحضارة”، طبعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بيروت/ تونس 1998

[10] كثرت الآراء والاجتهادات في العصر الحديث حول تفسير معنى السراقنة والمقصد منها، فقد أرجعها البعض إلى أنها تعني “عبيد سارة” في إشارة إلى أن المسلمين هم من نسل هاجر زوجة النبي إبراهيم الثانية وكانت أَمَةً لدى السيدة سارة زوجته الأولى.

[11] محمد مؤنس عوض: “الرحالة الأوروبيون في مملكة بيت المقدس الصليبيّة”، ط1، شركة دار الإشعاع للطباعة، القاهرة 1992، ص 57

[12] المرجع السابق، ص 103

[13] محمد مؤنس عوض: مرجع سابق، 104

[14] المرجع نفسه والصفحة نفسها.

[15] أحمد الشامي: “تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في القرون الوسطى”، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة 1992

[16] W.Montgomery Watt; L’Influence de L’Islam Pour L’Europe Médiévale, Ed. Librairie Orientaliste Paul Genthmer; Paris 1974; P97.

[17] Ibid; P97.

[18] Ibid. P97.

[19] ibid. P97

[20] Simon Jargy, Islam et Chrétienté; Ed, Labor et Fides, Géneve 1981, P9.

[21] أليكس جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1996، ص 71

[22] يوحنا الدمشقي الملقب بـ” دقاق الذهب” لفصاحة لسانه، ولد باسم يوحنا منصور بن سرجون عام 676م وتوفي سنة 749م، يعتبر آخر آباء الكنيسة الشرقية بإجماع الباحثين، شكلت مؤلفاته مرجعا مهما لجميع لاهوتيّ القرون الوسطى، قضى حياة رهبانية نسكيّة طويلة وشاع نبأ قداسته في المسيحيّة الشرقية مبكرا. لمزيد الاطلاع على حياته وآرائه وآثاره، اُنظر: فيليب حتّي “تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين” ترجمة كمال اليازجي، دار الثقافة بيروت 1983، ص 116

[23] الآريانية، مذهب مسيخي ظهر في القرن الرابع الميلادي على يد كاهن من الإسكندرية اسمه آريوس (256م – 336م) يرى أن يسوع كائن فانٍ، وليس إلها بأي معنى وليس شيئا آخر سوى كونه معلما يوحى إليه، ومن الطوائف المسيحيّة التي تأثرت بهذه العقيدة “الوحدويون” طائفة منشقّة عن المعتقدات التقليدية في الديانة النصرانية، حيث لا تؤمن بألوهية المسيح ولا بالثالوث. ويعدّ آريوس من وجهة نظر الكنيسة الأرثودكسية هرطقيا أو زنديقا شكّل خطرا على العقيدة المسيحيّة طوال القرون العشر الأولى من تاريخ المسيحيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: نهاد خيّاطة: “الفرق والمذاهب المسيحيّة حتى ظهور الإسلام”، دار الإوائل، دمشق 2002، ص 81

[24] النسطوريّة: نسبة إلى “نسطور” بطريرك القسطنطينية، وهي العقيدة القائلة بأن يسوع المسيح مكوّن من جوهرين يعبّر عنهما بـ “الطبيعتين” وهما جوهر إلهي هو الكلمة وجوهر إنساني بشريّ هو يسوع نفسه، وحسب النسطوريّة لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشريّة والإلهية في شخص يسوع المسيح، بل هناك مجرد صلة بين الإنسان والألوهيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: عبد الملك خلف التميمي: التبشير في منطقة الخليج العربي، دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، 1982، ص 81

[25] دانييل ساهاس: الشخصيّة العربيّة في الجدال المسيحي مع الإسلام” مجلة الاجتهاد، العدد28، 1995، ص ص 126- 127

[26] المرجع السابق، ص 128

[27] المرجع السابق، ص 129

[28] أليكس جورافسكي، مرجع سابق، ص 71

[29] المرجع السابق، ص 73

[30] المرجع السابق، ص 75

[31] لم تكن الكنيسة المسيحية منسجمة ولا موحّدة، حيث كانت هناك فوارق عقائديّة ومؤسسية كبرى بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الأوروبية إلى درجة أن زوج “شرق/غرب” كان يعبر عن المسيحية نفسها قبل أن تنهض شروط التعارض بينها وبين الإسلام، ولأن تأويلات مختلفة كانت تعتمل داخل العقيدة المسيحيّة، فإن ما يهمنا نحن هنا هو الصور المشتركة التي أنتجتها المخيلة المسيحية حول الإسلام.

[32] Maxime Rodinson: La Fadcination De L’Islam; Ed. La decouverte, Paris 1989, P35.

[33] تييري هنتش: “الشرق المتخيل، رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي”، ترجمة غازي برّو وخليل أحمد خليل، الطبعة 1، دار الفارابي، بيروت 2004، ص 14

[34] تييري هنتش: مرجع سابق، ص ص 35-39

[35] Norman Daniel: Islam et Occident , traduit par Alain Spiess, Ed Du Cerf,Paris 1993, P49.

[36] Ibid. P 151.

 

المصدر: مؤمنون بلا حدود




المهدي الموعود بين الأديان المشرقية والأساطير الغربية

download

 

محمد يسري

 

سوشيانت.. المسيح.. المنتظر.. الموعود.. المهدي

كل تلك المسميات المختلفة، هي في حقيقة الأمر بمثابة تجسيد لفكرة واحدة، وهي تلك التي تؤمن بأن هناك شخصًا ما سوف يأتي في آخر الزمان ليصحح الأوضاع وينصر أهل الحق على أعدائهم من أهل الباطل.

ونستطيع أن نجد تواترًا عجيبًا لتلك الفكرة على امتداد التاريخ الإنساني في العديد من الأديان الأرضية والسماوية على السواء.

فالكثير من الأديان الشرقية الأسيوية القديمة تبنت فكرة المهدوية وانتظار الشخص الموعود في أدبياتها الأصيلة وكتبها المقدسة، فعلى سبيل المثال تواترت تلك الفكرة في الأديان البوذية والهندوسية والمزدكية، ولعل التجلي الأكبر لتلك الفكرة قد حدث في الديانة الزرادشتية التي انتشرت في بلاد فارس منذ ما يقرب من أربعة آلاف عام، حيث نجد الزرادشتية تبشر أتباعها بمقدم المخلص المعروف بـ «سوشيانت» الذي سيخلص البشرية من الكبت والحرمان ومن ضغوط الحكام الذين يسعون في الأرض فسادًا[1]، وقد تمت الإشارة إلى ذلك الموعود في عدد من  كتب الديانة الزرادشتية المقدسة، ومنها (كتاب أوستا – كتاب زند – كتاب رسالة جاماست).

أما في الديانة اليهودية، فإن الدارس للعهد القديم سوف يلاحظ أنه لا توجد إشارة واحدة واضحة أو صريحة تشير إلى انتظار مخلص منتظر عند اليهود في أسفار التوراة الخمسة[2]، وان كان هناك عدد من التأويلات المسيحية التي ترى أن عددًا من النصوص في العهد القديم ترمز إلى المخلص، ومن ذلك ما ورد في سفر التكوين حول «شيلون» الذي سيأتي وتخضع له شعوب، حيث تم تفسير كلمة شيلون بمعنى حاكم السلام[3].

وكذلك فقد وردت بعض الإشارات في سفر إشعياء[4] تلمح إلى أنه سوف يأتي زمن يقضي الله فيه على كل الجور والظلم الموجودين في العالم[5].

ومع مرور الوقت وازدياد الاضطهاد الواقع على شعب بني إسرائيل من القوى العظمى التي احتلت فلسطين وأخضعتهم مجبرين لسلطانها، ظهرت فكرة ترى أن أحد أبناء داود الملك سوف يظهر ويحرر العبرانيين من الظلم والجور الواقعين تحته، وأنه سوف يقيم ملكًا عظيمًا، وتم تخليد تلك الفكرة في كل من التلمود والمدراش[6].

