الوحدة والتعددية وما بينهما

بقلم: عمر مسقاوي — ينطلق العلم والتعريف العلمي من بدهيات أفرزها تاريخ طويل من تجربة الحضارة الغربية المعاصرة ترسم معالم الثقافة الغربية في هيكلها الماثل. لكنها لا تمنح مجتمعنا الشرقي حقيقة جاهزة للتطبيق لسبب جوهري أشرنا إليه سابقاً، ويتجلى في أننا قد نعلم من دقائق الحضارة المعاصرة الكثير لكنها أبعد ما تكون عن إسهامنا الاجتماعي والتراثي في التاريخ.فالأوروبي ينظر إلى إطاره المادي والإنتاجي نظرة تترامى في أعماق أصوله الإجتماعية حين غرست المسيحية قواعد الإيمان فبدلت مرتكزات الفكر وأطلقت للعبقرية الإنسانية المتعاونة مع قوة الإبداع ثم أمطرت عالمنا الإنساني هذا بمظاهرها وبهارجها.
وهذا ما دفع المؤرخ الأميركي جون نيف في كتابه «الأسس الثقافية للحضارة الصناعية» إلى القول:
«إن اقتصاد الوفرة الذي يقاس بالكميات والذي بدأ يسود خلال القرن التاسع عشر، في أجزاء من أوروبا الإمبراطورية البريطانية وأميركا، لم يكن كما جرى عليه العلماء أهل العصر الحديث على الإعتقاد بوجه عام السبب الأساسي للتقدم الروحي والأدبي الذي حصل في الأزمنة الحديثة، إذ يبدو أن التقدم الروحي والأدبي الذي بدأ أثناء احتدام الحروب الدينية كان عاملاً رئيسياً في نشوء اقتصاد الوفرة، إذ كان يتعذر حصول مثل هذا التقدم لولا المساعدة الإلهية التي منحت للروح، لكن كان لا بد لإدارة الإنسان هذه الإرادة الحرة، من أن تطلب المساعدة، وأن تجندها طوعاً لمواجهة المسائل في تلك الميادين من التجربة».
إن هذه الملاحظة المعمقة لأصول التقدم الأوروبي تمنحنا رؤية أعمق في بناء وحدتنا الثقافية، إذ لا بد لها من أن ترقب مصادرها الروحية أولاً وأن تستمد من هذه المصادر زاداً يدفع بها في استخدام الحداثة طبق اتجاه الثقافة ونمطها لروحي والتراثي.
وهكذا فاتنا قطار الإسهام الفاعل في خطى العصر الحديث حين غرقت رؤانا في مصطلحات مستوردة لا تعكس واقعنا الإجتماعي.
يقول الفيلسوف سبينوزا: «نرى الأشياء مليحة برغبتنا لا ببصيرتنا». هذه الحقيقة التاريخية التي أشار إليها غوستاف لوبون في كتابه «الآراء والمعتقدات» تفسر لنا مشكلة التقدم كحاجة ورغبة معاً منذ أيقظنا من سباتنا سوط الحضارة الحديثة ووقع أقدامها.
وبدلاً من أن يطرح الرواد الحاجة هذه في طريقها المنهجي موظفين الطاقة الفاعلة لقيم المجتمع ووسائله فقد انغمسوا في البحث في بطون التاريخ عن المصادر الثقافية التي تقربهم من حل جاهز مائل في النموذج الأوروبي تبسيطاً للمشكلة وتعويضاً عن هزيمتهم حيالها.
إن تنوع المصادر الثقافية التي صبت في ساحتنا عبر التاريخ أمر لا جدال فيه.
لكن المجتمع باعتباره ذاكرة مشتركة فإنه من فعل الإنسان واكتسابه الثقافي. والذاكرة الشعبية، كما تذكر جيداً ما يعتمل في حياتها، فإنها تنسى كذلك ما تباعد عنها من أحداث، فنحن ننظر إلى قلعة بعلبك بكثير من الإعجاب لكننا نجهل مواقع القوم فيها حين نصبوها لوثنيتهم، لأن الأديان التي لحقت بدلت واقعنا الاجتماعي والثقافي، وتثيرنا أهرامات الجيزة، لكن أسرارها بقيت في مكنون حجراتها، أما شعب مصر فإنه يجهل هذه الأسرار وقد انتظرت النخبة المصرية شامبليون الأوروبي حتى استطاعت أن تفك رموزها.
على أن عصر الإنبهار الذي أفاق عليه رواد الإصلاح والحركة الحديثة أوقع الفكر العربي في سراب الرغبة، فانجرفت الرؤى متباعدة في ظاهرها الفكري فقط من دون أن تعكس في تعارضها حقيقة من حقائق الواقع الاجتماعي. ذلك أن تلاميذ الحضارة الغربية أثقلهم عبء تراث توقف عن الإنجاز والإسهام في خطى العصر الحديث.
فالفراغ استولى على شعوبنا منذ الانهيار الكبير بفعل الحروب الصليبية، وهو قد أقفل أسوارنا عن كل تفاعل وتطور مع مسيرة العالم.
وهكذا بدت الثقافة الغربية التي حملها رواد الإصلاح من جامعات أوروبا هياكل ونماذج إدارية ومادية وفكرية ومصطلحات تثير الجدل أكثر مما تحل مشكلات التخلف.

لا تعددية ثقافية
ولعل فداحة التخلف العربي والشتات البادي في منعطفاتنا المصيرية حيال الخطر الصهيوني زكت هذا الاتجاه في المسوغات النفسية التي استفاق وعيها على أخطار الشركة في تراث للإسلام فيه نصيب بارز عبر التاريخ.
إن حركة إحياء كتب التراث أعادت لأذهان المسيحيين مخاوف الصيغ والتعابير الفقهية التي وضعت قواعد التعامل مع أهل الكتاب من غير المسلمين.
وتولت هذه المهمة مراكز متخصصة في التنقيب في بطون التاريخ، وفي رصد انتقائي لأحداث تاريخ حضارتنا، بغية تحريك الوعي المسيحي لحقيقة الأخطار التي ستصيب المسيحيين، نتيجة إعلان شراكة تراثية تؤدي إلى شراكة في نمط وأسس تحديد المواقف المصيرية. ولقد تلاقت هذه الحركة مع موقف إسلامي غائب عن طبيعة المهمة التاريخية التي انتدب لها المسلمون، إذ كان على المسلمين أن يحددوا استراتيجيتهم السياسية بطريقة ترصد أخطار القسمة الطائفية لمسيرة الوطن في مداها البعيد، فهذه القسمة إذا أدركنا عميق أهدافها لا تقدم للمسيحية حلاً لأية أزمة، بينما هي تضع المسلمين ودورهم في أزمة جديدة في معترك الأخطار التي كان قد هيئ لها منذ مؤتمر بال عام 1897م.
إن ما نراه اليوم لا يعني غير الفراغ، فالنخبة المثقفة المسيحية تقود جماهيرها إلى رفض استمرار حضاري لعب فيه الإسلام والمسلمون دوراً تاريخياً، وهي في حقيقتها عودة إلى الوراء لأنها تعود بنا إلى قانون الملل الذي فرضته الاميتازات الأجنبية لأسباب تتعلق باستراتيجيتها في ظل الحكم العثماني إنما بغير تغطية عثمانية.

حضارة الإسلام واقع تاريخي
حقاً، فحين يتحدث المسلمون والمسيحيون عن تاريخ هذه المنطقة، تاريخ ثقافتها أو ثقافتهم فيها، أدبها أو أدبهم فيها، تاريخ سياستها أو تاريخ أديانها، فإنما يتحدثون بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن تراث صاغه الإسلام أو حاوره أو مرّ به أو جاوره.
لكن المجاورة هي التي تهمنا اليوم. إنها اتصال امتازت به حضارة الشرق الهجرية ورفضته حضارة الغرب المتأثرة بالثقافة الرومانية.
لست هنا في موقع الدفاع عن الواقع السياسي الذي أملته ظروف تلك القرون الخوالي، ولا يحسن بي أن أنتقي نصوصاً فيبادرني آخر بنصوص منتقاة للردّ عليها، ولكن العلاقة بين الإسلام والمسيحية علاقة تتصل بوحدة الدين الذي تكونت بفضله الحضارات، فالدعوة الإسلامية في إطار العقيدة دعوة إلى نقاش حول منطلقات واحدة (تعالوا إلى كلمة سواء) ] آل عمران 64[ فهل كان يمكن للقرآن أن يخاطب الوثنية بمثل هذا المنطق؟
إن وحدة المصدر هذا مكنت لثقافتنا المشتركة غطاء متجانس المنطلقات، فالموقف الإسلامي من المسيحية لم يكن موقفاً سياسياً، إنما هو موقف في صميم بنية العقيدة، وعلينا أن نترك لكل زمن سياساته وإجراءاته.
فأحداث التاريخ تحتكم دائماً إلى أجوائها وظروفها، لكن إنجاز التاريخ هو الجدير بالتوظيف من أجل مستقبل حضاري جديد. إن هذه قضية تتعلق بصميم التراث، فحقائق التاريخ حينما تتكلم، فالأمر لا يتعلق بقضية اختيار.
فالحضارة الإسلامية واقع تاريخي لم يختره جيلنا المعاصر من المسلمين، لكننا حينما نرفضه جميعاً فإن البديل الأوحد اليوم ومن خلال نوعية الحضارة المعاصرة هو الفراغ والضياع معاً.
فالإسلام والمسيحية عمق واحد على رغم الإختلاف الجوهري في تصوير الرؤية الإيمانية لحقيقة الإله الواحد. وهذا الاختلاف مهما كان متبايناً ومهما عنف الخصام بين أنصار كل من الديانتين، فإنه خصام في الحلبة الواحدة. ولا بد في النهاية من أن يستريح المحاربون في أرض الحلبة. فقد سئل عمر بن العزيز الخليفة الأموي عن الصراع الذي نشب بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فأجاب الخليفة الذي اشتهر بالورع والتقى: «تلك أمور عصم الله منها سيوفنا، أفلا نعصم منها ألسنتنا؟» جواب سلفي ما أحرانا أن نتمثله اليوم ونحن نتحدث مع أولئك الذين وضعوا على طاولة مكدسات النصوص والكتب القديمة، فالحصيلة في كل ما تدافع من أحداث هي التي تمنح التاريخ حدود المجتمع ونمط محادثته.
فحين تضع حروب التناقضات أوزارها ينقشع الغبار عن آفاق الساحة وتضم الأرض بين جوانحها أشلاء هذه التناقضات خمائر تنبت في أعقابها وحدة المجتمع.
إن هذه الخمائر هي الثقافة الحية التي تفعل في ضعفها ما لا تفعله القوة في سلطانها.
ولنا أن نشهد التتار والمغول وسواهم من الشعوب كيف هضمتهم ثقافة الحضارة المغلوبة على أمرها وأضحت واقعاً يدخل في اللاشعور الشعبي ويحكم مبادرات الأفراد ويمنح سلوكهم نمطاً متجانساً فيه من العقوبة مالا يدرك تفسيره.

الثقافة واقع اجتماعي ومفاهيمي ولغوي
من هنا يبدأ الحديث عن قضية الثقافة كواقع اجتماعي ومفاهيمي ولغوي معاً. واللغة هي الجامع الأوفى، وحينما شاء المسيحيون اللبنانيون أن يجددوا في محيطهم فإن اليازجي والبساتنة والشدياق هؤلاء جميعاً جددوا اللغة العربية الجامعة.
وقد بدا جهد هؤلاء إنجاز الأمة على اختلافها، وقد لفتتني عفوية كاتب أزهري يتحدث عن أحد علماء الأزهر في العصر الحديث فقال إنه يكتب كاليازجي.
ففي المجتمع الواحد فإن وحدة الثقافة هي الحتمية الطبيعية لمكونات ذلك المجتمع.
فالحضارة تحوي في أحشائها ثقافة واحدة، وإذا اقتحمتها ثقافة أخرى فلا بدّ من أن تهضمها أو تنهضم بها، لأن الثقافة نمط الحضارة وأسلوبها الفاعل في التاريخ.
وإذا كنا نرغب في جواب حول ما إذا كان ثمة تعددية ثقافية أم لا، فإنه يكفي أن نضم آذاننا ونفتح عيوننا جيداً ونرى ببصيرتنا لا برغبتنا ذلك المشهد اليومي في نمط الحياة وأسلوبها العفوي في طرابلس أو بيروت، أو نركب طائرة هليوكوبتر فنراقب الضنية والزاوية وبشري وأسلوب تعامل القوم مع الطبيعة، أو نلحظ الراعي في أعالي الجرد يركض خلف أغنامه وماعزه يحمل العصا بيده ويمسك بطرف شرواله المتدلي إذا وثب من جل إلى جل، فيلتقي راعياً من الضنية على قمة الجبل، مع الراعي القادم من سفوح الأرز وبشري فيختلف معه على المرعى والماء أو يختلط به على حل سواء، فلا تميز شروالاً من شروال ولا كوفية عن كوفية. لكليهما لغة واحدة وتقاليد واحدة في الحلال الحميدة أو العادات الذميمة ولكليهما سلوك واحد تجاه المشكلات.
أليس هذا التشابه الذي يصل إلى حد التطابق هو الذي يمنحنا وحدة الموقف بل وحدة الثقافة إزاء المشكلات اليومية والحياتية؟
إن الفروق بين المسلمين والمسيحيين ليست فروقاً ثقافية، مهما حفلت قرى كسروان والمتن بالرفاهية والثراء واللكنة الفرنسية والحضارة الإستهلاكية.
فالمسيحي الشرقي ليس جزءاً من مكونات الثقافة الأوروبية، لكنه جزء من مكونات ثقافتنا الواحدة، ولنا بالإسلام والمسيحية تراث واحد، وغنى هذا التراث بالإسلام والمسيحية معاً.
وإذا كان من فروق تعددت بتأثير التعليم ومصادره الغربية فلعلها الفروق في حماسة النظارة الجالسين في قاعة واحدة يشهدون مسرح الأحداث العالمية.
فنحن جميعاً في التخلف شركاء، ومعركتنا كما قال قسطنطين زريق هي في المستقبل ، مع التطور والتنمية، لا مع الماضي الذي لا سعي لنا فيه.
والتحلل من ثقل المصاعب التي تطرحها الصهيونية والإمتداد الإستعماري ليس بهذه السهولة، فالصهيونية حركة لاقت رواجها في مفاهيم السيطرة التي هي جوهر وعمق الثقافة الرومانية التي عبر عنها بالسلام الروماني.
فالخطر ليس على المسلمين وحدهم بل على المسيحيين والمسلمين، وعلى إمكانات انبلاج حضارة جديدة تستمد مقوماتها من عمقنا الإجتماعي مسيحياً كان أم مسلماً.
إن حضارتنا ذات نمط رسولي ينشر الصلات الاجتماعية عبر القدوة التي عبر عنها الإنجيل «هلموا وتلمذوا جميع الأمم».
ونداء الوحدة ينطلق من تلك السلسلة التي تتابعت فيها الأديان منذ دين إبراهيم عليه السلام، وهو يجد أساسه في إرادة الإنسان، فالحضارة إرادة وروح.
المصدر: الحياة




صورة لقساوسة يصلون من أجل “هداية” ترامب تثير جدلاً في أميركا

صورة لقساوسة يصلون من أجل “هداية” ترامب ومنحه “الحكمة الخارقة” تثير عاصفة جدل بأمريكا
كتبت سارة بوليام بيلي أن هذه الأمور تدخل في نطاق التحايل عندما يتم إخراج هذه الممارسة من الكنيسة وجلبها إلى المكتب البيضاوي

بقلم: شوقي عبدالعزيز- إرم نيوز — صلى دونالد ترامب مثلما فعل الرؤساء السابقون، حيث وصف باراك أوباما إيمانه المسيحي بأنه “قوة استدامة”.

