من الاستخلاف الديني إلى التعالي الفلسفي

بقلم: صلاح سالم — يعني الدين جوهرياً، وتلك مصادرة أساسية ننطلق منها، الإيمان بقوة قدسية، تنفخ في الكون روحاً سامية، وتمنح الإنسان قيمة متعالية، باعتباره الخليفة الأرضي، قطب الوجود الثاني فى مقابل الله خالق الكون وقطبه الأول. هذه النفخة الروحية بمثابة أصل أول نبعت منه وتشكلت بإلهامه النزعة الإنسانية في صورتها العلمانية داخل التاريخ الغربي الحديث. فالانتصار للإنسان باعتباره قيمة عليا في ذاته أمر ديني بالأساس، تمكن نسبته إلى خالقية الله، بأكثر مما تمكن نسبته إلى فلسفات التنوير التي ادعت مركزيته في الكون. وفي المقابل يمكن أن نعتبر النيل من الإنسان بإهدار حياته أو التنكيل بجسده أو نزع كرامته أو تقييد حريته، أمراً شائناً في الفكر الديني الصحيح كما في الفكر العلماني المعتدل. في الأول باعتباره إثماً دينياً يعاقب عليه الله دفاعاً عن خليفته، قد يفضي بمرتكبه إلى الجحيم الأخروي. وفي الثاني باعتباره آفة أخلاقية ينكرها العقل، توصم بالوحشية وقد تفضي إلى التخلف الدنيوي. في الأول يأخذ ذلك الهدر شكل علل طائفية أو مذهبية مخلفاً تطرفات لا نهائية. وفي الثاني يتسربل في ادعاءات تتخذ من العنصر أساساً لتمايز كاذب وخيرية مدعاة.
غير أن الوعي الغربي المتمركز حول ذاته يقصر النزعة الإنسانية على جذرها الوضعي، إذ يجري تمجيد الإنساني من دون الرجوع إلى أصل تساميه الكامن في الإلهي، والذي بلغ ذروته في عقيدة التوحيد الإسلامي التي صاغت ما يمكن تسميته بـ (فردية روحية) دانت كل أشكال الوصاية على الضمير الفردي، وأممت قضية الخلاص باعتبارها إمكانية إنسانية وحقاً إلهياً في الوقت نفسه، فأخضعتها لعلاقة داخلية بين الله والإنسان، على نحو منح الأخير أفقاً تحررياً على صعيدي العقيدة والعبادة. وإذا كانت «الحرية السياسية» بمثابة ضمانة اجتماعية للشخصية الإنسانية، تحول دون ضياعها في ذوات الآخرين، عبر تحريرها من ضغوط الجماعات المحيطة بها، وتكتلات المصالح المنتشرة حولها، فإن مفهوم العناية الإلهية، القادر على تمتين ملكة الاستغناء لدى المؤمن بربه عما سواه، مثل رافعة أساسية لمستوى أعلى من «الحرية الوجودية / الأنطولوجية»، يغذي إدراكاً باطنياً لخيرية الحياة، واستثنائية الشر، كمنشط للإرادة الإنسانية في مواجهة مشاعر القلق وأحاسيس الألم وهواجس العدم.
تأسيساً على تلك الفردية الروحية جسد الإسلام نزعة إنسانية معتدلة اعتبرها د. عثمان أمين «أصول عقيدة وفلسفة ثورة» وسمّاها «الجوانية» في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، كما يرد أصولها إلى قوله تعالى: (لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)، وإلى الحديث النبوي الذي يقرر أن لكل إنسان جوانياً وبرانياً. فالآية والحديث في رأيه ينطلقان من الإنسان ويقدمان الذات على الموضوع والفكر على الوجود والإنسان على الأشياء والروية على المعاينة، أي أنهما يعبران عن مثالية مقترنة بالواقعية، ترسم فيها صورة الحياة بجهد باطني موصول، ما يلبث أن يتجه نحو الإصلاح الخارجي أو المادي، وتحول فيها النفس إلى وجهة الخير الأخلاقي لتكون أساساً لإصلاح المجتمع، فيتم بذلك تحقيق مركب ذي حدين: الجواني من الباطن والبراني من الخارج، بينهما رابطة واعية تزكي النفس والجسم وتقيم التوازن بين الحياة الروحية والحياة الدنيوية للإنسان على أساس من الأخلاقية العاملة.
تنطوي الجوانية على ما يسميه أمين «ميتافيزيقيا الرؤية الواعية» التي تكاد تشبه من ناحية الصوفية العقلانية، الخالصة من شوائب الخرافة والدروشة والاغتراب، والتي سادت عصر النهضة الإسلامي الأول، خصوصاً في القرون الأربعة من السابع إلى العاشر. أو تشبه، من ناحية أخرى، مفهوم الزاهد النشيط، الذي بلوره المصلح البروتستانتي جون كالفن مطلع القرن السادس، وثمنه عالم الاجتماع الديني ماكس فيبر مطلع القرن العشرين. أو هي كما يعرفها بنفسه «رؤية روحية نفسية بالعين الداخلية أو عين البصيرة كما يقول الغزالي، أو بعيون الروح كما يقول (أفلاطون)، رؤية تسجل لحظات الإلهام الداخلي التي تتجلي فيها الحكمة والتجربة والروية الإنسانية».
أتى النص القرآني مشبعاً بممكنات حرية وجودية يضمنها الاعتقاد التوحيدي، ويغذيها الحضور الإلهي في العالم، كان مفترضاً تطويرها نحو أكثر الآفاق تحرراً لمن يريد أو يستطيع، لكن المشكلة الكبرى في تاريخ المسلمين أنه لم يكن هناك من يستطيع أو يريد. ولذا ظلت مضامينها ميتافيزيقية، من دون تأسيس سياسي، ما نال منها وأفضى إلى تآكلها بمرور الزمن، حتى فقدت الطاقة الكامنة فيها. ولعل هذا يفسر لماذا استمرت الحضارة العربية قادرة على مراكمة انجازاتها في العصر الوسيط، قبل أن ينضج مفهوم الحرية، ولماذا وقعت في أسر الجمود والتراجع مع تبلور المفهوم في الزمن الحديث.
ينتج الوعي الاختزالي هذا لدى العقل الغربي من خلط واضح بين مسارات العلمنة المختلفة في التاريخ، والذي لا تعدو مسيرة تقدمه أن تكون صيرورة علمنة على مستويات عدة، فثمة علمنة للطبيعة نزعت السحر تدريجياً عن ظواهرها الجزئية وأسندت تفسيراتها إلى العقل ما أفسح الطريق إلى العلم وصولاً إلى المنهج التجريبي. وثمة علمنة للسلطة السياسية اقتنصتها من قبضة الكهانة الدينية وادعاءات الحق الإلهي المقدس، ودفعت بها خطوة على طريق الأصل المدني وإن المستبد وصولاً إلى المدنية الليبرالية والديموقراطية السياسية. لكن وعلى عكس الإيجابية الكبرى لعلمنة الطبيعة والسلطة، ثمة صيرورة ثالثة سلبية تتمثل في علمنة الإنسان نفسه، انبثت في سياق الصيرورتين السابقتين، وأفضت تدريجياً إلى التعاطي مع الكائن الإنساني المركب باعتباره كياناً مسطحاً لا أعماق له، تنزع عنه، ليس فقط سحر الألوهية الذي منحته إياه قصة الخلق التوحيدية، بل أيضاً سحر الذاتية والروحية الذي منحته له الفلسفة الحديثة مع الكوجيتو الديكارتي، أو التعالي الترانسندتالي الذي أسبغه عليه كانط.
لا شك في أن صيرورة علمنة الإنسان، في جزء أساسي منها، عملية وظيفية أنتجتها صيرورة تقسيم العمل الإنساني، وتمايز أنماط الإنتاج وارتقاء أشكال الحياة، ومن ثم لا يمكن ردها أو توقيفها من دون معارضة لمسيرة التقدم أو مساءلة لمفهومه، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن جزءاً يعتد به من تلك الصيرورة إنما يرجع إلى تغول غير مبرر على الروح الإنساني، سواء بدافع استلاب ديني يبالغ في نفي الحضور الإنسانى لمصلحة المركزية الإلهية وصولاً إلى الإرهاب الديني، أو بدافع تطرف مادي يحيل الإنسان إلى سطح من دون عمق عبر القضاء على تنوعاته وتبايناته بهدف رسم مسارات حتمية لحركته، وإحكام السيطرة على مصيره، فعلى السطح حيث تتشابه الأجساد يمكن بناء تصورات حتمية عن الإنسان. أما في العمق، حيث تتباين الأفكار والمشاعر، فيبدو الإنسان عصياً على التقولب، متمرداً على طلاب السيطرة ودعاة القهر.
في هذا السياق تتساوى الشيوعية الستالينية بمقولاتها عن المادية الجدلية مع النازية بمقولاتها الاستعلائية عن التفوق العرقي التي مثلت نقطة ذروة كارثية في سلسلة ادعاءات أوسع بالتفوق الديني واللغوي والعقلي، انطوت عليها المركزية الغربية، وأيضاً مع الداعشية وأسلافها من أرباب الوعي الماضوي، الذي يصدر عن ادعاءات تفوق ديني وطهرانية أخلاقية، فجميعها مضاد للقصد الإلهي بقدر ما إنها مضادة للروح الإنساني، إذ تسعى إلى قهره، سواء روحياً بقسره على دين واحد أو على مذهب واحد أم عقلياً بقسره على إيديولوجيا سياسة ما أو عرقياً بادعاء دونيته طالما لم ينتم إلى جنس بذاته. وإذ ينتهج هؤلاء جميعاً كل أشكال العنف الرمزي والمادي المتاحة لهم في كل عصر وسياق، فإنما يفتكون بالإنسان/ الخليفة الأرضي، وينتهكون كرامته بقوة شيطانية تكاد تعادل قوة إبليس التي أخرجته من جنة عدن الأولى، خصوصاً عندما يهدرون حريته بإجباره على السير في طريق واحد محتوم يعتقدون أنه الأنسب للوصول إلى الغاية النهائية ولو كانت تلك الغاية هي الإيمان أو العدالة أو التقدم، ويهدرون حقه في الاختلاف والاختيار، اختيار الإيمان والهوية والمصير، إذ لا يرون فيه شيئاً سامياً يستعصي على الانتهاك، بل يتصورونه محض سلعة مادية أو رقماً غائماً في سلسلة عددية، أي حلقة في عملية توالٍ لا تنتهى يكتسب من خلالها مغزاه وسياقه، من دون انطواء على قيمة ذاتية أو مركزية خاصة، تحوز المعنى وتمنح المغزى بحد ذاتها. تختلف تلك التيارات ولا شك على أشياء كثيرة بقدر ما تنبع من سياقات متعددة وثقافات مختلفة ولكن جميعها تتفق على أمر أساسي هو نزع السحر عن الإنسان، والمشكلة الكبرى هنا أن السحر ليس أمراً خارجياً كما في حال الطبيعة أو السلطة بل أمر جوهري يلتصق بروح الإنسان وينطوي على ماهيته، ومن ثم كانت صيرورة نزع السحر عنه بمثابة عملية وأد لجوهره، وقتل صريح له.