ويرى العديد من الباحثين أن فكرة انتظار ملك مخلص من نسل داود هي فكرة فارسية الأصل، وأن اليهود قد اقتبسوها من الديانة الزرادشتية[7].

وبما أن اليهودية لم تهتم بالحياة الأخروية أو مسألة البعث والنشور بعد الموت، فإننا نجد أن المسيح المنتظر في العقيدة اليهودية كان يتم تخيله باعتباره ملكًا قويًا بيده سلطان يستطيع به أن يحقق السعادة والخير لبني قومه على الأرض في حياتهم، ولذلك السبب لم يتقبل اليهود أي شخص يدعي أنه المسيح دون أن تكون معه قوة كافية لتحقيق الملك والسيادة.

ولعل حالة (المسيح عيسى بن مريم) من أكثر الحالات التي تدل على ذلك، فقد رفض اليهود تصديق كونه المسيح المنتظر فناصبوه العداء واتهموه بالكذب، ذلك لأنهم كانوا ينتظرون ملكًاً قويًا يقيم دولتهم ويعيد بناء هيكلهم، فإذا بهم يجدون رجلا مسالما ينزع الى الإصلاح والتطهر دون أن يتخذ مسالك القوة والعنف.

وعبر التاريخ اليهودي الطويل، نجد أن الكثير من اليهود قد ادَّعوا أنهم هم أنفسهم المسيا أو المسيح المنتظر، ومنهم: ثيوداس – يهوذا الجليلي – بركوكبا – شبتاي صبي – يعقوب فرانك[8].

أما بالنسبة للدين المسيحي، فهناك اعتقاد بأن السيد المسيح سوف يعود مرة أخرى إلى الأرض حتى يقوم بمحاسبة البشر على ما ارتكبوا من أفعال؛ فكما ورد في إنجيل متى:

إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ يجازَى كل واحد بحسب عمله.[9]

وتعرف تلك العقيدة بـــ «باروسيا»، أي المجيء الثاني أو الظهور الثاني للمسيح. وكما هو واضح، فإنها تختلف كثيرًا عن فكرة قدوم المسيح في اليهودية، فبينما ترى اليهودية في مقدم مسيحها سبيلا لتحقيق السيادة والملك في الدنيا، فإن المسيحية تعتقد أن مقدم المسيح ما هو إلا مقدمة لنهاية العالم.

فإذا ما تركنا الأديان المشرقية بكل ما تحمله من طقوس مبطنة ورموز غامضة، وولينا وجهنا ناحية الغرب الأوروبي، فإننا لا نستطيع أن نزعم أن فكرة المهدية قد ظهرت فيه بشكل كامل أو واضح، ولعل ذلك بسبب ميل الشرق إلى الروحانيات والبواطن في الوقت الذي اتجه فيه الغرب للعكوف على دراسة الماديات والظواهر، ولذلك نجد أنه بينما كانت الفلسفة والمناهج العلمية التجريبية منتجات غربية صرفة، كانت الحكمة والتصوف والعرفان، في الوقت ذاته، ثمار أصيلة للحضارات المشرقية.

ويشرح الدكتور أحمد أمين سبب عدم ظهور فكرة المهدية عند الغرب، بقوله:

إن فكرة المهدية قد سادت الشرق أكثر مما سادت الغرب؛ لأن الشرقيين أكثر أملا وأكثر نظرًا للماضي والمستقبل، والغربيين أكثر عملا وأكثر نظرًا إلى الواقع، فهم واقعيون أكثر من الشرقيين؛ ولأن الشرقيين أميل إلى الدين، وأكثر اعتقادًا بأن العدل لا يأتي إلا مع التدين.[10]

ولكن على الرغم من ذلك، فإن بإمكاننا أن نجد بعض الأفكار والإشارات والإرهاصات الغربية التي ظهرت فيها بعض الجوانب المكونة لنظرية المهدية المشرقية؛ من أهم تلك الإشارات، ما تواتر في الميثولوجيا الإغريقية القديمة عن تنبؤات وتوقعات مستمرة بظهور عدد من الأبطال الذين سوف يغيرون من مصير مدنهم وشعوبهم، وارتباط مصير تلك الشخصيات بإقرار حالة من السلام والهدوء عقب تغلبهم وانتصارهم على قوى الشر، من تلك الشخصيات البطل بيرسيوس الذي استطاع قطع رأس ميدوسا، وأقر حالة من الرخاء بعد وصوله للملك.

كما أن العصور الوسطى في أوروبا، قد ذاعت بها العديد من القصص والنبوءات عن الشخص الموعود الذي سيقوم بفعل معين لا يستطيع شخص آخر أن يفعله، ومن ذلك أسطورة سيف الملك آرثر التي انتشرت بشكل كبير في معظم البلاد الأوروبية، وادَّعت أن المنقذ الموعود سوف يكون قادرًا على نزع سيف الملك آرثر من الصخر، وأنه سوف يحكم بعد ذلك ويقود شعبه للنصر.

وكذلك تسربت تلك القصص إلى كتاب «قرون»، الذي يعد أهم كتب ومؤلفات المنجم الفرنسي الشهير نوستراداموس، فقد ورد في ذلك الكتاب في النبوءة التاسعة والعشرين أنه سوف «ينطلق الزعيم الأسيوي من بلده ليعبر ابينين ويدخل فرنسا، وهو سيعبر السماء والأنهار والجبال ويرغم كل بلد أن يدفع الضريبة»، وفي موضع آخر من الكتاب يقول: «من الشرق، سيأتي القلب الأفريقي لإثارة القلق لهادري وورثة رومولوس».

بل إن تلك الفكرة قد بلغت من القوة والتأثير ما جعلها تخرج من حدود الإطار الديني التقليدي، وتقتحم الفكر الحداثي المادي الغربي، حتى أن السينما الغربية قد تناولتها في واحد من أشهر أفلام الخيال العلمي، وهو فيلم «ماتريكس matrix» الذي جسد فيه الممثل الشهير كيانو ريفز، دور (نيو) الذي هو المعادل الموضوعي لشخصية المسيح أو المهدي في الأديان السماوية.


[1] عباس محمود العقاد، توحيد وأنبياء، ص757.

[2] د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي (أطواره ومذاهبه)، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م، ص113.

[3] متى المسكين، تاريخ إسرائيل، ص370.

[4] إشعياء، 1:11-16.

[5] روبن فايرستون، ذرية إبراهيم، ص36.

[6] المرجع نفسه، ص37.

[7] د. أحمد شلبي، اليهودية، ص211.

[8] د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي، ص131-151.

[9] إنجيل متى 16: 27.

[10] د/أحمد أمين، المهدي والمهدوية، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة،1951م، ص6.

 

المصدر: اضاءات




ماذا يمنح الفن فهمنا للدين؟

هل من علاقة بين الإسلام والفن؟
هل من علاقة بين الإسلام والفن؟

في بحثهما عن المعنى، يقدم الدين والفن كلا منهما إلى الآخر معان ووظائف وآفاقا يستدل بها على الصواب والجمال بما هو ارتقاء في الروح، وإدراك للقبيح والحسن والتمييز بينهما، وفي ذلك نجزم أن غياب الفنون التشكيلية والموسيقى والنحت والشعر والقصّ عن عالم الدين سيجعل فهمه قاصرا، بل ويمضي به أتباعه إلى التطرف والقتل والكراهية وأقلّ خطر يمكن أن ينزلق إليه التدين هو القصور والعجز، وأن يكون عبئا على أصحابه! فالفن بما هو يلطف النفس البشرية ويرقى بها، يرقى أيضا بفهم الدين ويرتقي به، ويدفع بالمتدينين ليمنحوا الفن أيضا مجالات وآفاقا جديدة، تقلل من عجزه عن إدراك الفكرة والمعنى والحقيقة..

