في المُعطى الدلالي: الاستخلاف الإنساني وإشكالية «النفس – الروح»

حسين معلوم — ما هي النفس، وما هي الروح؟ ما العلاقة بينهما؟ وإذا كان الله سبحانه وتعالى خلق النفس، فهل الروح مخلوقة أيضاً؟ وهل هي حقيقة «سر الحياة»؟ ثم، كيف تُعبر ثنائية «النفس- الروح» عن إشكالية في كثير من أطروحات الفكر العربي والإسلامي؟ وأخيراً، ما علاقة هذه الإشكالية بمسألة الاستخلاف الإنساني؟ هذه، وغيرها كثير، تساؤلات تطرح نفسها في إطار محاولتنا وضع اليد على مكمن الخطأ الحاصل في مقولة «آدم خليفة الله في الأرض»، وهي المقولة التي اعتمر بها كثير من أطروحات السلف ومن سار على دربهم من الخلف. وفي كتاب الله الكريم، وصل عدد مرات ورود لفظ «نفس» ومشتقاته إلى 295 مرة، ما يؤشر إلى مدى الاتساع في دائرة الدلالة التي يستند إليها المصطلح في آيات الذكر الحكيم. أما لفظ «الروح» ومشتقاته فقد ورد إحدى وعشرين مرة، ما يؤشر إلى التكثيف الدلالي لمصطلح الروح في القرآن الكريم. وهنا، لنا أن نتناول جانبي الإشكالية المثارة، من منظور دائرة الدلالة التي تتضمن كلاً منهما.

فعلى الجانب المتعلق بالنفس، بيَّن التنزيل الحكيم أن الله خلقنا من «نَفْسٍ وَاحِدَةٍ»، جاء هذا في آيات ثلاث. يقول سبحانه: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» [الزمر: 6]. ومن خلال الحرف «ثُمَّ» الذي يُفيد وجود مسافة زمنية بين ما قبله عما بعده، يتبين أن هناك خلقا من «نَفْسٍ وَاحِدَةٍ»، وهناك «جَعْل» لزوجها منها. والجعل تغير في الصيرورة، التي تنفي أي تعاقبية تكرارية على محور الزمان، فأن يكون هناك تغير فهذا يعني ـ بالطبع ـ أن النفس الأصل (الواحدة)، تحمل في تكوينها إمكانية جعل زوجها منها. ولعل ذلك ما يتبدى عبر حركة العطف، التي تُشير إلى علاقة الخاص بالعام، في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا» [الأعراف: 189]. فالجعل يحمل دلالة العلاقة النسبية بالخلق وظواهره، كما تؤكد ذلك كل آيات الجعل في القرآن الكريم، ما يعني أنه إشارة إلى نسبية العلاقة بين ظواهر الخلق وحياة الإنسان. وهذا ما يوضحه قوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» [النساء: 1]. ولنا أن نلاحظ أن فعل «بَثَّ» في اللسان العربي يعني تفريق الشيء وإظهاره، وأنه جاء في صيغة الماضي، والمضارع أيضاً، للدلالة على استمرارية البث كـ»سنة إلهية»، كما في قوله تعالى: «وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» [الجاثية: 4].

فإذا اقتربنا من مصطلح «نَفْسٍ وَاحِدَةٍ»، فسنلاحظ أن لفظ نفس، في الآيات الثلاث، جاءت نكرة، وجاء وصفها بواحدة نكرة أيضاً، وزوجها جاءت نكرة كذلك، ولأن النكرة تُفيد العموم، كما تُفيد غير المعيّن وغير المعروف، ولأن آدم عليه السلام هو معيّن ومعروف، لذا يتأكد لدينا أن مصطلح «نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» يُراد بها جنس من الخلق، وليس شخصاً مفرداً بعينه. فلو كانت النفس الواحدة التي خلقنا الله منها هي آدم ـ كما يفهم البعض ـ لما جاءت نكرة في الآيات الثلاث. الدليل على قولنا الأخير هذا، هو ورود «نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» في آية رابعة، ولكن هذه المرة ترتبط بـ «الإنشاء»، نعني قوله سبحانه وتعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» [الأنعام: 98]. والإنشاء في اللسان العربي مِن نشأ، الذي يدل على ارتفاع في شيء وسمو.

هكذا، تتكامل ثلاثية «الخلق، الجعل، الإنشاء» التي اختارها الله سبحانه وتعالى، ليوجد من خلالها الإنسان. يقول سبحانه: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ٭ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ٭ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» [المؤمنون: 12-14]. ولنا أن نلاحظ، هنا، أن لفظ «سلالة» من الفعل «سل»، الذي يدل على نزع وخروج شيء من شيء، وهي مِنْ سَلَلْتُ الشيءَ من الشيءِ أي استَخْرَجْتَه منه، فليس المقصود بالسلالة عينة من الطين كما قال المفسرون، إنما هي سلالة من البشر خُلِقت من الطين انسل منها آدم وزوجه. فهي لم ترد في كلام العرب ولا في التنزيل الحكيم إلا لمجموعة من الناس والذرية.

هذا، وإن كان يوضح كيفية جعل آدم خليفة لمن سبقه من جنس البشر، وليس خليفة لله، في الأرض، فهو، في الوقت نفسه، يؤكد أن النفس الإنسانية هي ذات الإنسان الحيّة، والفاعلة، بل والمُكَلَفة بمهمات الاستخلاف. إذ، يوضح التنزيل الحكيم أن كل ما يعود إلى الإنسان من حياة وموت وتكليف وبعث، إنما يعود إلى النفس ولا علاقة له بالروح. يقول سبحانه وتعالى: «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا» [الإسراء: 25]، ويقول سبحانه: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [آل عمران: 185]. ولأن التكليف مرتبط بالنفس، وكذلك الكسب وأجره، سواء كان ثواباً أم عقاباً، كما في قوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» [البقرة: 286]، لذلك فهي مركبة عبر التقابل بين توجهين هما الفجور والتقوى. ففي الآية: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا٭فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا» [الشمس: 7-8]، تأكيد على قابلية النفس ـ بحكم تركيبها ـ لأن تنقسم على نفسها، فالتسوية الإلهية للنفس، إنما تأتي عبر إلهامها «فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا».

وبالتالي، فإن حياة الإنسان تكون من خلال نفسه، وفاعليته تتمثل في مدى مقدرته على القيام بمهمته في الأرض. وبكلمة، فهو يستمد حياته وفاعليته من المقومات التي منحها الله إياه للقيام بذلك. فماذا، إذاً، عن الروح؟ لم ترد الروح في كتاب الله الكريم مرتبطة بالحياة الإنسانية، ولا بموتها أو تكليفها أو بعثها، وإنما جاء ذكرها مرتبطة بالأمر الإلهي، وذلك في أربعة مواضع. منها قوله سبحانه: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً» [الإسراء: 85]، ومنها قوله تعالى: «يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ» [النحل: 2]. فالروح من أمر الله ـ وليست من خلقه ـ وهي التي يُنْفَخ في المخلوق منها «نفخة الروح»، وهي التي يُلقيها الله على رسله. يقول سبحانه: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ» [الشورى: 52].

أضف إلى ذلك، أن الروح جاءت في الذكر الحكيم، مُرتبطة بآدم وعيسى عليهما السلام. بالنسبة إلى آدم، يقول سبحانه: «وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ٭ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ٭ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» [السجدة: 7-9]. وهذه هي الآية الوحيدة التي اقترن فيها لفظ «بَدَأَ» مع «خَلْقَ الْإِنسَانِ»، وهو ما يعني أن مكونات خلق آدم وزوجه تختلف عن مكونات خلق نسله، بعد تسويته والنفخ فيه من روح الله. بهذا، يكون آدم أباً للإنسانية، وليس أباً للبشر. أما بالنسبة إلى عيسى، يقول تعالى: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» [النساء: 171]. وهنا، لنا أن نلاحظ أن عيسى عليه السلام ليس روح الله، كما يتردد كقول خاطئ، بل «روح من الله». ثم، يجمع الله بين آدم وعيسى، على صعيد النفخ الروحي، في مثال واحد. يقول سبحانه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [آل عمران: 59]. فهما مميزان بالنفخ الروحي، وإن كان مصدرهما التكويني واحد، وهو «التراب».