المصدر: الحياة




هل لدى المسلمين المعاصرين خطاب عالمي؟

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — المسلمون اليوم موزعون على قارات العالم وبتعداد يتجاوز البليونين، ويعيشون في بلدان يمثلون أكثريتها، وهناك دول تضم عشرات الملايين من المسلمين ومع ذلك يصنفون أقلية. هذا الانتشار العددي الضخم يضم أطيافاً متنوعة من الأفكار والمذاهب والطرق والطوائف، يجمعها الإسلام بشموله وأصوله، ويمكن أن تتفرق هذه الجموع بسبب موقف، أو خطبة، وأحياناً فتوى لأحد العلماء، فهم كغيرهم بينهم جواذب الائتلاف، وكذا أسباب الاختلاف، لكن لو قارنّا بينهم وبين الأديان العالمية لوجدنا المسيحية واليهودية والهندوسية على سبيل المثال أقرب إلى الانتظام في المواقف الكبرى من خلال مؤسسات تمثل أكبر تجمعاتها في العالم، وغالباً ما تندمج وتتوافق في الرؤى والاستراتيجيات، بينما يشهد عالمنا الإسلامي استقطابات طائفية حادة، وتشظياً فكرياً ودينياً مخيفاً، وفي كل فترة نسمع عن خروج جماعة إسلامية تحتكر الإسلام وتدّعي النجاة وما سواها هالك وكافر، وأحياناً تشتعل بينهم الحروب بدعوى جهاد أعداء الدين والملّة أي إخوانهم في المذهب، وليس في الإسلام الجامع، وارتدادات الربيع العربي شاهدة على ذلك. أمام هذه الحال تُطرح بعض التساؤلات حول هذا الوضع المتشظي للمسلمين، هل نحن الأمة الواحدة كما وصفها القرآن؟ وهل ديننا يملك صلاحية البقاء والنماء في كل زمان ومكان؟ ثم هل لدينا في الإسلام خطاب عالمي يجمع المسلمين ويخاطب العالم كله بلغة مفهومة ومشتركات معلومة؟ وأمام تلك السؤالات أحاول أن ألقي بعض الضوء على أهم هذه القضايا من وجهة نظري، والمتعلقة بخطاب المسلمين العالمي واستحقاقاته الدينية والواقعية، وفق المقاربات التالية:
أولاً: أحاول الإجابة عن إشكالية وجود خطابين عندنا كمسلمين، خطاب محلي وآخر عالمي؟ وهل خطابنا في الداخل هو ذاته في الخارج؟ وهل وجود خطابين يعتبر ازدواجية مرفوضة في الدين؟ هذه التساؤلات تقودنا إلى الرجوع إلى خطاب القرآن للناس أو لبني آدم، حيث يظهر أنه عام للعالمين، وفيه نجد أن الأصل عالمية الخطاب، القائم على بيان كلي، يؤكد معنى عام، كحرية الاختيار للدين أو المساواة في الأصل أو الدعوة إلى الخير ورفع الظلم، وهذا الخطاب ألاحظه في خطب النبي (صلى الله عليه وسلم) الكبرى التي يخطبها في مجامع الناس العظمى كيوم فتح مكة، إذ قال :»يامعشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب. وتلا «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «[الحجرات: 13] ثم قال يا معشر قريش: «ما ترون أني فاعل بكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته» لا تثريب عليكم اليوم «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (الطبقات لابن سعد 1/141 ). وكما في خطبته في حجة الوداع التي كانت تعتبر خطاباً عاماً أممياً، غالباً سيتحول إلى بيان يصل إلى كل سكان الجزيرة، لعظم مشهد الحج عند العرب، وفيه بيّن حرمة الدماء والأموال والأعراض والربا والتفاخر بالأنساب ودعا إلى المساواة وإلى رد الأمانات وفضائل الأخلاق وإكرام النساء (انظر: نصوص خطبته في حجة الوداع من صحيح البخاري (1714، 4406، 5550، ومن صحيح مسلم (1218، 1679) وغالب مرويات السنة تذكرها). هذه المعاني الكبرى والمقاصد العظمى هي معالم الخطاب العالمي للإسلام. لم يكن في تلك التجمعات إثارة لقضايا لا علاقة لها بالمكان والزمان كأحكام تفصيلية أو قضايا شخصية، أو تحذيرات من فئة أو طائفة، وهذا ما يؤكد بالنسبة إلي أن للإسلام خطاباً عالمياً أممياً يتجاوز فيه كل خصوصيات الهوية وخلافات الدين.
ثانياً: إذا كانت الشريعة ونصوص الوحي تؤسس لخطاب عالمي للبشر يختلف في مقتضياته عن الخطاب المحلي الخاص بالقضايا الجزئية، فهذا يدل على ضرورة مراعاة المبلِّغ للدين هذا النوع من الخطاب إذا خرج إلى بيئة متعددة، أو استعمل منبراً أممياً يجمع مختلف الأديان والثقافات، وهذا النوع من تكييف الخطاب هو من مقتضيات الحكمة وحسن التدبير، وهنا يمكن أن نستحضر قاعدة الاستصحاب في مقام البلاغ الأممي، بمعنى استدامة إثبات ما كان ثابتاً عند وقوع بعض التردد أو الخلاف، فإننا نرجع إلى استصحاب العودة للأصل، إما إجماعاً عندما يحدث النزاع ، أو استصحاباً للبراءة الأصلية بإبقاء ما كان على ما كان، هذه الاستصحابات مرجع في قطع التردد ما بين استعمال الخطاب الأممي أو الخطاب المحلي، وآثار استعمال المسلمين المعاصرين الخطاب المحلي فوق منابر عالمية مُشكلة في فهم خطاب الإسلام وعالميته، فالمجتمعات الإسلامية تمر بأزمات هوية مذهبية وطائفية، كثيراً ما نحملها معنا إلى المحافل الدولية لدرجة تقزيم الإسلام في وعاء مذهبي أو تيار فكري أو طريقة صوفية، كما أن إثارة الخلافات والقضايا التفصيلية المتعلقة بأحكام تكليفية خاصة بالفرد، مثل الدفاع عن الحدود والعقوبات أو بعض المطالب النسوية في بيئات خاصة، أو المطالبة بلباس وهيئة معينة في بيئة متعددة الثقافات والأديان، هو من تقديم ما يجب تأخيره في سلم المعرفة الدينية والأولوية الدعوية.
ثالثاً: غالب الخطاب العالمي الإسلامي يقوم حول المشترك الإنساني الذي جاءت به الأديان والفطر السليمة، كالأساس الإيماني والأخلاقي، وهذا النمط من الخطاب يحقق في شكل مباشر التعارف بين الشعوب، كما في قوله تعالى: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» [الأحزاب 13]، لأن قاعدة التعارف هي أهم نماذج السلوك التواصلي بين الدول والشعوب، وأكثرها تحقيقاً للسلام والأمن العالمي، فالتعارف قائم على علاقة تبادلية أساسها المعرفة وليس السياسة أو المصلحة المتقلبة؛ مع حاجتنا لهما، بيد أن المعرفة تمنح الاحترام والتقدير بين الشعوب، لأن منجزات العلم والمعرفة غالباً ما تكون خادمة للمجتمعات ونافعة لمعاش الأفراد في الجملة، فمن ارتقى منبراً دولياً ليتحدث باسم الإسلام فالواجب عليه تقدير المشتركات والبحث عما يجمع الناس لا ما يفرقهم، والواقع يشير إلى طرفي نقيض، فإما خطاب هجومي يهدد سلم العالم أو خطاب مهزوز وباهت، لا طعم فيه للإسلام ولا رائحة، ومن شواهدي على ذلك، خطاب جعفر بن أبي طالب في بلاط النجاشي وأمام كبار الرهبان. فكان وضوحه في البيان وقوته في التأثير مستمدين من تلك المعاني المشتركة التي جاء بها الإسلام، إذ قال بعدما ذكر بؤس الجاهلية: «فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام» (انظر: مسند أحمد رقم: 4168 و4400 ) وموقف جعفر في هذا المحفل قد يحصل للكثير من المسلمين المعاصرين، فهل ندرك حكمة هذا النوع من الخطاب ومكانته في نفوس السامعين؟
رابعاً: مَن يمثّل المسلمين في خطابهم العالمي؟ سؤال آخر يصيبنا بالخوف والقلق عندما نتأمل حال الكثير ممن يتحدث باسم الإسلام اليوم وظلامية احتكاره الدين، لأن اختيار المتحدث لا يقل أهمية عن مضامين الحديث، وبناءً على هذه الأهمية ندرك عناية الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند اختياره بعث رسله للملوك، فاختار دحية الكلبي للذهاب لهرقل عظيم الروم، وكان دحية من أجمل الصحابة في المدينة (انظر سيرا أعلام النبلاء 2/551). هذا الجمال الظاهري لا شك في أنه سبب في إقبال النفوس على صاحب الرسالة، خصوصاً الروم الذين يجلّون الهيئة والشكل، وكذا عندما أرسل جرير بن عبدالله البجلي لليمن المعروف أيضاً بعقله وجماله حتى شُبّه بيوسف عليه السلام (المرجع السابق 2/531)، وهناك من أرسله (عليه الصلاة والسلام) لأنه أدرى بأولئك القوم ولغتهم وعاداتهم، فممثّل المسلمين في المحافل العالمية لا ينبغي أن يُختار من دون موصفات محددة، ظاهرية وموضوعية معاً، لأن هذه الاعتبارات ذات تأثير قوي في قبول الرسالة والاهتمام بها، والإعلام اليوم يسلط الضوء بقوة على كل التفاصيل ويظهر كل الجوانب الشكلية، وإذا كان المتحدث الرسول مستهدفاً لتشويه دينه أو دولته فمسؤوليته أكبر في حسن الظهور والحذر من الخطأ في البروتوكول، أو التصريح المستغَل سلباً، فتدارك ذلك في الاختيار يدل على حكمةٍ وحسن تدبير.
خامساً: لماذا الاقتصار في المحافل الدولية ذات الطابع الثقافي والديني على علماء الدين في شكل رئيس وتهميش من سواهم؟ على رغم أن الحوارات الدينية على أهميتها، تقف على رأس هرم هائل من الاتهامات العقدية، والصراعات الدموية العنيفة، وقرون طويلة من المواجهات، وحتى مع وجود وعي معاصر للالتقاء والتفاهم؛ إلا أن طبيعة الحوارات الدينية لا تنتج في الغالب مشاريع عمل واقعية؛ بل يدور كثير منها في فلك الأحاديث الديبلوماسية والمجاملات السياسية، بينما لو تم إشراك التخصصات الأخرى في مجال العلوم والطب والفن والآداب والفلسفة لربما حظينا بتلاقح متنوع من الثقافات وتوالد لكثير من البرامج والمشاريع المجسّرة للتعاون بين الأمم والشعوب.
وأخيراً… من المهم أن ندرك أننا في عصر التحولات الكبرى التي تسير وفق خطين متعاكسين، أحدهما يتجه بسرعة هائلة نحو التحول الرقمي والشبكي في التواصل التجاري الربحي السريع، والتداخل المباشر ما بين فئات المجتمع ضمن فضاء افتراضي بلا هوية، والاتجاه الآخر في المقابل، يعود بالإنسان نحو الشغف الديني والروحي وبعثٍ محمومٍ لكل أسطورة لتعود من جديد، مهما أوغلت في الماضي السحيق. أمام هذا الانتشار الأفقي لثقافات ما بعد الحداثة والغوص العمودي بحثاً عن الدين وما بعد الروحانيات، تظهر أهمية بقاء الحوارات الدينية في العالم وضرورة ترشيدها من التطرف، وتفكيك بواعث الصدام الحضاري المتصاعد مع انتشار اليمينيين في أوروبا ومحاولة توظيف تلك الحاجة الدينية التي كان العالم يُخفيها ويهرب منها إلى جزيرة وادعة، نهرب إليها بحثاً عن السلام والأمان.
المصدر: الحياة




إشكالية ترجمة القرآن

بقلم: عبدالحميد صبحي ناصف — منذ بلغ النبي محمد (ص) الكتاب المبين، تمسك المسلمون بقداسة القرآن، وأنه لا تمكن ترجمته ولا التعبير عنه بأسلوب نثري. فالأستاذ الإيراني محمد تقي شريعتي يعتقد بأن السبب في التحريم هو انتقاء الألفاظ الجميلة وعدم إمكان تبديل أي لفظ بمرادفة في المعنى أو بما يناسبه من دون الإضرار بجمال التعبير أو بخصوصية معناه كما يشير شريعتي إلى توافق الألفاظ وتكوين الجمل والتعبيرات الخاصة بالقرآن والأسلوب والتشكيل اللغوي التي يستحيل تبديلها والتي تبرهن أن القرآن كلام الله.
إن ما قرره «البعض» بالنسبة إلى الشعر ينطبق – مع الفرق بطبيعة الحال – على القرآن أيضاً «لا يمكن ترجمته»، ولكن من الممكن «القيام بنقل خلاق للمعاني».
وفي آرائه الموسعة إزاء إمكان ترجمة القرآن كتب الرازي: صحيح أن التوراة والإنجيل يتفقان مع القرآن في كثير مما يحتويه مثلاً في تمجيد الله والأخبار عن الدار الآخرة، ولكن رغم ذلك لا يجوز في الصلاة التقيد بتلاوة المواضيع المتشابهة نفسها في المضمون في الكتب المقدسة الأخرى… وفي ضوء ذلك، يرفض الرازي حجة من يجيزون لغير العرب تلاوة القرآن في الصلاة بالفارسية لفهم معانيه. ويرى أنه لا مجال للمساواة بين من يدرك القرآن حسب المعاني فقط ويتلوها في الصلاة وبين من يتلو تلك التعبيرات القرآني . إن الرازي محق في ذلك فعندما يحكي القرآن في سورة الأعراف الآية 44 قوله تعالى عن أهل الجنة «قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً»، فإنه بذلك يبلغ بطريقة صحيحة نحوياً وإعرابياً بأمر ما وعاه سامعوه قبل ذلك وقبل المؤمنون صحته ألا وهو أن وعد الله سيتحقق. إن التبليغ حدث من خلال ألفاظ مختارة بدقة…
ولإعطاء بعض الأخطاء في الترجمة القرآنية، بخاصة ترجمة «باريت» فترجمة «يوم يكشف عن ساق» [سورة القلم آية 42] تعني عند باريت (أي يوم يكون الموقف حرجاً) وترجمة إحدى معجزات الخلق في الآية 66 من سورة النحل «من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين» تعني عنده لبناً خالصاً وشراباً مستساغاً، وترجمة «ولم يتخذ ولداً» في الآية الثانية من سورة الفرقان «الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً»، تعني عند باريت لم يكتسب ولداً واعتباره قول الله تعالى في الآية الثالثة من سورة الملك «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت» سؤالاً من الله للنبي في شأن الخليقة، أي هل يمكنك إثبات أي عيب، فإن كل ذلك يعتبر تحريفاً للقرآن وتشويهاً له. وفي الحقيقة أن القرآن الكريم نفسه يشير إلى الأهمية الجوهرية للصيغة اللغوية في تبليغ الرسالة الإلهية فيقول: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم»، ومن المرجح أنه يندر وجود نص في تاريخ الأديان حرص على الإشارة إلى بدهية أنه صيغ بلغة معينة بيد أن الارتباط القرآني باللغة العربية منصوص علية في القرآن نفسه ويؤكده التاريخ الإسلامي: فليست هناك تربية إسلامية لا يتم تلم الصلاة فيها بالعربية ولا اعتناق للإسلام من دون النطق بالشهادتين بالعربية. إن معرفة اللغة العربية تعد من مقومات العقيدة الإسلامية، وعالم النحو «ابن الفراء» (ت 822) كان يعتبر الاشتغال بقواعد اللغة العربية أرفع قيمة دينياً من دراسة فقه العقيدة الإسلامية.
صحيح أنه كانت هناك في الماضي آراء تجعل وجوب دراسة اللغة العربية أمراً نسبياً، إلا أنه لم تتحقق السيادة لمثل هذا الحل المناسب والوارد في حديث للنبي يعني «لغير العرب من أمتي أن يقرأوا القرآن بغير العربية. فالملائكة ترفعه إلى الله بالعربية وحيث كان المسلمون يذهبون كانوا يحملون معهم لغة القرآن وإلى اليوم يندر أن يتطرق الشك جدياً في كون اللغة العربية ولغة الإسلام في العبادة لغة مقدسة مشابهة في ذلك للعبرية في اليهودية المعاصرة وأيضاً مغايرة تماماً للغة يسوع المسيح في النصرانية – والتي لا يعرف عنها الكثير – وكما هو معروف فإن العهد الجديد كتب بلغة Koine اليونانية التي لم تكن اللغة الأم لواضعيها، كما أن النص العبري للعهد القديم لم تستخدمه دوائر لاهوتية واسعة إلا اعتباراً من عصر النهضة. لكن الصورة في الإسلام مغايرة تماماً: فترجمة القرآن إلى العربية الحديثة أو إلى إحدى لهجاتها العامية يعتبر نوعاً من تدنيس الحرمات وفكرة ترجمة القرآن لأغراض الدعوة في البلاد غير العربية خطرت لبعض المسلمين منذ عقود فقط، وكثر الميل إلى تعليم اللغة العربية لمن يدعون إلى الإسلام وكانت ترجمات القرآن من قبل المسلمين نادرة أصلاً حتى القرن العشرين وما كان يوجد منها كان يندر تداوله وكان ينشر غالباً في أوروبا وكانت هذه الترجمات متوافرة فقط في صيغة ترجمة معاني الألفاظ بين سطور النص الأصلي، إضافة إلى ما كان يثير الخلاف دائماً حول شرعيتها على العكس من موقف أحبار اليهود الذين أقروا ترجمة التوراة من العبرية إلى الآرامية. واعتبرت الترجمة عموماً كمساعدة ضرورية وموقتة للقراءة في المنازل ولأغراض التربية أو للتفسير…
إن أول ترجمة فارسية كاملة للقرآن تنتمي إلى القرن الـ18، وأنجزت في نيودلهي بواسطة «شاه ولي الله» وفي القاهرة أعرب العلماء في القرن العشرين عن اعتراضهم على ترجمات تركية وإنكليزية للقرآن ومن بينهم «محمد عبده (ت 1905) الذي كان يخشى ألا يستفيد من هذه الترجمات إلا المبشرون المسيحيون.
وفي تركيا، واجه مصطفى كمال أتاتورك بمشروعه في ممارسة الإسلام بالتركية معارضة كبيرة ويقال أنه عندما طلب من شاعر تركيا الكبير محمد عاكف ترجمة تركية رسمية للقرآن فضل الحياة في المنفى في مصر ، في الوقت ذاته كان كثر من المبشرين المسيحين يعتبرون عدم إمكان ترجمة القرآن العقبة الكبيرة للإسلام.
إن دور القرآن لا يزال دائماً في البلاد العربية مختلفاً عن دوره في بقية بلاد العالم الإسلامي، فبالطبع يرتل القرآن في إيران على رغم الترجمات المتوافرة الكثيرة. وبالطبع لا ينازع أي مسلم إيراني متدين في أن للغة القرآن جمالاً إلهياً ولكن كنص يتذوق ترتيله. يكاد يكون دور القرآن في المجتمع الإيراني مقارنة به في البلاد العربية دوراً متواضعاً فإذا ما أريد إنشاء نص شعري جميل والتلذذ بعذوبة اللغة مع الاستغراق في المشاعر الدينية الصوفية، هنا يكون الإقبال على أعمال الشعراء الفرس كحافظ والرومي، وربما لا يكون من المصادفة أن أحد مؤسسي المذاهب الأربعة الفقهية الذي أجاز مبدئياً آداء الصلاة بلغة غير العربية، كان من أصل فارسي (أبو حنيفة ت 757م) وليس بمستغرب أيضاً أنه كان هناك خوارج إيرانيون لا يعتبرون نطق الشهادتين بالعربية شرطاً. حتى في عصرنا يأتي المفكر الإيراني عبدالكريم سوروش صاحب نظرية أن اللغة العربية عرض من أعراض القرآن، وليست من جوهره! وهذا ما أثاره عام 1995 في ندوة ببرلين، فكان أن تصدى له عرب مشاركون في الندوة ذاتها، منهم الراحلون نصر حامد أبو زيد وعبدالوهاب المسيري ومحمد أركون. وفي الحقيقة، فقد تمّت فعلياً مناقشات مشابهة في بدايات الإسلام – فصلها مراراً أستاذنا ومولانا الدكتور رضوان السيد – فبينما كان العرب يتمسكون ويعلون من شأن عروبة الإسلام وتفوق اللغة العربية على كل اللغات الأخرى، كان الفرس المسلمون يبحثون عن أن الله لم يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات وأن غير العرب (يونانيين وفرساً) في إمكانهم التقدم بلغة أكثر غنى وشعر أكثر جمالاً من العرب. واستمر هذا الجدال الذي كانت له خلفيات سياسية واجتماعية لقرون عدة. وفي الحقيقة، استغل العرب نقطة مهمة في جدالهم ألا وهي أن الله كلم البشرية بالعربية وفي الوقت ذاته لم ينكر الجانب الآخر ذلك مع رفضهم في الوقت ذاته النتيجة التي استخلصها محبو العرب من أن الله اختار اللغة العربية لأنها أجمل وقعاً وأكثر ثراء وروعة وأنها أم جميع اللغات التي علمها الله لأدم وأنها لغة أهل الجنة. إنها اللغة الوحيدة التي لا قصور فيها ويمكن التعبير بها عن كل شيء بأكثر الطرق وضوحاً وجمالاً. ويبدو أن الخطأ في نظرية أصل اللغة هذه التي انتشرت بين علماء المسلمين في شكل واسع، أدى إلى أنه كان على آدم منذ أن علمه الله أن يتكلم السريانية. وبعد الطوفان أتيح لإسماعيل وأولاده التكلم بالعربية لأن الله قبل ندم إبراهيم واستغفاره، ولا يستطيع إجادة العربية حقيقة إلا من كان منهم نبياً لأن الإنسان العادي لا يستطيعاستخدام كل دقائق ومفردات التعبير والقواعد النحوية. إن خاصية إعجاز القرآن لا تكمن حسب هذا المنطق إلا في التطبيق الكامل للغة العربية – الأمر الذي بسببه يرفض أنصار هذه النظرية وجود الفاظ غير عربية في القرآن – وتختلف عربية القرآن عن العربية التي كان يتم التحدث بها في عهد النبي، لهذا ففي التراث الإسلامي تعد لغة القرآن مماثلة للغة الملائكة ولغة الجنة، وأما الكتب المقدسة الأخرى فقد ترجم كل منها للنبي المختص من هذه اللغة العربية الأصلية. وبعد، فقد وجد العرب في هذه اللغة (لغة القرآن) حلم البشرية في اللغة الكاملة. إنها بالنسبة لنا لغة السماء نزلت على الأرض.




إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

بقلم: د. رضوان السيد — جاء مؤتمر الأزهر وإعلانه عن المواطنة والحرية والتنوع والعيش المشترك، بعد إعدادٍ طويلٍ وشاقّ. فقد أراد شيخ الأزهر أنّ يكون المؤتمر فرصةً لتفكيرٍ جديدٍ في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي. ولذا كانت الفكرة التركيز على المدنيين العرب الشبان والكبار من المختصين والمهتمين، وأن يتحدث رجال الدين في الجلسة الافتتاحية، في حين تتوزع بحوث المؤتمر في محاور أربعة يتحدث في كل محورٍ باحثون مسيحيون ومسلمون: محور المواطنة، ومحور الحرية والتنوع، ومحور التجارب والتحديات، ومحور المشاركة والمبادرة. وقد اهتم المتدخلون بمحورَي المواطنة والحريات، لكنني رأيتُ أنّ محور التجارب والتحديات، وكذلك المحور الرابع في المشاركة والمبادرة لا يقلان أهمية. ففي التجارب جرى من جانب عشرات الدارسين تقييم المبادرات التي قام بها الأزهر، والتي قام بها المسلمون الآخرون ومؤسساتهم تجاه المسيحيين. وكذلك إسهاماتُ المسيحيين العرب وغيرهم في الحوار والمؤتمرات ووُرش العمل واقتراح الحلول. وقد كان هناك نقدٌ ومراجعة للمحاولات والمبادرات التي جرت، وقام بها رجال دين ومدنيون سبق أن ساهموا في إطلاق بعضها وخاب أملهم بالنتائج. ولذا فقد انصبّ المحور الرابع الخاص بالمشاركة والمبادرة على الدعوة إلى القيام بخطواتٍ عملية من مثل: العمل معاً لدرء التدخلات الخارجية، والعمل معاً للحيلولة دون توظيف الدين في النزاعات، والعمل معاً لدرء أخطار التفكك والانقسام، والعمل معاً على ترسيخ شراكة القيم وتفعيلها، والعمل معاً في مواجهة التعصب والتطرف والإرهاب، والعمل معاً في ترسيخ شراكة القيم، والعمل معاً من أجل مشاركةٍ أوسع في الحياة العامة.
إنّ هذا كلَّه لا يعني أنّ المحاور الأُخرى لم تلقَ عنايةً واهتماماً. ففي محور المواطنة كانت هناك مُداخلات دستورية وقانونية، برز فيها الدكتور أنطوان مسرة، والدكتور أنطوان قربان، وفي محور الحرية والتنوع برزت محاضرة الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق، والشيخة لبنى القاسمي وزيرة الدولة في الإمارات، والدكتوره فاديا كيوان، والدكتور مصطفى الفقي.
بيد أنّ البارز أيضاً في المؤتمر الحضور المصري الكثيف من المسلمين والأقباط، والحضور اللبناني الكثيف من المسيحيين والمسلمين أيضاً. فقد حابانا المصريون لأنّ ثلاثةً منا كانوا أعضاء في اللجنة التحضيرية للمؤتمر، فقبلوا دعوة حوالى الخمسين لبنانياً نصفهم من رجال الدين، لكنْ بينهم أيضاً نسبة كبيرة بين المحاضرين.
وإلى ذلك، وعلى رغم أنّ المؤتمر هو «للمسيحيين والمسلمين في العالم العربي» فقد حضره ضيوفٌ كبارٌ من العالم الإسلامي، ومن مجلس الكنائس العالمي، والفاتيكان، والمجلس الوطني للكنائس بالولايات المتحدة.
أما الأبرز في هذا المؤتمر المهم بل التاريخي، فهو صدور «إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك». وقد تحددت معالم الإعلان الكبرى في الحقيقة في كلمتي شيخ الأزهر وبابا الأقباط في الجلسة الافتتاحية. وهذا لا يقلل من أهمية القوة الاقتراحية للبنانيين من مدنيين ورجال دين؛ لكنّ فهم الأزهر، وفهم البابا القبطي، هو الذي ظهر في البيان الختامي أو إعلان الأزهر.
وقع الإعلان في ست مواد تعرضت لستّة موضوعات رئيسية. في المادة الأولى تبنى الإعلان المواطنة والدولة المدنية مصطلحاً ومفهوماً، لكنه نسبهما إلى عهد المدينة، أو دستورها كما سمّاه الإعلان. وكان المقصود بذلك التأصيل والشرعنة، بحيث لا يمكن أحداً من المحافظين أو الأصوليين المجادلة في ذلك. فكتابُ المدينة معقودٌ بين المهاجرين والأنصار ويهود وربما بعض المشركين. وهذا يعني تعددية دينية واجتماعية وسياسية، ومساواة في الحقوق والواجبات. وأنّ الدولة والكيان السياسي لا يقومان على الدين، بل على العقد الاجتماعي والسياسي بين أهل الموطن الواحد.
أما المادة الثانية فتركّز على الدولة الوطنية الدستورية، باعتبارها المكان والموضع الذي تُمارَس فيه مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون. وهناك نقطتان يؤكدهما الإعلان: إدانة التصرفات التي تتعارض ومبدأ المواطنة، وهي الممارسات التي لا تقرها شريعة الإسلام. والنقطة الأخرى: إبراز التناقض بين مفهوم المواطنة وحقوق الأقليات وحمايتها. فمع المواطنة لا يصح أن تكون هناك أقليات في المجتمع لها حقوق خاصة. ومع تبني المظلوميات وحقوق الأقليات يتوزع الولاء، وتحدث التبعية للمشروعات الخارجية.
وفي البند الثالث يتصدى الإعلان لظواهر العنف والتطرف، وآثارها في المسلمين وأبناء الديانات والثقافات الأخرى مثل القتل والتهجير والاختطاف. ويعتبر أن الأديان منها براء، وأنه ينبغي أن يتعاون أهل الأديان لمكافحة تلك الظواهر المخيفة.
أما البند الرابع فيُعتبر نتيجة للبند الثالث. إذ يصرح الإعلان بأنّ حماية المواطنين في حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم، هي الواجب الأول للدول الوطنية، ولا ينبغي أن يزاحمها في ذلك أحد. على أنّ الهيئات الدينية والثقافية والمعنيين بالشأن العام في الأوطان العربية كلها، يتحملون مسؤوليات كبرى في مساعدة الدول الوطنية لأنهم بذلك يساعدون أنفسهم ومجتمعاتهم وأديانهم: «إننا اليومَ مدعوون جميعاً بحكم الانتماء الواحد والمصير الواحد إلى التضامن… فالمظالم مشتركة والمصالح مشتركة، وهي تقتضي عملاً مشتركاً…».
وجاء البند الخامس بمثابة استعراض لجهود المراجعة والتواصل في الأعوام الماضية. ويقر الإعلان أنّ المراجعات لا بد أن تستمر من أجل التجديد والتطوير في ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا. وقـــد ذكر الإعلان من ضمن جــهات التواصل للتغيير الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي وأسقفية كانتربري.
أما البند السادس والأخير فقد ركّز على الخلاصات والنتائج. فالغاية من وراء المؤتمر «التأسيس لشراكة متجددة أو عقدٍ مستأنف بين المواطنين العرب، مسلمين ومسيحيين… يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية». والشراكة الكاملة التي يريدها الإعلان مَثَلُها ما ذكره رسول الله (ص) عن أهل السفينة الواحدة ذوي المصير الواحد:» نريد بالإرادة المشتركة وبالانتماء المشترك وبالمصير المشترك، أن نساهم معاً من طريق العمل الجادّ في إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا، وتصحيح علاقاتنا بالعالم…».
إعلان الأزهر هو إعلان نوايا طيبة وإعلان تصميم على إنفاذ مقتضيات العيش المشترك بإحقاق المواطنة، والتضامن والتعاون والأخوة الوطنية والإنسانية. الآخرون يزعمون أنّ الأديان تفرّق، والأزهر والذين استجابوا دعوته يريدون أن تكون الأديان جامعة غير مفرِّقة. إنها لحظة تاريخية خطيرة تستدعي مسؤوليات على الدين والدول. وها هو الإسلام بشخص مؤسسته الكبرى يستجيب، ولا بد أن تنهض الدولة الوطنية لتستلم الركن الآخر من ركني الحرية والعيش المشترك، وهو ركن المواطنــة والدولــة القائمة عليها.