وبدأ جورج دبليو بوش ولايته الثانية بالصلاة والتدبر في كاتدرائية واشنطن الوطنية.

إلا أن صورة القساوسة الإنجيليين الذين كانوا يضعون أيديهم على الرئيس ترامب ويصلون بجانبه في الأسبوع الماضي قد أصابت وترًا حساسًا لدى معارضي ترامب وسياساته.

وقال الزعماء الدينيون في المكتب البيضاوي إنهم كانوا يصلون من أجل أن يمنح الله ترامب الهداية والحكمة الخارقة للطبيعة والحماية.

ولكن سرعان ما تغيرت صورتهم، وكان من بين المنتقدين لهم القس وليام باربر الثاني، زعيم العديد من الحركات الاحتجاجية الأخلاقية التي استهدفت ترامب وسياساته.

في لقاء ببرنامج على قناة MSNBC، وصف باربر الصورة المنتشرة الآن على شبكة الإنترنت بأنها “ممارسة لاهوتية سيئة تصل إلى حد البدعة”.

وقال باربر في البرنامج: “عندما تتحدث عن رئيس وآخرين يتصرفون بطريقة تثير الانتقاد فإنكم تنتهكون المبادئ الأكثر قُدسية في الدين”.

يعتبر هذا الهجوم غير مفاجئ نظرًا لتاريخ باربر، حيث سبق أن انتقد سياسيين وقال إنهم يستخدمون نصوصًا غامضة في الكتاب المقدس للتغطية على قوانين تضر الناس، وقد وسع باربر هجومه ليمتد إلى الزعماء الدينيين الذين يدعمون هؤلاء السياسيين.

وأضاف: “عندما يكون لدينا هذه الأجندة الجمهورية المتطرفة لترامب التي تتناول الرعاية الصحية وتحول الثروة إلى جشع، فهذا هو النفاق والخطيئة. لم نر هذا النوع من نقل الثروة على ظهور جثث الناس منذ العبودية، هو يدعي أنه يهتم بالحياة ولكنه يمرر مشروع قانون من شأنه أن يؤدي إلى موت الآلاف، وسوف يتضرر بسببه 22 مليون شخص والفقراء والعمال.. هذا هو النفاق والخطيئة. عندما تعلم أن هذا القانون سوف يضر الأطفال والمعاقين والمحاربين القدماء، فهذه هي الخطيئة وهذا هو النفاق”.

كما كتبت سارة بوليام بيلي أن هذه الأمور تدخل في نطاق التحايل عندما يتم إخراج هذه الممارسة من الكنيسة وجلبها إلى المكتب البيضاوي.

يذكر أن ترامب قال إنه يتبع الكنيسة المشيخية لكنه لا يحضر إلى الكنيسة بانتظام.

ومع ذلك صوت الإنجيليون البيض بشكل ساحق لصالح ترامب، وفقًا لمركز أبحاث بيو، ووجدت دراسة استقصائية أجريت في أبريل الماضي أن 80 في المئة من البروتستانت الإنجيليين البيض الذين يحضرون إلى الكنيسة مرة واحدة في الشهر يوافقون على الأداء الوظيفي لترامب.

وكتب جوني مور الذي صور “لحظة وضع اليدين”، أن الاجتماع الذي عقد يوم الاثنين كان تجمعًا غير رسمي حيث صلوا من أجل الحكمة ومن أجل أن يحميه الله هو وأسرته وأن يرشده.

وأضاف: “كان هذا أمرًا طبيعيًا، فكثيرًا ما نصلي من أجل المسؤولين المنتخبين. كان هذا يشبه اجتماعًا للأصدقاء”.

المصدر: إرم نيوز




حول إعلان الأزهر للمواطنة ولقاء «سيدة اللويزة» في لبنان

بقلم: رضوان السيد — لدينا ثلاثةُ محاور أو أولويات على المستوى اللبناني، والمستوى العربي العام. والأَولويات هي: استعادةُ السكينة في الدين وإليه، وتجديدُ تجربة الدولة الوطنية وإصلاحها، ومُراجعةُ العلائق مع العالم، ثقافةً وسياسات واستراتيجيات.
في المسألة الأولى، أي استعادة السكينة في الدين، طرأت مشكلتان: مشكلة التطرف باتجاه الانشقاقات، ومشكلة الانقسامات الداخلية في الدين إلى مذاهبَ وطوائف وجماعات متذرّرة ومنعزلة أو متفجّرة. وفي المشكلتين، والأولى أخطَر، كانت هناك جهودٌ قامت بها المؤسسات الدينية، لاستعادة الزمام، والحيلولة دون ظهور أجيالٍ جديدةٍ تمضي باتجاه التطرف. ونحن نعرفُ أنّ المؤتمر الأول للأزهر عام 2014، والذي حضره عشرات اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، كان هدفُهُ مكافحة التطرف والإرهاب، باعتبار التطرف مؤدياً إليه. ولا تزالُ الجهودُ قائمةً ومتتابعة؛ وبخاصةٍ لدى المؤسسات الدينية الإسلامية. وما عانى المجتمعُ اللبناني لهذه الجهة ما عانته المجتمعات العربيةُ الأخرى. لكننا نحن اللبنانيين نُعاني منذ القديم من الطائفية والمذهبية اللتين قام عليهما النظامُ السياسيُّ ولا تزالان تنخرانه حتى العظْم، وتحولان دون تطور النظام وتطويره.
وهكذا فإذا كان المُرادُ إحقاق مقولة العيش المشترك، وهي مقولةٌ لبنانية عريقة، فإنّ ذلك يحتاجُ إلى أمرين: التأهُّل من جانب المؤسسات الدينية والثقافية، وذلك بالمعرفة والمتابعة والإدارة والاستنارة والتنظيم، والتضامُن بين سائر الفئات الدينية والثقافية والفكرية والسياسية، المهتمة والمهمومة فعلاً بوحدة المجتمعات واستقرارها. الدينُ كما نعرفه في خطر، والمجتمعاتُ في أخطار. ونحن بحاجةٍ من أجل الاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى مكافحة التطرف الذي يُشرذم الأديان والمجتمعات، وإلى مكافحة استثمار السياسيين للطائفية والمذهبية اللتين تُحوِّلان العيش المشترك مُساكنة، بدلاً من المواطنة.
أما المسألةُ الثانية أو الأولويةُ الثانية فهي التجديدُ والإصلاحُ في تجربة الدولة الوطنية في لبنان والعالم العربي. لقد فشلت التجربةُ في بلدانٍ عربية عدة، صارت مواطن ومستنقعاتٍ لحروبٍ أهلية وإقليمية ودولية. والدولةُ الوطنيةُ في لبنان، والنظام السياسي اللبناني، يعانيان من تأزمٍ شديد. وإذا كان الملفُّ الأولُ، أي الديني، تتقدمُ فيه مسؤوليات المؤسسات الدينية، وإن لم تنحصرْ بها وبرجال الدين كما سبق القول؛ فإنّ ملفّ الدولة الوطنية ونظامها السياسي، تقعُ بشأنه المسؤوليةُ على عاتق السياسيين وإن لم تنحصر بهم. إعلانُ الأزهر تحدث مراراً عن الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية القائمة على المواطنة. والمفروض أننا نملكُ ذلك كلَّه في لبنان، فلماذا التأزُّمُ الهائلُ إذاً؟ إنّ الذي أراهُ أنّ التأزُّم الحاصلَ له علتان: مطامحُ ومطامعُ الغَلَبة من جهة، وإصرار الراديكاليين من السياسيين على الفصل بين اللنبانيين مسيحيين ومسلمين، وسنةً وشيعة. وكما لم نخضع لأوهام التطرف والإرهاب والدولة الدينية؛ فكذلك لا ينبغي الخضوع لهذه الانفصاليات التي تُخِلُّ بالعيش المشترك وبالدستور. وهكذا فإنّ النُخَب الثقافية والفكرية والدينية والسياسية، وبالنضال السلمي الوطني والثقافي والسياسي، يكون عليها أن تنهضَ لاستعادة العناوين والأولويات الوطنية والدستورية للمواطنة والعيش المشترك. لقد نشبت في بلادنا نزاعاتٌ أهليةٌ سياسيةٌ ومسلَّحة بدعاوى الظلم والهضم والغُبن.
أما اليوم، فكلُّ اللبنانيين مُصابون ومظلومون ومغبونون بدولتهم ونظامهم السياسي. فلتظهر جبهاتٌ وتحالُفاتُ تضامُنٍ غير طائفية ولا مذهبية ولا انقسامية من أجل إحقاق الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية المدنية. إنّ طموحنا ينبغي أن يكونَ في الدين كما في الدولة والنظام السياسي: استعادة سطوة وسلطة وطموحات الـMain Stream أو الغالبية في دولةٍ وطنيةٍ ديموقراطية ذات سيادةٍ واستقلال. لقد تحدث إعلانُ الأزهر عن الدولة الوطنية الدستورية التي تحمي الناس وتصونُ مصالحهم، ولا تعلو على سلطتها وشرعيتها أي سلطةٍ أو شرعيةٍ أُخرى، لأنها دولة المواطنين الأحرار.
أما المسألةُ الثالثةُ أو الأولوية الثالثة فهي لتصحيح العلائق بالعالم. وقد تحدث إعلانُ الأزهر عن استعادة الصِلات الودية بالجهات الدينية في العالم، والوصول من هذه الطريق لمكافحة وتجاوُز الإسلاموفوبيا ودعوات الكراهية، وسواء أكانت آتيةً من جهاتٍ عندنا أم في العالم. وقد كان اللبنانيون في نخبهم ومجتمعاتهم وحركتهم ومؤسساتهم وفي علاقاتهم يؤدون هذا الدور على مدى عقود. إنما مع تكاثر الأزمات في النظام السياسي وفي المجتمع، ما عادت دعوةُ لبنان مسموعة أو قائمة. فإذا أردْنا نحن اللبنانيين استعادة هذا الدور، وهذه الرسالة، بحسب مقولة البابا يوحنا بولس الثاني؛ ورغبة الأزهر؛ فإنّ ذلك يشترط أمرين: أن يُظهر عيشُنا المشترك نجاحاً من جديد لجهة الانفتاح بين فئاته، ولجهة فتح النظام السياسي على التطور المدني الديموقراطي، وأن يستعيد نظامُنا السياسي من خلال ذلك عافيته وشرعيته وثقة المواطنين به.
بيد أنّ تصحيح العلاقة بالعالم يحتاج إلى ما هو أكثر من التضامُن الداخلي. يحتاجُ إلى أنظمةٍ سياسيةٍ عربية غير تابعة لا في الإقليم، ولا على المستوى الدولي. ليست هناك منطقة في العالم اليوم، فيها جيوش وميليشيات وقواعد أجنبية أكثر من المنطقة العربية. وما عاد هناك بلدٌ مستعمَرٌ في العالم غير فلسطين العربية. ولذا فإنّ جزءًا كبيراً من تصحيح العلاقة بالعالم، يتمثل من جديد في نهوض الدولة الوطنية العربية، والنظام العربي العام، والذي يبعثُ على الاحترام.
لقد كان مؤتمر الأزهر وإعلانُه للمواطنة والعيش المشترك مُدهشاً في الوعي والبصيرة وإرادة النهوض. والمدهشُ أيضاً وأيضاً هذا الذي نشهدُهُ اليوم برعاية البطريرك بشارة الراعي وبحضور هذه النخبة الكبيرة والمستنيرة من اللبنانيين. هذا هو الأملُ، الذي يبعثُ على العمل في شتى الاتجاهات، لتكونَ لنا حياة، وتكونَ حياةً أفضل!

* كلمة أُلقيت في المؤتمر الذي أقامته البطريركية المارونية في جامعة سيدة اللويزة في 1 تموز(يوليو) عام 2017 لملاقاة مؤتمر الأزهر للمواطنة والعيش المشترك. وقد انتهى المؤتمر بإعلان اللويزة، وبتشكيل لجنة متابعة.

المصدر: الحياة




“فقه رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

بقلم: د. معتز الخطيب* — «فقه رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة» كان الإطارَ الذي جمع بحوثَ ومناقشات “ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان” (25-28 جمادى الأولى 1434هـ، الموافق 6-9 أبريل 2013م)، وهي الندوة الفقهية المتخصصة التي تقيمها سنويًّا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في السلطنة. شارك في الندوة أكثر من مائة عالم ومفكر وباحث من أنحاء مختلفة من العالم، وقُدم فيها نحو (60) بحثًا على مدى أربعة أيام.

والعنوان الذي بحثته الندوة عنوان معاصرٌ بأكثر من معنى؛ فهو يتجاوز مفهوم “التعايش” الذي ساد في السنوات الأخيرة ليطرح بديلاً عنه مفهوم “العيش”، وهو يُحيل تشخيص المشكلة من مشكلة اختلاف بين المتعايشين إلى مشكلة العيش المتنوع والمتعدد في العالم نفسه، ولذلك كان استعمال مصطلح “رؤية العالم” دالاً هنا، وهو مصطلح جديد على اللغة والتفكير الفقهيين.

فـ”رؤية العالم” مصطلح فلسفي نَحَته الفيلسوف الألماني فلهلم دلتاي (ت1911م)، وعده بحثًا في فلسفة الفلسفة، وهو يتناول التصورات الأساسية للإنسان التي يعدها مطلقة في سَرَيانها وشمولها، وفي دلالاتها وفعاليتها في الحياة الإنسانية؛ ولكن دلتاي يشكك في إطلاقيتها؛ لأن هناك رؤى وليس رؤية واحدة.

ولكن هذا التجاوز الذي جسده العنوان لم يَقْطع مع المذاهب الفقهية وإرثها القديم والثريّ؛ بل دفع إلى إعادة استكشافها وقراءتها في مَنْحيين: الأول: المفاهيم والأصول والقواعد والأحكام المذهبية المتعلقة بمسائل العيش والتعايش كليهما. والثاني: قراءتها بوصفها انعكاسًا للتجارب التاريخية وليست منعزلة عنها، ومن هنا جاء العنوان الفرعي “المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”.

و”فقه العيش” يُحيل إلى نوعين من المسائل الفقهية:

الأول: المسائل المتناثرة في الفقه الإسلاميّ والمتعلقة بتقسيم الفقهاء للعالم أو رؤيتهم له، وهو ما عُرف في اللغة الفقهية بدار الإسلام ودار الكفر، (وهناك دُور أو تقسيمات أخرى تَرِد لديهم أو لدى بعضهم).

والثاني: الأحكام الفقهية الكثيرة المتعلقة بما عُرف – في لغة الفقهاء – “بأهل الذمة”، وهي في الأصل مندرجةٌ داخل أبواب الفقه العام بحسب المناسَبة، فقد توزعت أحكامهم على مختلف أبواب الفقه كالجهاد للحديث عن الجزية والخراج، والبيوع للحديث عن أحكام بيعهم وشرائهم، والنكاح للحديث عن أنكحتهم وعلاقاتهم، والجنايات للحديث عن جناياتهم وعقوباتهم، وهكذا.

قدّمت الجلسة الافتتاحية تأملاتٍ وقراءات لفقه العيش بين الماضي والحاضر، في محاولة للإمساك بالرؤية الكلية قبل الدخول إلى الجزئيات والتفصيلات والمذاهب المختلفة. فقدّم د.علي جمعة ود.أحمد مبلغي قراءةً لتجربة العيش في المذاهب الإسلامية بوصفها عملية مستمرة ومستوعبة على عدة مستويات: المذاهب، والأديان، والإنسان. وقدم الشيخ رحمي يرن قراءته لتجربة العيش في المنظور القرآني. وحاول د.رضوان السيد أن يقدم إجابة على سؤال: “إلى أين يتجه الإسلام؟”، بعد تأملاته لمسار طرح مثل هذا السؤال في 1910م مع الكاتب الأمريكي ستودارد، وفي 1934م ثم في 1946م مع هاملتون جب، ثم في الستينيات مع ألبرت حوراني. وفي محاولته لتأمل السؤال من جديد يرى أن هناك ثلاثة انشدادات أو انجذابات حالية: خوفٌ على الدين وانزياحاتٌ وشعائرياتٌ متنامية في المظهر والمخبر من أجل صونه، ونفور وقلقٌ شديد من العصر وحداثته وتياراته الصاخبة وإحساس بتَفاقم الأخطار، واهتمام قوي لدى العامة بوضع قوة الدولة في خدمة الدين. ويرى أنه لا خوف على الدين، وأن إدخاله في بطن الدولة مضرٌّ به وبمستقبله.