وبالتالي، فعند قراءة آيات الخلق في قوله تعالى: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ٭فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» [ص: 71-72]، وفي قوله سبحانه: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ٭ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» [الحجر: 28-29]، قراءة مقارنة مع الآيات الواردة في سورة البقرة، بدءاً من قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» [32]، وصولاً إلى قوله: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ» [34]، عبر هذه القراءة المقارنة، لنا أن نلاحظ أن لحظة جعل آدم خليفة، هي اللحظة التي تمّ فيها استكمال تسويته، بل، هي اللحظة التي أصبح فيها البشر إنساناً، عبر النفخ الروحي فيه.

هكذا، يتم التمييز القرآني بين النفس والروح. فإذا كانت الروح من أمر الله سبحانه وتعالى، فهي «سر الأنسنة»، أي سر تحول البشر إلى إنسان، ليجعله الله خليفة في الأرض. أما النفس، فهي «أساس الحياة»، وهي المكلفة بمهمات الاستخلاف.

المصدر: الحياة




وقف الوقت: مطالعة فقهيّة أوّليّة في وقف المنفعة والعمل التطوّعي

بقلم: الشيخ حيدر حبّ الله(*)–

تمهيدٌ في مفهومة وقف الوقت وأهميّته
الوقف عملٌ خيريّ ينطلق الإنسان فيه من السعي لخدمة القيم والمثل والإنسان الآخر، لتتعاون الجهود وتتظافر الأعمال في سبيل الوصول إلى عيش أفضل ونمط حياة كريمة.
لا يقف الوقف عند حدود، فليس الوقف حكراً على المشاريع الدينيّة الخالصة رغم أهميّتها البالغة، كوقف المساجد والأماكن الدينيّة أو ما يعود ريعه إليها، بل إنّه يتّجه بشكلٍ رئيس أيضاً لخدمة الإنسان المحتاج، ورفع مستوى العيش عند عموم الناس، حتى أنّ الوقف يتخطّى في الثقافة الإسلاميّة حدود الإنسان، ليكون متعلّقاً بالحيوانات والنبات كوقف الاصطبلات وأماكن الخيول والأراضي والعقارات للحيوانات الضالّة، مما هو مشهور في التاريخ الإسلامي، واليوم يمكن للوقف أن يستوعب هذا كلّه، فتوقف العقارات أو الأراضي أو غيرها لحيوانٍ أو نباتٍ مهدّد بالانقراض تحتاجه الطبيعة، ويعود في نهاية المطاف بالخير على الإنسان عموماً، ولو كان هذا الخير كامناً في عنصر الجمال والتنوّع في الطبيعة الخلابة، بل يمكن للوقف اليوم أن يُثمر دعماً كبيراً للأنشطة الفنيّة والعلميّة والفكريّة والتربويّة بمختلف أوجهها وأشكالها.
إنّ فكرة الوقف لا تقف عند حدود الأنماط القديمة التي كان يعرفها أسلافنا، ممّا احتاجوه في عصرهم وزمانهم، بل هي تتطوّر تبعاً لتطوّر آليّات الاستثمار والانتفاع والريع، وتبعاً أيضاً لأنواع الحاجات والضرورات المستجدّة.
أحد أشكال الوقف اليوم التي تثير الانتباه وتطرح نمطاً مستحدثاً من أنماط الوقف هو وقف الوقت، الذي أخذ بالحضور والتزايد في غير بلدٍ إسلاميّ، خاصّة البلدان الخليجيّة، وبالأخصّ الكويت، فوقف الوقت هو نوع من تقديم الإنسان لوقته ـ والوقت في الإسلام له مفهوم عظيم وقيمة بالغة ـ في سبيل العمل الخيري والتطوّعي لخدمة الإنسان الآخر وخدمة القيم والرقيّ والدين. إنّ الوقت قيمة كبيرة في حدّ نفسه، والإنسان الذي يملك هذا الوقت يملك رصيداً كبيراً بإمكانه تقديمه للمجتمع، من هنا جاءت فكرة وقف الوقت، والتطوّع به ـ فإنّ المتطوّع من أكثر الأفراد إحساساً بما يعاني منه الآخرون ويحتاجونه ـ بما يمكنه أن يوسّع من دائرة الواقفين الذين لن يجمدوا على أصحاب الأموال أو الثروات، بل سيتمكّن عموم العمال والموظّفين في مختلف القطاعات من المساهمة في العمل الوقفي، ما دام هذا الوقت ملكهم، وما دامت الطاقة المودعة فيهم ترجع إليهم، وما داموا متنوّعين جداً في خبراتهم التي يمكن للآخرين الانتفاع بها، ليقدّموها في سبيل عمل الخير بما ينهض بالمجتمع ويرتقي بالناس، فلا يحتاج وقف الوقت لصرف العمر كاملاً في شيء، بل يمكنه أن يصل حدّ تخصيص ساعة أو نصف ساعة من يوم أو أسبوع، ليكون ملكاً للمجتمع يسخّره في الخدمة العامّة في هذا الإطار.
هذه هي الفكرة التي تتصل بوقف الوقت، وهي فكرة تقوم في عصرنا الحاضر على أنّ الدول لم تعد قادرة على تغطية كلّ الأمور في المجتمع، فلابدّ من تعاون المجتمع المدني والقطاع التطوّعي، مع الدولة والقطاع الاقتصادي والإعلامي؛ لتحقيق النهضة المنشودة في بناء الأمم، بل سيساهم وقف الوقت والمنافع في تطوير الحركة الاقتصاديّة من إطار الاستهلاك إلى إطار الإنتاج. بل إنّ فكرة وقف الوقت والانخراط نتيجة الوقف في العمل التطوّعي من منظور قربي إلهي، يساعد على الدمج بين مفهوم الخدمة الاجتماعية والعامّة ومفهوم العبادة في المنظور الديني، لإخراج مفهوم العبادة من الانحصار في إطاره الفردي، ليكون أوسع من ذلك.

من وقف الوقت إلى وقف المنفعة، إعادة إنتاج المصطلح
لم تَغِب فكرة وقف الوقت عن الفقه الإسلامي، رغم حداثة المصطلح، ففي الموروث الفقهي والقانوني عند المسلمين مفهومٌ يتماهى مع فكرة وقف الوقت، فإذا كان وقف الوقت هو تخصيص وقت معيّن من العمر، ليكون الإنسان فيه في خدمة مشروع خيري أو تطوّعي، وهي بالأصل فكرة ترجع لقيمة العمل التطوّعي خاصّة للشباب، فإنّ جوهر جعل الوقت موقوفاً هو جعل منفعتك في هذا الوقت وقفاً، لأنّ الوقت مجرّداً لا معنى لوقفه، وهذا ما يدخلنا في إشكاليّة المصطلح، فإنّ الوقت القادم غير مملوك، بل غير موجود أساساً، والزمن بما هو زمن ربما يناقش الباحثون في إمكانيّة إخضاعه لمعاملة مثل الوقف، لكنّ المنفعة التي تمثّل الطاقة والقدرة على العمل في كلّ فرد هي أمرٌ قابل للاعتبار القانوني، وجعله متعلّقاً لمعاملة قانونيّة معيّنة تحمل في طيّاتها مفاهيم القيم والماليات، فكما أنّنا في الإجارة نأخذ المال مقابل المنفعة خلال مدّة معيّنة، كذلك الحال في الوقف، فنحن نقف منفعتنا للعمل التطوّعي والخيري.
إنّ وقف الوقت هو وقف الإنسان لجزء من وقته للعمل الخيري، وهذا مصداق من مصاديق وقف المنافع، أي أن يُوقف الفرد منفعة خبراته للآخرين، ووقف المنافع له مصاديق أخرى كثيرة غير المنفعة الشخصيّة العمليّة غير العينيّة للإنسان نفسه، كوقف منافع الأراضي والبساتين وغيرها (المحاصيل)، فالموضوع يعمّ المنافع العينيّة والمنافع غير العينيّة (الطاقات والعمل).
نكتفي بهذا القدر من بيان مفهوم الفكرة وأهميّتها، وقد كتبت في هذا المجال العديد من المقالات والبحوث يمكن مراجعتها، لكنّنا سنتوقّف هنا عند الجانب الفقهي للموضوع، محاولين التماس مخارج يختزنها التراث الاجتهادي الإسلامي؛ للنظر في إمكانيّة تحقيقها لهذا النوع من الوقف، وفي إمكانيّة تحقيق الغايات هنا عبر تكييفات من خارج إطار الوقف أيضاً، ذلك كلّه بشكل مختصر وأوّلي؛ ليكون مدخلاً للتوسّع على يد الباحثين والناقدين.