نص الإعلان

«استجابة للاحتياجات المتجددة التي تتطلع لتحقيقها مجتمعاتنا العربية.
ومواجهة للتحديات التي يتعرض لها الدين والمجتمع والدول الوطنية.
وإدراكاً للمخاطر الجمة التي تعترض تجربة التعددية الدينية الفريدة، في مجتمعاتنا ومجالنا الحضاري.
ومتابعة للجهود والوثائق والمبادرات، المنفردة والمشتركة، التي قام بها الأزهر، والمؤسسات والجهات الدينية والمدنية الأخرى في العالم العربي، في السنوات الماضية.
وانطلاقاً من الإرادة الإسلامية – المسيحية المصممة على العيش المشترك، ورفض التطرف، وإدانة العنف والجرائم التي ترتكب باسم الدين، وهو منها براء، كما ورد في «بيان مؤتمر الأزهر لمكافحة التطرف والإرهاب»، عام 2014، وما تلاه من مؤتمرات وملتقيات مشتركةٍ.
انطلاقاً من كل ذلك قرر الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين إقامة مؤتمرٍ موضوعه: «الحرية والمواطنة… التنوع والتكامل» حضرته أكثر من مئتي شخصية من ستين دولة من النخب الدينية والمدنية والثقافية والسياسية، الإسلامية والمسيحية في الوطن العربي والعالم، وشارك فيه كثيرٌ من رجال السياسة والفكر والثقافة والإعلام في مصر.
وعلى مدى يومين (28/ 2 – 1/ 3/ 2017) من المحاضرات والمداولات في قضايا ومسائل المواطنة، والحرية والتنوع، والتجارب والتحديات، والمشاركات والمبادرات.
تلاقى المجتمعون على إصدار «إعلان الأزهر» متضمناً البنود التالية:
أولاً:
إن مصطلح «المواطنة» هو مصطلح أصيل في الإسلام، وقد شعت أنواره الأولى من دستور المدينة وما تلاه من كتب وعهود لنبي الله – صلى الله عليه وسلم – يحدد فيها علاقة المسلمين بغير المسلمين، ويبادر الإعلان إلى تأكيد أن المواطنة ليست حلاً مستورداً، وإنما هي استدعاء لأول ممارسة إسلامية لنظام الحكم طبقه النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي أول مجتمع إسلامي أسسه، هو دولة المدينة.
هذه الممارسة لم تتضمن أي قدر من التفرقة أو الإقصاء لأي فئة من فئات المجتمع آنذاك، وإنما تضمنت سياسات تقوم على التعددية الدينية والعرقية والاجتماعية، وهي تعددية لا يمكن أن تعمل إلا في إطار المواطنة الكاملة والمساواة، التي تمثلت بالنص في دستور المدينة على أن الفئات الاجتماعية المختلفة ديناً وعرقاً هم «أمة واحدة من دون الناس»، وأن غير المسلمين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.
واستناداً إلى ذلك كله، فإن المجتمعات العربية والإسلامية تمتلك تراثاً عريقاً في ممارسة العيش المشترك في المجتمع الواحد يقوم على التنوع والتعدد والاعتراف المتبادل.
ولأن هذه الثوابت والقيم والأعراف السمحة تعرضت – ولا تزال تتعرض – لتحديات داخلية وخارجية، فإن الأزهر ومجلس حكماء المسلمين ومسيحيي الشرق يلتقون اليوم من جديد على الإيمان بالمساواة بين المسلمين والمسيحيين في الأوطان والحقوق والواجبات، باعتبارهم «أُمة واحدة، للمسلمين دينهم، وللمسيحيين دينهم»، اقتداءً بما نص عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – في دستور المدينة.
وعليه فإن المسؤوليات الوطنية مسؤوليات مشتركة بين الجميع.
ثانياً:
إن تبني مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يستلزم بالضرورة إدانة التصرفات التي تتعارض ومبدأ المواطنة، من ممارسات لا تقرها شريعة الإسلام، وتنبني على أساس التمييز بين المسلم وغير المسلم، وتترتب عليها ممارسات الازدراء والتهميش والكيل بمكيالين، فضلاً عن الملاحقة والتضييق والتهجير والقتل، وما إلى ذلك من سلوكات يرفضها الإسلام، وتأباها كل الأديان والأعراف.
إن أول عوامل التماسك وتعزيز الإرادة المشتركة يتمثل في الدولة الوطنية الدستورية القائمة على مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون، وعلى ذلك فإن استبعاد مفهوم المواطنة بوصفه عقداً بين المواطنين، مجتمعات ودولاً يؤدي إلى فشل الدول، وفشل المؤسسات الدينية والنخب الثقافية والسياسية، وضرب التنمية والتقدم، وتمكين المتربصين بالدولة والاستقرار من العبث بمصائر الأوطان ومقدراتها.
كما أن تجاهل مفهوم المواطنة ومقتضياته يشجع على الحديث عن الأقليات وحقوقها.
ومن هذا المنطلق يتمنى الإعلان على المثقفين والمفكرين أن يتنبهوا لخطورة المضي في استخدام مصطلح «الأقليات»، الذي يحمل في طياته معاني التمييز والانفصال بداعي التأكيد على الحقوق، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة صعود مصطلح «الأقليات» من جديد، والذي كنا نظن أنه ولى بتولي عهود الاستعمار، إلا أنه عاد استخدامه أخيراً للتفرقة بين المسلمين والمسيحيين، بل بين المسلمين أنفسهم، لأنه يؤدي إلى توزع الولاءات والتركيز على التبعية لمشروعات خارجية.
ثالثاً:
نظراً إلى ما استشرى في العقود الأخيرة من ظواهر التطرف والعنف والإرهاب التي يتمسح القائمون بها بالدين، وما يتعرض له أبناء الديانات الأخرى والثقافات الأخرى في مجتمعاتنا من ضغوط وتخويف وتهجير وملاحقات واختطاف، فإن المجتمعين من المسيحيين والمسلمين في مؤتمر الأزهر يعلنون أن الأديان كلها براءٌ من الإرهاب بشتى صوره، وهم يدينونه أشد الإدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار.
ويطالب المجتمعون من يربطون الإسلام وغيره من الأديان بالإرهاب بالتوقف فوراً عن هذا الاتهام الذي استقر في أذهان الكثيرين بسبب هذه الأخطاء والدعاوى المقصودة وغير المقصودة.
ويرى المجتمعون أن محاكمة الإسلام بسبب التصرفات الإجرامية لبعض المنتسبين إليه تفتح الباب على مصراعيه لوصف الأديان كلها بصفة الإرهاب، مما يبرر لغلاة الحداثيين مقولتهم في ضرورة التخلص من الأديان بذريعة استقرار المجتمعات.
رابعاً:
إن جماية المواطنين في حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم وسائر حقوق مواطنتهم وكرامتهم وإنسانيتهم، صارت الواجب الأول للدول الوطنية التي لا يصح إعفاؤها منها، صوناً لحياة المواطنين وحقوقهم، ولا ينبغي بأي حالٍ من الأحوال مزاحمة الدولة في أداء هذا الواجب، أياً كان نوع المزاحمة.
والتاريخ القريب والبعيد حافل بالأمثلة الواضحة التي تؤكد أن ضعف الدولة يؤدي إلى انتهاك حقوق مواطنيها، وأن قوتها هي قوة مواطنيها، وأن النخب الوطنية والثقافية والمعنيين بالشأن العام في الأوطان العربية كلها، يتحملون جميعاً مسؤوليات كبرى إلى جانب الدولة في مكافحة ظواهر العنف المنفلت، سواء أكانت لسبب ديني أو عرقي أو ثقافي أو اجتماعي.
إننا اليوم مدعوون جميعاً بحكم الانتماء الواحد والمصير الواحد إلى التضامن والتعاون لحماية وجودنا الإنساني والاجتماعي والديني والسياسي، فالمظالم مشتركة، والمصالح مشتركة، وهي تقتضي عملاً مشتركاً نقر جميعاً بضرورته، ولا بد من تحول هذا الشعور إلى ترجمةٍ عملية في شتى مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والوطنية.
خامساً:
لقد بذلنا جميعاً – مؤسسات وأفراداً – في السنوات الأخيرة جهوداً للمراجعة والتصحيح والتأهيل والتأصيل. ونحن – مسلمين ومسيحيين – محتاجون للمزيد من المراجعات من أجل التجديد والتطوير في ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا.
وقد كان من ضمن المراجعات توثيق التواصل بين المؤسسات الدينية في العالم العربي وفي العالم الأوسع، فقد أقمنا علاقات مع حاضرة الفاتيكا، وأسقفية كانتربري، ومجلس الكنائس العالمي، وغيرها.
وإننا لنتطلع إلى إقامة المزيد من صلات التعاون بين سائر المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في العالم العربي، من أجل العمل معاً في مجالات الإرشاد والتربية الدينية والأخلاقية، والتنشئة على المواطنة، وتطوير علاقات التفاهم مع المؤسسات الدينية العربية والعالمية، ترسيخاً للحوار الإسلامي – المسيحي وحوار الحضارات.
سادساً:
إن طموح الأزهر ومجلس حكماء المسلمين من وراء هذا المؤتمر هو التأسيس لشراكة متجددة أو عقد مستأنف بين المواطنين العرب كافة، مسلمين ومسيحيين وغيرهم من ذوي الانتماءات الأخرى، يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية، وما نذهب إليه في هذا الشأن ليس خياراً حسناً فقط، بل هو ضرورة حياة وتطور لمجتمعاتنا ودولنا وإنساننا وأجيالنا.
لقد ضرب رسول الله – صلوات الله وسلامه عليه – مثلاً للشراكة الكاملة والعقد القائم الجماعة الواحدة على السفينة الواحدة ذات الطابقين، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال بعضهم: «لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا»، وقد عقب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ذلك بقوله: «فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهكلوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً».
ونحن أهل سفينة واحدة، ومجتمع واحد، نواجه مخاطر مشتركة تهددنا في حياتنا ومجتمعاتنا ودولنا وأدياننا كافة، ونريد بالإرادة المشتركة، وبالانتماء المشترك، وبالمصير المشترك، أن نُسهم معاً عن طريق العمل الجاد في إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا، وتصحيح علاقاتنا بالعالم، حتى نوفر لأبنائنا وبناتنا فرصاً في مستقبل واعد، وحياة أفضل.
إن المجتمعين مسلمين ومسيحيين يجددون عهود أخوتهم، ورفضهم أية محاولات من شأنها التفرقة بينهم، وإظهار أن المسيحيين مستهدفون في أوطانهم، ويؤكدون أنهم مهما فعل – ويفعل – الإرهاب بيننا في محاولة للإساءة إلى تجربتنا المشتركة، واستهداف مقومات الحياة في مجتمعاتنا لن ينال من عزيمتنا على مواصلة العيش الواحد وتطويره والتأكيد على المواطنة فكراً وممارسة.
وهو – سبحانه – من وراء القصد، وهو حسبُنا ونعم الوكيل».

المصدر: صحيفة الحياة




«الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد» … قراءة في مشروع محمد أركون

Arkun

بقلم: محمد عبدالفتاح السروري — يتبوأ محمد أركون (1928- 2010) مكانة رفيعة بين مفكري عصره. هو لم يبلغ تلك المرتبة من فراغٍ، ولكن مشروعه التنويري دفعَ به دفعاً إلى الصفوف الأولى ممن حملوا مشعل النقد للفكر الدوغماتيقي الذي أضحت له السيادة والسؤدد على ذهنية غالبية المناخ الإسلامي في الدول العربية والإسلامية، وكثيرٍ من المسلمين في بلاد المهجر غيرِ الإسلامية.
كتب أركون الكثير من مؤلفاته باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وتُرجِمَ كثيرٌ منها إلى لغات عدة، ومنها «الإسلام، أوروبا والغرب»؛ «أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟»، «الفكر الأصولي واستحالة التأصيل». أما «الفكر الإسلامي… نقدٌ واجتهاد»، فصدر بالفرنسية وترجمه هاشم صالح إلى العربية. يتناول أركون في هذا المبحث الكثير من القضايا التي تشكل ملامح الفكر الإسلامي المعاصر وأهم الإشكاليات التي تواجهه، واتخذ في ذلك منهجاً تساؤلياً، إذ إن هذه الأطروحة مقسمة إلى مجموعة من الأسئلة، وتشكل الإجابات المتن الرئيس.
هل يمكننا التحدث عن وجود معرفة علمية عن الإسلام في الغرب أو بالأحرى هل يمكننا التحدث عن وجود مُتخيل غربي عن الإسلام؟ يوضح أركون أن هذا السؤال جرى طرحه منذ خمسينات القرن المنصرم، ولا يزال الكثير من الفرنسيين يذكرون تلك المماحكات الأيديولوجية والصراعات التي جرت، ليس فقط بخصوص الإسلام، ولكن في ما يخص العالم والثقافة العربية بعامة. إن «المتخيَّل»، لا يستطيع الجمهور العادي فهمه في شكلٍ جيد حتى اللحظة الراهنة، إذ لم يتم التوصل بعد إلى بلورة حدوده وتحديد وظائفه ومستوى تجلياته في شكلٍ دقيق. ولكن يمكن القول أن متخيَّل فردٍ ما أو فئة اجتماعية أو أمةٍ من الأمم ما هو إلا مُجمل التصورات المنقولة بواسطة الثقافة، وكانت هذه الثقافة معممة شعبياً في الماضي بواسطة الملاحم والشعر والخطاب الديني وهي الآن مُتسيدة من خلال وسائل الإعلام على اختلاف مسمياتها. وهذا يعني أنه لا يوجد مُتخيَّل واحد عن الإسلام بل يوجد متخيل فرنسي وإنكليزي وألماني. كما يوجد أيضاً متخيّل مصري وجزائري وغير ذلك. ويطرح أركون استفهامه – معكوساً- كحتمية بحثية في تناوله العلاقة السجالية في (المُتخيل) بين الإسلام والغرب؛ في صيغة مفادها: ما الذي يمكن قوله بخصوص النظرة إلى الغرب أو إدراك الغرب من قِبل الإسلام المعاصر؟
إن أول قطيعة حصلت مع أطرِ الإدراك والتصورات الكلاسيكية تمكن ملاحظتها لدى المصري رفاعة الطهطاوي الذي قدمَ إلى فرنسا في القرن التاسع عشر. فقد ترك لنا كتاباً مؤثراً عن اكتشافاته في فرنسا والتي كانت آنذاك خرجت للتو من الصراعات الثورية والحروب النابوليونية. ونجد أن نظرته إلى فرنسا إيجابية مشوبة بالقلق إذ لاحظ ذلك التفاوت بين مجتمعٍ حر وحيوي، منفتح على التغيير والتجديد مثل المجتمع الفرنسي، ومجتمع تكراري وامتثالي محافظ كالمجتمع المصري، وقد أثار ذلك شجوناً لديه وحرّك إرادة داخله من أجلِ التقدم والإصلاح ومراجعة الموروث.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل تمت هزيمة النموذج الغربي في المجتمعات العربية والإسلامية هزيمة قاطعة أم كانت هناك مقاومة وإرهاصات جديدة لهذا النموذج؟ في هذا الموضع من البحث يطرح أركون رؤيته إلى الدور الذي لعبه النموذج القومي المُستعار من أوروبا في المجتمعات الإسلامية والعربية. من الناحية النظرية واللاهوتية، فإن كل أعضاء الأمة يشاركون في النظام السياسي والديني. ولكن من الناحية العرقية والثقافية والسوسيولوجية، نلاحظ أن اسم الإمبراطورية يشمل مناطق متنوعة ومختلفة غاية الاختلاف إلى حد أن عدداً كبيراً من الفئات بقي خارج الدائرة السياسية والقانونية لنظام الخلافة أو الإمامة. وبالتالي فإن تلك الفئات لم تُشارك في صوغ النموذج العام لهذا النظام.
والدليل على صحة ذلك أن الأنظمة والدول التي تشكلت بعد الاستقلال راحت تشتبه في عملية البحث العلمي العرقي والإثنولوجي والأنثروبولوجي، وتنظر إلى هذه العلوم بعين الريبة والشك. هذه العلوم بطبيعتها تلقي الضوء على هذه الفئات المستبعدة؛ ولأن التيار العام رفضها بصفتها علوماً استعمارية، لزم على الذين يشكلون الوحدة الوطنية على القاعدة الأرضية المحددة بواسطة حدودٍ دولية تجنب خطر استيقاظ الهويات الثقافية واللغوية للفئات المذكورة التي ربما راحت تستخدم الشعارات والمطالب القومية نفسها التي استخدمت في المرحلة الأولى للتحرر من المستعمر الأجنبي. مع العلم بأن نشوء الوحدة القومية في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا اصطدم بالتوترات والصراعات والتناقضات نفسها. ومن المعلوم صرامة النموذج اليعقوبي الفرنسي من الناحية القومية وعدم تساهله فيها. والمفارقة أن دول العالم الثالث المنبثقة من حروب التحرير الوطنية والصراع ضد الاستعمار استعارت النموذج القومي الشديد المركزية، بل زادته حدة وصلابة.
وهكذا راح الهمّ الفكري يتشكل في مجالات المعرفة وينشغل بفرز العلوم وتصنيفها، ويهتم بنقد المناهج والمقاربات الخاطئة أو غير المطابقة – لرؤيته الموروثة – وأضحى هذا الهم يبرز في علوم المعرفة في الحقبة الكلاسيكية، ومنها علم النحو واللغة وعلم التاريخ والجغرافيا والطب والعلوم الطبيعية وغيرها. وهذه المساحة الثقافية أخذت بالتقلص بدءاً من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بتأسيس المدرسة السكولاستيكية – المدرسية – القائمة على تلقين الفكر الديني واستبعاد العلوم الدنيوية. وبذلك انتصرت الروح السكولائية الصارمة لدى غالبية الكُتاب والباحثين، ما أدى إلى اضمحلال الموقف الفلسفي وتواريه. وبذلك تسيَّد نمطان من العلماء طيلة العصور السكولاستيكية: نمط الفقيه الذي يحفظ عن ظهرِ قلبٍ ويعيد إنتاج الكتب الموروثة للفقه من دون أي اعتبار أو تجديدٍ عقلي. وتجب الإشارة هنا إلى أن تلك الكتب كانت موجهة في الأساس إلى تدريب رجال القضاء.
أما النمط الثاني، فهو نمط الشيخ المُرابط بحسب لغة أهل المغرب. وهو الرجل الوحيد الذي يعرف أن يكتب تعويذة أو رُقيّة ويشرف على تنشيط جمعية دينية، ويؤدي الصلوات ويسهر على الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع الفرائض القانونية في الإسلام. وبناءً على ما سبق؛ راحت المجتمعات العربية والإسلامية تدخل في سياج دوغمائي مغلق، رسَّخه الأصوليون من طريق تشكيل علم الأصول. وعليه فإن مصطلح الأصولية يشير إلى تلك الممارسة الفكرية المنبثقة والمثبتة والمقننة بصرامةٍ في رسائل راحت تزيد من سماكة السياج الدوغماتيقي وتقوي انغلاقه على ذاته.
ويطرح أركون فرضية أن العقلية العلمية السائدة اليوم تنظر بنوعٍ من الشك والارتياب إلى تلك الرؤى الفلسفية التي تقدم رؤى كليانية عن العالم منذ أيام أفلاطون وأرسطو وحتى زمن كانط وبرغسون. وحتى علماء اللاهوت والثيولوجيا يبدو أنهم تراجعوا عن فكرة بناء أنظمة كلية متماسكة، وبناءً عليه فإن الضمير الإسلامي العام يتحتم عليه أولاً أن يحل كل المشاكل العالقة الموروثة عن الماضي وأن يقوم العقل العربي والإسلامي في مجمله بعملية توضيح وإضاءة شاملة لتاريخٍ طويلٍ مُعقد لا يزال غير معروفٍ أو غير محلل بشكلٍ كافٍ. وعلى العقل الإسلاميّ أن ينخرط في استراتيجية للتدخل العلمي من أجل فتح العقليات المغلقة وتحريرها. على أن ترتكز هذه الاستراتيجية إلى نقد الخطاب والقيام بعملية نقد للتاريخ الإسلامي والبحث الأنثروبولوجي في المجتمعات الإسلامية، وأخيراً إعادة الاعتبار للموقف الفلسفي.