تدور الندوة على سبعة محاور جامعة لمختلف جوانب هذا الموضوع الراهن والحيوي:

يدرس المحور الأول المفاهيم والمصطلحات، وفيه تحدث د.وهبة الزحيلي ود.حميد الأحمر عن مفهوم الخلاف، وأوضح الزحيلي أن الفقهاء لم يفرقوا بين مفهومي الخلاف والاختلاف، والظاهر أن اللغويين فرقوا، وأن الخلاف ظاهرة إيجابية؛ لأنه قائم بين المذاهب الفقهية في الفروع لا في الأصول، وأن الدعوة إلى توحيد المذاهب لا تصح، وقد جعل العلماء الخلاف عِلمًا وصنفوا فيه وراعوه، وحللوا أسبابه التي ترجع في الجملة إلى طبيعة النص الشرعي في العربية، وأسلوب فهم النصوص، ومصادر الخلاف فيما لا نص فيه.

ومن المفاهيم التي تتصل بمسألة فقه العيش: مفهوم العهد والأمان ودار الإسلام، وتحدث فيها د.مصطفى تسيريتش موضحًا الفرق بين العهد والعقد، ومبيّنًا أصول الأمان في الإسلام، وقد رأى أن أوروبا هي دار العهد والعقد والأمان، وذلك لإمكانية عيش المسلمين فيها بحرية كاملة وأداء شعائرهم وعباداتهم، ولتمتعهم بحق المساواة.

وتناول د.محمد كمال إمام مفهوم أهل الذمة، وفضَّل تعريف الغزالي في “الوجيز”؛ لأنه دخل مباشرة في مسألة الحقوق والواجبات حين عرف الذمي بقوله: “كل كتابي ونحوه عاقل بالغ حر ذكر، متأهب للقتال، قادر على أداء الجزية”، وهذا يعني أن الذمة عقد رعاية وأن الجزية بدل حماية. كما رأى أن هناك تفريقًا بين أهل الكتاب وأهل الذمة فليسا مترادفين، وقدم قراءة لعقد الذمة في المنظور الفقهي تجعل منه مواطنة كاملة تُقرأ في سياقها أحكام الجزية التي قد ينعدم حكمها بانعدام محلها في ظل دولة حديثة لا تفرق في وجوب الجندية بين المسلم وغيره؛ لأن الجزية بديل عن النصرة فلا تجب إلا على أهل القتال، ولأن الذمي محقون الدم على التأبيد كالمسلم، وكلاهما صار من أهل دار الإسلام، كما ينقل عن الزوزني أحد فقهاء الحنفية.

ودرس فايز محمد حسين “نظام الملل” – وهو تطورٌ لمسألة أهل الذمة – من خلال نشأة ازدواجية الشريعة والقانون في العصر العثماني.

أما المحور الثاني من الندوة فقد عالج ما أسماه “الخطاب التشريعي في فقه التعايش” من خلال جملة مسائل؛ كالمواطنة، والحصانات، والسياحة.

ومعالجة المواطنة اشتملت على عدة أبعاد: أثرها في إنشاء المجتمع المدني وموقف الإسلام من ذلك (د. نور الدين الخادمي)، وأثرها في التعامل مع اختلاف العقائد (د. سلطان الحراصي)، وأثرها في الأحوال الشخصية (د.جابر عبد الهادي الشافعي). وبحث د.محمد الحداد “الدين والدولة والمواطنة في الزمن الجديد”، وخلص فيه – بعد دراسة تطورات مفهوم المواطنة التي شكّلت تجاوزًا لمفهوم “الملل” – إلى أن الدين كان شريكا في قيام فكرة المواطنة بالمعنى الحديث، بمعنى مواطنة قائمة على المساواة وليس على النخبوية، في حين أن المواطنة الإغريقية كانت تنتج اللامواطنة عندما تقصر الحقوق على فئات معينة. ومبدأ المساواة الذي انتشر مع الأديان الكونية هو الذي مهد لاستعادة المواطنة بمنظور جديد يسعى إلى الإدماج بدل الإقصاء.

وختم بطرح السؤال الآتي: هل نقبل أن يشارك كل أبناء الوطن في إدارة شؤونه العامة؟ ملقيًا بالمسؤولية على المثقفين المسلمين في إيجاد صيغ توافقية لمجتمعاتهم تثري الفكر السياسي العالمي وتساعده على تجديد مفاهيمه ولا تنعزل عنه.

وتناول المحور الثالث “المدارس الفقهية وفقه العيش في العالم”، من خلال رصد واستكشاف الأحكام الفقهية الخاصة بالتعامل مع غير المسلمين في مناحي الحياة المختلفة، وتقرير الفقه الإسلامي للحقوق والواجبات الخاصة بهم. والمدارس الفقهية هنا شملت المذاهب الفقهية المشهورة، ففي المذهب الإباضي سعى جملة من الباحثين إلى تقديم خلاصات لفقه العيش عند جملة من فقهاء المذهب مثل المشايخ: ابن بركة، والوارجلاني، وأبي عمار عبد الكافي، وأبي نبهان، وأطفيش، والسالمي. وأوضح الشيخ عبد الله العزي معالم فقه العيش في المذهب الزيدي، التي رأى أنها مستندة إلى وصيّة للإمام علي جاءت في عهده لمالك الأشتر واليه على مصر: “وأَشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق”.

وتعرض هلال اللواتيا للمذهب الجعفري ورؤيته لفقه العيش، مفتتحًا بحثه بالحديث عن ضرورة الاجتماع البشري، وارتباطه بالفطرة الإنسانية. وعرضَ د.عبد الحميد مدكور لفقه العيش في المذهب الظاهري ممثّلاً بابن حزم الظاهري.

وعرض د.مجدي عاشور موقف المذهب المالكي من الآخر من جهتين:

الأولى: بوصفه فردًا في المجتمع الإسلامي، وتجب له جملة حقوق كالحقوق العقدية (كحرية الاعتقاد وبناء دور العبادة) والحقوق الشخصية (كحق الإقامة والتنقل، وحق الأمان على النفس والمال والعرض)، والحقوق السياسية (كتوليه الولايات، وقبول شهادته ووكالته)، والحقوق الاقتصادية (كالعمل وتكوين الثروة، وإعطائه من القربات المالية للمسلمين).

والجهة الثانية هي كونه منفصلاً عن المجتمع الإسلامي وما يترتب على ذلك من تعاملات (كإبرام المعاهدات، والاستعانة به في الحرب، والحصانة الدبلوماسية لمبتعثيه).

ثم بحث واجبات الآخر في المذهب المالكي: الواجبات المالية (كالجزية والخراج والعشور)، وواجبات الالتزام بالأحكام والنظم العامة (ومنها الخضوع لولاية القضاء، وعدم إظهاره ما ينكره الإسلام).

وعرض الشيخ عبد الله فدعق ود.عبد العزيز العوضي للمذهب الشافعي وفقهه في العيش وموقفه من الآخر، وما يترتب على ذلك من أحكام وحقوق وواجبات.

أما المذهب الحنبلي فبحثه د.مسفر القحطاني الذي حرص على إزاحة شبهة التشدد عن الحنابلة، وأوضح معالم التعايش وفقه الائتلاف مع خصومهم من المذاهب الأخرى، وموقفهم من الشيعة والصوفية، وأنهم لم يكونوا جميعًا يتسمون بالتشدد كما يُشاع؛ بل هم ثلاثة أصناف كما قال القاضي أبو يعلى الحنبلي “الحنبلية على ثلاثة أصناف:صنف زهاد يصومون ويصلون، وصنف يكتبون ويتفقهون، وصنف يصفعون كل مخالف”، ثم عرَض لنموذج ابن عقيل الحنبلي من علماء القرن الخامس الهجري في التعايش وطلبه العلم على مشايخ من مختلف المذاهب وخصوصًا من المعتزلة.

بقي المذهب الحنفي وقد بحثه د.معتز الخطيب، موضحًا مدلول فقه العيش في كتب الفقه وتصرفات الفقهاء وإن لم يستعملوا هذا التعبير، وقد ركز في بحثه على تأريخ سياقات اهتمام الفقهاء بأهل الذمة، ففي البدء جاء بحث أحكام أهل الذمة بوصفه جزءًا من منظومة الفقهاء الشاملة لأحكام العباد ومن يُحيط بهم وتربطهم به علاقةٌ؛ لكنها تتحول مع كتب الخراج والأموال إلى جزء من منظومة الموارد المالية والاقتصادية للدولة تبعًا لمسألة الجزية وما يتعلق بها من تصرفات الدولة حيال أهل الذمة، ويتأكد الطابع السياسي للمسألة وحكم الولايات والوظائف وغيرها في كتب الأحكام السلطانية. ثم نشأت كتاباتٌ في سياق التوترات التي حصلت بين المسلمين وبعض أهل الذمة كما حصل مع اليهود في تونس والجزائر بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية، وكما حدث في الهند في القرن الثامن عشر. ثم جاءت كتابات الإسلاميين الحركيين الذين كانوا مشغولين بإزاحة “الشبهات” عن اضطهاد الفقه الإسلامي لغير المسلمين، وبيان صورة متسامحة للفقه معهم، واستكمال “النظام الإسلامي” والإجابة على بعض التحديات التي تواجه أطروحة “الدولة الإسلامية” في سياق الدولة الحديثة.

ثم ذهب بعد ذلك لاستكشاف المنطق الداخليّ الذي حَكَم تصورات الفقهاء الحنفية – أصولاً وفروعًا – لمسألة العيش بين المسلمين وغيرهم من أهل الذمة أو أهل الكتاب، من خلال ثلاث جهات: من جهة رؤيتهم للدين نفسه ووظيفته وعلاقته بالشرائع الأخرى، ومن جهة رؤية العالم وتقسيم الناس والدُّور، ومن جهة الحقوق والواجبات.

وتناول المحور الرابع من محاور الندوة فقه العيش المشترك وعيش الخصوصية، وقد اشتمل على معالجة عدة مسائل: كمسألة فقه الأقليات لدى علماء الصحوة الإسلامية (د.محمد المنسي)، والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان برؤية فقهية، وقد بحثها كل من د.أحمد أبو الوفا ود.إبراهيم العناني، والبعد الجغرافي وأثره على العيش المشترك (د.أحمد الهادي)، ومسألة الاختلافات الفقهية في تحديد الدار وأثرها على رؤية العالم والعيش فيه (د.علي منصور الفرسطاني)، وأحكام اختلاف الدارين لدى الفقهاء (د.العروسي الميزوري)، وفقه الهوية والخصوصية والانفصال في الأزمنة الحديثة وبحثها د.إبراهيم البيومي غانم الذي خلص في ورقته إلى أن مجتهدي الفقه السياسي الإسلامي الحديث قد استوعبوا في اجتهاداتهم “دوائر الهوية” جميعها: الوطنية، والقومية، والإسلامية، والإنسانية، وأكدوا على أنها متواصلة غير متمانعة.

وخصصت الندوة محورها الخامس لبحث حقوق المخالف دينيًّا، وتناول بحث حقوق أهل الكتاب (د.أحمد الخمليشي)، وحقوق غير أهل الكتاب من المواطنين من منظور فقهي (د.خالد بابكر)، وحقوق الأجانب في الفقه الإسلامي والقانون الدولي (د.محمد المالكي)، وفقهاء الصحوة ومرجعية الشريعة والدساتير الإسلامية (د.عز الدين عناية)

والمحور السادس خُصص لبحث أصل العلاقة مع غير المسلمين وتأملها من جوانب مختلفة، من جهة القرآن الكريم (د.سعود الحبسي)، ومن جهة السنة النبوية (د.خلفان الشعيلي)، ومن جهة الواقع التاريخي (الشيخ أحمد السيابي)، ومن جهة المقاصد الشرعية (د.عبد القادر بن عزوز)، ومن جهة القواعد الفقهية (د.أحمد التيجاني)، ومن جهة اتجاهات الفقه الإسلامي (د.عبد السلام الطويل)، ثم أحكام العيش وأعرافه في الفقه الإسلامي (د.محمد الحسن البغا).

المحور الأخير في الندوة كان عن فقه الملاءمة والمجتمع الدولي، وتم فيه بحث مسائل التجارة الدولية من منظور فقهي (د.أشرف أبو الوفا)، واتفاقية الجات (د.هاني الدويدار)، والمسلم المواطن في الدول غير الإسلامية (د.يحيى ميسو)، والعولمة (د.سعيد بنسعيد العلوي)، والتراث الفقهي والثقافي في مسألة العيش (د.فيصل الحفيان).

وختمت الندوة مع د.رضوان السيد الذي قدم قراءة لـ”فقه العيش مع الآخر وفقه التغيير”، شرح فيها مفهوم رؤية العالم باعتبار أن فقه العيش يستند إليه، وحاول استكشاف أسس رؤية العالم في القرآن والإسلام، كما تأمل فقه العيش في التجربة التاريخية الإسلامية، واختبر التجربة الوسيطة من خلال مسألة الحريات الدينية لأهل الذمة والمرتدين، ووجد أنه في مسألة الذمة تُعتبر السلطات أولاً في المسؤولية؛ بينما يتقدم اعتبار الفقه والفقهاء في مسألة الردة. ورأى أن التغيير في الحاضر يتطلب أن يتمكن المسلمون من العيش بثقة في مجتمعاتهم ومع الآخر العالمي، بناء على القيم المشتركة والتعامل الرحب من منطلقات التعارف والاعتراف والتفاهم.

وقد أقيمت على هامش الندوة الفقهية ورشة عمل لتعميق أفكار الندوة وإفراد بعض إشكالياتها بالبحث والمناقشة، مع التركيز على الخلفيات الفلسفية والفقهية لرؤية العالم وفقه العيش، وقد تضمنت محورين رئيسين: انصرف الأول منهما إلى بحث مفهوم “رؤية العالم” في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا (د.أحمد زايد وسمير حسن)، ورؤية الوجود والعالم في الفلسفات التأويلية المعاصرة (د.عبد الله ولد أباه)، ورؤية العالم من وجهة نظر إسلامية (د.رضوان السيد). في حين ركز المحور الثاني على مسألة “فقه العيش في المذاهب الفقهية” من مداخل مختلفة، من جهة مقاصد الشريعة (صلاح الجورشي ود.سيف الدين عبد الفتاح)، ومن جهة المدخل الأخلاقي (د.مبارك الهاشمي، ود.محمد الشيخ)، ومن جهة تأمل المذاهب الفقهية ومصائرها في أزمنة التغيير (د.أحمد الكندي، ود.معتز الخطيب)، ورؤى التعدد والوحدة من منظور فقهي (د.عبد الله الهنائي، ود.مصطفى هرموش ود.عبد الله المانعي).

* باحث زائر في منتدى الدراسات عبر الإقليمية (EUME)، برلين.