يستعين الإنسان بالدين والفن لأجل الوصول إلى الصواب، وبإدراكه أن ذلك مثال يكاد يستحيل الوصول إليه، يظلّ محكوما بهاجس أنه يتخذ الأدوات الصحيحة ليصل إلى الصواب، .. والحال أن هذه القدرة هي التي تمنح الإنسان المعنى والارتقاء وليس الصواب بذاته، وبغير ذلك فإن الشخصية الإنسانية تغرق في التفاهة والوصاية، وهذه ببساطة أزمة الإعلام والسياسة والثقافة، فبغير ارتقاء الإنسان بنفسه ستبقى المجتمعات والأفراد ضحية السلع والخدمات والسياسات والأفكار التافهة، فإذا كنا نتحدث عن العجز الثقافي والإعلامي والسياسي عن تلبية احتياجات الناس والارتقاء بها، فإننا في الحقيقة نتحدث عن عجز الأفراد أنفسهم عن الحكم على الواقع وتحديد احتياجاتهم وأولوياتهم، الفن يمنحنا ذلك الحدس الذي يحمينا من التفاهة وبإحلال الفن في التدين؛ فإننا نمضي به إلى المناعة من الخواء والخوف والرغبات والكراهية والغضب ونقص المعرفة.

نحتاج أولا أن نرى الأشياء والأفكار كما هي، وتبدأ الكارثة عندما نعجز عن رؤية الأشياء وفهمها، تماما كمن يحسب السم ماء أو دواء فيشربه، كيف نميز بين الصديق والعدو؟ كيف نقيس نضج الأفكار ومستواها؟ كيف نحكم على السلع والمنتجات والأفكار؟ تلك هي ملكة الحكم التي تنقذنا، والتي للأسف الشديد، لا تمنحنا إياها بنضج وكفاية البيئة المحيطة بنا من التعليم ووسائل الإعلام والحياة اليومية والعمل والعلاقات، بل تزيدها لبسا.

يفترض أن الإنسان لديه ملكة ذاتية في رؤية الواقع والخبرة به، وكلما فسدت هذه الملكة أو ضمرت فسدت الحياة برمتها؛ فالبيوت والمهارات والأطعمة والسلع والعلوم والمعارف والتقنيات والانتخابات والسياسة والإدارة تتكيف مع قدرة الناس على الرؤية والتقييم، فتزداد السلع والخدمات والأعمال في مستواها وجمالها بمقدار فهم الناس أو تفاهتهم، لماذا يشغل تاجر أو مورد نفسه بتقديم أفضل السلع إذا كان الناس لا يميزون بين الفاسد والصالح منها؟ لماذا يشغل صاحب مطعم نفسه بنظافة مطعمه إذا كان الناس غير معنيين بالصحة والنظافة؟ لماذا يؤدي وزير أو موظف عمله على أكمل وجه، إذا كان يستطيع ألا يفعل شيئا من دون أن يغضب أحدا أو يحاسبه أحد أو يعرف أحد ما الصواب والخطأ في عمله وما يجب أن يعمل وما لا يجب.

الفن يمنح الناس المهارات والمواهب والملكات لرؤية الأشياء ووصفها والتعبير عنها؛ فالفن بما هو تشخيص الفكرة المعنوية أو تحويلها إلى واقع محسوس، ويقال على سبيل الطرفة كيف يصف الناس مشهدا أو حادثا، كل من وجهة نظره وطبيعة عمله وشخصيته، فيرون أو لا يرون المشاهد، بالرغم من وجودها ماثلة للعيان والمشاهدة، وتدهشنا قدرة الفنان على ملاحظة التفاصيل وعرضها في لوحة فنية أو عزف موسيقي أو في العمارة أو القصة والشعر، وبسبب غياب الذائقة التي يمنحها الفنّ ويدرب الناس عليها فقد كثير من الناس قدرتهم على رؤية الأحداث والأفكار والأشياء إلا كما توصف أو تسوق، والحال أنه مرض خطير يحتاج إلى علاج وتأهيل، يوقع الناس في الخطأ والتضليل والتبعية وعدم القدرة على التمييز والتقييم، وكما يحتاج الأطفال مثلا لمعرفة خطورة النار والكهرباء لحمايتهم، تحتاج المجتمعات لتدرك الغث والسمين والفاسد والصالح والجميل والقبيح، ولشديد الأسف فإن الحكومات والشركات ليس لها مصلحة في ذلك!

الذائقة بما هي ملكة في الحكم على الأشياء والأفكار تكاد تنحصر كمهارة يتعلمها الإنسان في الفن والجمال، وعندما يفقد المتدينون “الذائقة”، فإن تدينهم وحكمهم على المسائل والأشخاص يكون خاليا من القدرة على ملاحظة الخير والجمال لدى الناس، لا يعود إلا “نحن” و”الآخر”، ويضيق الـ “نحن” من دائرة الدين إلى الطائفة إلى الجماعة إلى المجموعة حتى يكاد يقتصر على الذات، ويتسع الآخر بما هو كافر حلال الدم، ليبدأ بمن هو ليس من الـ “نحن” حتى يكاد يكون كل إنسان آخر.

وفي غياب المعنى وعدم القدرة على تتبعه، يغيب الهدف الواضح في الحياة أو التصور العملي والواقعي للنمو والنجاح، وغياب المشاركة العامة والانتماء، فيكون “الخواء”، أن يكون وجودنا أو عدم وجودنا سواء، ماذا نعمل؟ وماذا ينقص لو لم نؤد عملنا؟ ما أهمية عملنا ووجودنا لأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا ودولنا؟

يتشكل الخواء عندما يكتشف الإنسان عجزه عن إدراكه الحقيقة أو الصواب، ولما كان ذلك أمرا حتميا أو تلقائيا، فالحقيقة إن كانت موجودة يكاد يستحيل الإحاطة بها أو معرفتها أو امتلاكها، والواقع أن النجاح والارتقاء هو إدارة الجهل أو نقص المعرفة أو العجز عن إدراك الحقيقة.. وربما تحويل هذا الجهل أو العجز إلى إبداع وارتقاء بالروح والنفس، وهنا يكون الفنّ ضرورة كبرى للدين، لا يمكن للمتدينين أن يستغنوا عنها، فالمتدين باعتقاده أنه يتبع الحق الذي نزل من السماء يظن نفسه يمتلك الصواب والحق، وفي يقينه هذا يقع في الوهم، .. والكارثة أيضا عندما يبدأ يطبق وهمه على أنه صواب ويقين… وفي اكتشافه للخطأ يقع في كارثة أخرى وصدمة مريعة.. فليس بعد الحق إلا الضلال المبين!، ولكن بما أن الحقيقة الوحيدة هي أن الإنسان لا يعرف، هو يحاول أن يدير جهله وعجزه، .. يمنحه الفن فردانية في العلاقة مع الخالق والكون والحياة، .. وفي غياب هذه الفردانية يلجأ إلى المجموع ليحمي نفسه، ولكن المجموع ليس سوى أفراد جاهلين مثله، يحتمون باليقين الذي ليس سوى وهم، لا يحميه ولا يحميهم سوى التواطؤ على الوهم، فيزيده المجموع خواء وضعفا وهشاشة.. ثم تتحول الهشاشة إلى شعور وهمي أو خاطئ بالصواب والنظر إلى الصواب على أنه خطأ، “الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”، فتواصل متوالية الخواء تشكيل أتباعها في مزيد من الضعف.. وأحيانا ندرك أن هذا الضعف اسمه تطرف وتعصب وكراهية! الفن يساعدنا على ذلك بما يمنحنا من فردية نداري بها عجزنا وإدراك عجزنا، .. لامجال إذن سوى فردية تملك بذاتها منعتها وتماسكها، فينشئ الفرد وحده طريقه التي تحميه مدركا أنه يلاقي الله يوم القيامة فردا..