المعوقات الفقهيّة لوقف الوقت، مقاربة وتذليل
قد تطرح في هذا السياق مجموعة من المعوقات الفقهيّة أمام تقديم تخريج قانوني أو تكييف شرعي لوقف الوقت، وأبرزها:

1 ـ إشكاليّة المفارقة مع حقيقة الوقف
الإشكاليّة الأولى: إنّ وقف الوقت يرجع لوقف المنفعة، ووقف المنفعة مفهوم يحتوي مفارقة؛ لأنّ الوقف هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة، فكيف يمكن تصوّر هذا الأمر في وقف المنافع، فإنّ المنفعة تتلف بمرور الوقت، ومن ثمّ فلا معنى لوجود تحبيس للأصل فيها( )، والفرع ـ المنفعة ـ يتبع الأصل، وهو العين، فلا يمكن وقفها من دون العين، كما ذكره بعض فقهاء أهل السنّة( ).
وقد ردّ المحقّق النجفي ما ذكره أبو الصلاح الحلبي من كفاية تسبيل المنفعة، وأنّ تحبيس الأصل ليس مأخوذاً في حقيقة الوقف.. ردّه بأنّ هذا مخالف لظاهر النصّ والفتوى، وأنّه يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على ذلك( )، فإنّ الحديث النبوي واضح في قوله: (حبِّس الأصل وسبِّل الثمرة).
وربما يمكن التعليق على كلام المحقّق النجفي، وعلى كلام بعض فقهاء أهل السنّة هنا:
أوّلاً: إنّ إجماع الفقهاء ـ لو تمّ التحقّق منه، مع مخالفة المنقول عن ابن الصلاح له، وهو من المتقدّمين( ) ـ محتمل المدركيّة جداً هنا؛ فلعلّهم اعتمدوا على أحد الوجوه المذكورة في المقام كما سيأتي، ودعوى كون الأمر ضرورة من ضروريّات الفقه والمذهب ـ بعيداً عن هذه المدركيّة ـ غير واضح.
ومجرّد كونه ضرورة ـ لو سلّمنا ذلك، مع معهوديّة مثل هذه الدعاوى غير الدقيقة من المحقّق النجفي ـ لا يلغي المدركيّة واحتماليّاتها؛ لأنّها لو تحقّقت لنا فهذا يعني حصول العلم لنا، ولو لم يحصل العلم لنا، فكون الأمر بالغ الوضوح عند غيرنا مع احتمالية مدركيّته لا يوجب إلزامنا اجتهاديّاً.
ثانياً: إنّ النصّ النبوي المذكور ليس له وجود بهذه الصيغة في مصادر الإماميّة، بل نقله ابن أبي جمهور الأحسائي (ق 9هـ) في عوالي اللئالي مرسلاً بلا سند( )، وأصله موجود في مصادر الحديث عند أهل السنّة، ولو راجعنا غير واحد من سياقاته هناك لوجدنا أنّه ليس في مقام بيان حقيقة الوقف مطلقاً، فقد جاء في خبر ابن عمر أنّ عمر ملك مائة سهم من خيبر اشتراها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت مالاً لم أصب مثله قطّ، وقد أردت أن أتقرّب به إلى الله، فقال: (حبّس الأصل وسبّل الثمرة)( ). فالمال المسؤول عنه هنا هو مال عيني، ولهذا أرشده رسول الله لكيفيّة وقفه عبر تحبيس أصله وتسبيل ثمرته، أو ربما يكون أرشده لأفضل كيفيّات وقفه بوقف عينه ومنفعته معاً، وأين هذا من المنع عن وقف المنفعة أو كونه بصدد بيان حقيقة مطلق الوقف، خاصّة وأنّه لم يرد تعبير الوقف فيه؟
ولا نريد ممّا قلناه تضعيف الرواية سنداً، حتى يقال بجبر ضعفها بعمل المشهور لو سلّمت الكبرى، بل نهدف لاكتشاف موطن الرواية الأصلي؛ للنظر في سياقاتها فيه بعيداً عن اقتطاع النصّ الذي يمثل الجواب عن سياقاته في موطنه.
ثالثاً: لماذا لا يمكن الفصل بين العين والمنفعة، مع أنّ في الإجارة مثلاً يتمّ تمليك المنافع، ولا يتمّ تمليك العين، فحصل الفصل بين الحالة القانونيّة للعين، والوضع القانوني للمنفعة؟! فما ذكر من عدم معقوليّة التفكيك غير مفهوم، وهذا له نماذج أخرى عديدة في الفقه الإسلامي كالعارية وغيرها. كما أنّ التفكيك بين العين والمنفعة لا يوجب إلغاء معنى بقاء العين تحت ملك المالك؛ إذ تظهر الثمرة في الوقف المؤقت للمنافع، فتنحلّ المشكلة، كما أنّه قد تكون للعين منافع متعدّدة فيقف الواقف بعض هذه المنافع دون بعض، وهكذا.

2 ـ إشكاليّة التنافي مع تأبيد الوقوف
الإشكاليّة الثانية: إنّ الوقف مبنيٌّ في الفقه الإسلامي على مبدأ التأبيد، فكيف يُعقل أن يتمّ وقف المنافع والمفروض أنّ قوامه على الفناء لا التأبيد، بعد كون الوقت والمنفعة متلاشيان بالتدريج ولا يعقل التأبيد فيهما( ).
وهذه الإشكاليّة لا يواجهها القائلون بعدم شرط التأبيد في الوقف؛ ولهذا نرى أنّ المالكية وآخرون من النافين لهذا الشرط يقبلون بوقف المنفعة( ).
إلا أنّ الكلام في ثبوت شرط التأبيد في الوقف؛ حيث تحفّظ في هذا الإطار بعض الفقهاء؛ فإنّ عمدة الدليل فيه:
أ ـ الإجماع المدّعى.
ويناقش بأنّه محتمل المدركيّة جدّاً، نتيجة الأدلّة المطروحة في المقام.
ب ـ أخذ التأبيد في حقيقة الوقف ومفهومه.
وناقشه السيد تقي القمي رحمه الله وغيره بأنّه ليس كذلك( )، فهو أوّل الكلام، فمن أين عرفنا أنّ التأبيد جزءٌ مقوّم لحقيقة الوقف؟ غاية الأمر أنّ الوقوف المتعارفة قديماً كانت كذلك.
ج ـ مراجعة وقوف أهل البيت عليهم السلام فقد تضمّنت التأبيد( ).
وهذا الدليل ربما يمكن التعليق عليه، بأنّ وقف الأئمّة وقفاً تأبيديّاً فعلٌ صامت الدلالة، فلعلّ الوقف غير التأبيدي جائزٌ، غاية الأمر أنّهم عليهم السلام أرادوا أن يقفوا موقوفاتهم وقفاً تأبيديّاً، فكيف نعرف أنّ وقفهم التأبيدي كان لعدم مشروعيّة الوقف المؤقّت؟ بل ربما يقال بأنّ وقف العين مأخوذ فيه التأبيديّة فيما وقف المنافع ليس مشروطاً بذلك؛ ومن ثمّ فحيث كانت موقوفات أهل البيت عبارة عن أعيان، كان من الطبيعي أخذ التأبيد فيها، فكيف نستدلّ بذلك ـ وفقاً لهذا الاحتمال ـ على كون التأبيد شرطاً مطلقاً ولو في غير الأعيان خاصّة المنافع غير العينيّة؟
د ـ إنّ الوقف المؤقّت مخالفٌ للأصل، فيقتصر في الوقف على ما دلّ الدليل على شرعيّته.
وسوف يأتي الحديث عن وجود مرجع أو عموم فوقاني يمكن الرجوع إليه لتصحيح كلّ الوقوف إلا ما خرج بالدليل، وكيف أنّ الآخوند الخراساني وافق على وجود عام فوقاني يرفع شرط التأبيد( )، لكنّ في المقام يمكن الجواب بما ذكره السيد تقي القمي رحمه الله وغيره، من الاستناد إلى صحيحة الصفّار؛ لأنّ سياقها واقع ضمن هذا الإطار، فق جاء فيها أنّه قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام، أسأله عن الوقف الذي يصحّ، كيف هو؟ فقد روي أنّ الوقف إذا كان غير موقّت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان موقّتاً فهو صحيح ممضى، وقال قوم: إنّ الموقّت هو الذي يذكر فيه أنّه على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، قال: وقال آخرون: هذا موقّت إذا ذكر أنّه لفلان وعقبه ما بقوا ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والذي هو غير موقّت أن يقول: هذا وقف، ولم يذكر أحداً، فما الذي يصحّ من ذلك وما الذي يبطل؟ فوقّع عليه السلام: الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله( ).
فإنّ سياق الأسئلة ـ وفق رأي السيد تقي القمي وغيره( ) ـ هو عن الوقف الموقّت وغير الموقّت، فإعطاء جواب عام بأنّ الوقوف وفق قصد الواقف، سوف يؤدّي إلى تحصيل قانون عام في شرعيّة التأقيت.
وأمّا ما ذكره الشيخ الحرّ العاملي، معلّقاً على هذه الرواية التي كأنّه شعر بأنّها تنافي ما تمّ البناء عليه في الفقه من موضوع التأقيت، فقال: أقول: الظاهر أنّ المراد بقوله: بحسب ما يوقفها، أنّه إن جعلوا دائماً كان وقفاً، وإلا كان حبساً( ).
فيمكن التعليق عليه، بأنّه خلاف الظاهر من جعل الوقوف حسب وقف الواقف، فإنّ جعل الوقف بيده معناه أنّه بإمكانه تسييره كيف شاء، لا أنّه لو سيّره ليكون موقّتاً لم يصحّ له ما أراد، بل كان حبساً، فهذا خلاف مرجعيّة قصود الواقفين المفهومة من الرواية، لأنّ المفروض أنّ ما وقع لم يقصد، والله العالم.
وربما لما قلناه، ذهب السيد محمّد صادق الروحاني، إلى أنّ التأبيد ليس بشرط في الوقف( ).