المصدر: مجلة التسامح




البابا يدخل كنيسة بروتستانتية للمرة الأولى ويطلب الصفح من أتباعها

أجرى بابا الفاتيكان فرانسيس الأول، الزعيم الروحي للـ”الكنيسة الكاثوليكية”، اليوم (الإثنين)، في بادرة غير مسبوقة، زيارة لكنيسة بروتستانتية في إيطاليا، طالبًا الصفح من أتباعها،.
وقالت “إذاعة الفاتيكان”: إن بابا الكاثوليك، أجرى اليوم وللمرة الأولى في تاريخ “الكنيسة الكاثوليكية”، زيارة إلى كنيسة للبروتستانت “الفالديين”، على هامش زيارته إلى مدينة تورينو، شمال غربي إيطاليا، على الرغم من عدم اعتراف “الكنيسة الكاثوليكية” بـ “الكنيسة البروتستانتية”.
وقال البابا في كلمة ألقاها أمام رجال دين وجَمعٌ من أتباع المذهب البروتستانتي: “بالنيابة عن (الكنيسة الكاثوليكية)، أطلب الصفح عن المواقف والسلوك التي تبنيناها ضدكم على مر التاريخ، والتي لم تكن تتسم لا بالروح المسيحية ولا حتى الإنسانية”، طالبًا الصفح منهم.
يذكر أن أتباع “الكنيسة الفالدية”، تعرضوا في إيطاليا لحملات اضطهاد وملاحقة واسعة النطاق، شنتها ضدهم “الكنيسة الكاثوليكية”، اعتبارًا من القرن الـ 13 الميلادي، حيث اعتبرتهم الكنيسة خارجين عن العقيدة، بسبب عدم إقرارهم بسلطة بابا الكاثوليك الروحية والتعليمية، إلى أن منحهم “كارلو ألبرتو” ملك بييمونته، شمال غربي إيطاليا، الحقوق المدنية العام 1848، فشرعوا منذ ذلك التاريخ بممارسة حرياتهم الدينية في شبه جزيرة إيطاليا.

المصدر: وكالة الأناضول




البابا فرنسيس يسعى لإصلاح العلاقات مع العالم الإسلامي

“شجون عربية” – يصل البابا فرنسيس إلى القاهرة يوم الجمعة يحدوه الأمل في إصلاح العلاقات مع كبار رجال الدين الإسلامي في وقت يواجه فيه المسيحيون في البلاد ضغوطا غير مسبوقة من متشددي تنظيم داعش الذين لاحقوهم بالتهديدات.

وفي رسالة إلى الشعب المصري هذا الأسبوع عبر البابا عن أمله في أن تساعد الزيارة في إحلال السلام وتشجيع الحوار والمصالحة مع العالم الإسلامي.

لكنها تأتي في وقت مؤلم لأقباط مصر، أكبر طائفة مسيحية في الشرق الأوسط، بعد ثلاثة أسابيع من تفجيرين انتحاريين استهدفا كنيستين وأوقعا 45 قتيلا.

وجاء الهجومان بعد تفجير استهدف الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة في ديسمبر كانون الأول وأسفر عن مقتل 28 شخصا وبعد موجة من أعمال القتل أجبرت مئات المسيحيين على الفرار من محافظة شمال سيناء حيث تنشط جماعة موالية لداعش.

وأثرت هجمات “داعش” والصراعات الطائفية في العراق وسوريا سلبا على السكان المسيحيين وهددت مستقبلهم في الشرق الأوسط مهد السيد المسيح وموقع أقدم كنائس العالم.

ورغم التهديدات الأمنية التي تحدق بزيارة البابا، سيستخدم في تنقلاته سيارة عادية خلال 27 ساعة سيقضيها في القاهرة محافظا على عادته في تجنب السيارات الفارهة المدرعة كي يبقى قريبا من الناس.

ومنعت السلطات حركة السيارات قرب سفارة الفاتيكان في القاهرة ومواقع أخرى وطوقتها ولم تسمح للمشاة بالتحرك في هذه المناطق.

وقال الأب بولس حليم المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية التي يتبعها معظم أقباط مصر “مع كل الألم الذي نتألمه من أجل كل دم سفك… إلا أننا واثقون من أن الدولة تقوم بخطواتها القوية لمنع الإرهاب وحماية الكنائس.”

وتابع “من مصلحة الدولة أن تؤمن رعاياها. والأقباط ليسوا أناسا مستقلين، لكنهم جزء من صلب الوطن ومن عمق الوطن نفسه.”

المصدر: رويترز




الجولة الخامسة من حوار حكماء الشرق والغرب في القاهرة غداً

“شجون عربية” — تنطلق غدا الأربعاء في القاهرة، الجلسة الثانية من الحوار بين مجلس حكماء المسلمين الذي يترأسه شيخ الأزهرأحمد الطيب، ومجلس الكنائس العالمي في إطار الجولة الخامسة من الحوار بين حكماء الشرق والغرب.

تنعقد هذه الجولة من الحوار بين مجلس حكماء المسلمين ومجلس الكنائس العالمي تحت عنوان “دور القادة الدينيين في تفعيل مبادرات المواطنة والعيش المشترك”، بحضور أعضاء مجلس حكماء المسلمين، وأعضاء مجلس الكنائس العالمي، والأمين العام لمجلس الكنائس القس الدكتور أولاف فيكس.

تتناول الجولة العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، منها آليات تفعيل مبادرات المواطنة والعيش المشترك، ودور القادة الدينيين في نشر قيم التعايش والتسامح، كما ينظم مجلس الكنائس العالمي زيارة لمركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية، للاطلاع على الجهود التي يقودها الأزهر الشريف في مواجهة الفكر المتطرف وتصحيح المفاهيم المغلوطة.

يذكر أن مبادرة الحوار بين حكماء الشرق والغرب انطلقت في يونيو/حزيران 2015 بمدينة فلورنسا الإيطالية بمبادرة من مجلس حكماء المسلمين بهدف نشر التعايش والسلام، فيما احتضنت باريس الجولة الثانية من هذا الحوار الذي انعقدت ثالث جولاته في مدينة جنيف بسويسرا مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فيما استضافت العاصمة الإماراتية أبوظبي الجولة الرابعة من الحوار في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

المصدر: قناة العالم




التأثيرات الحضارية المتبادلة بين الفرنجة وسكان مدن الساحل اللبناني (1097 – 1291)

بقلم: أنيس الأبيض — التاريخ مليء بحركات الهجرة وانتقال الشعوب من مكان إلى آخر، ومن هذه الحركات العديدة ما اتخذ طابعاً سلمياً معتدلاً، ومنها ما اتخذ طابع الغزو العنيف الذي يستهدف تشريد أهل البلاد وأصحابها الشرعيين وحرمانهم من حقوقهم وأرضهم.
ومهما تعدّدت الأسباب الظاهرية لتلك الهجرات، فإنّ الاتجاه الحديث الذي سلكه بعض المؤرخين يحاول دائماً أن يفسّرها في ضوء العامل الاقتصادي. فتحت تأثير البيئة وقسوتها وتغيّر أحوالها، وما قد يعتريها من جفاف وجدب بعد مطر وخصب، هاجر الفينيقيون واليونانيون في العصور القديمة وانتشروا على سواحل البحر المتوسط وفي جزره ونزح الجرمان في فجر العصور الوسطى من بلادهم، حول شواطئ البلطيق، إلى جنوب أوروبا، واندفع المغول في القرن الثالث عشر، من جوف آسيا نحو الشرق الأدنى وشرق أوروبا. على أنّه من المبالغة أن تنسب جميع الهجرات الكبرى في التاريخ إلى العامل الاقتصادي وحده، فهناك أمثلة أخرى لحركات ضخمة شاركت في بعثها وتوجيهها عوامل دينية وفكرية واجتماعية وسياسية فضلاً عن العوامل الاقتصادية، ومن هذه الحركات، الحركة الصليبية.
والواقع أنّه لا توجد حركة في تاريخ العصور الوسطى أحقّ بالدراسة لكشف حقيقتها وإبراز معالمها واضحة خالصة من الأوهام التي علقت بها، من الحركة الصليبية، هذا فضلاً عن أهمية هذه الحركة بالنسبة للشرق العربي والغرب الأوروبي ثم بالنسبة للعلاقات بين الشرق والغرب جميعاً وموقف سكان المناطق التي دخلها الفرنجة.
ففي الحركة الصليبية التقى الشرق بالغرب، ولم يكن اللقاء حربياً في ساحة الوغى فحسب، بل كان أيضاً لقاء حضارياً بأوسع ما يحتمله هذا التعبير من معان وفي الحركة الصليبية وقف الإسلام والمسيحية وجهاً لوجه، لا وقفة الخصمين المتنافسين فحسب، بل أيضاً وقفة الأخوين المتعاتبين اللذين يربط بينهما رباط سماوي وثيق، وفي الحركة الصليبية خرج الغرب الأوروبي لأول مرة في التاريخ من عزلته وجرى وراء أطماعه مستخدماً كل الأساليب التي تكفل له الوصول إلى ما يريد من الديار المشرقية. وقد أفسحت هذه الحركة المجال الواسع لتدفّق العديد من الأوروبيين الفرنجة إلى بلاد الشرق عامة وبلاد الشام بخاصة، بفعل شريان الاتصال الذي أفرزته مع شعوب هذه المنطقة على جميع الأصعدة الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية. وهكذا انطلقت أفواج الفرنجة في موجات عدّة لحط عصا الترحال غزواً وتجوالاً في هذه البلاد لدراسة تاريخها ومعرفة عادات شعوبها، والوقوف على الحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمناطق الشامية بعامة واللبنانية بخاصة.
إنّ ما يهمّنا في هذا المقال ليس الوقوف على أسباب الحروب الصليبية ودراسة ظواهرها، وإنّما معرفة موقف سكان مدن الساحل اللبناني من الوجود الفرنجي، ومدى التفاعل الحضاري الذي نشأ عن الصلات اليومية والاحتكاك المباشر الذي نتج من هذه العلاقات.
والحقيقة أنّه يستحيل وجود مرجع واحد يستطيع أن ينقل الواقع السكاني لسكان مدن الساحل اللبناني، ويعطي تصوراً واضحاً لطبيعة التفاعلات المعيشية مع الفرنجة، ويبرز أهمية الروابط الحضارية والسياسية والاقتصادية التي ترتبت عنه، وردود الفعل المتفاوتة التي ظهرت عند سكان الساحل اللبناني والتي تبدّلت وتغيّرت بين المقاومة والرفض لهذا الوجود وبين المهادنة والمسالمة، تبعاً للظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي حكمت علاقة الطرفين، في أكثر الأحيان، بالإضافة إلى دراسة المؤثرات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والطبية التي برزت من خلال الاحتلال الفرنجي لمدن الساحل اللبناني ما يقارب القرنين من الزمن.
وإذا شئنا أن نستعرض حال سكان المدن اللبنانية من مسألة الوجود الفرنجي، فإنّ ذلك يتطلّب قراءة المراحل الأولى للاحتلال لبعض المدن، وطبيعة ردّات الفعل التي قام بها السكان ضد هذا الاحتلال، ولنتوقف هنا عند دراسة إحدى أبرز مدن الساحل اللبناني التي وقعت تحت الاحتلال الفرنجي، وهي مدينة طرابلس التي كانت أول فريسة لبنانية استهدفها الصليبيون.
فمنذ العام 1103م، استقر القائد الصليبي «صنجيل» (سان جيل) على مشارف المدينة وبنى القلعة ليستطيع من خلالها أن يُحكم الحصار ليتعذّر على أيّة قافلة بلوغ طرابلس أو الخروج منها من غير أن يلحظها رجاله، أما موقف سكان المدينة من هذا الحصار فقد تجلّى في دفاع أهلها عن مدينتهم دفاعاً مجيداً، كما عبّر عنه القاضي فخر الدين الذي كان يريد بأي ثمن هدم القلعة التي كانت تهدّد عاصمته بالاختناق، كما حاول رجاله القيام بعمليات حربية ضد الفرنجة، كطعن أحد الحراس أو الإضرار بسور في طور التشييد أو في ما قامت به حامية طرابلس بأسرها، عندما خرجت بقيادة القاضي وفتكت بعدد كبير من المحاربين الفرنجة وأضرمت النار في أحد أجنحة القلعة.
هذه الحوادث العسكرية التي رافقت حصار طرابلس، لم تمنع الطرفين المتحاربين من عقد اتفاق يتعهّد به أهالي المدينة بعدم مهاجمة القلعة، وبالمقابل يتعهّد القادة الفرنجة بعدم التعرّض لمسيرة المسافرين والبضائع. إنّ هذا الاتفاق الذي وافق عليه قاضي المدينة أفرز مساراً جديداً حدّد العلاقات التي انتظمت بين المحاصِرين والمحاصَرين، وكأن واقعاً طبيعياً نشأ، إذ استأنف ميناء طرابلس نشاطه وأخذت القوافل تروح وتجيء بعد دفع المكوس للفرنج وشرع الوجهاء الطرابلسيون يعبرون خطوط الأعداء مزوّدين بجوازات مرور.