فالمرء يتشكل وعيه لنفسه على نحو صحيح انطلاقا من الفردية، فيعرف ماذا يريد وكيف يحقق ما يريد، وفي غياب هذه الحالة، فإننا (وهذا هو الحاصل غالبا) نسير في طريق لا نعرفه ولا نعرف عنه سوى “الأنس” الذي يمنحه السالكون فيه.

ويمتد الخواء نفسه إلى القيم والعمل والحياة والعمارة واللباس والطعام، فتكون حياتنا تصوغها اعتبارات “إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون”، بالرغم من أن الموارد والأعمال والأسواق والمتطلبات والمناهج والأفكار تتغير كل يوم.

الفنّ يعوض الإنسان الوحشة والصعوبة في عالمه الذي خلق صعبا، وخلق على نحو كما يقول هايزنبرغ مبدع نظرية عدم اليقين، والتي منح بناء عليها جائزة نوبل في الفيزياء يستحيل فهمه، لأنه يتغير على نحو يفوق قدرتنا على معرفته، كما أن ملاحظتنا له تغيره.. يعلمنا كيف نتدين في عالم نسبي وغير يقيني، كيف نحول الإيمان إلى مورد نسبي وغير يقيني، لأننا نجتهد بالفنّ لأجل تقليل المسافة بين الفكرة والتعبير عنها، ويكون كل ما نعرفه هو ثمة فرق بين الحقيقة وما نعرفه، فيكون عدم المعرفة دليلا للدأب والتفرد، وحماية الذات من ثقل اليقين وفجاجة عدم اليقين، إذ بينهما يشق الإنسان طريقه مستدلا بالفنّ حين تعجز المنظومات المعرفية الأخرى إدراك حقائق الأشياء!

ويمثل عدم اليقين أساس التقدم العلمي والتقني اليوم في عصر المعرفة، تتقدم علوم الإحصاء والاحتمالات وعلم النفس وفقه اللغة بما هي تعبر عن السعي إلى ترميز المعرفة والخبرات.. وفي ذلك، فإن التدين “المعرفي” هو أيضا نسبي وعدم يقيني يستلهم الإيمان بما هو لا يعرف، وينشئ من الذاكرة والخيال عالما من الإيمان والتقدم.. لا نملك سوى الخيال والرموز والذاكرة، فإذا لم ننشئ حولها تدينا يرقى بنا، فإننا نحطم أنفسنا، أو نكفر أو نمضي في التوحش… لم يعد مجديا التدين المنظومي على النحو الذي يقدم للناس الطاعة واليقين وخريطة الطريق جاهزة واضحة، لقد اختفى مع اختفاء عصر الدولة والطبقة السائدة التي كانت تقول للناس كيف يفكرون يفهمون وماذا يقرأون وماذا يسمعون أو يرون.. ففي عالم الإتاحة والإغراق بالمرئي والمسموع والمقروء لم تعد الحوزات والجامعات والمؤسسات الدينية والعلمية والجامعية والكتب والمصادر الدينية والتراثية والتاريخية سوى قطرة في محيط المعرفة المتدفق الهادر المتجدد المتغير المغوي الزاهي المبهر.. وحتى لو بقينا نتبعها أو نثق بها فيمكن لأحدنا أن يضعها جميعها على شريحة ضئيلة نلحقها بمجموعة المفاتيح ونشبكها بالموبايل أو اللابتوب بلا حاجة لوساطة من أحد أو مؤسسة أو عالم أو مذهب أو فقيه أو دولة.. لم يعد ذلك يساوي شيئا ولا يملك سلطة أو قدرة أو تأثيرا على الفرد… ولم يعد له سوى ما يمنحه الفن من حصانة أو منعة أو ذائقة أو قدرة.

وكما يلهم الفن الحياة والفكر، فإنه أيضا يلهم المتدينين في فهم الدين وتطبيقه على نحو غير مباشر، فليس بالضرورة أن يكون ثمة موسيقى أو فنون “دينية”، وإن كان الدين يمكن أن يكون ملهما ومصدرا للفنون والجمال، ولكن تذوق الفنون بعامة وأن تكون جزءا من حياة المتدين، يمكن إضافة إلى أنها تهذب النفس وتخفف من التوحش وتنمي الذائقة والمهارات والمواهب الجمالية، أن تلهم على نحو مباشر أو غير مباشر عزيمة وأفكارا ومعرفة كما لو كنت تقرأ في كتاب عظيم، فتزيد فهما للدين والحياة والطريق، .. نحتاج إلى دين وفن يعملان معا نستوعب بهما حياتنا اليومية الجديدة والمتغيرة والمختلفة عن الماضي وهمومها وتعقيداتها، وفي ضوء هذا الاستيعاب نفهم الدين ونطبقه، العمل والمهن والطقس والحياة اليومية والسمر والليل والنهار والسؤال والموت والخلود والمصير والثلج والبرد والماء والعولمة والحنين والهجرة والعودة وصراع الأجيال والمدارس والجامعات والجبال والأنهار والصحراء والسهول والكدح والعدل والمساواة والمبادرة والخوف والتنافس والمدن والبلدات والطاقة والغذاء واللباس والانتظار والشوق والنسيان والذاكرة والطرق والمنجزات والاخفاقات والذكريات والآلام والفرح والحزن والزمن والأرصفة والأشجار والمقاهي والكتب والجيران والنوافذ والأبواب والشرفات والسطوح والندى والغيوم والضباب والمقاعد والحدائق والمكتبات والأعشاب والزهور والفصول الأربعة والأمل واليأس والأطعمة والطهو والانتماء والمشاركة والأمن والدفاع عن الأوطان والتاريخ والسلوك الراقي الجميل والعلاقات وأسلوب الحياة. والحب، .. أن نجد أنفسنا في الموسيقى والفنون؟؛ ما نبحث عنه ويبحث عنا.. فنقترب من الصواب أو نفهم الدين فهما جميلا أو أقرب إلى الجمال..

الكاتب: إبراهيم غرايبة

المصدر: مؤمنون بلا حدود




فلسفة الموسيقى والتنظير المعرفي لها

الموسيقى نظام فلسفي
الموسيقى نظام فلسفي

صدر عن “دار الوراق للنشر”(2014) بلندن كتاب ” فلسفة الموسيقى – التجربة الحسية والجمالية للصوت” للمؤلفة والباحثة الموسيقية الجزائرية عائشة خلاف. ويكشف الكتاب عن علاقة الصوت باللون، حيث يراها علاقة تكشف عن مدى عمق المستوى المعرفي الذي وصلت إليه الحضارة العربية الإسلامية، كما يوحد الصوت واللون مبرزاً القدرة على بناء السلالم الموسيقية بعدد الألوان الرئيسة والثانوية، موضحاً قدرة الموسيقى العربية على المزج بين ميزة اللون والصوت والهندسة.

وتكشف المؤلفة الجزائرية في كتابها، عن نسق “نظام فكري” داخل التراث الموسيقى، كما ترى أن التراث بصفة عامة والتراث الموسيقي بصفة خاصة، ليس هو المتحكم في القوانين الثقافية بمعنى من المعاني، إذ يخضع تاريخ هذا التراث الموسيقي لعددٍ معينٍ من القوانين، تحاول المؤلفة الكشف عنها.

يضمّ الكتاب مقدمة وتسعة أبواب، اعتمدت فيه خلاف طريقة المنطق الفلسفي: التحليل، الاستنباط والبناء البياني الهندسي، والذي ترى أنه لا بديل عنه لاستكشاف أو كشف هذه القوانين “النظرية الموسيقية”.