3 ـ إشكاليّة المفارقة بنقض غرض الوقف
الإشكاليّة الثالثة: ما ذكره المحدّث البحراني، من أنّنا لو وقفنا المنفعة، فهذا يعني أنّ العين غير موقوفة، ومن ثمّ فيجوز التصرّف بها، فإذا تمّ التصرّف بها تبعتها المنفعة، الأمر الذي يؤدّي إلى زوال الغرض من الوقف( ).
ويناقش بأنّه بعد ثبوت وقف المنفعة، تصبح العين مملوكةَ المنفعة للموقوف عليهم، فلا يجوز لمالك العين التصرّف فيها بتصرّفٍ موجبٍ لسلب الموقوف عليه حقّه، وهذا تقييدٌ طبيعي في صلاحيّاته التصرّفية بما هو مالك، وليس هو بالأمر الغريب، بل قيام الفقه عليه، فنحن عندما نؤجّر منفعة الدار لشخصٍ، فإنّ هذا لا يسمح لنا بالتصرّف بالعين بما يسلب مالك المنفعة ما يملك، فنقض حقوق المستأجر للدار ممنوع، ولو من طرف مالك البيت نفسه.
ويظهر الأمر بشكل أجلى في مثل وقف الوقت بمفهومه المعاصر بعد رفع اليد عن شرط التأبيد؛ لأنّ وقف الوقت لمدّة معيّنة يُبقي سائر الأوقات لصاحبها الأصلي، لا للموقوف عليهم أو لهم، فلا يحصل ضررٌ هنا.