حال طرابلس طيلة الوجود الفرنجي
لا شك في أنّ المدينة ظلّت تحتفظ بشهرتها العلمية التي عُرفت بها في العصور السابقة، وغدت مركزاً علمياً متفوّقاً يفِد إليه طلاب أوروبا لأخذه عن علمائها المسلمين والنصارى البلديين.
ورغم تبدّل الحياة السياسية والدينية فيها، إذ تحوّلت من إمارة عربية إسلامية إلى إمارة كونتية صليبية، ومع ذلك فإنّ جذوة العلم فيها لم تخمد، كما كان متوقعاً، بل إنّ الحركة العلمية والفكرية وجدت المناخ المناسب للتفاعل بين الفكر العربي والأوروبي والمعتقدات الدينية والتنافس الثقافي والتأثر والتأثير. فقد بقي في المدينة قسم من أهلها المسلمين، عندما دخلها الصليبيون، وعاد إليها قسم آخر ممن كانوا قد تركوها إبان الحصار.
وكان من الطبيعي أن يخبو نور النهضة الثقافية لفترة من الزمن عقب الاحتلال الصليبي لطرابلس سنة 502 هـ / 1109م. فالمكتبة العامرة أصبحت خراباً وأنقاضاً وكتبها أصبحت طعماً للنيران، ورماداً ذرّته الرياح، ومدارس ومساجد المدينة أصبح معظمها أثراً بعد عين. ولم يسلم من يد التخريب والتدمير إلا ما كان واقعاً في المنطقة التي دخلتها قوات «بلدوين» إذ إنها لم تقم بعمليات التخريب عندما افتتحت شوارع المدينة، كما فعلت القوات الجِنويّة. ولذا يمكن القول إنّ غالبية المساجد والمدارس الإسلامية قد بقيت في المدينة تؤدي دورها بين المسلمين من أبنائها الذين آثروا البقاء فيها، حيث أجاز رجال الدين المسيحيون للمسلمين أن يؤمّوا المساجد للعبادة. فكان المسلمون يعلّمون أبناءهم القرآن في المدارس القائمة، والتي كانت لا تزال في طرابلس وأنطاكية المسيحيتين.
وأعاد معهد الطب الذي أنشئ في تلك الفترة الشهرة العلمية والحضارية للمدينة، إذ كان بمثابة معهد أكاديمي يتلقى فيه الطلبة دراسة الطب على أيدي علماء متخصصين، واشتهر شهرة واسعة حتى قصده الطلاب من الأنحاء القاصية وأصبح أعظم معاهد الطب في الإمارات الصليبية على الإطلاق. وكان الطب من اختصاص اليعاقبة البلديين نخص بالذكر منهم اليعقوبي ميشيل الحلبي الذي مارس الطب محاطاً بتقدير رجال الدين وطبقة أشراف الفرنجة. وفي طرابلس أتمّ العالم الكبير «برهبراوس» دراسته العلمية على أستاذ نسطوري طرابلسي، ويشير أحد اليعاقبة الأنطاكيين إلى وجود عدد كبير من الأطباء اليعاقبة والمكاتبين والمسلمين في طرابلس كان يتردد عليهم في معامله وعالجوه في المستشفيات. وكان ممن تخرّج في معهد الطب المؤرخ المعروف بابن العبري، حيث تلقى علم الطب على يد مدرّسي هذا المعهد وهو «يعقوب النسطوري» ومعه زميله «صليبا بن يعقوب الرهاوي» الذي أصبح بعد تخرّجه أسقفاً لليعاقبة في حلب ثم «مقرياناً» باسم أغناطيوس. كما اشتهر إلى جانبه «باسيلوس الحلبي» أحد أساتذة معهد الطب بطرابلس، وميشيل الحلبي الذي مارس الطب محاطاً بتقدير رجال الدين وطبقة النبلاء من الفرنجة، كما كان في طرابلس عدد كبير من الأطباء على اختلاف مذاهبهم من اليعاقبة والملكانيين والمسلمين.
وبهذا يتّضح أنّ الطب كان متقدماً عند العرب مسلمين ومسيحيين في هذا العصر، وأنّ هذه النهضة العلمية والطبية لم تكن بفضل الصليبيين وحدهم. فقد ذكر المؤرخ «وليم الصوري» أسقف صور الذي عاصر الحروب الصليبية أنّ الأمراء الصليبيين الشرقيين بناء على رغبة نسائهم، وتحت تأثيرهم لا يعتقدون في الأدوية ولا يثقون بوسائل وطرق علاج الأطباء الصليبيين، ولكنهم يثقون بالأطباء اليهود واليعاقبة والمسلمين». وإلى جانب المؤرخ «ابن العبري» الذي تعلّم في طرابلس وأتقن العربية، فقد قصدها الكثير من النبلاء الصليبيين، وقد نبغ فيها الأسقف «وليم الطرابلسي» الذي أصبح أسقفاً على طرابلس منذ سنة 1250م. ووضع كتاباً عن الإسلام بعنوان «أبحاث في أحوال العرب» وبرهن في كتاباته على رؤيته النافذة في عبقرية الإسلام ومميزاته.
وإذا كان لنا أن نشير الى أهمية العلاقات التي تكوّنت بين سكان طرابلس والفرنجة ومدى التأثير الذي تركته تلك الروابط في دور طرابلس الثقافي، فإنه يمكن الإشارة إلى أنّ طرابلس كانت في العصر الصليبي، كما كانت في العصر الإسلامي، من أهم موانئ الشام وكانت تعيش التقدّم الحضاري والفكري والثقافي، فأقام الصليبيون فيها مائة وثمانين عاماً، وتأثّروا فيها بالعلم والثقافة والمظاهر الحضارية والإسلامية، كما تأثر الشاميون بالصليبيين، ونتج من هذا القيام حركة فكرية لا في طرابلس فحسب بل في بلاد الشام كلها، ونشطت حركة الترجمة، مما أدى إلى قيام مدارس لها اتجاهاتها في الفلسفة والأدب والأديان، ومن هذه المدارس، ارتقت في طرابلس مدرسة طائفة اليعقوبيين، التي بلغ فيها العلم أوجاً عالمياً، فقد كان جمع اليعاقبة هو الأهم في طرابلس بين الطوائف المسيحية الأخرى، ولعب هؤلاء دوراً كبيراً في المجال الفكري. كذلك كان الكاثوليك الروم – وعلى الأخص في طرابلس – يتمتّعون بوضع اجتماعي جيد فلمعوا بخاصة في الجانب الفكري وفاقوا أحياناً الموارنة.
وهكذا ظلّت طرابلس تحتفظ بشهرتها العلمية حتى في ظل الاحتلال الصليبي، وظلّت مركزاً علمياً متفوّقاً يفد إليه طلاب العلم من أوروبا لأخذه عن علمائها المسلمين والنصارى البلديين. وإذا كان الفرنجة في طرابلس يتكلمون باللغة الفرنسية، كما كان التجار الإيطاليون يتكلمون الإيطالية، فإنّ الكثيرين من الفرنجة أتقنوا العربية إذ وجد أمراؤهم وإقطاعيّوهم وتجارهم ورهبانهم أنّ من الخير لهم أن يتعلّموا العربية.
وممن أتقن العربية «ريموند الثالث» كونت طرابلس، حيث تعلّمها أثناء فترة وقوعه في الأسر بيد المسلمين في حلب عام 1165م. وأصبح يعرف الإسلام وعادات أهله معرفة الخبير. أما «وليم الصوري» و «وليم الطرابلسي»، وقد ولدا في لبنان كما ولِد كثيرون من الإفرنج – فقد كانا لا يجيدان اللغة العربية المحكية فحسب، بل العربية الفصحى أيضاً.
وفي مجال العلوم الفلسفية والمنطق والطب اشتهر «غريفوري بار إبراوس» أبو الفرج ابن أهرون المالطي، المعروف عندنا بابن العبري، ويُعرف عند اللاتين باسم «أبو لفرجيوس» وكان قد شخص إلى طرابلس في القرن الثالث عشر الميلادي لتحصيل المعارف، وفيها تعرّف الى زميله في الدراسة «صليبا بن يعقوب الرهاوي» الذي كان يتردّد معه على بيعة مار بهنام، وتلقّى الدروس على يد العالم النسطوري «يعقوب» الطبيب.
وقد أربت مؤلفات ابن العبري على ثلاثين كتاباً في الفلسفة والطب واللغة والشعر والأدب والمنطق والجغرافيا، إلا أنّ أشهر مؤلفاته هو كتاب «مختصر تاريخ الدول» وقد فاق كل ما اشتهر به من مؤلفات، إذ حظي هذا الكتاب باهتمام كبير بخاصة في العالم اللاتيني حيث اطّلع الأوروبيون منه على تاريخ الأمم الشرقية وأصلها كالعرب والتتار والمغول. وكتب تاريخه بالسريانية مطولاً، ثم اختصره بالعربية، وقام الدكتور «بوكوك» بترجمة المختصر إلى اللاتينية، وطبع في أوكسونيا أكسفورد سنة 1663م. ثمّ ظهر جزء من المتن العربي مع ترجمته اللاتينية بعناية الأستاذين «برونس» و «كيرش» في «لايبزغ» سنة 1788م. وترجمه الأستاذ «بور» إلى الألمانية سنة 1783م. وطبع في بيروت سنة 1890م ثم في سنة 1958م. بالمطبعة الكاثوليكية.
وإذا كان ذلك شأن الحالة العلمية للمدينة، فكذلك ازدهرت الحياة الاقتصادية في كونتية طرابلس ازدهاراً يُذكّر بما وصلت إليه في عهد بني عمار، فلقد كانت كونتيّة طرابلس تقوم بدور الوسيط التجاري بين داخل البلاد والخارج، فكانت على حدّ قول الإدريسي معقلاً من معاقل الشام مقصوداً إليها بالأمتعة وضروب المال وصنوف التجارات.
وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي سبّبها زلزال 1157م. في عمران الكونتيّة، فلقد ظل اقتصادها منتعشاً بخاصة في مدن الساحل وطرابلس على رأسها جميعاً. فمن حيث الثروة الزراعية كانت الكونتيّة تعتمد بوجه خاص على زراعة القطن وقصب السكر. وكانت تحيط بطرابلس بساتين ممتدة غرست فيها أشجار البرتقال، وكان فيها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير. ومن حيث التجارة كان ميناء طرابلس يجتذب إليه قسماً كبيراً من تجارة البحر المتوسط، فكان يُشحن منها إلى موانئ الغرب في إيطاليا وجنوبي فرنسا منتجات الشام والشرق، وكانت طرابلس على هذا النحو وثيقة الاتصال من الناحية التجارية مع الإمارات الإسلامية المجاورة.
ومن حيث الصناعة اشتهرت طرابلس بوجه خاص بصناعة المنسوجات النفيسة، وكان يصنع بها نوع من النسيج السميك يشبه الديباج يُعرف باسم المخمل Les camelots. وكانت تضمّ في القرن الثالث عشر أربعة آلاف نول لنسيج الحرير والمخمل. كذلك اشتهرت طرابلس بتفوّقها في صناعة الصباغة التي اختصّ بها يهود الكونتية وكانت هذه الصناعة تعتمد على نوع من النبات يُطلق عليه اسم الجرانس الذي كانت تُستخرج منه أصباغ أرجوانية اللون، وذاعت شهرة طرابلس أيضاً في صناعة الزجاج وأنواع الخزف.

صور بعد عكا
أمّا صور، فإنّها كانت تأتي في المرتبة الثانية بعد عكا في الازدهار والعمران، أيام الفرنجة، فإنّ الإدريسي، الرحالة المغربي كتب عام 1154م. قائل: «وفي صور يُصنع أفخر الزجاج والخزف، ويصنعون فيها أيضاً نوعاً من القماش الأبيض لا يعادله قماش آخر من حيث النوع وجودة الصنع، ويُصدّرونه إلى جميع البلدان ولا يصنع قماش يضاهيه من حيث جودته في أي من الأقطار الأخرى».
ويصف صيدا، أيام الوجود الفرنجي، قائلاً: «إنّها مدينة كثيرة السكان وأسواقها مزدحمة والأسعار فيها منخفضة. وتحيط بها بساتين وأشجار والماء فيها وافر.
أما الرحالة اليهودي «بنيامين التودلي الاسباني» الذي مرّ في لبنان، بعد مضي خمس عشرة سنة، فإنّه أيضاً يذكر الزجاج الصوري الشهير. والصباغ الأرجواني الذي اشتهرت به هذه المدينة التجارية التي يؤمّها التجار من كل أنحاء المعمورة.
وذكر سائح ألماني اسمه «تيودورش» نحو عام 1172م. أنّه وجد مدينة صور أحسن المدن الفينيقية من حيث مناعة أبراجها ومتانة أسوارها. وقد وصف بيروت أنّها مدينة غنية قوية كثيرة السكان.
أما الرحّالة الأندلسي «ابن جبير» الذي مرّ في صور سنة 1184م و 1185 م/. فيقول: «إنه وجدها عظيمة في تحصيناتها التي يُضرب بها المثل ووجد أنّ أسواقها أحسن نظافة من أسواق عكا. وأنّ «الكفار «يعاملون المسلمين بشيء من التسامح».
أما «وليم الصوري فإنه يذكر المياه الغزيرة في ضواحي صور التي تسقي الجنائن وتروي بساتين قصب السكر. يقول «وليم الصوري»: «يصنعون من عصير هذا القصب مادة من أثمن المواد، وضرورية لصحة الإنسان كما أنّها الأكثر أهمية وإنتاجاً للتصدير. ويصدر التجار هذه المادة من صور إلى أقصى بلدان العالم وقد أُعجب راهب كريتي اسمه «يوحنا فوكاس» (1185م). بمدينة صور فهو يقول: «إنّ صور تفوق بجمالها سائر المدن الفينيقية، فهي مثل طرابلس، مبنية على شبه جزيرة، ولكنّها أكثر منها اتساعاً وأفخم منها دوراً» وبنايات. وقد وجد الراهب «فوكاس» بيروت «مدينة كبيرة السكان».
لقد أتاحت الفترات التي تقع فيها الهدنة بين الفرنجة وأهل البلاد أنّ يختلطوا اجتماعياً ويتعاطوا مختلف الأعمال الاقتصادية، فكانت الحروب الصليبية عاملاً في ازدياد وسائل النقل والمواصلات وفي تعميم الإنتاج الزراعي ونشر السلع الصناعية الشرقية في السوق الأوروبية، وقد شجعت هذه الحروب المشاريع التجارية بين الشرق والغرب، فاتسع نطاق التجارة، وفي أثناء إقامتهم في الشرق تعلّم الإفرنج أساليب العيش الشرقي واستخدموا خدماً من أبناء البلاد وممرضات وسائسي خيول.
وعلى مرّ الأيام، تعرّفوا إلى كثير من الغلال ومواد الأطعمة الشرقية كالسمسم والخروب والأرز والليمون والبرقوق والكرات. أهم من هذه جميعها مادة السكر وقصبه اللذان تعرفوا إليهما على الشاطئ اللبناني. وقد كانت السهول المحيطة بصور غنيّة بزراعة قصب السكر. فإنّ «فان دي متري» يقول «إنّه رأى حقولاً واسعة مزروعة بقصب السكر في هذه النواحي (نواحي صور) وقصب السكر في داخله كثير من العسل».
وكذك راجت في الأسواق الأوروبية الآنية الخزفية والزجاجية الشرقية التي اشتهرت في مدن لبنان الساحلية بصنعها منذ أقدم الأزمنة، وكانت المناطق المجاورة لبيروت وطرابلس تُعنى بتربية دود الحرير منذ العهد البيزنطي المتأخر (أواخر القرن السادس الميلادي). وقد اشتهرت صور بصنع قماش حريري رفيع يُعرف بالحرير السندي، وكذلك بيروت التي اشتهرت بصنع القماش الحريري السميك المقصب المسدس الخيطان.
كما أتاح الوجود الفرنجي في مدن الساحل، بناء الأبراج والقلاع على طول الساحل اللبناني والسوري. وقد حرص بُناة هذه القلاع أن يكون بناؤها عملا فنيا يتمشّى مع فن العمارة البيزنطي الشائع في البلاد. وكان بناء الكنائس يتبع الأسلوب الروماني والقوطي المألوف، أما زخرفها فكان يحتذي النماذج البيزنطية.
وكان من بين الكنائس، كاتدرائية نوتردام في صور، فقد بُدئ ببنائها عام 1127م. على موقع قديم لكنيسة تعود إلى القرن الرابع الميلادي، ولعلها الكنيسة التي كرّسها يوسبيوس، وبسبب أنّ صور كانت مدينة كبيرة جامعة، فقد كان أساقفة بيروت وصيدا وعكا وصولاً إلى البتراء جنوباً يُعتبرون كمساعدين لرئيس أساقفة صور. وكان لمدينة صور كنيسة ثانية كرّست للقديس مرقس بناها أهل البندقية تقريباً في هذه الفترة من الزمن. وتقع بين صور وصيدا خرائب بلدة الصرفند حيث أنشأ الصليبيون مقرّاً أسقفياً، أما في صيدا فإنّ حيطان الكنيسة المستطيلة التي بنتها الاستبارية وكرستها لشفيعها القديس يوحنا، فقد أصبحت جزءاً من الجامع الكبير، ويعود تاريخ بنائها إلى القرن الثالث عشر.
وقد كان لمدينة بيروت، قلعة ظلّت قائمة حتى سنة 1856م، وقد كان موقع برجها البالغ علوه ثمانين قدماً في ساحة البرج، وأهم ما تبقى من الآثار الفرنجية في بيروت كنيسة يوحنا المعمدان التي بناها الملك بولدوين عام 1110م. بعد استيلائه على المدينة بزمن قصير.
أما الكنيسة الصليبية في جبيل التي يعود زمن بنائها إلى 1115م، فهي اليوم كنيسة مارونية على اسم القديس مار يوحنا، وإلى الشمال في بلدة البترون كنيسة جديدة مسماة بكنيسة مار يعقوب فيها حائط واحد من العهد الصليبي.
وعلى هضبة جنوبي طرابلس يقوم دير عُرف بدير البلمند، وهو أحد الأبنية الصليبية القليلة التي احتفظت باسمها اللاتيني. وقد بُني هذا الدير عام 1157م. للرهبنة التي تُعرف بالسترسية، وسمي باللاتينية Abbatia Belimontis أي الدير القائم على جبل جميل. أما الجامع الكبير في مدينة طرابلس فيقوم على الموقع ذاته الذي كانت تقوم عليه كاتدرائية صليبية تُعرف بكاتدرائية القديسة مريم وقد شُيدت في أوائل القرن الثالث عشر، وعندما وقعت طرابلس في أيدي المسلمين بعد تحريرها من الصليبيين، هُدمت وأُقيم مكانها جامع هو الجامع المنصوري الكبير.