المصدر: صحيفة الحياة




الإسكندر وذو القرنين بين التاريخ والقرآن

تمثال للإسكندر المقدوني
تمثال للإسكندر المقدوني

بقلم: إميل أمين — أشار مفسرو القرآن إلى شخصية (ذي القرنين) الذي بني سداً من قطع الحديد، ليفصل بين أهل الأرض وبين يأجوج ومأجوج، فصرح بعضهم بأنه الإسكندر الذي بني مدينة الإسكندرية، ولكن ما حقيقة هذه الإشارات في التفسيرات القرآنية المتعددة؟ وما حقيقة الربط بين الشخصيتين؟ وما هي أبعاد ذلك الربط وظروفه الموضوعية والتاريخية؟ ومن سبب ذلك كله، ولماذا الإسكندر بالذات هو من ارتبط اسمه بشخصية ذي القرنين؟
وما الهدف من ذلك الربط بين الشخصيتين؟ وما هي حقيقة شخصية الإسكندر الأكبر نفسه؟… كلها أسئلة محورية في هذا الصدد لا يمكن تجاهلها ولا مناص من أن يدور العقل في فلكها، حتى يتفهم حقيقة هذا الربط وأسبابه الموضوعية والتاريخية.
والثابت أن المؤرخ الجاد لا يكف أبداً عن أن يسأل التاريخ ويستنطقه… ويستقري مروياته… بغية أن يصل إلى الحقيقة، فيساهم في إضاءة حقبة في التاريخ لم تكن مكشوفة من قبل، وهذا ما فعله صاحب الكتاب الذي يحمل عنوان «الإسكندر وذو القرنين بين التاريخ والقرآن» الباحث المصري الدكتور عماد الكاشف، عبر صفحات قدم لها المؤرخ المصري الكبير الدكتور عاصم الدسوقي، والكتاب صادر عن «مؤسسة العالم العربي للدراسات والنشر» في القاهرة.
يلفت الدسوقي إلى أن من بين الإشكالات التي تواجه الباحث في التاريخ تفسير أحداثه وشخصياته، وبخاصة الأحداث الكبرى التي تجاوز تأثيرها حدود المكان الذي وقعت فيه، والأشخاص الذين تصدروا مشهد هذه الأحداث وسيطروا عليها وتحكموا في توجيهها بطريقة أو بأخرى وتركوا بصمتهم في شكل واضح على صفحات الزمن.
هذا الكتاب الذي يتناول الإسكندر الأكبر يمثل أحد المآزق التي يجد فيها باحث التاريخ نفسه بين حقيقية الواقع الذي عاشته هذه الشخصية طبقاً لما أوردته المصادر، وبين الهالة الأسطورية التي أضفتها مصادر أخرى عليه ووضعته في منزلة فوق مستوي البشر العاديين، بحيث أصبح اختياراً إلهياً بسبب الإنجازات التي حققها في زمن قصير كانت عند معاصريه من المعجزات.
ومن ناحية أخرى، فإن من يكتب عن شخصية لها مكانتها في التاريخ قد يجد نفسه وقع في أسرها فيقدمها بصورة تتناسب مع تلك العظمة والمكانة، وهناك من يتخذ موقفاً سلبياً من الشخصية التي يكتب عنها في شكل مسبق وفقاً لانتمائه السياسي أو معتقده الديني، فتضيع منه المعالم الحقيقية لهذه الشخصية، وهذا هو جوهر الإشكالية عند الكتابة عن دور الفرد في التاريخ.
في هذا السياق تأتي شخصية الإسكندر الأكبر، المحيرة في التاريخ، الأسطورية الحديث، وما يبرر الهالة الأسطورية لهذه الشخصية أن الإسكندر في خلال خمس سنوات (335 ق.م – 330 ق.م) وعندما كان في الحادية والعشرين من عمره قاد جيوشه من هضاب مقدونيا إلى بلاد اليونان وأخضعها، ومنها إلى بلاد سورية (فينيقيا) ومصر ثم إلى بلاد فارس (إيران) وحتى حدود الصين… الخ، ومثل هذه الإنجازات جعلت من يكتب عنها لا يجد لها تفسيراً إلا أن صاحبها (الإسكندر) اختيار إلهي، ومن ثم كان تفوقه الملحوظ، وكانت انتصاراته الدائمة و «أسطورته» في النهاية.
يدور الكتاب الذي يقع في نحو مئتي صفحة من القطع الكبير حول ثلاثة محاور أساسية كالتالي:
المحور الأول: ويدور حول التكوين، بمعنى كل ما يتعلق بتكوين شخصية الإسكندر والعوامل التي أثرت فيه، وفي بلورة تفكيره، وجعله قادراً على مواجهة الصعوبات في المستقبل.
المحور الثاني: وهو الطموح، ويعالج هذا المحور كل ما يتعلق بطموح الإسكندر على الجانب العسكري والحضاري متضمناً انتصاراته وغزواته وطموحه في قيادة العالم القديم.
المحور الثالث: ويعالج الأسطورة، التي تحدث دائماً بعد وفاة الإنسان الناجح في الدنيا، والأسطورة في سيرة الإسكندر تشكل عاملاً أساسياً في دراسة حياته، لا سيما أنه أحيط بقدر كبير من الاهتمام جعل الكثير من الشعوب تنسب شخصيته إليها ليكون وريث حضارتها ورمزاً لتراثها. كما يعالج هذا المحور حقيقة العلاقة بين شخصية الإسكندر وشخصية ذي القرنين المشار إليها في القرآن الكريم في سورة الكهف الآية 83 وأسباب الربط بين الشخصيتين، إذ دخلت شخصية الإسكندر الأكبر في التفسيرات القرآنية المتعددة، وانتشر الخيال حتى وصل الأمر إلى أن الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين، والسبب في ذلك ما نقله المفسرون من الأدب الفارسي الذي صور الإسكندر الأكبر على أنه ذو قرنين لاعتبارات كثيرة شكلية وعسكرية، وبعد انتشار الإسلام أخذ المفسرون من هذا الأدب الفارسي ما يوضح في ظنهم أنه تفسير للآية الكريمة (ويسألونك عن ذي القرنين) من دون النظر إلى اعتبارات النشأة والتكوين والاتجاهات السلوكية لكلتا الشخصيتين، فضلاً عن أن تاريخ الإسكندر الأكبر يكاد يكون معروفاً في شكل كامل اللهم إلا شذرات هنا أو هناك لا تثمن ولا تؤثر في فهم الشخصية بقدر كبير، كما يعالج هذا المحور أيضاً حقيقة علاقة الإسكندر بآمون ونسبه إليه، وأسطورة الميلاد، وكذلك الأسطورة وفكرة الإخاء الإنساني.
هذه المحاور الثلاثة تشكل الركائز الأساسية بكل تفصيلاتها وجزئياتها التي تقوم عليها دراسة سيرة الإسكندر الأكبر، والتي من خلالها يمكن فهم حقيقية العلاقة بين شخصيته وشخصية ذي القرنين، في إطار ما هو متاح من ظروف تاريخية.
يبقي السؤال الجوهري الذي هو عمق المسألة:» هل الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين أم لا»؟
يخلص المؤلف إلى أنه أجريت حول هذه المسألة دراسات عدة بين مؤيد ومعارض وكل من الرأيين (المعارضون والمؤيدون) لا يتعدى وجهة النظر ليس إلا، فليس لدى أي من الفريقين دليل قاطع على صحة رأيه، فأصحاب الرأي «المؤيدون» يدللون على صحة رأيهم بأن الإسكندر الأكبر استطاع غزو معظم أجزاء العالم القديم شرقاً وغرباً، محاولين بذلك إعطاء تفسير لقوله تعالى: «حتى إذا بلغ مغرب الشمس»…. وكذلك الآية (حتى إذا بلغ مطلع الشمس…). كما اعتمدوا أيضاً في رأيهم على أخلاقيات الإسكندر الأكبر التي تشبه إلى حد بعيد أخلاقيات ذي القرنين ومنها دفنه لعدوه اللدود (دارا) ملك الفرس، وتشييع جنازته تشييعاً يليق بملك في مكانة (دارا) القائد الكبير.
كذلك يعتمدون في رأيهم على ذكر بعض المؤرخين المعاصرين واللاحقين للإسكندر باسم الإسكندر ذي القرنين، وكذلك وجود بعض الرسوم التي وجدت عليها صورة الإسكندر الأكبر ويعلو جبينه تاج على هيئة قرنين، حتى لقد ذكرت كثير من التفاسير القرآنية هذه العلاقة مفسرين الآية الكريمة (ويسألونك عن ذي القرنين…) أي يسألون النبي (صلى الله عليه وسلم) وهم اليهود، عن رجل طواف في الأرض فأخبرهم النبي أنه شاب من الروم وأنه بنى الإسكندرية، وعلا به ملك في السماء وذهب به إلى السد وراء أقوام وجوههم مثل وجوه الكلاب وفيه طول ونكارة ورفعة.
أما آراء المعارضين، فوجهة نظرهم أنه رجل وثني، على حين ما جاء عن ذي القرنين في القرآن الكريم ليوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن لذي القرنين منزلة عالية عند الله عز وجل، وأنه بلغ «درجة من الإيمان والتقوى جعلته قريباً من الله لدرجة أن يذكره القرآن الكريم، على حين أن قضية بناء السور تصوّر مدى العلم العميق بكيفيات انصهار الحديد وغيره من المواد المستخدمة في بناء السد، كما جاء في النص القرآني ولا يعتقد في رأيهم أن الإسكندر زار آمون وقدم إليه القرابين محاولاً بذلك تأليه نفسه، فتساءلوا كيف يقدم القرابين ويؤله نفسه، وبذلك يكون ذو القرنين القرآني الرجل الصالح العارف بالله كما جاء في القرآن الكريم؟
هل المسألة مقطوعة أو منتهية؟
في واقع الأمر لكل من الفريقين وجهة نظره الخاصة التي يراها هو مقنعة له، ولكن إذا دققنا النظر في هذه الآراء لوجدناها غير دقيقة بالفعل. فكثير من القادة العظام في التاريخ القديم غير الإسكندر استطاعوا غزو العالم شرقاً وغرباً، كما أن أخلاقيات الإسكندر الأكبر الطيبة هي شيء طبيعي لكونه ملكاً ورث الملك عن أبيه ولكونه أيضاً فارساً نبيلاً، وحتى لو لم تكن أخلاقه طيبة، فهناك نبلاء وفرسان كثيرون قدموا لنا أروع أمثلة على الشجاعة والمروءة والأخلاق النبيلة.
وحتى التفسيرات القرآنية التي ذكرت الحديث السابق فهي التفسيرات التي تقرر أن الحديث ضعيف السند. كما أن آراء المعارضين لا تقيم دليلاً شافياً على صحة رأيهم، فزيارة الإسكندر لمعبد آمون في سيوة يمكن فهمها سياسياً على أنها محاولة منه للتقرب إلى المصريين باستخدام الدين، كما يمكن تفسير عدم علمه الواسع على أنه ليس هناك ثمة دليل يؤكد ذلك.
وعلى أي حال يبقى صعيد السببية من دون تغطية شاملة، فالحقيقة التاريخية بحاجة إلى دليل قاطع، والنص القرآني عميق الفهم، والتأويل الكامل له هو صفة الله وحده صاحب كلامه ومفرداته، وتبقى مسألة إيجاد أرضية مشتركة بين التاريخ والدين في كثير من الأمور مسألة خلافية ومن الإشكاليات الصعبة التي تحتاج إلى موضوعية شديدة، وفكر واع عميق، غير متعصب، وذلك لصعوبة تضاريس هذه القضية، ووعورة السير فيها خشية الانزلاق إلى تفسيرات خاطئة لا تقود بأي حال من الأحوال إلى الحقيقة التي دائماً ما تكون صعبة المنال، ودائماً ما نسعى إليها.