وعن سبب إنجازها لهذا الكتاب، تقول الباحثة عائشة خلاف لموقع “كيكا” الثقافي: “أنهيت دراستي في التأليف الموسيقي في كلية بيربك، جامعة لندن، أردت أن أؤلف أشكالاً موسيقية من التراث، فبرزت لدي إشكالية: كيفية التأليف؟ لم تقنعني طريقة تأليف موسيقانا “بالتنويط الغربي” كما قرّر مؤتمر القاهرة في 1932، ومن هنا جاء كتابي ليطرح إشكالية معرفية: معرفة موسيقانا وتنظير هذه المعرفة. وفعلاً، إني أعود إلى البداية للنظر في تراثنا الموسيقي. ولم تكن هذه المهمة سهلة، بالطبع، فلقد استغرقت عشر سنوات. واطلعت خلال هذه المدة الزمنية الطويلة على تراثنا الموسيقي، وعلى العلوم، والفنون العربية الإسلامية، فاكتشفت حقيقةً كنوزاً زادتني ثقة بالذات. معرفة حقيقة موسيقانا كانت تتطلب مني في بادئ الأمر أن أعرّف مفهوم التراث الموسيقي. وكان عليّ أن أنطلق من زاوية أخرى، مختلفة عن الزوايا التي نظرت لهذا التراث سابقاً، وخاصة في مقارنته بالتراث الموسيقي الغربي، ففككت مفهوم الموسيقى برمّته. وبدأت فعلياً من نقطة الصفر: ما هو الصوت؟ وهو عنوان الفقرة الأولى في كتابي”.

لقد تمكنت الكاتبة الجزائرية من إعادة قراءة الموسيقى قراءة تفكيكية، بدءاً من مفهوم الصوت وعلاقته بالموسيقى، أو كيف يصبح الصوت نغمة، وصولاً إلى علاقة هذه النغمة بالمادة، الفضاء، الزمن، اللون وطبعاً اللغة، كما كشفت حقيقة كان يخفيها الثرات الموسيقي العربي، ألا وهي: نسق، نظام فكري قابل للإثراء والتجديد في كل زمان ومكان.

المصدر: ذوات




الثقافة هي الحصن الأخير لمواجهة داعش

بقلم: مريم مشتاوي* — عن موقع إيلاف —

«معظم السياسيين كارثة وطنية. كل شيء يمثّل التخلّف والفقر والظلم، إما ناتج عن هذه الكارثة أو مستثمر من قبلها» – ليوبولد لوغونس الكاتب والصحفي الأرجنتيني المهتم بالبحوث السياسية عام 1916. وقد ينطبق هذا على أولياء أمورنا الذين أنتجوا الكوارث التي ألمّت بعالمنا العربي والأزمات المتلاحقة التي منيت بها أمتنا وصولًا إلى الحركات الإرهابية التي كانت نتيجة لسياسات كارثية.
وبعد أن باءت غالبية المحاولات السياسية بالفشل في القضاء أو السيطرة على الإرهاب، في مقدمتها الظاهرة الداعشية، يبدو من الأجدر خوض معركة ثقافية تعري جذور هذا الفكر وتأويلاته التي تمسخ المفاهيم والنصوص الدينية. فمن الصعب التصدي لهذه المنظمة الإرهابية إلا عبر حركة فكرية منظَّمة ومكثفة يقودها كبار المفكرين والمثقفين. وبالتالي ينبغي على الحكومات تخصيص ميزانية لدعم هؤلاء في تنفيذ مشاريع ثقافية تساعد على قراءة التاريخ الإسلامي والمفاهيم والنصوص التي أوَّلتها داعش والمنظمات المتطرفة الأخرى مستخدمةً التضليل كسلاح تطيح من خلاله بكافة شرائح المجتمع، وخاصة جيل الشباب.
ويجدر بوزارات الثقافة في البلدان العربية ممارسة أدوارها وواجباتها أمام هذا التحدي الذي يواجهنا، من خلال تشجيع خريجي الجامعات على تشكيل مجموعات صغيرة وإدراجها تحت شعار “لا للإرهاب” ، اقتداء بالمجموعة التي أُطلقت في إنجلترا حيث عمل شابان وفتاة على تأسيس موقع توعية للشباب يساعدهم على عدم الانجرار وراء تضليل داعش.
يجب ألا يقتصر الأمر على مبادرات كهذه، بل ينبغي اتّخاذ خطوات أكثر جدّية مثل إدراج مادة في المناهج العربية تظهر همجية الإرهاب وخطورته وآثاره في تأخير نهضة البلاد المُجهضَة قسرًا، وتنظيم محاضرات دورية في الجامعات والمدارس تكشف حقيقة التنظيمات الإرهابية وأساليبها المخادعة وإغراءاتها الوهمية، مع نشر أدبيات وتوزيعها توعية للطلاب وحثهم على مواجهة خطاب هذا التنظيم الشيطاني.
وعلى غرار مسلسل «سَلْفِي»، يجب تشجيع الفنانين والكتاب ودعمهم في إنتاج مزيد من الأفلام والمسلسلات التي تكشف حقيقة مثل هذه التنظيمات والأسس الفكرية الواهية التي تستند إليها.
فضلًا عن ذلك، وإدراكًا لأهميتهما كمادتين أساسيتين في تشكيل الوعي الثقافي بين الشباب، لا بدّ من العمل على إدراج مادتي الفلسفة والتاريخ كعنصرين رئيسيين في كافة المناهج الأكاديمية، وبالذات في اختصاصات العلوم الصحيحة تماماً كنُظُم الجامعات الأمريكية، الأمر الذي يشكل عاملًا مهمًا في تعزيز الفكر النقدي التحليلي لدى الطلاب وتحفيزهم على اكتساب المتانة الثقافية اللازمة لمواجهة أفكار التطرف والتشدد.
وقد آن أيضاً للجهات الدينية المعتدلة أن تلعب دورها من خلال تشكيل حلقات حوار أسبوعية في المساجد والكنائس لعظة الشباب وتوعيتهم.
«لم يكن الموت أبدًا في نظري موضع إعجاب؛ ليس هناك كائن أكثر عبودية، أكثر حقارة، أكثر جُبنًا وأكثر تعصبًا من الإرهابي» كما قال شاتو بريان منذ عقود خلت. هَذا يعبر عن حقيقة متطرفي عصرنا الحالي ولكن هذا الجبن لا يمكن كشفه أمام الناس المضلّٓلين وخاصة الشباب ، إلا عبر فضح المفاهيم التي تختبئ خلفها داعش ، تلك المفاهيم المتعلقة بالجهاد وجهاد النكاح والحوريات المنتظرات في الجنة.

مريم مشتاوي شاعرة بريطانية – لبنانية وسورية أستاذة لغة عربية في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية(سواس) التابعة لجامعة لندن منذ أكثر من عشر سنوات. لها عدد من المجاميع الشعرية منها: «حبيب لم يكن يومًا حبيبي» ، «ممر وردي بين الحب والموت»، «هالوين الفراق الأبدي» وسيصدر لها قريباً ديوان جديد بعنوان «حين تبكي مريم».
كما ساهمت في كتابة مقالات نقدية عديدة نُشرت في جريدة الشرق الأوسط اللندنية. أسست صالونًا ثقافيًا ذي طابع خيري في لندن بغية مد الجسور الثقافية والحضارية بين عالمنا العربي والغرب؛ يُعنى بمساعدة الأطفال المصابين بمرض السرطان والأطفال السوريين والعراقيين اللاجئين بمشاركة وحضور إحدى الجمعيات الخيرية المعنيَّة. حلّت ضيفة في عديد من المقابلات التلفزيونية والإذاعية كان آخرها برنامج «بي بي سي إكسترا».