المصدر: الحياة




قصص الأنبياء في الكتب السماويّة الثلاثة: إشكاليّات الترجمة وعوائق التقبّل

بقلم محمّد عبد الوهّاب اليوسفي —
مقدّمة:

تمثّل الترجمة نشاطًا فكريًّا ضروريًّا، يبرّر وجودَه اختلافُ لغات البشر[1]، وغالبًا ما تنهض بوظيفة الوسيط بين تعدّد الثقافات والنموذج لجميع أشكال التبادل، ليس من لغة إلى لغة أخرى فحسب، ولكن من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ بل إنّ الأديان والثقافات، على تنوّعها واختلافها، لا ينبني الحوار بينها، إلّا على أساس الترجمة، بوصفها الآليّة الأولى والمركزيّة التي تحقّق ذلك[2]، وتعدّ القصّة فنًّا سرديًّا موغلًا في القدم، ومرتكزًا، أساسًا، على نقل فعل الحكي، سواء أكان واقعيًّا أو تخيليًّا، غير أنّه يختلف في الممارسة الفنيّة المتجليّة، نصيًّا، باختلاف الثقافات وتنوّعها، ومن هذيْن المنطلقيْن، الترجمة وفعل القصّ، ارتأينا أن نعالج بالدرس مسألة مهمّة في الإرث التوحيدي (اليهودي والمسيحي والإسلامي)، تتمثّل في إشكاليّة ترجمة قصص الأنبياء، ويُبرَّر اختيارُنا هذا الموضوع بالذات، من زوايا عديدة، لعلّ منها؛ الحضور المكثّف للقصص في النصوص التوحيديّة الثلاثة، من العهديْن، القديم والجديد، إلى القرآن؛ إذ يحتلّ مساحة نصيّة واسعة منها، ومنها مدى تأثير عنصر القصص في تشكيل صورة النبيّ، أو الإله[3]، أو الشخصيّة التاريخيّة، إضافة إلى وجود قصص للأنبياء أو لأشخاص تاريخيّة، اشتركت في روايتها الكتب السماويّة الثلاثة، ولا غرابة في وجود مقوّمات مشتركة، أو صلات ارتباط، ونقاط تقاطع وتلاق بينها؛ لأنّها تتنزّل في إطار توحيديّ.

على أنّ اللافت في قصص الأنبياء في النصوص التوحيديّة؛ هو وجود قصص لبعض الأشخاص، تتعاود بين الكتب السماويّة الثلاثة، تأتلف في أمور وفي جزئيّات، وتختلف في أخرى، محكومة بحدود تواصل وقطيعة، لها وقعها وتأثيرها، لا في عمل المترجم المطّلع على الأديان الثلاثة فحسب؛ بل في متلقّي الترجمة أو المتقبّل، وما يهمّنا في هذا البحث؛ هو ذاك الجانب المختلف أو القطيعة بين هذه النصوص الثلاثة، وليس الاختلاف بين النصوص شكليًّا؛ بل هو جذريّ وعميق.

لقد أخبر الكتاب المقدّس بعهديه، عن أشخاص تاريخيّين، واعتبرهم أشخاصًا عاديّين، يتّصفون بكلّ الصفات البشريّة، مثل؛ آدم، ونوح، ولوط، وأيّوب، وداود، وسليمان، ومريم، وفي المقابل؛ قدّم القرآن الأشخاص ذاتهم، ولكن برؤية أخرى، وبأبعاد مختلفة، ترتفع بهم إلى خانة الأنبياء المعصومين من الأخطاء؛ فهناك تطوّر كبير، يرتفع بالشخص من وضع الإنسان العادي الخطّاء في الكتاب المقدّس، إلى وضع الإنسان النبيّ الطاهر من الأخطاء، والنموذج في القرآن.

لن نعالج في هذه الدراسة المجمل والمفصّل في القصص أو الأحداث المذكورة، بتفصيل دقيق، أو تلك التي حُذفت في محلّ ما من النصّ الديني، وذُكرت في محلّ آخر؛ لأنّ مثل هذه العمليّات، محكومة بالأغراض والمقاصد “التي تدفع إلى ذكر بعض الأحداث، وحذف بعضها الآخر”[4]. كذلك، لن نهتمّ ببنية القصص اللسانيّة من (كلمة، وجملة، ونصّ) والأطر المتحكّمة فيها، فلا شكّ أنّ هناك صعوبات جمّة في هذا المجال اللساني، لعلّ من أهمّها؛ تعدّد المعنى بالنسبة إلى اللفظ الواحد، والذي يختلف باختلاف السياق والمقام؛ أي الاستعمال، لا سيما إذا تعلّق الأمر بالنصّ الديني، إضافة إلى أنّه لا يمكن الحديث في أي خطاب عن سياقات واضحة وحسب؛ بل هناك سياقات حافّة وخفيّة، تُسمّى دلالات، ليست كلّها فكريّة، ولكنّها عاطفيّة، وليست متاحة للجميع، ولكنّها خاصّة بفئة ما[5].

ثمّ إنّ الإشكال في هذا البحث، لا يتعلّق بأخطاء الترجمة والصعوبات المتّصلة، مثلًا، بترجمة الحروف المطالع في القرآن إلى لغات أخرى، أو ترجمة ألفاظ بعينها في العهديْن القديم والجديد، قد تمتلك معنى معيّنًا في سياق الثقافة الدينيّة الحاضنة، يصعب التعامل معه باللغة العربيّة التي تمثّل لغة الديانة التوحيديّة الثالثة، التي لها، هي الأخرى، معطياتها وسياقاتها الثقافيّة الخاصّة بها، ولسنا في إطار فحص محاولة في ترجمة متن من متون الكتب السماويّة مرتبط بالقصص الديني، من لغة إلى أخرى؛ بل إنّ عملنا ينبني على مساءلة جوهريّة تتمثّل، في عنصر أوّل، في الكشف عن الإشكاليّات الحافّة بعمليّة ترجمة القصص الديني لشخصيّة من شخصيّات الكتاب المقدّس، والتي أعاد القرآن إنتاجها من جديد، وتشكيلها على نحو مغاير في بعض عناصر القصّة، ثمّ نبرز، في عنصر ثانٍ، أهمّ العوائق القائمة التي تعرقل عمليّة تقبّل النصّ القصصي المترجم من الكتاب المقدّس.

التساؤل في هذا المقال: قائم على الإشكاليّات والعوائق، دون البحث في الآليّات والسبل التي يمكن أن يتعامل بها المترجم مع المختلف من قصص الأنبياء، التي تمثّل إرثًا ثقافيًّا مشتركًا بين الأديان، ودون اقتراح سبل يمكن أن تساعد المترجم على تجاوز إشكال الملامح المختلفة للشخصيّة الواحدة في النصوص الدينيّة.

فهل يقبل العربيّ المسلم القصص الديني المترجم عن الكتاب المقدّس، والذي يحمل في طيّاته بعض العناصر المختلفة في بناء القصّة لشخصيّة من الشخصيّات المشتركة بين الكتب التوحيديّة الثلاثة؟ وهنا، يمكن أن نتساءل عن كيفيّة محو أو تجاوز ذاكرة المتلقّي المسيحي أو اليهودي، المتأسّسة على قصص الكتاب المقدّس، ليؤسّس ذاكرة جديدة مصدرها القصص القرآني؟ وإذا كان بول ريكور يشترط الترجمة شرطًا أساسيًّا لتواصل الثقافات في ما بينها، وحوار الأديان؛ فكيف يمكن أن يتمّ ذلك في إطار ثقافة إسلاميّة، تؤمن بأنّ ما سواها من كتب دينيّة باطل ومحرّف ولا مصداقيّة دينيّة له؟ سوف يقتصر عملنا على اعتماد الكتاب المقدّس، وتحديدًا العهد، باعتباره نصًّا مترجمًا من لغات أخرى، يمكن أن تكون لغات أمًّا أو مصدرًا، والقرآن بوصفه؛ ناطقًا بلسان اللغة الهدف من ناحية، وحاملًا للإرث القصصيّ ذاته، متنًا لهذه المداخلة.

1- الإشكاليّات الحافّة بترجمة القصص الديني في النصوص التوحيديّة:

لقد أكّد الجاحظ على صعوبة عمليّة الترجمة، بصفة عامّة، وترجمة الكتب الدينيّة على وجه التحديد، باعتبارها “كتب دين وإخبار عن الله، عزّ وجلّ، بما يجوز عليه ممّا لا يجوز عليه”[6]، وذلك لما تتطلّب من آليّات عديدة وجهد كبير، ولكنّ الصعوبة الأكبر، تتمثّل في ترجمة القصص الديني المشترك بين الأديان، لا سيما إذا كان حاملًا لبعض عناصر الاختلاف. لقد أشرنا في المقدّمة إلى الحضور المكثّف للقصص[7] في النصوص التوحيديّة، كما “إنّ زخم الحضور الهائل للنصوص القصصيّة في التنزيل، يؤكّد لنا أنّ هنالك امتدادًا وتواصلًا بين التنزيل والكتب السابقة بشكل من الأشكال”[8]، على أنّنا سندرس في هذا البحث؛ أكثر القصص تشابهًا بين هذه النصوص، وقد وقع اختيارنا على قصّة لوط بين العهد القديم والقرآن[9].

سنجري مقارنة بين محتوى قصّة لوط التوراة ولوط القرآن؛ لنتبيّن المؤتلف والمختلف بين القصّتين، ساعين من خلال ذلك، إلى الكشف عن الصعوبات التي تقف عائقًا إزاء عمليّة ترجمة النصّ الديني من لغته الأمّ.

1-1- لوط بين العهد القديم والقرآن:

يبدأ الإخبار عن لوط في السفر الأوّل من العهد القديم المترجم إلى اللغة العربيّة، ويمتدّ هذا الإخبار على أكثر من أصحاح[10]؛ حيث يُذكر نسبه[11]، ومرافقته عمّه أبرامَ في هجرته[12] في أكثر من مكان[13]، ثمّ يخبر عن ممتلكات لوط، من الغنم والبقر، شأنه في ذلك شأن إبراهيم؛ التي كانت سببًا في ابتعاده عن عمّه[14]، ثمّ يذكر العهد القديم الأرض التي اختار لوط ليعيش فيها[15]، وعن تحريره من الأسر من قبل عمّه أبرام[16]، ثمّ يخبر عمّا كان من قومه في شأن الملكيْن ضيفيْ لوط، وما كان من الملكيْن من تدمير سدوم ومن فيها، كردّةَ فعل تجاه سلوك القوم، المتمثّل في السعي إلى مضاجعتهما، باستثناء لوط وبعض أهله[17]. ثمّ يُنهي بقيّة قصّة لوط بخطيئة ابنتيْ لوط: غادر لوط وابنتاه قرية صوغر ليستقروا جميعًا في كهف بالجبل هناك حصلت الخطيئة (31) فقالت الابنة البكر لأختها الصغيرة إنّ أبانا قد شاخ وليس في الأرض حولنا رجل يتزوّجنا كعادة كلّ الناس (32) فتعاليْ نسقيه خمرًا وأقبلت الابنة الكُبرى وضاجعت أباها فلم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها (34) وفي اليوم الثاني قالت الابنة البكر لأختها الصغيرة إنّي قد اضطجعت مع أبي ليلة أمس فتعاليْ الليلة أيضًا نسقيه خمرًا ثمّ أدخلي واضطجعي معه فنُحييَ من أبينا نسلًا (35) فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا وأقبلت الابنة الصغيرة وضاجعت أباها فلم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها (36) وهكذا حملت الابنتان كلتاهما من أبيهما (37) فولدت الكبرى ابنا دعته مؤاب (ومعناه من الأب) وهو أبو المؤابيّين إلى اليوم (38) أمّا الصغرى فولدت ابنا ودعته (بن عمّي) (ومعناه ابن قومي) وهو أبو بني عمّون إلى اليوم[18]”. هكذا كانت قصّة لوط في العهد القديم، وما يلاحظ: أنّ لوطا لم يوسم بأنّه من الأنبياء والمرسلين، وتشكّلت له صورة معيّنة، تتأسّس على أنّه “ليس أفضل كثيرًا من زملائه السدوميّين، وقد وُصِف لوط، في موضع آخر، في الأدب التوراتي بـ(فاسق)، ويفترض أنّه اختار الإقامة في سدوم بالتحديد؛ لأنّه انجذب إلى البذاءة السائدة”[19]. وما يلاحظ، في هذا السياق؛ أنّ العهد القديم قد تأثّر بأساطير الثقافات الدينيّة الشرقيّة تأثّرًا كبيرًا، لا سيما في ما تعلّق بإخراج صورة الإله، وصور الأنبياء والشخصيّات الدينيّة[20].

أمّا لوط القرآنيّ؛ فقصّته تماثل القصّة التوراتيّة، باستثناء بعض العناصر المميِّزة، التي يمكن اختصارها في منحييْن اثنيْن، هما: أوّلًا: غياب الجزء الذي انتهت به القصّة التوراتيّة، وهو: شرب لوط الخمر وسقوطه في الخطيئة مع ابنتيْه. وثانيًا: إنّ لوطًا كان مرافقًا للنبيّ إبراهيم وزوجه سارّة، وكان مؤمنًا بعقيدة التوحيد مع إعلانه هجرته إلى الله.

يخبرنا القرآن عن لوط النبيّ، إجمالًا وتفصيلًا، في أكثر من سورة[21]، وأهمّ ما يمكن أن يلاحظ: هو وجود قصّتيْن مختلفتيْن بعض الاختلاف، لا سيما في سورتيْ (هود والحجر)؛ فالقصّة الأولى في سورة هود: تتأسّس أحداثها، كما يلي: تنزل الملائكة على لوط في صورة الضيف؛ فيضطرب حال هذا الأخير النفسي[22]، ثمّ يُقبِل عليه قومه رغبة في إتيان ضيفه، ثمّ يعرض لوط على قومه بناته، حتّى لا يخزى في ضيفه[23]، فيلحّ قومه على إتمام رغبتهم الجنسيّة في ضيفه[24]. يتجلّى بعد ذلك؛ موقف الملائكة المتمثّل في إخبار لوط، بأنّهم رسل ربّه، ونصحهم له بمغادرة المكان، وإعلامهم إيّاه بما سيحلّ بقومه[25]. أمّا القصّة الثانية؛ فتختلف على مستوى ترتيب الأحداث: تعلم الملائكة لوطًا بأنّهم رسل ربّه، وتنصحه بالمغادرة، وتنبئه بالعذاب الذي سيحلّ بالقرية. فكلّ هذه الأحداث جرت قبل مجيء قوم لوط، خلافًا لمجريات الأحداث في القصّة الأولى[26].

ويسند القرآن للوط خصالًا لم تُسندْ له في العهد القديم، مثل؛ الحُكم والعلم، وينجّيه من القرية التي تعمل الخبائث[27]، ثم يبرز لوط رسولًا أمينًا، أرسله ربّه إلى قومه، لينتهوا عمّا كانوا يقترفون من إتيان الذكران، بعد ما كُذّب من قبله بالمرسلين، ولكنّه فشل في ما كُلِّف به، وهُدّد بالطرد من القرية، لكنّ لوطًا يلجأ إلى ربّه لينصفه[28]. هكذا صوّر القرآن لوطًا؛ وهي صورة نمطٌ لأغلب أنبياء القرآن، أو هي مثل صورة محمّد؛ أي مثل نبيّ أرسله الله لإدانة الأشرار[29].

إنّ العناصر المختلفة بين قصّة لوط التوراتيّة، وقصّته القرآنيّة، تمثّل أهمّ الإشكاليّات الحافّة بعمليّة الترجمة، ذلك أنّه لا يمكن أن يتقبّل الضمير الإسلامي، الجمعي والفردي، على حدّ السواء، قصّة لوط التوراتيّة التي تشكّلت في العهد القديم، ومأتى رفضها؛ هو الأسس والأبعاد التي شكّلتها القصّة القرآنيّة، والتي من خلالها بدا لوط نبيًّا حكيمًا؛ فلا يمكن أن يكون لوط نبيًّا، وقد كان ممّن يشرب الخمرة، ويضاجع ابنتيْه[30].