المصدر: صحيفة الحياة




مفهوم الأمّة لدى مدرسة المنظور الحضاري

بقلم: خديجة جعفر — تعدّ الأستاذة الراحلة الدكتورة منى أبو الفضل (1945- 2008) رائدة المنظور الحضاري الإسلامي في العلوم السياسية الذي ازدهر في جامعة القاهرة حيث كانت تدرّس في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم. وتناولت الراحلة مفهوم الأمّة الإسلامية في كتابها «الأمّة القطب: نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام» وهو الكتاب الذي جابت فيه عوالم الفكر والواقع والتاريخ.
ترى أبو الفضل أنّ الأمة لا تزال حيّة متجددة في تواصل استمراري يجاوز الحقيقة التاريخية الموقوتة، التي يعترف أهل التخصص بتاريخية وجودها، ويسلّمون بانتهائها لانتفاء مظهرها التنظيمي بسقوط الخلافة العثمانيّة، وإنشاء الدول القوميّة المتخالفة. ولكنّ الأحداث التي يشهدها العالم الإسلامي باستمرار والتي تؤثر فيها كل دولة على دولة أخرى تهز مسلّمات أساتذة أهل التخصص، لتعود الأمة ظاهرة تفرض وجودها على الواقع والفكر، وقاعات الدّرس.
ومن عالم الواقع والشهود الظاهري إلى عالم الفكر والعلم، تنتقل أبو الفضل لتفسير ظاهرة استمراريّة وحيويّة الأمة وتعليلها، ومن ثمّ تجريد المفهوم وتأصيله، ليعود لتغذية حقول علوم السياسة بقدرات تحليلية ومرجعيّة قيميّة، تكرّس وجهة جديدة للحقل المعرفي السياسي، وتسد ثغرة فيه.
استمرارية الأمة على رغم انتفاء مظهرها التنظيمي يكشف عن وجود عناصر إطلاق كامنة في الأمّة، ومنفكّة عن قيود الزمان والمكان. كما إنّ وجود الأمة كحقيقة تاريخية يكشف عن وجود عناصر نسبيّة تنقل الأمّة من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل.
وعليه، رحلت الكاتبة للبحث في أصول نشأة الجماعة المسلمة الأولى، لتكشف عن سرّ كون (الأمّة) قيمة باقية إلى اليوم، وهو ارتباطها في منشئها بالعقيدة/ الدعوة، وكونها وعاءً للقرآن الكريم، فلقد خلّف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى أمّة، ولم يخلف إمامة أو إماماً أو دولة. وببقاء العقيدة، وبقاء الذكر الحكيم تبقى الأمّة.
أمّا زوال الحقيقة التاريخية للأمّة، فمردّه الى أسباب نسبية تشترك فيها الأمّة مع غيرها من الأمم ويكمن في تفرد منشئها، وارتباطها بالعقيدة/ الدعوة.
ثمّة خصيصة أخرى تميز الأمّة في الإسلام، هي تشكيلها مركز ثقل بشري يشدّ إليه وحداته الداخلية من دون أن يذيبها ليفقدها معالمها، كما يجذب نحوه مفردات جماعيّة من خارج إطاره. هذه الخصيصة تستند الى أساس فلسفي إسلامي في رؤية قضية (الوحدة والتنوع) اذ ترى أنّ التنوع والاختلاف ليسا موجبين في ذاتهما للتنافر والتناقض، وإنّما هما من سمات الخلق، وقاعدة للدافعيّة والتكامل.
اتخذت أبو الفضل (المفاعل الاستقطابي) نموذجاً لتفسير خصوصية الأمّة في الجمع بين (الوحدة والتنوع)، في تناغم واتزان. وتعود الكاتبة إلى عناصر النسبية، وعناصر الإطلاق لتشكّل منها محورين متعامدين للمفاعل الاستقطابي: المحور الرأسي هو العقائد/ العبادات، والمحور الأفقي هو العناصر الجغرافية والبشرية والتاريخية. ومرّة أخرى تردّ هذه الخصيصة المتفردة (الجمع بين الوحدة والتنوع) إلى عنصر الإطلاق (العقيدة).
تلعب العقيدة وظيفة حيوية في تنشيط خصائص الأمّة القطب على ثلاثة مستويات. تحقق العقيدة -في المستوى الأوّل- عمليّة إخراج الفرد/ الأمة، حيث يحقق الفرد اعتقاده من خلال ممارسة الشعائر التي توحد الظاهر والباطن في ممارسة جماعيّة تكفل تحقيق التوافق بين شخصية الفرد الذاتيّة وشخصيته الجماعيّة في مراتب أدناها الانتماء، وأعلاها الاندماج التامّ.
وتحقق العقيدة -في مستواها الثاني- التماسك الداخلي للجماعة التي تمثل معطى تأسيسياً، وطاقة توليد حيوية تكفل الحفاظ على الكيان الكلي المتمايز.
وفي المستوى الثالث تحقق العقيدة وظيفة الدعوة باعتبارها دعوة موجهة من الخالق إلى النّاس، وليس من قطاع من البشر إلى قطاع آخر، وبالتالي تحقق الأمة الجذب الخارجي للوحدات الجماعيّة الأخرى.
وخصائص الأمّة القطب تجد حيويتها واستمرارها ودافعيّتها وتجددها في دورة التنشئة الجماعيّة التي تبدأ من الفرد، ويمرّ فيها بمراحل الاستيعاب والاستبطان للقيم الجماعية، ومن ثمّ الإسقاط الخارجي والبلورة والتجسيم لتلك القيم في حيّز مكاني متعدد الأبعاد.
والأمّة القطب بهذه الخصائص وتلك الوظائف هي أمّةٌ وسطٌ مستخلفة في الأرض، فهي الأمّة وليست أمّة بين الأمم. ولهذا المفهوم القرآني دلالات، فالأمة الوسط هي مصدر التوازن والانسجام بين الجماعات البشرية، وهي أمّة وسط من حيث موازين القيم والأنظمة التي تقوم عليها، وأخيراً هي أمّة تتوسط الأرض في الموقع الجغرافي.
وتبدو الكاتبة ذات منزع صوفي في تأملاتها حول الأمة في الإسلام، إذ إنّها تهتم بظاهر الظاهرة، وعلاقته بباطنها. تقول الكاتبة في شرحها لموضوع العقيدة من المفاعل الاستقطابي إنّ «التوحيد هو محور العبادات، وتأتي الشعائر لتدعم العبادات، فتقوم على توحيد الوجدان والسلوك، وتعمل على خلق تطابق بينها صوب العقيدة». وإذا كان المتصوفة اهتموا بالشريعة والحقيقة، واهتمّوا بتربية الفرد وتوحيد ظاهره مع باطنه، فإنّ أبو الفضل تهتم بتربية الجماعة، وتوحيد ظاهرها مع باطنها. يقول رينيه جينو: «ربما كانت العقيدة الإسلامية من بين العقائد الموحاة هي العقيدة التي تظهر فيها بوضوح التفرقة بين جزءين متكاملين هما «الظاهر» و «الباطن».
وفي النهاية، تتضح الرحلة الفكرية للكاتبة من إعمال الملاحظة والمشاهدة للظاهرة، إلى النظر في الفكر والتاريخ وما وراء الظاهرة، إلى الاهتداء بالهدي القرآني في إشاراته للفرد/الأمة والأمّة/ الوسط، والعودة إلى الحقل الدراسي لإعادة التفكير في طرق التفكير والمناهج، واكتشاف الخبرات الحضارية.
وهنا تمكن رؤية أثر اعتماد مفهوم (الأمّة/القطب) في حقل العلوم السياسية: 1- بناء نظرة كليّة في كليّات الاجتماع الحضاري تجبّ القصور في المنظومة الأحاديّة المنطلق التي تقوم عليها الجامعات الحديثة. 2- يشكل النموذج البديل للفراغ الذي تدور الجدالات العصرية حوله في إطار التأسيس للشرعية الدولية الجديدة في نظام دولي أحادي القطب، لأن المفهوم مبني على اعتبار التعدد سنّة وآية، توجب الوحدة، ولا توجب الصراع.

المصدر: صحيفة الحياة




الوقف والديموقراطية والمجتمع المدني

MOSQUE

بقلم: محمد م. الأرناؤوط — منذ عام 1976، حين دخلتُ عالم الوقف بفضل المرحوم حسن كلشي (1922-1976) رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة بريشتينا ونشرتُ أول مقالة لي، شاركتُ في ندوات ومؤتمرات كثيرة عن الوقف ضمن ما سُمّي الصحوة الجديدة أو الموجة الجديدة من مقاربة الوقف التي تميزت بدخول باحثين من العلوم الاجتماعية (علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والقانون والتاريخ الخ ) وأثمرت حصيلة جديدة من الدراسات عن تاريخ الوقف وعلاقته بالدولة والمجتمع عبر القرون وصولاً إلى انكماشه في بعض الدول وازدهاره في بعض الدول في العالم العربي / الإسلامي.
في البداية كانت نسبة المعمّمين هي الغالبة في هذه الندوات والمؤتمرات، باعتبار أن الاهتمام أو التأليف في الوقف كان حكراً على العلماء، ثم زادت بالتدريج نسبة غير المعمّمين أو القادمين من أقسام العلوم الاجتماعية، وهو ما كان مفيداً في الخروج بالوقف من الكتب المصفرة إلى الحياة من جديد، وبخاصة مع الكشف عن أهمية الوقف في المجتمع المدني المنشود بالاستناد إلى الخبرة التاريخية، أو أهمية الإدارة الحديثة في استثمار أصول الأوقاف التي كانت تدر القليل وأصبحت الآن في دول الخليج تدر الكثير.
وفي هذا السياق تستحق ورشة العمل عن الوقف التي دعت إليها جامعة جورج تاون في الدوحة خلال كانون الأول (ديسمبر) المنصرم التوقف عندها لأكثر من سبب. فمع أن الجهة المنظمة دعت الجهة المعنية (وزارة الأوقاف) إلا أن الحضور اقتصر على الباحثين في العلوم الاجتماعية الذين يعملون منذ عقود في الوقف، ولذلك تميزت هذه الورشة بمقاربات مدنية في غيبة كاملة لـ «العلماء» انعكست على الحصيلة العامة للورشة. ومن ناحية أخرى تنوعت المشاركة من اليابان إلى الولايات المتحدة لتستعرض تجارب من الماضي وتتبّع تجارب معاصرة وتستشرف الآفاق الممكنة للوقف في المجتمعات العربية والمسلمة. وبالإضافة إلى هذا وذاك تميزت الورشة بسقف مفتوح للنقاش وهو ما جعلها تجمع بين أوراق عمل غنية بخبرة أصحابها ومناقشة أقرب ما تكون إلى العصف الفكري.
في الأوراق المدخلية قدّم د. يحيى محمد مقاربة لغوية بعنوان «اقتفاء أثر الوقف في اللغة» استعرض فيها مترادفات الوقف واستخداماتها اللغوية والشرعية في الحجج الوقفية الخ، بينما قدم تورو ميورا ورقة بعنوان «مقارنة إقليمية بين الأوقاف حتى العصر الحديث: اليابان والصين وسورية»، كما قدم الألماني تيلمان لوهسه ورقة بعنوان «المؤسسات العامة في غرب القرون الوسطى».
أما في ما يتعلق بتجرية الوقف عند المسلمين بين الماضي والحاضر فقد قدّم د. منذر القحف ورقة «الوقف كأساس لنشوء المنظمات غير الربحية «، وقدّم د.مراد جيزاكشا ورقة بعنوان «من التخريب الى الإحياء – تجربة الوقف في ماليزيا وتركيا»، وقدّم د.إبراهيم غانم ورقة بعنوان «الوقف بين مرونة المجتمع المدني ومركزية الدولة»، وقدّمت راندي ديغلهم ورقة بعنوان «التحول في القيمة الاجتماعية للوقف: من المبادرة الفردية إلى سيطرة الدولة»، بينما قدّم محمد النقري ورقة عن مسؤولية السلطة الدينية العليا (المسؤولة عن الوقف وفق القوانين) عن الفساد في إدارة الوقف بالاستناد الى ما كشفت عنه الصحافة في السنوات الأخيرة ووصل إلى محاكمة المسؤولين عن الوقف أمام القضاء المدني، وحظي وقف المرأة بورقتين الأولى لمحمد الأرناؤوط «وقف المرأة بين الماضي والحاضر» والثانية لـ د. رمضان الخولي «المرأة كناظرة على الوقف».
وتركزت المناقشات الغنية التي دارت حول الطابع المدني للوقف باعتباره نتاجاً للاجتهاد البشري الذي تنبّه مبكراً الى محدودية مهمات الدولة السلطانية وتوسّع في أنواع الوقف(وقف الماء، وقف الخبز، وقف الحليب، وقف الكتب، الوقف على دور العلم، الوقف على دور الشفاء أو البيمارستانات الخ) التي تلبي الحاجات المختلفة للمجتمع من دون انتظار ذلك من الدولة. ومن هنا دعا د. منذر القحف الى «استرداد الوقف من المشايخ» بمعنى التأكيد على طابعه المدني العام الذي كان لا يفرّق بين المسلمين وغير المسلمين والذي كان يشكّل دعامة المجتمع المدني إزاء الدولة السلطانية ذات المهمات المحدودة.
ومع هذا الانحسار للطابع المدني للوقف إلى الطابع الديني الضيق استحضرت بعض الحالات النمطية التي تعكس مدى تراجع ثقافة الوقف والمجتمع المدني. ففي حالة الأردن، على سبيل المثال، أصبح الوقف في العقود الأخيرة يكاد يقتصر على الجوامع التي تحمل أسماء مؤسسيها وتحوّل لوزارة الأوقاف لكي تعيّن لها الأئمة والخطباء والمؤذنين، ما أدى إلى «حال ازدحام» في الجوامع بعد أن تجاوز عددها الستة آلاف في الوقت الذي تحتاج الوزارة الآن إلى تعيين ثلاثة آلاف إمام، وهو فوق طاقتها بالطبع. وبعبارة أخرى كان من الأفضل للمجتمع لو أن الذين أسّسوا بعض هذه الجوامع التي تفتقد الأئمة حالياً،أقاموا منشآت أخرى توفر خدمات للمحتاجين في المجتمع (مستوصفات، مراكز رعاية أيتام الخ).
أما الدولة الحديثة بالاسم والشمولية بالفعل في العالم العربي / الإسلامي فقد كان الوقف ضحيتها من ماليزيا الى الجزائر مروراً بالعراق وتركيا وسورية ومصر وغيرها التي رفعت شعارات تحديثية وقومية واشتراكية. ففي الورقة التي قدّمها د. مراد جيزاكشا عن حال الوقف في ماليزيا وتركيا بيّن كيف أن الوقف كان ضحية هنا وهناك سواء باسم التحديث أم باسم الدولة المركزية العلمانية، إلى أن جاءت الديموقراطية في تركيا و»أنقذت الوقف». وتشهد تركيا في العقدين الأخيرين عودة الوقف إلى الحياة العامة وهو ما قوى كثيراً المجتمع المدني هناك. وفي هذا السياق أيضاً تحدث د. ابراهيم بيومي عن تأثير العدل والاستبداد السياسي في الوقف عبر التاريخ ، اذ إنه عندما كان المسلمون يحظون بدولة عادلة كان الوقف يزدهر بينما كان الوقف ينحسر حينما يبتلي المسلمون بدولة ظالمة.
ولكن انحسار الوقف لا يعود فقط إلى تعسف الحكام، حيث لدينا من تسلّط على الأوقاف، وإنما إلى فساد الإدارة وحتى إلى فساد المسؤولين عن الأوقاف. أما المقصود بفساد الإدارة فهو التهاون في استثمار أصول الوقف (الأراضي والمسقفات الخ) اذ تؤجّر بأقل من أجر المثل لكي تستفيد الإدارة من الفارق. ويستشهد هنا د. غانم بحالة مصر حيث العائد من استثمارات الأوقاف يبلغ 3.5 في المئة فقط بينما العائد في السوق يصل إلى 18-25 في المئة. والأسوأ من ذلك هو فساد كبار المسؤولين عن الأوقاف الذي بيّنه محمد النقري في ورقته عن لبنان في السنوات الأخيرة الذي أوصل رأس المؤسسة الأمينة على الأوقاف إلى المقاضاة وإلزامه ردّ أكثر من مليون دولار الى الأوقاف التي استغلها لمصلحته الشخصية أو لمصلحة أولاده.
وقد أثار هذا ضمن المناقشات ضرورة فصل أصول الأوقاف (الأراضي والمسقفات الخ) عن وزارات الأوقاف التي أصبحت كبقية الوزارات في الدولة، وجعلها في مؤسسة مستقلة تقوم باستثمارها وفق آلية السوق لتحقق أعلى الإيرادات لتوجّه نحو المصارف التي حدّدها الواقف، وهو ما يتطلب الشفافية والنظارة الجماعية المؤلفة من ذوي الخبرة في هذه المؤسسات حيث لدينا في الكويت تجربة رائدة منذ 1993.