4 ـ إشكاليّة أصالة عدم المشروعيّة، وفقدان العموم الفوقاني
الإشكاليّة الرابعة: ما أعتقد ـ نتيجة مراجعة مختلف كلمات الفقهاء في موضوعات وقفيّة متنوّعة ـ بأنّه المدرك الرئيس الكامن خلف الموقف السلبي من وقف المنفعة والوقت، بل خلف كثير من التحفّظات الفقهائيّة على أنواع متعدّدة للوقوف. وهو ما يفهم أيضاً من المحدّث البحراني بصياغتنا، وحاصله: أنّنا لا نملك إطلاقاً أو عموماً يرخّص في الوقف المتصل بالمنفعة والوقت، فيكون الأصل عدمه، بمعنى أصالة العدم، فهنا نحن لا نواجه مانعاً يعوق، بل نفرض أنّنا لا نملك دليلاً مشرّعاً لذلك في أصل الشرع الحنيف( ).
هذا الإشكاليّة تجرّ لدراسة مهمّة، وهي أنّنا هل نملك عمومات أو مطلقات في باب الوقف تشرّعه كيفما كان إلا ما خرج بالدليل أو لا؟
ظاهر كلمات غير واحد من الفقهاء عدم وجود أصل ثانوي، وأنّ الدليل الدالّ على مشروعيّة الوقف خاصّ بالعين المعيّنة الخارجيّة( ).
لكن قد يقال بوجوده، ويقرّب ذلك وفقاً لعدّة أسس:
الأساس الأوّل: ما ذهب إليه الآخوند الخراساني رحمه الله( )، وهو أن يلتزم في تعريف الوقف بما ذهب إليه بعض الفقهاء، من أن الوقف عقدٌ ثمرته تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة والمنفعة. فإذا قلنا بذلك صار الوقف من ضمن العقود، ومعه يكون مشمولاً للعمومات التي أسّست الأصل الثانوي (الصحّة) في باب العقود عموماً، حاله في ذلك حال البيع، مع تبنّي الرأي القائل بأنّ عمومات الصحّة غير مقيّدة بالعقود المتعارفة زمان نزول الآيات وصدور الأحاديث، بل تشمل العقود المستجدّة، كما ذهب إليه بعض الفقهاء، مثل السيد الخوئي( ).
لكن قد يناقش بعدم صدق العقد على الوقف؛ لعدم حاجته إلى القبول، فيصحّح حتى لو لم يشتمل على القبول؛ لأصالة عدم اشتراط القبول فيه بعد شمول عموماته لما خلا من القبول، بل السيرة العملية الجارية قائمة على عدم أخذ القبول في الوقوف، ولاسيما الوقف على البطون، أو الوقف التحريري القائم على تحرير الملك وفكّه فقط، كوقف المساجد، وأمثال ذلك. هذا وقد استشهد بعضهم بخلوّ الوقوف المنقولة عن المعصومين من قيد القبول( ).
من هنا يشكّ جداً في صدق عنوان العقد على الوقف أو صدق عنوان البيع، أو التجارة، أو غيرها من العناوين، المأخوذة في عمومات الصحّة، المؤسّسة للأصل الثانوي في باب المعاملات( ).
الأساس الثاني: الاستناد إلى عمومات الإنفاق في سبيل الخير وإنفاق الإنسان ما يحبّ، والصدقة، والصدقة الجارية. فمن المعروف أنّ كلمة (الوقف) قلّما وردت في آيةٍ أو حديث، وأنّ التعابير السائدة الشاملة للوقف هي الصدقة والإنفاق في سبيل الله. كما أن التعابير الموازية تقريباً هي عنوان: الصدقة الجارية. وقد فهم الفقهاء من الجريان هنا ظاهرة الوقفية التي تقوم على هذا الجريان، أو على الأقلّ كون الوقف أبرز مظاهرها، حتى أنّ بعض الفقهاء عرّف الوقف بأنّه الصدقة الجارية التي ثمرتها التحبيس( ).
وربما يكون هذا هو ما دفع البعض لإنكار تشريع الوقف في غير المساجد. لكن بصرف النظر عن هذا الموضوع؛ لافتراضنا شرعية الوقف أصلاً موضوعاً هنا، فإنّ عمومات الصدقة الجارية يفترض أن تشمل جميع أنواعها. فالحث على الصدقة الجارية ـ بوصفه نتيجاً لمجموعة النصوص القرآنية والحديثية في هذا السياق ـ مطلقٌ، فيمكن الرجوع إليه في كل صدقةٍ جارية يراد تحقيقها في الخارج، ما دام عنوان الصدقة الجارية صادقاً على المأتيّ به في الخارج لغةً وعرفاً وعقلائياً، ولم يلزم محذور بالتصادم مع مبدأ تشريعي أو نصّ ديني، أو مع بُعد آخر في هوية الصدقة نفسها.
وبعبارةٍ ثانية: الأوامر الإلزامية وغير الإلزامية الواردة في عموم الإنفاق في الخير والصدقات وخصوص الصدقات الجارية تحثّ على الوقف مطابقةً أو ضمناً. وهذا يستبطن التصحيح؛ إذ لا يعقل الحثّ على ما هو باطل وضعاً. فالوجوب التكليفي، وكذا الاستحباب، لا يعقل تصوّرهما متعلّقين بالمتعلّق الباطل. وحيث كانا مطلقين استفيد منه، بدلالة الاقتضاء أو بغيرها، الحكم بصحّة متعلّقها، ما لم يتمّ دليل على البطلان.
وقد يناقش هذا الأساس:
أولاً: إنّ متعلّق هذه النصوص مخصَّص بالوقوف والصدقات التي كانت صحيحةً في المرحلة المسبقة.
ويجاب: إنّ المفروض أنّ هذه النصوص قد علّقت على صدق العنوان لغةً وعرفاً وعقلائيّاً، فمع صدقه يفترض الشمول، فيستكشف منه ضمناً المفروغية عن الصحّة.
ثانياً: إنّ عنوان الصدقات الجارية منحصر بما كان متعارفاً زمان صدور النصوص أو نزولها، وهو مثل: وقف العقارات والأراضي وأمثالها، لا لا المنفعة والوقت.
ويجاب: إنّه لا موجب لهذا التقييد بعد صدق عنوان «الصدقة» والإنفاق في سبيل الله وسبل الخير و«الصدقة الجارية» على الأنموذج الجديد في الوقف، فيكون مشمولاً للأدلّة.
ثالثاً: إنّ الصدقة مقيّدة شرعاً بنية القربة، وقد اختلفوا في اشتراط نية القربة في الوقف، فكيف تجعل نصوص الصدقة شاملةً للوقف مع هذا الاختلاف الجوهري بينهما؟!
ويجاب: إنّنا نأخذ الصدقة والإنفاق هنا بمعناها الواسع اللغوي والعرفي والعقلائي العام، لا بالمصطلح الفقهي الخاصّ، وفي اللغة لم يُشِرْ غير واحد من اللغويين إلى قيد القربة في هذا المفهوم( ). وقد تنبّه بعض الفقهاء إلى التمييز بين المصطلح الشرعي والعام، كما تلمح إلى ذلك بعض عباراتهم( ). ويشهد لما نقول أنّ القرآن الكريم عبّر عن المهور التي لا يؤخذ فيها قصد القربة بأنّها صدقات، فقال تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4)، كما ورد في الحديث الصحيح: كلّ معروف صدقة( ). كما أنّ الأصل اللغوي لا يفرض سوى الاستحكام في مفهوم الصدقة، تماماً كالصدق والصداقة، لا التقرّب إلى الله. وهو متحقّق في الأوقاف، كما أنّ الحيثية الأساسيّة التي في الصدقة هي العطاء الذي لا يطلب فيه المقابل. وهذا موجود هنا. ولهذا جعلت الصدقات الشرعية بقصد القربة؛ كون هذا التعبير أحد مصاديقها الرئيسة. وعلى أبعد تقدير نحصر صحّة مثل هذا الوقف ـ أي وقف الوقت ـ بشرطه بقصد القربة.
بل يمكن القول: إنّ هذا الإشكال لا يرِدْ على شرعية وقف الوقت، بل هو وارد في أصل باب الوقوف؛ فإن التزمنا فيها بشرط القربة؛ انطلاقاً من التعبير الغالب فيها بالصدقة والصدقات وأمثال ذلك، كان المورد منه، وارتفع الإشكال؛ وإلا كان المطلوب من القائلين بعدم شرط قصد القربة حلّ هذا الإشكال في وقف الوقت وغيره، فلا يكون المورد مورد الإشكال على وقف الوقت بعينه، إلا إذا كان مدرك غير وقف الوقت هو النصوص الخاصّة الأخرى.
رابعاً: إنّ عنوان الصدقة الجارية منحصر مصداقه في مرتكز المتشرّعة في الوقف الذي لا يباع ولا يوهب ولا يتبدّل. ويكون هذا الارتكاز صالحاً للقرينيّة الموجبة لانصراف إطلاق عنوان الصدقة الجارية إلى وقف العين( ). ولم يعهد في العصر النبوي والإسلامي الأول وقف الوقت، وإنما الذي كان هو وقف الأصول الثابتة والعقارات.
ويجاب: إنّ هذا القول غير واضح؛ إذ هناك فرق بين أن يكون المصداق الشائع لديهم هو وقف الأعيان وبين ارتكاز الانحصار بالأعيان بالنسبة إليهم؛ لعدم تداول وقف المنافع عندهم، فإنّ مجرّد الشيوع لا يفيد تقييداً، ولا يوجد ما يفرض احتمال الارتكاز، وإلا لزم من مثل هذا الاحتمال تقييد إطلاقات التجارة بخصوص الحالات الشائعة عندهم في المعاملات المالية. فهذا تماماً مثل قولك: سافر إلى مكة، فإنّ المنصرف إلى الذهن آنذاك هو السير على الجمال أو الخيول، فهل يقال بتقييد أدلّة الحج بخصوص الذهاب ماشياً أو على الجمال أو الخيول؟!
ودعوى كون الجريان غير متعقّل في المنافع، غير صحيح، لو أخذنا النظر العرفي والعقلائي لا النظر الدقّي الفلسفي؛ فإنّ وقفه ساعةً من وقته كلّ يوم لمدّة عشر سنين، يعدّ وقفاً جاريّاً، أي هو وقفٌ لوقته لعشر سنوات، فيصدق عرفاً عنوان الجريان، وأين هذا من وقف خضرواتٍ تتلف بعد ساعات؟!
الأساس الثالث: الذهاب إلى القول بأنّ الوقف ظاهرة عقلائيّة، وليست تأسيساً لطريقة شرعية في التصدّق أو الإنفاق في وجوه الخير، كما أقرّ بذلك بعض الفقهاء( )، وهذا معناه أنّ الشارع بإمضائه الوقوف، وجعله لها صحيحةً، ووضعه نظامها الداخلي بيد الواقف، في مثل: صحيحة محمد بن الحسن الصفار، التي جاء فيها أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي× في الوقف وما روى فيه عن آبائه^، فوقَّع×: الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله( )، أنّ الشارع بذلك يكون قد أمضى هذه الظاهرة العقلائيّة، فالمطلوب حينئذٍ تصحيح كلّ مصداق من مصاديق هذه الظاهرة لا يناقض هويّتها ولا يعارض مبدأ شرعيّاً في الإسلام؛ لأنّ الإمضاء لا يقف عند حدود الظاهرة بشكلها الزمني، وإنّما يدور حول النكتة الارتكازية التي تبلورت الظاهرة نتيجةً لها، وهذه النكتة الارتكازية هي تجميد شيء تملكه ليكون في سبيل الخير بشكل مستمرّ ولو مؤقتاً في عمود الزمان. فحتى لو فرض أنّ بعض نماذج الوقف لم تكن موجودةً في العصر الإسلامي الأوّل إلا أنّ الشارع بإمضائه مقولة الوقف يكون قد رخّص في كلّ وقف من هذا القبيل. فلو كان لديه مانع من وقف المنفعة مثلاً لكان عليه أن يضيف على نصوصه التي تتكفّل بيان أحكامه قيوداً تمنع مثل هذا الوقف، وإلا فإنّ سكوته عن هذه الأنواع سوف يؤدّي إلى ظهورها في المستقبل دون منعٍ منه.
وهذا الأساس يقوم على فكرة أنّ الممضى في مثل المقام هو النكتة الأساسية في هوية الوقف، لا الظواهر الزمنيّة التاريخية. فإذا قبل فقيهٌ بذلك فبها، وإلا كان المرجع هو الأساس الثاني المتقدّم.
وعليه فالصحيح وجود أصل ثانوي في باب الوقف يحكم بصحّة كلّ وقف إلا ما خرج بالدليل، ويكون مقدّماً على أصالة الفساد الأوّلية، بالحكومة أو الورود.
هذا كلّه، وقد يدّعى ـ كما ذكره بعض المعاصرين ـ أنّ بين أيدينا نصوصاً خاصّة تنفع في المقام، حتى لو لم نملك عمومات مشرعنة لوقف المنفعة والوقت، ومن هذه النصوص:
أ ـ ما ورد في جواز بيع منفعة الدار، كموثَّقة إسحاق بن عمار، عن الإمام الكاظم×: عن رجل في يده دار ليست له، ولم تزل في يده ويد آبائه، قد أعلمه من مضى من آبائه أنها ليست لهم، ولا يدرون لمن هي، فيبيعها ويأخذ ثمنها؟ قال×: (ما أحبّ أن يبيع ما ليس له)، فسأله الراوي عن بيع سكناها، بأن يقول للمشتري: أبيع سكناي، وتكون في يدك كما هي في يدي؟ قال: (نعم، يبيعها عل هذا الوجه)( ).
ب ـ ما ورد في جواز بيع خدمة العبد المدبّر، وهي مرويّة من طريق الفريقين، كخبر السكوني، عن جعفر بن محمد، عن علي× قال: (باع رسول الله خدمة المدبّر، ولم يبع رقبته)( ).
وتقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّه إذا أجاز بيع سكنى الدار أو خدمة المدبّر جاز وقفهما، لا لأنّ كلّ ما جاز بيعه جاز وقفه؛ إذ إنّ هذه الكليّة ممنوعة؛ فإنّه يصحّ بيع ما يتلف بالانتفاع به، كالمأكولات، لكن لا يصح وقفه؛ بل لعدم الخصوصيّة للبيع في المقام، بعد كون السكنى في الدار أو الخدمة في المدبّر قابلة للاستمرار. أجل، إنّ بيع السكنى أو الخدمة ـ وعلى الرغم من ورود هذه الروايات بشأنه ـ محلّ جدلٍ، بل منعٍ، من قبل الفقهاء؛ لبعض الوجوه المذكورة في محلها، الأمر الذي دفعهم إلى حمل الأخبار المذكورة الواردة في بيع المنفعة أو نحوها على التجوّز في الاستعمال؛ لأنّه أعم من الحقيقة، فتأمّل( ).
إلا أنّ هذا التقريب غير مقنع؛ فإنّ رفع الخصوصيّة عن البيع هنا غير واضح.
والنتيجة: إنّ بيدنا مرجعيّات يمكنها أن تؤسّس لشرعيّة أيّ نوع من الوقوف لم يرد فيه نصّ مانع أو لم يخالف قيداً أو معياراً منصوصاً في الشرع الحنيف، ووقف الوقت والمنفعة من هذا النوع، بعد ما تقدّم.
وبما تقدّم كلّه، ربما يمكن فتح المجال للمناقشة في التحفّظ الفقهي حول وقف الوقت أو وقف المنفعة.