اللغة السواحيليّة في شرق أفريقيا بين الماضي والحاضر

بقلم: صالح محروس محمد – صحيفة الحياة –
ترجع أهمية اللغة السواحيلية كلغة أفريقية، إلى أنها أهم لغات شرق أفريقيا، وهي اللغة الرسمية لتنزانيا وكينيا. وكان ميلاد هذه اللغة في الساحل الشرقي لأفريقيا في القرنين السابع والثامن الميلادي، مع التجار العرب للتواصل مع السكان المحليين، فحوالى 25 في المئة من مفرداتها عربية وما تبقى هو من أصول البانتو Bantu الأفريقية، وحتى منتصف القرن الـ19 كانت تُقرأ وتُطبع بحروف عربية، ولكن بعد ذلك وحتى الآن تُكتب بحروف لاتينية.
ولا شك أن انتشار اللغة السواحيلية بين السكان الأصليين الى جانب العربية، كان له أثر كبير فى نشر الإسلام والثقافة الإسلامية بين القبائل التي تقيم على الساحل، وتلك التي تقيم حول الطرق والقوافل الرئيسة الممتدة من الساحل إلى بحيرة نياسا، وإلى المدن والقرى الداخلية الواقعة على بحيرة تنجانيقا. وُلدت اللغة السواحيلية ولادة إسلامية، بمعنى أنها نتجت من اختلاط قبائل البانتو بعد أن أسلمت بتأثير العرب من سكان الساحل، حيث الاختلاط والتزاوج في ما بينهم، وأصبحت عامل ربط بين الساحل والداخل، وانتشرت انتشاراً واسعاً، فحمل العرب العمانيون هذه اللغة الوليدة في الداخل، وانتشرت مع التجارة والتجار ووحّدت بين السكان في هذه المنطقة، فكانت الثقافة السواحيلية عاملاً للوحدة.
ومن لهجات اللغة السواحيلية لسان الواهاديمو، وقامت دورا أبلاي Dora Ably بدراسة هذه اللغة ضمن عمل بعثة الجامعات التنصيرية، ودوّنت بعض ملاحظاتها باللغة العربية، فكانت مفرداتها تسمى Mweniwzi ومعناها الخدم، وهي لهجة سكان القُرى في جزيرة زنجبار بمن فيهم الصيادون والمزارعون، وهؤلاء لا يزالون يتحدثون بلغتهم الخاصة. وأضاف جونستون H . M Johnston’s إليها مفردات وأساسيات السواحيلية الزنجبارية. وما يميّز الحضارة السواحيلية، اللغة السواحيلية وعقيدة الإسلام. فالشعب السواحيلي أدى دور الوسيط بين الأفارقة والعرب وتجار المحيط الهندي، وابتكر أول شكل للكتابة السواحيلية Ki Swahili بالحروف العربية، والشعب السواحيلي بلا استثناء يدين بالإسلام على المذهب الشافعي. والثقافة السواحيلية تعكس العقيدة الإسلامية وأسماء الأشخاص والعادات والملابس والأزياء والعمارة والآداب والفنون والأمثال، وبالتالي فإنها ثقافة أفريقية عربية إسلامية.
وكانت الفترة الاستعمارية لسلطنة زنجبار (1890- 1963) ذات أثر كبير في اللغة السواحيلية. فإنكلترا تعمدت كتابة السواحيلية بحروف لاتينية بعد أن كانت تُكتب بالعربية، لتعزل المسلم عن دينه، فاللغة العربية هي حلقة الوصل بينه وبين القرآن الكريم وتربطه بالفكر العربي، وكانت وسيلتها فى ذلك الإرساليات التنصيرية التي كانت تستخدم السواحيلية فى نشر الدين المسيحي، واستخدمتها كوسيلة للتعليم. ومن هنا، ظهرت أول جريدة للحروف السواحيلية بالحرف الروماني، جريدة herbaria wa mwazi، وأخذت هذه الإرساليات فى نشر المسيحية من طريق استخدام اللغة السواحيلية. وكان العديد من الجرائد والمجلات في زنجبار يصدر باللغة السواحيلية، منها «عدل وإنصاف» Adul insaf، وهي جريدة أسبوعية كانت تصدر بالإنكليزية والسواحيلية، وجاجاراتي Gujarati، وأفريقيا كواتو Afrika-Kwatu باللغة السواحيلية، وموانجزي Mwangazi بالإنكليزية والسواحيلية، وصوت العمال Voices of workers بالإنكليزية والسواحيلية، بالإضافة إلى إذاعة حكومية باللغة السواحيلية Ki Swahili لمدة ساعة ونصف الساعة على مدار ستة أيام في الأسبوع، وكان ينتظرها الآلاف من سكان مدينة زنجبار. وفى عام 1930، اعترفت اللجنة اللُغوية لمنطقة شرق أفريقيا بلهجة زنجبار (كيو نيجوجا) كلغة رسمية، فتم إعداد قاموس لها وتوحيد طريقة كتابة السواحيلية وترجمة الكتب العلمية. واجتمعت لجنة أفريقيا الشرقية للسواحيلية عام 1948 the East African Swahili committee، وقد بذلت بعض الجهود لتحسين النصوص وإكمال أبحاث خاصة باللغة، وقامت بنشر جريدة باللغة السواحيلية. وفي عام 1964، أصبحت هذه اللجنة جزءًا من معهد أبحاث السواحيلية في جامعة تنزانيا (4).
وأوضح الإداري البريطاني ويلسون Wilson (في محمية شرق أفريقيا البريطانية)، في تقرير كتبه عام 1939 عن مدى انتشار اللغة السواحيلية بالحروف العربية والرومانية، أن 60 في المئة من شباب زنجبار و35 في المئة من بمبا، كانوا يكتبون السواحيلية بحروف عربية، وذلك يعود الى جهود المدارس القرآنية، و2 في المئة فقط من سكان الجزيرة كانوا يكتبون بحروف رومانية، وعلى رغم ذلك أصدرت الحكومة البريطانية نشراتها بالحروف الرومانية، وعندما استقلّت زنجبار في كانون الثاني (يناير) 1963، كان عدد المتحدثين بالسواحيلية 230.000 من إجمالي السكان البالغ 300.000، أي أنها انتشرت في شكل واسع، وأصبحت تكتب بحروف لاتينية بعد أن كانت تكتب بحروف عربية. وتتضح من ذلك، الجهود البريطانية في الاهتمام باللغة السواحيلية، فهي لغة أفريقية ثرية بمفراداتها العربية والهندية والإنكليزية، وإن كان النصيب الأكبر للغة العربية والثقافة الإسلامية.

* كاتب مصري




لوحات بيروت ودمشق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية … عند كرايمسكي