المصدر: صحيفة الحياة




هل كان علماء الحضارة الإسلامية زنادقة؟

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — سؤال يتكرر عند البعض كلما جاء الحديث عن دور علماء المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية، فإذا ذُكر جابر بن حيان والحسن بن الهيثم وابن سينا والخوارزمي، قيل هؤلاء العلماء على خلاف تعاليم الإسلام وبسبب جنوحهم عن الدين تم تكفيرهم، فكيف نعتز ونفتخر بدورهم الحضاري والعلمي وهم قد وصفوا بالكفر والزندقة؟!
هذه الدعوى التي كثيراً ما يرددها كتّاب ومثقفون تحتاج إلى مناقشة علمية وفحص منهجي للتأكد من صحتها، فالربط بين التقدم العلمي في العلوم الطبيعية والكفر والزندقة يمكن مناقشته من خلال المسائل الآتية:
أولاً: شاع نقد واتهام من ذكرتُ من علماء الطب والفلك والحساب، ليس لأجل تخصصهم العلمي، بل لأجل دخولهم في علم الكلام والفلسفة الذي كان بوابة الكثير من الخلاف وتبادل التهم بينهم وبين أقرانهم من العلماء في الفترة من القرن الثالث حتى التاسع الهجري في شكل ظاهر. فابن سينا على سبيل المثال، لو رجعنا إلى ترجمته في كتب التراجم السُنية لوجدنا أنصافاً له، فمع الشدة التي وجدها من مخالفيه في المسائل العقدية، إلا أنهم أثنوا عليه وذكروا أنه صاحب ديانة يختم القرآن في كل ثلاث، وقد مات يوم الجمعة في رمضان سنة 428ه، كما أوردوا توبته ورجوعه. (انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 17/531، وفيات الأعيان لابن خلكان 2/197)، ومن كفره كالغزالي فقد كان بسبب مقولات عقدية، والتكفير هنا على أساس المقولة، وأما إسقاطه على القائل فلذلك شروط لا بد من توافرها وموانع لا بد من انتفائها عن القائل، وهذا معلوم معروف في حكم التكفير كما تذكره كتب العقائد، والمهم هنا أن ابن سينا كان مرجعاً يشهد له الموافقون والمخالفون بإمامته في الطب والمنطق، وهذا ما جعل كتبه الطبية كالشفاء والقانون تحظى بالانتشار في كثير من البلدان والأزمان ومن جميع الأطياف.
ثانياً: ما حصل لبعض علماء الحساب والطب والفلسفة من تكفير ورمي بالزندقة، كان أيضاً شائعاً بين القرناء والفرقاء من أصحاب المذاهب الفقهية والعقدية، فالخلافات الكلامية جعلت هناك تماهياً مقصوداً في تجريد المخالف من السنّة أو إخراجه من الإسلام، وهذا ما جعل كتب العقائد تتكاثر وتنمو في رسم صفات المعتقد الناجي من الفرق الهالكة، فكما أن أهل الحديث وربما بعض الحنابلة مارسوا تكفيرهم بعض المخالفين نتيجة مسائل كلامية متعلقة بالإلهيات والنبوات واليوم الآخر، فكذلك مورس على الإمام أحمد والطبري والغزالي وابن تيمية التكفير والإبعاد وأحياناً التعذيب والسجن، وقد نقل ابن حجر عن ابن مخلوف المالكي أنه قال عن ابن تيمية: «يجب التضييق عليه إن لم يقتل وإلا فقد ثبت كفره» (الدرر الكامنة 1/46) ، فهذه الشناعة في الخصومة، كما أنها حدثت لبعض علماء الطبيعيات فكذلك حدثت لأهل السنّة وعلماء الحديث، وقصر الاتهام بالزندقة على أمثال الكندي وجابر بن حيان والرازي بسبب ميولهم العلمية فيه تجن وتحكّم.
ثالثاً: من يتأمل تراجم علماء الأمة الأطباء والفلكيين والجغرافيين وغيرهم، يجد ثراءً عددياً واسعاً وكثرة منهم متوزعين في جميع الأقاليم وعلى مر العصور، فالأمة التي أخرجت أولئك العلماء لا يُتصور منها محاربتهم بسبب علومهم أو اتهامهم بالزندقة، يكفي للتأكد من صحة هذه العناية الإسلامية بهم، تلك المراجع التي تدوّن سيرهم وتراجمهم العظيمة، ومنها على سبيل المثل كتاب: «تراجم الأطباء والحكماء»، لابن جلجل الأندلسي (ت 377هـ – 987م) وكتاب: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت 668هـ – 1270م) وكتاب: «روض الألباء في أخبار الأطباء» لابن الأكفاني (ت 749 هـ – 1348م)، سوى التراجم الأكثر لطبقات الفقهاء والمحدثين الذين كانوا مع علومهم الشرعية يتقنون ببراعة علوم الفلك والحساب والطب والهندسة، وكانوا ينصّون عليها في تراجمهم كأهم أعمالهم وفيها بعض مؤلفاتهم، كما هو مشهور عن بعض الفقهاء كابن رشد والقرافي والمازري معرفتهم الواسعة في الطب والحساب والهندسة، ومثلهم ابن النفيس المشهور بالطب والمشتغل بالفقه وأصوله، وكذا الخوارزمي المشهور بالجبر والمقابلة، حيث قال في بداية كتابه للجبر: «ألَّفْتُ من كتاب الجبر والمقابلة كتاباً مُخْتَصَراً، حاصراً للطيف الحساب وجليله، لِمَا يَلْزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم، وفي مُقاسماتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأراضي وكَرْي الأنهار والهندسة، وغير ذلك من وجوهه وفنونه، مُقدِّماً لحُسْن النية فيه، راجياً لأن يُنْزِله أهل الأدب بفضل ما استودعوا من نِعَم الله تبارك وتعالى وجليل آلائه وجميل بلائه عندهم منزلتَه، وبالله توفيقي في هذا وغيره، عليه توكَّلْتُ وهو رب العَرْش العظيم» (انظر: ترجمته للدكتور علي الدفاع، المنشورة في مجلة البحوث الإسلامية 5/171 – 174). فالتخصص العلمي الطبيعي كان متداخلاً مع الفقه والحديث، وفكرة الفصل بينها جاءت متأخرة، ربما بعد انتشار الجامعات وفق التصور الغربي لها، فاتهام المسلمين بحربهم للمعارف الطبيعية فكرة فيها الكثير من التجني والجهل.
رابعاً: أهم ما قدمه المسلمون في نهضتهم الحضارية، أنهم ابتكروا المنهج العلمي بأنواعه، معتمدين على مقاصد القرآن من نصوص التسخير وعمارة الأرض، ومستفيدين من تجارب الأمم السابقة على نحو إبداعي، كما فعل الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة» عند وضعه معالم المنهج الاستدلالي، وتلاميذه الذين طوروا المنهج التجريبي، وعلماء الحديث ونقد الروايات الذين أبدعوا رسم المنهج الاستردادي، سوى ابتكارات ابن خلدون في علم الاجتماع البشري، وغيرهم. فدعوى اتهام البعض أن المسلمين كفروا علماء الطبيعيات واتهموهم بالزندقة، هو اختزال للواقع وتشويه للحقيقة كما بينت سابقاً، وأضيف أن منهجية المسلمين في العلم تنافي هذه الأطروحة جملة وتفصيلاً، فالممارسات الخاطئة من متعصبي المذاهب والعقائد ليست حجة على المنهج العام الذي يسير عليه العلماء في غالب العصور، وكما أن هناك تطرفاً علمانياً في توهين مساهمات علماء المسلمين في الحضارة، هناك تطرف سلفي يحقق النتيجة الخرقاء ذاتها، مثل ما قام به ناصر الفهد من إنكار مساهمة علماء المسلمين في العلوم الطبيعية ووصمها بالمخالفة والزندقة في رسالته «حقيقة الحضارة الإسلامية (https://www.almeshkat.net/book/2776)، والرؤية النصفية للحقيقة أسوأ على الحقيقة من الجهل بها، لأن المدّعي يرى إحاطته بالعلم كله، بينما هو لم يشاهد منها سوى أذن الفيل ثم يزعم أنه الفيل كله!
خامساً: قد يدخل العامل السياسي والتوظيف الأيديولوجي في حرب علماء معينين بسبب مواقف تستدعي مواجهتهم، فيحكم عليهم بالزندقة والكفر، علماً أن هذه الحالة لم تستثن تخصصاً دينياً أو دنيوياً إلا وحاربته في زمان أو مكان ما، فمن يرى أن المأمون كان سبباً للانحراف العقدي بترجمته لكتب الفلسفة والعلوم اليونانية والهندية، ولأجل ذلك تبنى الفكر الاعتزالي المنفتح على الثقافات الأخرى – كما يزعم مناوئوه – هي دعوى ناقصة ومخالفة أيضاً للواقع العلمي آنذاك، فالترجمة لم تكن هي السبب الحقيقي في التشنيع على المأمون والمعتزلة، بل من الجدير ذكره، أن ما قام به المتوكل المقرّب من الحنابلة وأهل الحديث من ترجمةٍ لكتب الإغريق يعتبر أضعاف ما قام به المأمون من ترجمة، ومع ذلك لم تشن عليه حملة إنكار كما فُعل بالمأمون! (انظر: جورج صليبا في كتابه العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية، ص 34)، فالنقمة على بعض علماء الطبيعيات كان بعضها عقدياً وبعضها سياسياً، نتيجةً لتبدّل تحالفات تقوم بها السلطة مع بعض العلماء ولأجل مصالح تراهن عليها من خلالهم، ولو انتقلنا إلى المغرب العربي وفي الأندلس تحديداً لوجدنا أن العلاقة بين علماء الطب والصيدلية والمنطق والآلات وغيرها، كانت أكثر وئاماً مع علماء الشريعة والسلطة، خصوصاً في عهد عبدالرحمن الأوسط (238 هـ – 852م)، ومثله حصل في الشرق في عهد محمود الغزنوي (421ه – 1030م) حيث عاش في بلاطه البيهقي المحدث وابن سينا الطبيب الفيلسوف والبيروني الفلكي في مشهد تكاملي تسامحي، لذلك من الظلم تحميل الشريعة والحضارة الإسلامية الوقوف وراء الحكم على بعض العلماء بالزندقة والكفر، متجاهلين إملاءات السياسة والخصومات المؤدلجة.
سادساً: يصرح ابن تيمية في نص له، بتفوق علماء المسلمين على علماء اليهود والنصارى في العلوم كافة، ويوضح موقفه من مخالفيه من علماء الطبيعيات بقوله: «معلوم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل من طائفتي أهل الكتاب اليهود والنصارى. وأعدل، وقد جمع لهم محاسن ما في التوراة وما في الإنجيل، فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد أكمل منهم فيها. فأما العلوم: فهم أحذق في جميع العلوم من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بنبوية ولا أخروية، كعلم الطب – مثلاً – والحساب، ونحو ذلك، هم أحذق فيها من الأمتين، ومصنفاتهم فيها أكمل من مصنفات الأمتين، بل أحسن علماً وبياناً لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم، وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين منبوذاً بنفاق وإلحاد، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له بما يعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبياناً لهذه العلوم من أولئك المتقدمين» (انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، طبعة دار العاصمة، 6/22)، فابن تيمية مع كل السجال القوي الذي شنّه على المخالفين للتوحيد من الفلاسفة وأهل الكلام، إلا أنه وبكل وضوح لم يجعل عنايتهم بالعلوم الطبيعية هي السبب لهذا النقد، بل ذكر تميزهم وحذقهم لهذه العلوم بعبارات المدح والإعجاب على رغم وقوع بعضهم في الإلحاد، وتخصيصي بالذكر ابن تيمية لأنه مرجع البعض في دعوى زندقة علماء الطبيعة المسلمين.
وختاماً… وبعدما سبق بيانه من مناقشة دعوى القائلين بأن علماء الحضارة الإسلامية كانوا كفرة وزنادقة، أجد من المهم التذكير بأن شتم الحضارة والتقليل من شأنها ليس شيمة النبلاء ومنهج العلماء، ونحن مثل غيرنا لدينا ما نفخر به، وأيضاً ما نشعر بالأسى منه، لكن اختزال قرون طويلة من التقدم والإنجاز الباهر قامت عليها حضارتنا وأُسست على نهجها حضارة الغرب المعاصر هو ظلم للإنسان والمعرفة، ومع كثرة ترديد هذه الدعوى القاصرة التي يلوكها بعض المثقفين المعاصرين، كنت أتمنى أن يرجعوا إلى المدونات القديمة والمعاصرة، العربية منها والأجنبية، التي أنصفت هذه الحضارة بعدل وعلم، ولعل هذا المقال محاولة لسحب النقاش من المعاركية الانطباعية إلى المجادلة العلمية، ولو استشعرنا طبيعة التحديات والفرص الراهنة لما عدنا للماضي وجدلياته، بيد أن هذه الدعاوى وتكرارها أصبحت تُحبط وتحرق سفن العودة للنهوض والتقدم، واليوم قد يكون التحدي الحقيقي هو بفعل الممكن، ولا يكون ذلك إلا بالعناية بالمستقبل والتفاعل معه، وباب التقدم لا يزال مفتوحاً ومشرعاً لمن أراد الدخول، «فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ» (المائدة 23).