تكييف نتيجة وقف الوقت من خلال تخريج غير وقفي
هل نحن بحاجة لخلع مفهوم الوقف على المحتوى المتضمّن في فكرة وقف الوقت أو لا؟ وبعبارة أخرى: ألا يمكننا الوصول إلى الغاية نفسها في وقف الوقت من خلال عنوان آخر غير وقفي، على تقدير أن يكون الإنسان غير مقتنع بشمول أدلّة الوقف لوقف الوقت مثلاً؟
الجواب: يمكن فرض أكثر من تخريج يحقّق النتيجة نفسها تقريباً، ونذكر بعضها:
التخريج الأوّل: أن يُلتزم بمفهوم الصدقة العام، ويقصد (واقف الوقت) هنا أنّني أقدّم بنحو البذل منفعتي في وقت معيّن للصالح العام أو للمحتاجين، قربةً إلى الله تعالى، وبهذا يحصل على نوع من الالتزام.
إلا أنّ هذا التخريج يعاني من مشكلة جواز الرجوع في الصدقة قبل القبض، ومن ثم فعنصر الالتزام يكون مفقوداً قبل العمل، بل لو شرطنا في الصدقة القبض ـ كما هو المنسوب إلى المشهور ـ أشكل الأمر أكثر، وإن ذهب العديد من الفقهاء المتأخّرين إلى عدم ثبوت (شرط القبض مطلقاً) في الصدقة( ).
التخريج الثاني: إجراء معاملة ملزمة بين الواقف هنا وبين الجهات التطوّعية التي يعمل عندها، إمّا بجعل عمله شرطاً في معاملة لازمة بينه وبينهم، أو نحو ذلك، ومن ثم يكون ملزماً بهذا الأمر، ولا مانع من قصد القربة من قبله في ذلك، فإنّه لا تضادّ في هذه الحال.
التخريج الثالث: استخدام أسلوب النذر وأمثاله، بأن ينذر هذا العمل التطوّعي بهذه الطريقة قربةً إلى الله تعالى وشكراً له على نعمه مثلاً، لكن في هذه الصورة لا توجد علاقة إلزام بينه وبين الجهات التطوّعيّة، بل بينه وبين الله تعالى فقط، بخلاف التخريج الثاني المتقدّم، ومن ثم فلابدّ من تحقّق عناصر وجوب الوفاء بالنذر في حقّه. يضاف إلى ذلك أنّه في هذه الحال قد يحنث في نذره فلا يوجد ملزم للوفاء بعد ذلك.
التخريج الرابع: وهو أن يوقع الحبسَ لا الوقف، فهذا لا إشكال فيه في هذه الحال، ويحقّق عين الأغراض المطلوبة، خاصّة لو قلنا بأنّ المنافع غير العينية يمكن إجراء الحبس فيها، ولا يشترط القبض في تحقّق الحبس كما مال إليه غير واحد من الفقهاء، ويجوز التوقيت فيه( )، فإنّ هذه العناصر تساعد على تحقيق النتائج عينها تقريباً هنا عبر مفهوم الحبس، ولو لم يكن وقفاً كما هو واضح.
والبحث في التخريجات الموازية يمكن التفصيل فيه كثيراً، لكنّ هدفنا تحقيق أصل الموضوع من الزاوية الوقفيّة، فنترك التفصيل في البدائل لمناسبةٍ أخرى.

نتيجة البحث
إنّنا نعتقد بأنّ الفقه الإسلامي يملك من الفضاءات ما يمكنه أن يعبّد الطريق ـ وفق بعض الاجتهادات ـ لقيامة فكرة وقف الوقت أو لقيامة روحها ولو تعنونت قانونيّاً بعنوان آخر، وهذا ما يمكّننا من تكريس وتأصيل وتثبيت الدعوة لترويج هذا النوع من الوقوف الخدميّة التطوّعيّة إن شاء الله.




في كارثية الخلط بين الشريعة والفقه

بقلم: أحمد الشوربجي — يخلط كثير من الناس بين الشريعة والفقه، فيعتبرونهما شيئاً واحداً؛ على رغم ما بينهما من فرق شاسع. وتقع تبعاً لذلك أخطاء جسيمة وتصورات ونتائج كارثية أحياناً؛ أقلها عرقلة جهود الإصلاح الفكري والنهوض الثقافي الذي يمثل رأس الحربة لكل تقدم حضاري. تأتي الكارثة حينما يقدم الفقه على أنه الإسلام أو على أنه الشريعة الإسلامية. فإذا عرفنا أن الشريعة هي نصوص الوحي التي أوحى الله بها لنبيه صلى الله عليه وسلم سواء كانت قرآناً أم سنة بكل ما تتضمنه من أحكام شرعها الله لعباده على لسان نبيه والتي تشمل العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات؛ هنا تكون الشريعة الإسلامية هي الإسلام ذاته؛ أما الفقه فهو جزء من الشريعة. هذا الجزء باستثناء بعض الأحكام القطعية فيه أي الثابتة ثبوتاً يقينياً مثل وجوب الصلاة ووجوب صيام رمضان ووجوب الوفاء بالعقود، يكون الفقه هو ما يفهمه العلماء من نصوص الوحي في ما يتعلق بالأحكام العملية، أي هو فهم العلماء في جزء من نصوص الشريعة وما يستنبطونه منها ويقررونه ويؤصلونه ويقعدونه من القواعد المستمدة من دلالات النصوص. وهكذا لا يجوز الخلط وعدم التمييز بين مفهوم الشريعة الإسلامية ومفهوم الفقه الإسلامي. فالشريعة معصومة لأنها نصوص الوحي. أما الفقه فهو من عمل الفقهاء في طريق فهم الشريعة وتطبيق نصوصها وفيه يختلف فهم فقيه عن فهم فقيه آخر. وفهم كل واحد، مهما علا قدره، يحتمل الخطأ والصواب لأنه غير معصوم. وبالتالي يصبح الفقه ولو كان مبنياً على النص الشرعي قابلاً للمناقشة والتصويب والتخطئة؛ ومن ثم اختلفت آراء الفقهاء وردَّ بعضهم على بعض وخطّأ بعضهم بعضاً ونشأت المذاهب الفقهية المختلفة.