بقلم: أنيس الأبيض – صحيفة الحياة –
تماثلت موضوعات الرحلات التي قام بها بعض الرحالة الأجانب لبيروت ودمشق مع الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي من خلال المعلومات التي دوّنوها، كما أنّها تطابقت في شكل واضح مع الأرضية العامة التي ميّزت البلاد الشامية.
فعلى صعيد اللوحات الاجتماعية فإنّ هذه الرحلات ساعدت على نقل نماذج حية منها في كل المناطق الشامية، إذ إنّها تناولت بالدراسة المقتضبة أحياناً والمفصلة أحياناً أخرى نماذج من الأوضاع الاجتماعية السائدة وحدّدت درجة المستويات التي أشارت إليها ووقفت على درجة العمران الذي أصابته المدن الشامية: عمارة المباني، طراز البناء، كيفية الاعتناء بالمباني، إدخال الأعمدة والبلاط من الرخام عليها، وصف لاستقبال قادم، تقديم الطعام على النمط الأوروبي، وصف لعوائد بعض العائلات المشهورة في اللعب والفروسية كما كان سائداً عند بناء البكوات الدنادشة في عكار، الحديث عن العوائد في الأعياد والمواسم كعوائد أهل بيروت في تقديم الحلوى الرطبة المسماة المربى من الأترج أو السفرجل أو المشمش أو الإجاص، صور حية من عادات أهل بيروت في ملبوسهم ومأكولهم ومشروبهم، لباس النساء قسم منهن يلبس الإزار الأبيض أو الملاءة الحرير وعوائدهم في المأكل والمشرب والحديث أيضاً عن أخلاق وطباع وعوائد سكان مدينة دمشق إذ هي من أجمل ما يكون من أخلاق العالم فهي سهلة العريكة ولينة الجانب مع الأقارب والأجـانـب يلاقـون الشخص بالطلاقة والبشر والهشاشة.
ويشير كرايمسكي الى بعض الملاحظات المهمة التي دارت حول الصدمات الطائفية وجرائم القتل في بيروت والاستخدام الدائم للسلاح في كل المناسبات وألعاب السيف والترس وأنواع اللباس السائدة، كما يقدم لوحات رائعة حول الموسيقى القروية والرقصات الفلوكلورية الشعبية وأنواع المأكل والحلويات التي تستخدم في مناسبات خاصة كالأفراح والمآتم والأعياد الدينية.
ويتحدث قنصل فرنسا هنري غيز عن أخلاق السكان وعاداتهم، «فسكان سورية لا يزالون في مختلف شؤونهم وأحوالهم على ما كانوا عليه قديماً لم يغيّروا شيئاً من عاداتهم وتصرفاتهم وأخلاقهم». وينقل غيز صورة حيّة عن حفلات الزواج المسيحية التي تختلف في بعض الأمور عن الاحتفال به عند المسلمين.
أما عن اللوحات الاقتصادية فلقد تضمّنت معلومات حول الصناعة والتجارة ووسائل النقل بين بلاد الشام أو داخل المدن. كما أنّها تميّزت بالإشارة إلى حركة البيع في دمشق، وبالتحديد بائعي المرطبات كبائع الليموناضة وبائع الجلاب والتمر هندي المعروف بـ «مواللال يا ولد» وطريقة التنقل والنقليات التي كانت شائعة على ظهور الحمير والبغال والجمال.
كما تحدث عن خانات مخصصة للمسافرين الشرقيين خالية من الفرش وعن وجود فنادق شيّدت على شاطئ البحر في طرف مدينة بيروت الغربي وهي مخصّصة للأوروبيين، مع التنويه بتربية دودة القز وإنشاء معامل لحلج الحرير وبكثرة أنوال الحياكة، والوقوف عند حاصلات البلاد والدخل العام وأسعار الحبوب وإعطاء بيانات عن المكوس والضرائب الملتزمة في بيروت وأصباغ دباغة حمامات العقارات المسقفات والفحم والحياكة والحديد الذي يستعمل في لبنان.
ويقول غيز إنّ «بيروت تتمتع في الخارج بشهرة تجارية حازتها بحق، وقد حبتها الطبيعة مرفأ أميناً فأصبحت ملتقى سفن أقطار العالم. وعكست هذه اللوحات تنويها بأهمية مدينة دمشق والفائدة التي يمكن الحصول عليها في حال إنشاء مؤسسات تجارية فيها». وهذا ما أدركه غيز عندما تحدث عن الفائدة التي يمكن للتجارة الفرنسية أن تجنيها في سورية، «الفائدة التي يمكن تجارتنا أن تجنيها في سورية مسلم بها بصورة لا تقبل الجدل، وهذه المدينة هي – بلا منازع – إذا استثنينا إسطنبول والقاهرة أهم مدن هذه السلطنة الشاسعة، يتهافت عليها الأجانب في كل الأوقات وعلى الأخص على أثر عودة القوافل الكبيرة من بغداد ومكة، ووفرة بضائعها المشتملة على كل الأصناف. إنّ كل ذلك يبشر بازدهار تام».
أما اللوحات الثقافية التي تركها الرحّالة الأجانب فدارت على أولاد الفن في سورية الذين يسلّون الجماهير بأقاصيصهم والكلام عن الموسيقيين النادرين في بيروت وما عانته الموسيقى في الشرق بعامة وما ذكره غيز عن بعض آلات العزف الموسيقية كالنظير والكمنجة والمزمار والدفوف الصغيرة. والموسيقى الأكثر انتشاراً والأشد صيتاً هي الموسيقى المؤلفة من مزامير وطبول ضخمة، ثم الوقوف على التطور الذي خطّته بيروت بوجود الكليتين اليسوعية والأميركية، بالانتقال من طابع المدرسة الصغيرة إلى بداية الانتقال لتكونا جامعتين لعبتا دوراً بارزاً في الحياة الثقافية في المشرق العربي قبل قيام أية جامعة رسمية فيه.
ولم يقتصر دور الكليتين على تدريس الطب والآداب والرياضيات وبعض العلوم العالية الأخرى، فقد ارتبطت بهما حركة فنية وثقافية سجل كرايمسكي بعض مظاهرها خلال إقامته في بيروت وجبل لبنان.
أما في اللوحات التي كتبها عبد الرحمن بك سامي عندما زار مدينة بيروت العام 1890 ثم أكمل طريقه إلى دمشق وعاد إلى مصر ليدوّن رحلته في كتاب بعنوان «القول الحق في بيروت ودمشق» فسجّل ملاحظات مهمة حول جمال بيروت وطابعها الأوروبي فقال: «بيروت زهرة سورية، ومراكز علومها وفرضة الشام ومصب حاصلاتها كانت قديماً مدينة الفقه واشتهرت بمدرستها وقيمة أعمالها الخيرية من مستشفياتها وهيئاتها الاجتماعية من جمعياتها. كما أنّ بيروت غاصة بالمدارس المفيدة للذكور والإناث». وينهي كلامه عن بيروت بالقول: «لا يملّ القارئ من إطالة الكلام عن بيروت وأهلها، فإني شاهدت فيها أكثر مما كتبت، ولم أفتر عن السؤال عنها واستطلاع أخبارها الماضية والحاضرة شأن الغريب المتشوّق للاطلاع على أخبار الأقطار التي يزورها».