وتجدر الإشارة إلى أنّ الاختلاف بين عناصر القصص المشترك بين الكتب السماويّة، لا يتوقّف عند قصّة لوط؛ فهناك أشخاص آخرون تعاود ذكر قصصهم بين التوراة والقرآن، أو بين الأناجيل والقرآن، مثل: (أيّوب، وسليمان، وعيسى، ومريم)، لكنّ متن قصّة الشخص الواحد، اختلف في بعض الجزئيّات من كتاب سماويّ إلى آخر، وإذا كانت هذه العناصر المختلفة في صلب القصّة الواحدة، بين كتابين منتمييْن إلى خطّ توحيديّ؛ هي من جوهر إشكاليّات الترجمة، باعتبار أنّ العربيّ المسلم إذا ما اطّلع على الوافد المترجم لهذه الشخصيّات، قد يرفضه، لا لاختلافه وحسب؛ بل لأنّه يتنافى مع مفاهيم جوهريّة، تعتبر من بديهيّات الدين، ولا يمكن الخوض فيها بأيّ شكل من الأشكال، ومهما كان انتماؤها، وهو ما سنوضّحه في العنصر الرئيسي الثاني من هذا البحث المتمثّل في عوائق تقبّل الترجمة.

2- عوائق تقبّل تراجم قصص العهد القديم إلى العربيّة:

لا تنحصر عوائق تقبّل المتون المترجمة من قصص الأنبياء المشتركة بين الأديان الموحّدة إلى اللغة العربيّة، في ما يرتبط بالأمور اللغويّة والأسلوبيّة والبلاغيّة؛ بل تنبني على أبعاد أخرى، منها ما له صلة بتاريخيّة الكتب المقدّسة ومصداقيّتها، لا سيما في ما يتعلّق بالتوراة والأناجيل. أخبر القرآن تصريحًا، في أكثر من موضع، عن تحريف أهل الكتاب للتوراة والأناجيل؛ فورد في سورة النساء ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[31]، وخاطب الله في سورة المائدة أهل الكتاب، بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾[32].

من هذا المنطلق، ووفق الرؤية القرآنيّة؛ فإنّ التوراة والأناجيل وحيٌ إلهيٌّ لم يقع حفظه؛ بل خضع للتحريف، وفق ما أملته ظروف تاريخيّة متنوّعة الغايات، وقد أثبت هذا التحريفَ أكثرُ من باحث غربيّ مشتغل على هذه المباحث[33]، وهذا التحريف للكتاب المقدّس، يستحيل عائقًا، يمنع تقبّل القصص الديني النابع من الكتاب المقدّس في عهديْه.

ومن الأبعاد الأخرى، أيضًا: البعد القيميّ الذي يتأسّس على مبدأ عصمة الأنبياء، وإذا كان القرآن لا يقرّ بهذا المبدأ؛ فإنّ الثقافة العربيّة الإسلاميّة، تنظر في النبيّ على أنّه معصوم من الفواحش[34]؛ بل إنّ “الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، معصومون في زمان النبوّة عن الكبائر والصغائر بالعمد”[35].

يرفض الضمير الإسلامي تمام الرفض، أن يصوّر النبيّ على صورة البشر العادي الخطّاء، الذي يقترف الآثام، ويرتكب الخطايا، والمعاصي، والفواحش؛ فإن كان لوط في العهد القديم في سفر التكوين بشرًا عاديًّا، ولم يحمل رسالة، وكانت مضاجعته لبناته قد لا تثير الأبعاد الأخلاقيّة في المنظور اليهودي، رغم ما يمكن أن تحمله القصّة من تحريف؛ فإنّه، وعلى العكس من ذلك، لا يمكن أن يقبل التصوّرُ الإسلامي مضمون ترجمة قصّة لوط لاعتبارات دينيّة أخلاقيّة، ولا يرتبط المنهج التوراتيّ في تقديم الأشخاص أو الأبطال بشخص لوط وحسب؛ بل “إنّ أسفار العهد القديم التي ورثها النصارى عن اليهود، تنسب لكثير من الأنبياء من الفحش والأعمال القبيحة، ما يتنافى مع وضعهم الديني والاجتماعي، ويمتنع أن يصدر عنهم عقلًا وشرعًا وعادةً؛ بل إنّه ليتعارض مع الخلق الكريم، ولا يمكن أن يتصوّر وقوعه إلّا من سفلة الناس، ممّا يدلّ على أنّ هذه الأسفار قد لعبت بها الأيدي كثيرًا”[36]؛ فالمسألة، إذن، مرتبطة أشدّ الارتباط بمنهج العهد القديم في تصوّر الأنبياء وتصويره إيّاهم، وهو منهج يختلف عن منهج القرآن.

ولقد سعى الفكر الإسلامي في القرون الإسلاميّة الأولى، إلى إيجاد مخارج عديدة لقصّة لوط التوراتيّة؛ فاعتبرها البعض محض، وادّعاء على لوط بالباطل[37]، وهي ضرب من افتراء بني إسرائيل على أنبيائهم: إذ “ما ذكرته التوراة من أنّ لوطًا ضاجع ابنته البكر بعد أن سكر، وضاجع الثانية في الليلة الثانية، وأنّهما ولدتا ولديْن؛ فهو كذب وافتراء على رسل الله، فلوط كغيره من الأنبياء معصوم من الفواحش، وافتراء بني إسرائيل على أنبيائه ورسله كثير؛ فلوط لم يكن شرّابًا للخمر، ولم يكن من الذين يأذن الله بوقوعهم في الفاحشة”[38]. وذهب آخرون سبيلًا آخر؛ فابن كثير أوّل الآيات التوراتيّة المرتبطة بعلاقة لوط مع بناته في نهاية قصّته، وفقًا لما يتماشى مع رؤيته الإسلاميّة، حتّى يغيّر الصورة المشوّهة التي صوّر التوراة للوط في ما ارتبط بمحاولته ثني قومه عن ضيوفه، من خلال عرض بناته عليه[39]، فيقول: «يرشدهم إلى غشيان نسائهم، وهنّ بناته شرعًا؛ لأنّ النبيّ للأمّة، بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾[40]»[41].

ولم تكن الآراء الإسلاميّة في دفاعها عن الأنبياء اعتباطيّة؛ بل مبرّرة، انطلاقًا من النصّ القرآني ذاته، وذلك من خلال تحديد الغرض الذي تأسّست عليه ظاهرة القصّ؛ إذ إن القصّة في القرآن، حسب الثقافة الدينيّة الإسلاميّة، هي: “مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحقّ، ويأمر بطلب النجاة”[42]. من هنا؛ تبرز أهميّة وجود عنصر قصص الأنبياء في الديانات التوحيديّة، فهو ليس بالعنصر الاعتباطيّ؛ بل ينهض بوظائف متنوّعة في صلب القرآن، ويرمي إلى تحقيق أغراض متنوّعة، يمكن أن نجمل أبرزها في ما له علاقة بالوعظ أو بالإخبار، ومنها ما له صلة بإيضاح المعنى، وتأكيده، وتقريبه من المتلقّي…. إلخ.

فالله يقصّ أحسن القصص[43] ليعتبر أصحاب العقول[44]، ويحضر القصد بقوّة في قصّة لوط في القرآن، فيرمي الله في سورة هود إلى تثبيت[45] قلب النبيّ محمّد إزاء الضيق الذي ينتابه[46]، وكان المغزى من القصّة ذاتها في سورة الحجر مغايرًا، لما ورد في سورة هود، وهو بيان ما سيحلّ بالمكذّبين من عذاب، كما تؤكّده السورة ذاتها[47].

إنّ توضيح مقاصد هذا التنوّع القصصي في القصّة الواحدة في القرآن، على غاية كبيرة من الأهميّة، ويعتبر من الدقائق المهمّة التي يجب على المترجم أن يلتفت إليها في عمليّة الترجمة، لا سيما إذا تعلّق الأمر بالقرآن؛ إذ هو متعدّد المقاصد، حسب السياق، وحسب الغرض من القصّ، وفي المقابل؛ لا نجد في النصّ التوراتي ذكرًا للغرض من القصّة، لا تلميحًا ولا تصريحًا.

إضافة إلى هذيْن البعديْن؛ يمكن أن نشير إلى أمر في غاية من الأهميّة، يتمثّل في أنّ الثقافة العربيّة الإسلاميّة، دأبت على الظهور بمظهر الثقافة الدينيّة الأرقى، والأكمل مقارنة بالثقافات الدينيّة السابقة لها؛ بل إنّها الأصدق والأرقى، وسعت إلى تقديم صورة مشوّهة عن الثقافات الدينيّة التوحيديّة، انطلاقًا من إبراز مطاعنها، وتقديمها على أساس كونها ثقافات فقدت مصداقيّتها، نتيجة لما خضعت له من شتّى ضروب التحريف، وبدا هذا التمشّي واضحًا في كثير من المؤلفّات الدينيّة الإسلاميّة، التي تدين اليهوديّة والمسيحيّة، وتعتبرهما ديانتيْن محرّفتيْن رغم انتمائهما إلى الديانات التوحيديّة[48].

خاتمة:

إنّ الترجمة، بوصفها شرطًا أساسيًّا لتواصل الثقافات في ما بينها، ولنجاح الحوار بين الأديان، تبدو مطلبًا لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا علم المترجم بالسياقات الثقافيّة المتنوّعة، التي تنضوي في إطارها النصوص الدينيّة، ووعى بطبيعة أغراضها، وطابع الرسالة التي تنتمي إليها. فعمليّة اقتطاع النصّ من واقعه التاريخي، وعزله لا يمكن أن ينهض بالوظيفة التي من أجلها تأسّس القصص الديني، إضافة إلى ذلك؛ ينبغي أن يتوفّر الوعي لدى متقبّل الترجمة بأنّ النصوص التوحيديّة الثلاثة، لا تخضع لمنطق الوقائع التاريخيّة وحسب؛ بل هناك أمور أخرى لا يمكن أن يغفل عنها، منها ما يتميّز به النصّ الديني انفتاحه على منظومات معرفيّة متنوّعة مثل الميث، كما أنّها، وإن انتمت إلى خطّ دينيّ واحد؛ هو خطّ التوحيد، واشتركت في أمور عديدة؛ فإنّها مستقلّة عن بعضها البعض في مستوى تمثّل الكون، والإنسان، والمقدّس، ومحكومة بنزعة التطوّر، وهي، في ذلك، لا تلغي بعضها البعض، إضافة إلى أنّ بنية الثقافة الدينيّة التي يُوجّه إليها النصّ المترجم، لها دور أساسيّ في توجيه وعي متقبّل الترجمة؛ فإذا كانت منفتحة على الآخر متحاورة معه، وتعتبر وجودها واحدًا من كثرة؛ فإنّها تقبل المتن المترجم، مهما كان اختلافه معها، ومهما كانت طبيعته، أمّا إذا كانت تدّعي المركزيّة، وتنغلق على ذاتها؛ فإنّها ترفض كلّ ما عداها.

المدوّنة المعتمدة في المقال:

القرآن الكريم.

الكتاب المقدّس (العهدين).

المصادر والمراجع:

– عمر سليمان الأشقر، قصص التوراة في ضوء القرآن والسنّة، ط 1، دار النفائس، الأردن، 1432 هـ/ 2011م.

– علاء الدين علي بن محمّد الباجي (ت 714هـ)، كتاب على التوراة أو الردّ على اليهود، تحقيق: السيّد يوسف أحمد، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1428هـ/ 2007م.

– منصور راشد التميمي، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنّة والجماعة، ط 1، مكتبة رشد ناشرون، المملكة العربيّة- الرياض، 1435ه/ 2014م.

– أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، ط 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1384 هـ/ 1965م.

– فخر الدين الرازي، عصمة الأنبياء، تقديم ومراجعة: محمد حجازي، ط 1، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، 1406 هـ/ 1986 م.

– الرّازي فخر الدين أبو عبد الله محمّد بن عمر بن حسن القرشي (544- 604هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ط 1، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، 1401هـ/ 1981م.

– القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح (ت 671هـ)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوّة نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام، تحقيق: الدكتور أحمد حجازي السقّا، دار التراث العربي، د.ب. ن.، د. ت. ن.

– الحكيم السموأل بن يحيى بن عبّاس المغربي (ت 570هـ)، (من أعاظم أحبار اليهود قبل إسلامه)، بذل المجهود في إفحام اليهود، قدّم له وخرّج نصوصه وعلّق عليه: عبد الوهاب طويلة، ط 1، دار القلم- دمشق، الدار الشاميّة- بيروت، 1410هـ/ 1989م.

– ابن تيميّة أبو العبّاس تقيّ الدين أحمد بن عبد الحليم الحرّاني (ت 728 هـ)، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، تحقيق وتعليق: د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، ود. حمدان بن محمّد الحمدان، ط 2، دار العاصمة، الرياض- المملكة العربيّة السعوديّة، 1419 هـ/ 1999م، 7 أجزاء.

– ابن حزم الأندلسي أبو محمد علي (384هـ/ 456هـ)، توراة اليهود؛ عرض جديد لما أورده الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) عن توراة اليهود وبعض أسفارهم من حيث التوثيق والمغالطات، قدّم له وهذّبه ورتّبه وعلّق عليه: عبد الوهاب عبد السلام طويلة، ط 1، دار القلم، دمشق- سورية، 1425هـ/ 2004م.

– ابن كثير الدمشقي، قصص الأنبياء، وضع حواشيه: محمّد عبد القادر شاهين، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1422ه/ 2001م.

– محمّد أحمد خلف الله، الفنّ القصصي في القرآن الكريم، شرح وتعليق: خليل عبد الكريم، ط 4، سينا للنشر- الانتشار العربي، لندن/ بيروت/ القاهرة، 1999م.

– سماح حمزة، «في النبيّ الإنسان والنبيّ المُنمذج»، حوليّات الجامعة التونسيّة، العدد 55، 2010م.

– محمّد شحرور، القصص القرآني قراءة معاصرة مدخل إلى القصص وقصّة آدم، ط 2، (ط 1، 2010م)، دار الساقي بالاشتراك مع مؤسّسة الدراسات الفكريّة المعاصرة، بيروت- لبنان، ج 1، 2012م.

– محمّد شحرور، القصص الديني قراءة معاصرة، ط 1، دار الساقي، 2012م، ج 2 (من نوح إلى يوسف).

– جوناثان كيرتش، حكايا محرّمة في التوراة، ترجمة: نذير جزماتي، ط 1، نينوى، سورية- دمشق، 2005م.

– Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, Second Edition, New York, United Bible Societies, 1994.

– Roland DUBERTRAND, «vérité et dialogue chez Paul Ricœur, le philosophe et le dialogue des religions», dans: Chemins de dialogue 29, Marseille, 2007. (palimpsestes.fr/morale/livre2/dialectique/crises/ricoeur_culture.html).

– Israel FINKELSTEIN, Neil ASHER SILBERMAN, La bible dévoilée les nouvelles révélations de l’archéologie, traduit de l’anglais par Patrice GHIRARDI, Gallimard, 2004.

– Timothy Freke and Peter Gandy, The Jesus Mysteries: Was the “Original Jesus” a Pagan God ?, Three Rivers Press, New York, 2001.

– Paul RICŒUR, «Cultures, du deuil à la traduction», Le Monde du 25. 05. 2004.

– —————–, Sur la traduction, Bayard, Paris, 2004.

– George STEINER, Après Babel (une poétique de dire et de la traduction), Albin Michel, Paris, 1998.

– George Albert Wells, The Jesus Legend, Open Court, Chicago and la Salle, 1998.

[1]- George STEINER, Après Babel (une poétique de dire et de la traduction), Albin Michel, Paris, 1998, p p 56- 59.