الكارثة تأتي حينما لا نفرق بين المقدس وغير المقدس؛ بين النص وفهم النص؛ بين الفقه وبين الشريعة؛ بين الإسلام وبين علماء الإسلام. فتجد أناساً ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهم لا يميزون بين الفقه والشريعة، ومن ثم يقدمون الفقه على أنه الشريعة، بل على أنه الدين ذاته، فيقيمون الدنيا ولا يقعدونها ويذبحون ويقتلون بناء على أحكام فقهية مدعين أنها الشريعة.

ولتتضح الصورة أكثر ارجع معي لعام 1179م الموافق لسنة 574 هجرية حينما أصدرت الكنيسة الغربية تشريعات تنص على أن كل مسيحي يقبل الخدمة في منازل اليهود أو المسلمين أو رعاية أطفالهم أو الاتجار معهم أو حتى مشاركتهم طعامهم يتعرض لعقوبة الطرد من الكنيسة مع ما يترتب على ذلك من مصادرة الممتلكات. وفي عام 1227م الموافق لسنة 623 هجرية أضاف البابا غريغوريوس التاسع المراسم التالية: «يجب على المسلمين واليهود أن يرتدوا ملابس مميزة لهم ويجب ألا يظهروا فى الشوارع أثناء الأعياد المسيحية أو أن لا يتولوا مناصب حكومية في البلدان المسيحية كما يمُنع المؤذن من إيذاء أسماع المسيحيين بدعوة المسلمين إلى الصلاة».

خذ هذه القرارات الكنسية الصادرة عن البابا وضعها على لسان أي واحد متشدد يدعي زوراً وبهتاناً أنه سلفي مثلاً أو أي واحد من أعضاء ما يسمى التيار الإسلامي ثم اجعلها تخاطب جماهير المسلمين بدلاً من رعايا الكنيسة الغربية مع تعديل ما يلزم تعديله. ستجد نفسك سمعت هذه الأشياء تقريباً من أحد هؤلاء الأشخاص وبعد أن فرغ من كلامه قال لك ليس هذا كلامي وإنما هو كلام الدين وأنا ناقل فقط وارجع إن شئت للكتاب الفلاني أو الكتاب العلاني من كتب الفقه الإسلامي. وفعلاً حين ترجع إلى الفقه الحنفي وتحديداً كتاب الاختيار مثلاً؛ ستجده يقول بضرورة أن يتميز المسيحيون عن المسلمين في ملابسهم. ما نريد قوله سيظهر بوضوح تام حينما نراجع تواريخ ظهور القرارات الباباوية في 1179م الموافق لسنة 574 وحينما ترجع لعام عام 1227م الموافق لسنة 623 هجرية ثم ضف إليها أنه في عام 1099 م الموافق لسنة 492 هجرية كانت الحملة الصليبية التى نجحت في دخول مدينة القدس بعد حصار دام أربعين يوماً في يوم قال فيه وليم الصوري المؤرخ المسيحي: «إن بيت المقدس شهد عند دخول الصليبيين مذبحة رهيبة حتى أصبح البلد مخاضة واسعة من دماء المسلمين أثارت الرعب والاشمئزاز». كانت تعليمات البابا لهم أن الرب هو الذي يطلب منكم أن تطهروا الأرض المقدسة من هؤلاء الرعاع، لذا يقول آرنست باركر إنهم لم يتركوا مسلماً في المدينة التقوا به إلا قتلوه من دون تفرقة بين رجل وامرأة أو صغير وكبير.

حينما يكتب الفقهاء المسلمون الفقه ترى ماذا يكتبون؟ سيكتبون آجواء الحروب ورائحة الدماء والعداوة وسيستنطقون النصوص لتقترب من المعاملة بالمثل. وبالتالي سيقولون كما قال البابا، ولكن في الفقه الحنفي الذي كتبه عبدالله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي المتوفى سنة 683 هجرية، ومع ذلك فإن نائب رئيس محكمة العدل الدولية السابق ويرا منتري؛ حينما قارن هذا الفقه الإسلامي بما كان سائداً في ذلك الوقت قال نصاً: «إن الأمم المسيحية (الأوروبية) ملكت طريقة غير محترمة أبداً إذا ما قورنت بالأمة الإسلامية التي كانت لها قواعد واضحة في الحروب ومعاملة العدو والأسرى وغيرها». أيضاً قال ميتشل دي توب؛ أستاذ القانون الدولي في أكاديمية العلوم الدولية في لاهاي وزير خارجية هولندا سنة 1936: «لقد ساعد العالم الإسلامي في سبيل إفراغ الإنسانية الصحيحة على البشرية البائسة مساعدة يجب أن ينظر إليها بعين التقدير السامي، باعتبارها أسمى مما تم في أوروبا الرومانية والجرمانية والبيزنطية خلال القرون الوسطى».

ومن ثم فليست المشكلة هي في هذا الفقيه أو فقهه، إنما في مَن حوّل هذا الفقه وآراء هؤلاء الفقهاء إلى نصوص مقدسة تقدم باعتبارها ديناً ينبغي الدفاع عنه حتى الموت. إنها مشكلة حقيقية تنبع بالأساس من خلط الفقه بالشريعة والفتاوى الفقهية بالأحكام من دون تفرقة ونتحملها جميعاً بما في ذلك بعض المؤسسات الرسمية في الدول العربية والإسلامية. فهذه النصوص الفقهية مثلاً كانت مقررة على طلاب الثانوية الأزهرية وتخرجت أجيال على هذه النصوص من دون أن تعرف فلسفتها ولا وقتها ولا أنها فتاوى بالأساس وليست أحكاماً، لتبقى المشكلة كامنة، فتجد بعض خريجى الأزهر الذين لم تسعفهم الظروف لمواصلة البحث والقراءة والإطلاع يقعون في الأخطاء ذاتها في وقت نعقد فيه المؤتمرات عن تجديد الخطاب الديني. هذا الخلط يتسبب فى تقديم صورة غير حقيقية وغير واعية وغير منضبطة بل وكارثية من قبل الدعاة حتى لو لم يقدموها على المنابر، فهي حبيسة صدورهم لا يفصحون عنها لكنهم لا يلامون إنما اللوم كله وربما الإثم يقع على مَن يعرف ويملك السلطة ويسكت فلا يقدم لأمته ولا لمجتمعه خيراً.

المصدر: الحياة




تأثير البيئة المحيطة في اجتهادات الفقهاء

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — تأثّر الإنسان بالمحيط الذي يعيش فيه لا يحتاج إلى دليل أو برهان؛ لأن الواقع المشاهد يثبت كيف ساهمت الطبيعة في تشكيل الحياة من حولنا والسيطرة على أنماط الأحياء في أشكالهم وألوانهم وطبائع سلوكهم وتفكيرهم. ومع تسليمنا بهذه الحقيقة؛ نجد هناك فرعاً منها يحتاج إلى إثباتٍ بسبب حجج الإنكار التي تثبت عكسه، وتؤكد في شكل حاسم بقاء هذا النسق من دون تأثّر وتغيّر لارتباطه بثابتٍ أو جوهرٍ لا تجرى عليه طبيعة الأشياء المتغيرة.