تلاحم الشعر العربي القديم وتفككه

كتاب قروة من البادية
كتاب قروة من البادية

بقلم: مصطفى عبدالله – صحيفة الحياة –
في لفتة ذكية وموضوعية في آن، يفرق المستعرب الدكتور ريموند فارين، مؤلف الكتاب المعنون «ثروة من البادية» (دار الفراشة– الكويت)، بين تعبيري «العصر الجاهلي» و «عصر ما قبل الإسلام» عندما تناول الشعر الذي يعود نظمه إلى ما بين عامي 500 و1258 الميلاديين، وهو ما يعني أيضاً أنه تناول بعضاً مما أُنشد منه في صدر الإسلام، وفي العصرين الأموي والعباسي.
يقول المؤلف، الذي يعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية بالكويت وتخرج في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية ودرس اللغة العربية في جامعة كاليفورنيا، قبل أن ينال شهادة الدكتوراه منها في العام 2006، في أحد هوامش مقدمة كتابه: «آثرنا تسمية (عصر ما قبل الإسلام) على تسمية (العصر الجاهلي) تقديراً لقيمة العرب في هذا العصر وثقافتهم البينة».
ولطالما اعتبر العرب أن الشعر هو إنجازهم الثقافي العظيم الدال على بلاغتهم، التي تميّزوا بها على غيرهم من شعوب العالم، حتى أن جرجي زيدان عندما تحدث عما تمتاز به الأمم وحضاراتها قال: «… امتاز اليونان بالفلسفة والشعر القصصي والتمثيلي، وامتاز الرومان بوضع الشرائع والنظم السياسية والاجتماعية، وامتاز الهنود بوضع القصص الخرافية على ألسنة الحيوان، أما العرب فملأوا الدنيا شعراً».
ومع ذلك، تعرضت القصيدة العربية القديمة إلى هجوم من النقاد المستشرقين خلال القرن ونصف القرن الماضي، حيث -وفق تعبير ريموند فارين- «اتُّهمت بالتفكك، وفي بعض الأحيان بالرتابة والتصنع»، فقد علق النحوي الألماني ويلهلم أهلواردت عام 1856، على القصيدة العربية قائلاً: «إنها ليست وحدة متكاملة أبداً».
وأصبح عادياً وسائراً بين المستشرقين، أن القصيدة العربية لا تتسم بالتلاحم، ما أدى إلى تخليق مصطلحات لتوصيفها، مثل «ذرية» أو «نووية»، فقد ورد في الطبعة الأولى لموسوعة الإسلام عام 1934، أن «الشعر العربي في جوهره نووي، فهو سلسلة أقوال متفرقة قابلة للتراكم لكنْ غير قابلة للجمع والانسجام». والغريب هو تأكيد المؤلف أن هذا «الحكم» الصادر عن الغرب لقي تقبلاً من عدد من النقاد العرب، بل ظل هذا الحكم يتردد في الأوساط العلمية حتى سبعينات القرن الماضي، وهناك رجْعٌ لصداه لا يزال يتردد حتى عصرنا هذا، فجيرت فان جيلدر، أستاذ الأدب العربي في جامعة أكسفورد في بريطانيا، هو من أبرز مؤيدي النظرية الذرية، إلا أنه يفهمها بموضوعية، حيث لا يلوم الشعر العربي القديم على عدم تلاحمه، حيث ينقل عنه المؤلف «أنه يرى أن القصائد العربية القديمة لم تكن تهدف الى التلاحم أصلاً… بل أنه دعا إلى الكف عن المطالبة بوجود الوحدة العضوية تلك في الشعر العربي القديم، وطالب بأن نترك هذه القصيدة تتفكك، مصرّاً على أنها لا تزال قابلة للتقدير على رغم عدم ترابطها».
ويضيف في مقالة قارن فيها بين متعة قراءة قصيدة متفككة ومتعة تناول طعام متعدد الأصناف، أنه سواء قرأ المرء هذه القصيدة أو تناول الطعام المتعدد الأصناف فإنه لا يتأمل الكل، ولا يقارن بين ما قد مضى وما هو موجود وما هو قادم، وإنما يتلذذ بكل جزء على حدة، ولذلك يدعونا فان جيلدر إلى أن نجلس ونسترخي ونستمتع بما يقدم لنا، من دون الإفراط في التأمل.
على أن هذا الحكم بات قابلاً للنقض منذ سبعينات القرن الماضي، فقد اهتم عدد كبير من الباحثين، منهم ريموند شيندلين، وكمال أبو ديب، وعدنان حيدر، وأندراس هاموري، وستيفان سبيرل، وجيمس مونتغمري، وجولي ميسامي، وياروسلاف ستيتكيفيتش، وسوزان ستيتكيفيتش، وجيمس مونرو بدراسة الشعر العربي القديم من جديد، على ضوء نظرة تهتم بالقصيدة كلاً ولا تنصبّ على البيت في شكل منفصل، ليكتشفوا أنها تتسم بقدر كبير من التلاصق والانسجام.
ويحاول المؤلف، عبر هذا الكتاب، إثبات وجهة النظر الجديدة هذه، ليصل إلى أن الشعر العربي القديم يتمتع بالوحدة العضوية، من خلال النظر إلى هيكله الذي يعتمد على النظم الدائري، وهو أسلوب النظم الأكثر انتشاراً في هذا الشعر، فيركز على قصائد معينة ذات أهمية في التراث، مثل معلقة امرؤ القيس، ولامية العرب للشنفرى، ومعلقة لبيد، وثلاث قصائد رثاء للخنساء، وقصيدة غزل لجميل، وقصيدة هجاء لجرير، وخمرية أبي نواس، وقصيدة مديح لأبي تمام، ومثلها للمتنبي، وغزلية لابن زيدون، وقصيدتي زجل لابن قزمان، وخمرية صوفية لابن الفارض، وقصيدة تصف تجربة تاجر للبهاء زهير.
وحرص المؤلف، خلال هذه الدراسة القيمة، على عدم الانجراف في اتجاه تيار تأويل خاص يؤدي إلى قراءات لا تعني سوى شخص واحد، بل سعى -وفق تعبيره- قدر المستطاع إلى ذكر سياق الشاعر التاريخي والأدبي، وأن يقرأ كل قصيدة متعاطفاً مع شاعرها.
واستهدف المؤلف ثلاثة أغراض أساسية، أولها السعي إلى توفير مقدمة شاملة للشعر العربي القديم، وثانيها توسيع نطاق الرؤية وتقديم القصائد في ضوء أشمل، بحيث يسهل على القارئ المقارنة بين الحضارات، آملاً في ألا يُنظر إلى القصائد باعتبارها تراثاً فذاً منفصلاً عن سجل الإنسانية، بل جزءاً لا يتجزأ من تراث واحد عظيم متعدد الثقافات، وثالثاً يحاول أن يضيف إلى الحوار الذي يدور حول موضوع التلاصق، وأن يشارك في دفن ذلك المعتقد الغريب الذي يقول بعدم تلاحم الشعر العربي القديم.




إمرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: كتاب لريتا فرج

"إمرأة الفقهاء وامرأة الحداثة" لريتا فرج
“إمرأة الفقهاء وامرأة الحداثة” لريتا فرج

خاص موقع حوارات –
صدر عن دار التنوير في بيروت كتاب “إمرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: خطاب اللامساواة في المدوّنة الفقهية” للباحثة اللبنانية الدكتورة ريتا فرج.
يتناول الكتاب “أنموذج امرأة الفقهاء، المقموعة والمقهورة، بسبب الخلاصات الفقهية التي أتى بها المتقدمون، وعمل على تكريسها المتأخِّرون، وامرأة الحداثة التي ظهرت في بدايات القرن الماضي مع اختراق المرأة للمجال العام، وتكرّست مع دخولها ميدان التعليم والعمل، ولكنها تراجعت تحت ضغط التيارات الدينية وممثليها من الفقهاء الذين صبّوا فيضاً من الفتاوى تركزت على علاقة المرأة المسلمة بجسدها، وعلى توسيع دائرة المحرَّم، الذي يُحاصر الأجساد الأنثوية. الفقهاء التقليديون ومن تبعهم، نظروا إلى المرأة، من موقع المتعة والرغبة والتحصين والنشوز”.
تقول المؤلفة ريتا فرج إنه “بصرف النظر عمّا خاضه الإصلاحيون في مراحل متأخرة، فقد ترك الفقه التأسيسي تأثيراً أقوى، خصوصاً أن الإسلام التراثي/ الفقهي، تجذر ويتجذر في رؤية المسلمين تجاه ذواتهم والعالم المحيط بهم، وهو الأكثر قدرة على صناعة أفكارهم. سعى الفقهاء إلى تكبيل الذات الأنثوية واخضاعها للخطاب الفقهي/ الذكوري، العائم على بحر من الفتاوى غب الطلب. وتتخطى هذه الفتاوى الجسد الأنثوي لتصل إلى السياسي والثقافي والمجتمعي؛ إذ كلما عجز المجتمع عن قراءة أزماته بعين الحداثة والعلم، حضر الجواب الديني، الذي ينعكس على البناء المجتمعي برمته”.
تضيف فرج: “ليس هناك عودة دورية لسلطة الدين في المجتمعات العربية والإسلامية، فتدخل السلطة الدينية لفرض هيمنتها على المجتمع ظلّ موجوداً على الدوام، لكن ثمة إحياء لظواهر قديمة، تظهر أوْلى تمثلاتها في هذا الكمّ الهائل من المحجَّبات والمنقَّبات. وقد يقول قائل إن حجاب المرأة المسلمة واجب شرعي؛ وبعيداً من التكليف الشرعي، نرى وجود علاقة بنيوية بين تزايد أعداد المحجَّبات والتراجع الحضاري، وهذه الفرضية سندرسها في سياق دراستنا”.
دراسة جديرة بالقراءة والمناقشة على الرغم مما تثيره من سجال فكري – فقهي قد تختلف أو تتفق معه.