[2]- Paul RICŒUR, «Cultures, du deuil à la traduction», Le Monde du 25. 05. 2004; Roland DUBERTRAND, «vérité et dialogue chez Paul Ricœur, le philosophe et le dialogue des religions», dans: Chemins de dialogue 29, Marseille, 2007, p 217. (palimpsestes.fr/morale/livre2/dialectique/crises/ricoeur_culture.html).

[3] يمكن أن نشير، في هذا السياق: إلى أنّ صور الأنبياء ليست هي فقط التي تأتلف في عناصر وتختلف في أخرى في الكتب السماويّة، بل إنّ صورة الإله في الديانات التوحيديّة، هي الأخرى تختلف، فمن إله يتجسّد لموسى (الخروج 3: 4- 6)، ويكلّمه (الخروج 3: 11- 14- 15)، (الخروج 4: 3- 4- 10- 14- 19- 21)، (الخروج 5: 22)، (الخروج 6: 2- 10- 13-28 …)، إلى إله معلن في الأقانيم الثلاثة في المسيحيّة (الأب والابن والروح القدس)، يتأسّس على مفهوميْ الأبوّة والبنوّة، (متّى 6: 9)، (متّى 28: 19- 20)، (لوقا 23: 34- 46)، انتهاءً إلى إله متعالٍ واحد أحد، الإخلاص [(112): 1- 4].

[4]- محمّد أحمد خلف الله، الفنّ القصصي في القرآن الكريم، شرح وتعليق: خليل عبد الكريم، ط 4، سينا للنشر، الانتشار العربي، لندن/ بيروت/ القاهرة، 1999م، ص 155

[5]- لمزيد التعمّق في هذه الفكرة؛ يمكن العودة إلى:

Paul RICOEUR, Sur la traduction, Fayard, Paris, 2004, p 48.

[6]- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، ط 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1384هـ/ 1965م، ص ص 77- 78. يقول الجاحظ في سياق حديثة عن صعوبة ترجمة النصوص، بصفة عامّة، والنصوص الدينيّة على وجه التحديد: “فكيف لو كانت هذه الكتبُ كتب دين وإخبار عن الله، عزّ وجلّ، بما يجوز عليه ممّا لا يجوز عليه، حتّى يريد أن يتكلّم عن تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودًا بالتوحيد، ويتكلّم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمّنًا بما يجوز على الله تعالى، ممّا لا يجوز، وبما يجوز على الناس ممّا لا يجوز، وحتّى يعلم مستقرّ العامِّ والخاصِّ، والمقابلات التي تلقى الأخبار العاميّة المخرج فيجعلها خاصيّة، وحتّى يعرف من الخبر ما يكون من الخبر صدقًا أو كذبًا، وما لا يجوز أن يسمّى بصدق ولا كذب، وحتّى يعرف اسمَ الصدق والكذب، وعلى كم معنى يشتمل ويجتمع، وعند فقد أيّ معنًى ينقلب ذلك الاسم، وكذلك؛ معرفة المُحال من الصحيح، وأيّ شيء تأويلُ المحال، وهل يسمّى المحال كذبًا، أم لا يجوز ذلك؟ وأيّ القولين أفحشُ: المحال أم الكذب؟ وفي أيّ موضع يكون المحالُ أفظع، والكذب أشنع؟ وحتّى يعرف المثل والبديع، والوحي والكناية، وفصل ما بين الخطل والهذر، والمقصور والمبسوط والاختصار، وحتّى يعرف أبنية الكلام، وعادات القوم، وأسباب تفاهمهم، والذي ذكرنا قليل من كثير. ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ من تأويل كلام الدين، والخطأ في الدين أضرّ من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء، وفي بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم”.

[7]- يمكن أن نميّز بين أربعة أنواع من القصص: قصص الأنبياء، وقصص متعلقة بالشعوب السابقة على كلّ دين، وقصص مرتبطة بعالم الغيب والكائنات الغيبيّة (الملائكة والشياطين والسحرة)، وقصص رمزيه تروى على ألسنة الحيوانات.

[8]- محمّد شحرور، القصص القرآني قراءة معاصرة مدخل إلى القصص وقصّة آدم، ط 2، (ط 1، 2010م)، دار الساقي بالاشتراك مع مؤسّسة الدراسات الفكريّة المعاصرة، بيروت- لبنان، ج 1، ص 52

[9] في الحقيقة؛ هناك إرث بين الأديان التوحيديّة، اليهوديّة والمسيحيّة، والإسلام مشترك ومتنوّع، منه؛ القصصيّ، والتشريعيّ، ….إلخ.

[10]- (سفر التكوين 11: 27- 31)، و(سفر التكوين 12: 4- 5)، و(سفر التكوين 13: 1- 13)، و(سفر التكوين 14: 12- 16)، و(سفر التكوين 19: 1- 36).

[11]- ينسبه العهد القديم إلى عمّه أَبْرامَ (إبراهيم في القرآن): سفر التكوين 11: 32

[12]- سفر التكوين 12: 4- 5

[13]- سفر التكوين 13: 1

[14]- سفر التكوين 13: 5- 9

[15]- سفر التكوين 13: 10

[16]- سفر التكوين 14: 12- 16

[17]- سفر التكوين 19: 1- 29

[18]- سفر التكوين 19: 31- 38

[19]- جوناثان كيرتش، حكايا محرّمة في التوراة، ترجمة: نذير جزماتي، ط 1، نينوى، سورية- دمشق، 2005م، ص 46

[20]- راجع في ما يرتبط بتاريخيّة العهد القديم، ومدى تأثّره، بما سبقه من ثقافات دينيّة في الشرق:

Israel FINKELSTEIN, Neil ASHER SILBERMAN, La Bible dévoilée: les nouvelles révélations de l’archéologie, traduit de l’anglais par Patrice GHIRARDI, Gallimard, 2004, p p 53- 194.

[21]- [هود (11): 77- 83]، [الحجر (15): 61- 75]، [الأنبياء (21): 74- 75]، [الحجّ (22): 43]، [الشعراء (26): 160- 174]، [النمل (27): 54- 59]، [العنكبوت (29): 28- 35]، [ص (38): 13]، [ق (50): 13]، [القمر (54): 33- 34]، [التحريم (66): 10].

[22]- ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود (11): 77].

[23]- ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود (11): 78].

[24]- ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود (11): 79].

[25]- ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود (11): 81].

[26]- الحجر (15): 61- 75

[27]- ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء (21): 74]، و﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: (21): 75].

[28]- ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ *** إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *** فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *** وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ *** أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ*** وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ*** قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ *** قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ *** رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ *** فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ *** إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ *** ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ *** وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء (26): 161- 173].

[29]- جوناثان كيرتش، حكايا محرّمة في التوراة، ترجمة: نذير جذماتي، ط 1، نينوى، سورية- دمشق، 2005م، ص 46

[30]- سماح حمزة، «في النبيّ الإنسان والنبيّ المُنمذج»، حوليّات الجامعة التونسيّة، العدد 55، 2010م، ص 168

[31]- النساء (4): 46

[32]- المائدة (5): 15

[33]- Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, Second Edition, New York, United Bible Societies, 1994, p p 105- 106.

انظر، كذلك: ما ذكر George Albert Wells، في كتابه “The Jesus Legend” من ضروب القراءات المختلفة، لإنجيل لوقا، والتي تكشف عن طرائق التحريف التي مورِستْ عليه. George Albert Wells, The Jesus Legend, Open Court, Chicago and la Salle Illinois, 1998, p p 68-73.

انظر كذلك: Timothy Freke and Peter Gandy, The Jesus Mysteries: Was the “Original Jesus” a Pagan God ?, Three Rivers Press, New York, 2001, p. p. 144- 145.

[34]- أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، (384 هـ/ 456 هـ)، توراة اليهود؛ عرض جديد لما أورده الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، عن توراة اليهود وبعض أسفارهم، من حيث التوثيق والمغالطات، قدّم له، وهذّبه، ورتّبه، وعلّق عليه: عبد الوهاب عبد السلام طويلة، ط 1، دار القلم، دمشق- سورية، 1425هـ/ 2004م، ص 409، هامش 1

[35]- فخر الدين الرازي، عصمة الأنبياء، تقديم ومراجعة: محمد حجازي، ط 1، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، 1406 هـ/ 1986م، ص ص 40- 41. سماح حمزة، «في النبيّ الإنسان والنبيّ المُنمذج»، ص 176. انظر أيضًا: منصور راشد التميمي، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنّة والجماعة، ط 1، مكتبة رشد ناشرون، المملكة العربيّة- الرياض، 1435ه/ 2014م.

[36]- الحكيم السموأل بن يحيى بن عبّاس المغربي، (ت 570هـ)، (من أعاظم أحبار اليهود قبل إسلامه)، بذل المجهود في إفحام اليهود، قدّم له وخرّج نصوصه وعلّق عليه: عبد الوهاب طويلة، ط 1، دار القلم- دمشق، الدار الشاميّة- بيروت، 1410هـ/ 1989م، ص 170. انظر كذلك: المحاججة التي أقامها ابن حزم، ابن حزم الأندلسي، توراة اليهود، ص 421

انظر كذلك: محمّد شحرور، القصص الديني قراءة معاصرة، ط. 1، دار الساقي، 2012م، ج 2 (من نوح إلى يوسف)، ص 264

[37]- ابن حزم الأندلسي، توراة اليهود، ص 419

[38]- عمر سليمان الأشقر، قصص التوراة في ضوء القرآن والسنّة، ط 1، دار النفائس، الأردن، 1432 هـ/ 2011م، ص 134

[39]- ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود (11): 78].

[40]- الأحزاب (33): 6

[41]- أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، قصص الأنبياء، وضع حواشيه: محمّد عبد القادر شاهين، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1422 هـ/ 2001 م، ص 143

[42]- الرّازي فخر الدين أبو عبد الله محمّد بن عمر بن حسن القرشي (544- 604هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ط 1، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، 1401هـ/ 1981م، ج 8، ص 92. (تفسير آل عمران (3): 62).

[43]- ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ﴾ [يوسف (12): 3].

[44]- ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف (12): 111].

[45]- في ما يرتبط بقصد تغيّر القصص بحسب تغيّر القصد منه، راجع: محمّد أحمد خلف الله، الفنّ القصصي في القرآن الكريم، مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم، ط 4، سينا للنشر/ الانتشار العربي، لندن/ بيروت/ القاهرة، 1999م، ص ص 157- 158

[46]- ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود (11): 12]، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود (11): 120].

[47]- الحجر (15): 92- 96

[48]- نذكر بعض هذه المؤلّفات المتمثّلة في كتب الردود: أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (384 هـ/ 456 هـ)، توراة اليهود عرض جديد لما أورده الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، عن توراة اليهود وبعض أسفارهم، من حيث التوثيق والمغالطات، قدّم له وهذّبه ورتّبه وعلّق عليه: عبد الوهاب عبد السلام طويلة، ط 1، دار القلم، دمشق- سورية، 1425هـ/ 2004م. الحكيم السموأل بن يحيى بن عبّاس المغربي (ت 570هـ): (من أعاظم أحبار اليهود قبل إسلامه)، بذل المجهود في إفحام اليهود، قدّم له وخرّج نصوصه وعلّق عليه: عبد الوهاب طويلة، ط 1، دار القلم- دمشق، الدار الشاميّة- بيروت، 1410هـ/ 1989م. الإمام القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح (ت 671هـ)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد، والأوهام، وإظهار محاسن دين الإسلام، وإثبات نبوّة نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام، تحقيق: الدكتور أحمد حجازي السقّا، دار التراث العربي، د. ب. ن، د. ت. ن. علاء الدين علي بن محمّد الباجي (ت 714ه)، كتاب على التوراة أو الردّ على اليهود، تحقيق: السيّد يوسف أحمد، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1428هـ/ 2007م. أبو العبّاس تقيّ الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحرّاني (ت 728 هـ)، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، تحقيق وتعليق: د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، ود. حمدان بن محمّد الحمدان، ط 2، دار العاصمة، الرياض- المملكة العربيّة السعوديّة، 1419 هـ/ 1999م، 7 أجزاء. عمر سليمان الأشقر، التوراة والإنجيل في ضوء القرآن والسنّة، ط 1، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمّان– الأردن، 1432 هـ/ 2011م، …. إلخ.

المصدر: مؤمنون بلا حدود




زيارة البابا لمصر فرصة لتحسين العلاقات بين الكاثوليك والمسلمين

بابا الفاتيكان فرنسيس في ساحة القديس بطرس يوم 15 مارش آذار 2017. تصوير: توني جنتيلي - رويترز.
بابا الفاتيكان فرنسيس في ساحة القديس بطرس يوم 15 مارش آذار 2017. تصوير: توني جنتيلي – رويترز.

“حوارات” – قال الفاتيكان يوم السبت إن البابا فرنسيس سيزور مصر الشهر المقبل وهو ما يمثل للبابا فرصة أخرى لتحسين العلاقات بين الكاثوليك والمسلمين.

وقال الفاتيكان في بيان إن البابا قبل دعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي والأساقفة الكاثوليك وبابا الأقباط الأرثوذكس وشيخ الأزهر لزيارة مصر يومي 28 و29 ابريل نيسان.

ويمثل المسيحيون في مصر، ومعظمهم أقباط أرثوذكس، نحو عشرة في المئة من السكان. وأحيانا يندلع عنف طائفي بسبب نزاعات حول بناء وترميم الكنائس أو تغيير الديانة أو علاقات بين رجال ونساء من الطائفتين. لكن الوئام سمة غالبة على الحياة المشتركة عبر السنوات.

وركز بابا الفاتيكان كثيرا على تحسين العلاقات بين الأديان منذ انتخابه في 2013 وقبل عام استقبل شيخ الأزهر أحمد الطيب في الفاتيكان.

وأعاد الاجتماع الحياة من جديد إلى العلاقات بعد أن قطع الأزهر الاتصالات مع الفاتيكان في 2011 بسبب ما قال إنها إساءات متكررة للإسلام من جانب البابا بنديكت الذي خلفه فرنسيس.

وكان بنديكت قد استنكر ما وصفه بإستراتيجية عنف تستهدف المسيحيين في مصر بعد تفجير وقع أمام كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية الساحلية أودى بحياة 23 شخصا في الساعة الأولى من 2011.

وفي ديسمبر كانون الأول الماضي أودى انفجار وقع في الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة بحياة 29 شخصا وأصاب 49 آخرين.

وحث البابا فرنسيس على إنهاء ما وصفه بأنه “إبادة جماعية” للمسيحيين في الشرق الأوسط لكنه قال أيضا إن من الخطأ الربط بين الإسلام والإرهاب.

ومن أجل أن يضرب المثل لأوروبا قبل فرنسيس مهاجرين مسلمين فارين من الحرب السورية.

وفي القاهرة قال المتحدث الرئاسي علاء يوسف إن البابا فرنسيس سيجتمع مع الطيب في مشيخة الأزهر ومع البابا تواضروس الثاني بابا الأقباط الأرثوذكس في الكاتدرائية المرقسية كما سيزور الكنيسة الكاثوليكية المصرية.

وأضاف في بيان أن مصر “تؤكد تطلعها لأن تسهم تلك الزيارة الهامة في ترسيخ رسالة السلام وتعزيز روح التسامح والحوار بين كافة البشر من مختلف الأديان فضلا عن نبذ خطاب الإرهاب والتعصب وممارساته الآثمة.”

وكان السيسي قد اجتمع مع البابا فرنسيس في الفاتيكان في نوفمبر تشرين الثاني 2014.

وترتبط مصر والفاتيكان بعلاقات دبلوماسية منذ نحو 70 عاما.

وينشط الأزهر وكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس منذ سنوات في مجالات دعم العلاقات بين أبناء الطائفتين ونشر السلام بينهم ومحاربة التطرف الديني.

المصدر: رويترز