المصدر: صحيفة الحياة




المنهج التجريبي … الغائب الحاضر في فقه الاستخلاف

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — يرشدنا الله تعالى في أكثر من آية وأمر، الى أهمية السير في الأرض لندرك بأنفسنا ومن خلال نظرنا العقلاني حقيقة ما يريده الله من معنى، فالله تعالى قد بيّن أخبار المكذبين ومآلاتهم المهلكة، ومع ذلك حضّ المؤمنين على القيام بهذه المهمة التدبرية من خلال الجمع بين الخبر القرآني والتجربة العملية، يقول الله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام 11]، ويقول الله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) [النمل 69]، ويقول الله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ) [العنكبوت 20]، وغيرها من الآيات الجارية على هذا السياق.
إن السير في الأرض أحد أهم وسائل التحقّق العلمي، وهو أقرب إلى تصور المنهج التجريبي، وإذا كنا قد تلقينا أوامر ربانية للسير في الأرض لنعلم حال ومآل الأقوام المكذبين، فإن الله تعالى أجرى هذا المنهج حتى على معرفة أمرٍ من مجالات التسخير الكوني، وهو المتعلق بالسير في الأرض لمعرفة كيف بدأ الخلق!.
وأظن أن هذا المنهج في الطلب؛ من أهم الأدلة على وجوب إعمال كل مناهج البحث لأجل القيام بواجبات العمارة التي هي من أهم واجبات المسلم ومقاصد استخلافه في الأرض.
ولا يمكننا أن ننكر ما حققته أوروبا من تقدم في المجال المادي والعمراني، فقد كان الفضل فيه يعود لتطبيق المنهج التجريبي الذي ساهم روجر بيكون ثم فرانسيس بيكون بتأصيله وتوسيع دوائره العلمية، حيث آمنا بأهمية الحس في إثبات المعطيات العقلية، وقد ثمنا في أبحاثهما دور الملاحظة والتجربة بصورة استقرائية، وتكامل هذا المنهج في إنجازات من جاء بعدهما، كهوبز وديكارت وليبينتز وغيرهم (انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، لوليم رايت، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2010م، ص: 63.63)
ومع ما قامت به أوروبا من دعم كبير في ظهور العلوم الطبيعية وهذا المستوى العالي من المكتشفات والمخترعات، إلا أن نسبة اكتشاف المنهج التجريبي للغرب تحتاج إلى توثيق وإعادة بحث من جديد، لأن أمةً وجّه لها قرآنها المعصوم طلباً مباشراً بالسير في الأرض، والتفكر في الكون، والتدبر في السنن والنواميس، لهي أحرى وأولى أن تكون لها الريادة والأسبقية، وهو ما حصل حقيقةً، فالعالم قبل المسلمين كان يهيمن عليه المنهج الصوري الاستدلالي، إلا أن المسلمين من خلال وقائع عملية وتجارب معلومة ساهم فيها البيروني والكندي والخوارزمي وابن سينا وضعوا ملامح أولى وبدايات واضحة ولو كانت متواضعة في البناء العلمي والتصور الصحيح للحقيقة، ثم تنامت وتطورت في شكل مذهل وخلال سنوات معدودة. تؤكد هذا الدور زيغرد هونكة بقولها: «إن أثمن هدية قدمها العرب لأوروبا هي: منهج البحث، الذي لولاه لبقيت أوروبا في همجيتها» (شمس العرب تسطع على الغرب، لمؤلفته زيغرد هونكه، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، طبعة دار الجيل ودار الآفاق الجديدة، الطبعة الثامنة، 1993م، ص:401).
أما تقريرات علمائنا الأوائل حول بناء المنهج التجريبي، فهناك سوابق أولية قدمها عدد منهم، فعلماء أصول الفقه بحكم اشتغالهم في المنهجية الاستدلالية، ظهر عليهم هذا النمط من التجريب من خلال إعمال دليل الاستقراء، وطبقوا هذه المنهجية في مباحث مسالك العلة في الطرد والعكس، والدوران، والسبر والتقسيم. يقول القرافي: «الدورانات عين التجربة» (انظر: نفائس الأصول شرح المحصول، للقرافي، الطبعة الأولى، مكتبة نزار البابي 1995م، 8/3346) وظهر اهتمامهم أيضاً في كيفية إثبات الوصف المناسب لتعليل الأحكام (تنقيح المناط وتحقيقه)، واشتراطهم التأكد في الفتوى من مناطات التنزيل الصحيح لها، واطراد العادة والعرف في الواقع، وغيرها من شواهد كثيرة. (انظر: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، لمؤلِّفه الدكتور علي سامي النشار، طبعة دار النهضة العربية، 1984م، ص:291 – 292).
ولعلمائنا السابقين حديث مسهب عن منهج التجربة في إثبات الحقيقة، ويعتبر سابقاً عن كل ما تحدث به الغربيون، أذكر على سبيل المثال، ما قاله الإمام الغزالي المتوفى 1111م حوله وسماه منهج المجربات: «المجربات وهي أمور وقع التصديق بها من الحس بمعاونة قياس خفي، كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان، والقطع مؤلم، وجزّ الرقبة مهلك، والسقمونيا مسهل، والخبز مشبع، والماء مرو، والنار محرقة؛ فإن الحس أدرك الموت مع جزّ الرقبة، وعرف التألم عند القطع بهيئات في المضروب، وتكرر ذلك على الذكر فتأكد منه عقد قوي لا يشك فيه، وليس علينا ذكر السبب في حصول اليقين بعد أن عرفنا أنه يقيني، وربما أوجبت التجربة قضاء جزمياً وربما أوجبت قضاء أكثرياً، ولا تخلو من قوة قياسية خفية تخالط المشاهدات وهي أنه لو كان هذا الأمر اتفاقياً أو عرضياً غير لازم لما استمر في الأكثر من غير اختلاف، حتى إذا لم يوجد ذلك اللازم استبعدت النفس تأخره عنه وعدّته نادراً، وطلبت له سبباً عارضاً مانعاً. وإذا اجتمع هذا الإحساس متكرراً مرة بعد أخرى، ولا ينضبط عدد المرات كما لا ينضبط عدد المخبرين في التواتر، فإن كل واقعة ههنا مثل شاهد مخبر، وانضم إليه القياس الذي ذكرناه؛ أذعنت النفس للتصديق». (معيار العلم في فن المنطق لأبي حامد الغزالي، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف بمصر،1961م، 1/39).
وفي المستصفى سماه التجريبيات، حيث قال: «التجريبيات: وقد يعبر عنها باطراد العادات، وذلك مثل حكمك بأن النار محرقة والخبز مشبع … فإذا المعلومات التجريبية يقينية عند من جربها» (المستصفى لأبي حامد الغزالي 1/84).
فالغزالي رحمه الله يرصد أهم البراهين التي تثبت الحقائق واليقينيات، ويصرح بكل وضوح على رعاية المنهج التجريبي وضرورته في إثبات صدق الحقائق، خصوصاً ما كان منها في المجال الطبيعي.
وفي نص آخر يقول الشيخ ابن سينا المتوفى 1037م: «فإنّا كثيراً ما نتوصل بالحس إلى مقدمات كلية لا لأن الحس يدركها؛ بل لأن العقل يصطادها على سبيل التجربة، وعلى ما أوضحناه نحن من قبل حيث بيّنا ما التجربة. ولما كان الحس قاصراً في كثير منه عن الإدراك المستقصي، صار يوقعنا ذلك في عناء وبحث عن حال ذلك المحسوس نفسه بقوة غير الحس وهي العقل بالفعل» (المنطق لابن سينا 1/493، انظر أيضاً للاستزادة: بحث المنهج التجريبي في الفكر الإسلامي للدكتور محمد ياسين عريبي، مجلة المسلم المعاصر، العدد 65.66، السنة 1993م).
هذه النصوص المتقدمة حول المنهج التجريبي تثبت عقلية علمية ناضجة استلهمت بالنظر والمعرفة أصول اليقينيات التي من خلالها نكتشف حقائق الأشياء ونواميس الكائنات، ما يجعل تسخير الكون للإنسان أسهل ومنافع استغلال الأرض أقرب.
وهذا ما يقرره الإمام الشاطبي في وصفه لذة البحث التجريبي لأجل الوصول إلى الحقائق العامة والوصول إلى المنافع الإنسانية حيث يقول: « فإن في العلم بالأشياء لذة لا توازيها لذة إذ هو نوع من الاستيلاء على المعلوم والحوز له، ومحبة الاستيلاء قد جبلت عليها النفوس وميلت إليها القلوب، وهو مطلب خاص برهانه التجربة التامة والاستقراء العام» (الموافقات لابي إسحاق الشاطبي 1/67 تحقيق مشهور، طبعة ابن عفان 1993م)، وقد قام الدكتور علي سامي النشار برصد مكتشفات جابر بن حيان وابن الهيثم في المجال التجريبي وبيّن تفوقها في العمق والأسبقية على كل من سبقهم أو من جاء بعدهم من رموز البحث التجريبي في الغرب. (انظر: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص335 – 349)
فإذا كان القرآن العظيم سبّاقاً بالدعوة إلى السير في الأرض لمعرفة عاقبة أسباب هلاك الأمم السابقة، ولأجل معرفة كيفية بداية الخلق، لأن معرفة تلك البداية نفعٌ للناس في حياتهم وإلا لما أمر الله بها الخلق، وكذلك ما قرره علماؤنا في مواضع كثيرة يستحثون العقل فيها على السير والتجربة، دلّ ذلك بمجموعه أن التسخير الكوني للإنسان مراد الله من الخلق، فالغاية محمودة والوسيلة لها معروفة مشروحة، فلم يعد للإنسان إلا سبيل العمل والطلب.
والمسلم المعاصر الذي يؤمن بوجوب العمارة يعلم أن الملاحظة وكشف القوانين الحاكمة للأرض والسماء هما ما يفتحان له أبواب استغلال الكنوز المدّخرة واستثمارها، كما أن معامل التجريب البحثية هي محاريب العبودية للقيام بواجبات الاستخلاف الإنساني، وتخاذلنا وضعفنا عنها يكشف مكاننا المتخلف في هذه المجالات العلمية، وكأن القرآن الكريم لم ينزل علينا ولم يأمرنا في عشرات الآيات بهذه التكليفات؛ حتى يخيّل إلينا أن من يلحدون بالدين هم أكثر من قام بتلك الوصايا الربانية؟! من خلال حرث الأرض وتصنيعها وغزو الفضاء واكتشافه والغوص في البحار واستغلالها، لذلك كان من الواجب التذكير الدائم بضرورة ردم الهوة التي فصلت بين العلوم التجريبية والدينية، ولا ينبغي أن يهمّش أحد من علماء الشريعة حاجتنا للعلوم الطبيعية بناءً على جهله بها، ولا ينبغي أن تكون ظاهريته الجامدة في قراءة النصوص واحتكارها في الواجبات العبادية سبباً في إنكار واجبات النصوص الاستخلافية وغاياتها، وفهم الأوائل للدين والوحي مقصد جليل يسمح بعودة الفتوح العلمية لأجل نهضة المجتمعات الإسلامية، التي توافر لدى بعضها المال والفرص، لكن تهافت وتلاشي المنهج العلمي والعملي في توظيفها لمصلحتهم، أقعدهم عن اللحاق بالأمم المتقدمة، ومن يظن أن استنساخ المناهج ونقلها بحذافيرها من الدول المتقدمة يكفي في النهوض، فأظن أن فهمه ناقص، فنقل المناهج الحديثة من دون وعيٍ بحاجاتنا، ومما لا يمت بصلة بواقعنا وثقافتنا ودفعه في الجامعات بهوية ولغة متباينتين، قد يصنع منتجاً غريباً ويحقق نصف نهضة تنموية، ويُظهر تقدماً مرقعاً تبدو فيه الندوب والهوّات السحيقة عند الأزمات وضعف الموارد، واليابان وكوريا والهند وغيرها أحسنت توظيف المنهج الحديث لمصلحتها وطوّعت آلياته لمبادئها، والعاقل يعرف يقيناً أن النخيل لن ينبت في القارة القطبية، والسفن لن تجري على اليبس، والمعجزات لن تُصنع إلا بكدح وبحث ومنهج رصين.

المصدر: صحيفة الحياة