وهذه المسألة هي المتعلقة بقراءة الوحي والاستنباط منه؛ فالوحي المنصوص من القرآن والسنة الثابتة منزّل من الله تعالى، وثبوته وصلاحيته لا يتعلقان بالزمان ولا بالمكان ولا بطبائع الأشياء، والإشكال الذي سيتم تناوله في هذه السطور؛ يتناول مدى صحة التسليم بثبات النص، وهل من اللازم أيضاً ثبات جميع مخرجاته المستنبطة منه؟ كما أن هناك سؤالاً آخر؛ يتعلق بالفقهاء المجتهدين، فعلى رغم تحريّهم طرق الوصول للحقيقة، هل تأثروا بالبيئة التي حولهم وتشكّلت بناءً عليها استنباطاتهم؟ وإذا سلّمنا بتأثرهم بالبيئة الطبيعية، فهل كان تراثهم الفقهي نتاج هذا التأثّر؟ وبمعنى آخر أقرب للمقصود، هل يحق لمن بعدهم أن يراعي تأثير البيئة في فقههم ويفصل بين ما كان نتاجاً من طبيعة البيئة ومؤثراتها فيعيد النظر فيه، وما كان من النص الثابت بالوحي فيجب البقاء عليه؟

مناقشة هذه التساؤلات تفتح الباب للنقد والمراجعة لكثير من مدوناتنا التراثية، وتشرع باب الاجتهاد في بحثها مرة أخرى عند تغير ظروف الحال والزمان والمكان، كما أنها تفتح الباب أيضاً لمقولات “تاريخية النص” وعدم التسليم بالوحي كنص صالح لكل زمان ومكان، فالخطاب الحداثي العربي المعاصر يريد قراءة النص الديني الإسلامي (الوحي) من زاوية الحداثة الكلاسيكية، ويوظّف “التاريخيّة” بوصفها آلية من آليات القراءة؛ لأنها تقضي بجعل النص مرهوناً بتاريخه، ساكناً فيه، متوقفاً عند لحظة ميلاده. ويسوّغ الحداثيون (أركون، نصر أبو زيد ، شحرور) هذا الموقف بالنظر إلى نتائج اللسانيات الحديثة وغيرها من نتائج العلوم الإنسانية، ولست بصدد مناقشة هذا الإشكال الحداثي في هذا المقال، بقدر ما نحتاج إلى فهم النص الديني وعلاقة الاجتهاد الفقهي بالبيئة الطبيعية التي عاشها الفقهاء، ومن خلال هذه السؤال، أحاول تقديم بعض الآراء في ما يلي:

أولاً: هناك علاقة قوية بين صناعة الأفكار ومصانع البيئة والطبيعة، وعلاقة اكثر قوة بين الأخلاق الراسخة والموروثة ومنتجات الأفكار، وكل هذه العلائق تتمازج في ذات الإنسان بطريقة يصعب الفصل بينها، وللنبي عليه الصلاة والسلام شاهد على ذلك جاء في قوله: “… والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم” (رواه البخاري، رقمه 4388). ولابن خلدون في مقدمته كلام نفيس متقدم حول هذا التأثير يتجاوز ما قاله جالينوس والكندي، من خلال مقدمته التي أثبت فيها بالوقائع التجريبية أثر الهواء (المناخ) والجغرافيا في أخلاق البشر، وتبعاً لذلك تفكيرهم وسلوكهم وطبائعهم الحياتية، (انظر: المقدمة تحقيق درويش 1/ 194). وهذا الجانب من العلاقة استفاض في بحثه ودراسته علماء الاجتماع المعاصرون وفي ضوئه تأسس علم الاجتماع البيئي، الذي يدرس تلك العلاقة التفاعلية بين البيئة الطبيعية وبين الإنسان وتأثيراتها العميقة في حياته.

ثانياً: عندما نُسقط تفاعل الإنسان ببيئته على المجال التشريعي، نجد أنواعاً من العلاقات التي توضّح مدى تأثر الفقيه بالبيئة، ويمكن بيان بعض أنواعها بما يقتضيه المقام، فالفقيه المفتي يجب عليه اعتبار تغير الزمان والمكان والحال في فتواه التي هي إسقاطٌ حكمي على حالة معينة مشخّصة تتطلب من المفتي اعتبار المحيط البيئي للمستفتي قبل الإجابة عن سؤاله، وقد قرر ذلك عدد من العلماء، كابن القيم الذي عقد فصلاً في تغير الفتوى واختلافها وفق تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وقال: “هذا فصل عظيم النفع جداً وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه”(اعلام الموقعين 3/11). ولما تكون الفتوى مرتبطة بعرف الناس اللغوي والاجتماعي، فإن تأكيد مراعاة ذلك متعين، وإلا أصبحت الفتوى غلطاً وتجنياً على الشريعة القائمة على تحقيق المصالح وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها.

ثالثاً: الوجه الآخر من تأثير البيئة في اجتهاد الفقهاء، وهو النوع الصامت الذي لا يُعلن عنه، ولكنه يطرح التساؤل حول اختلاف الموقف من بعض القضايا وفق المكان والحال. فالكل يعلم أن الإمام الشافعي كان له فقه في العراق معروف، فلما استقر بمصر بدا له رأي آخر وتغيرت بعض اجتهاداته، ولا يخفى أيضاً على القارئ في كتب التراث أن فقهاء الحجاز لهم توسّع في المأكولات فأباحوا أكل الثعلب (انظر: الكافي في فقه أهل المدينة 1/ 437) مقابل تضييقهم في المشروبات، ولأهل العراق توسع في المشروبات فأباحوا النبيذ ما لم يسكر واشترطوا في وصف الخمر ما كان عنبا فحسب، (انظر: بدائع الصنائع 5/112)، بينما رأيهم التشديد في الأطعمة فحرموا الخيل والضب، هذه الأمثلة التي أردت من ذكرها تقريب صورة الاختلاف بين مدرستين عريقتين في الاجتهاد كانتا تتبنيان آراء مختلفة قد يكون لبلوغ الأحاديث والآثار ودلالات اللغة أثر في هذا الاختلاف، ولكن هل كان للبيئة تأثير يُضاف على ما تقدّم من أسباب؟ هنا يصعب الجزم بهذا التأثير كما يصعب النفي أيضاً، ولعلي أميل لدور تأثير البيئة في الخلاف، فتباين المدرستين في مجال الأشربة والأطعمة ظاهر في طبيعة المجتمعين، وقد حاول ابن خلدون في مقدمته تعليل السبب في تمذهب أهل المغرب بمذهب الإمام مالك وليس مذهب أبي حنيفة، مرجعاً الأمر إلى الجغرافيا، مقرراً بأن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذٍ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق، ولـم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة، كما أنه أضاف سبباً اجتماعياً آخر، وهو أن البداوة كانت غالبة على أهل المغرب، ولـم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق، فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة، ولهذا لـم يزل المذهب المالكي غضًّا عندهم (انظر: المقدمة تحقيق درويش 2/172). وبناءً عليه ربما كانت الأشربة والتفنن بها مظهراً للثراء والرخاء في العراق، فكان المجتمع أحوج وأرغب فيها، بخلاف مجتمع الحجاز الذي كان الشظف وقساوة البيئة سببين ربما في تجويز التوسع في الأطعمة البرية، حتى لو كانت من ذوي الناب والمخلب. وعلى العموم، فابن خلدون فيلسوف الفقه والاجتماع يُرجع تقدم العلوم والصنائع في أهل المشرق أكثر منه في أهل المغرب لغلبة سكنى الحضر وتطور العوائد فيهم واكتسابهم الفنون والتأنق في الإبداع المعاشي، ما جعل هناك فارقاً حقيقياً ينعكس على جودة العلوم والمعارف وحتى اختيارات الفقهاء، وهو ما استنتجه من أن غالب علماء الأصول والكلام كانوا من العجم الذين عاشوا في العراق وما وراءها.

رابعاً: يظهر أثر البيئة والطبيعة أيضاً في ثراء العلم وتنوعه وجودة تصنيفه، وكما سبق أن نقلنا عن ابن خلدون تقريره هذا الأمر في أكثر من موضوع في مقدمته، نضرب على ذلك شواهد من تراثنا القديم والجديد، فالدارس التراث الفقهي يلحظ تقدم الفقه السياسي في العراق من خلال مؤلفات (السيِّر) لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ومؤلفات الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى الفراء، لأن العراق وقتذاك حاضرة الخلافة وهو على الثغور ويقود الفتوح، فالحاجة والبيئة أبرزتا تقدماً تصنيفياً في هذا العلم بسبب كثرة النوازل والمستجدات، بخلاف المغاربة والحجازيين والمصريين من حيث البدء والأسبقية في التصنيف، واليوم نلحظ جودة التأليف وعمقه في الأطروحات العقلية ذات العلاقة بالدين عند المغاربة أكثر من المشارقة؛ ربما بسبب الاحتكاك المعرفي مع المدارس الفلسفية الأوروبية أثناء فترة الاستعمار التي أثّرت في بناء المنهجية العقلية للباحث والمثقف، بينما تجد قوة علوم العربية وفنونها أعظم في المشرق بسبب تمجيد القومية العربية لهذه الفنون ومدارسها منذ منتصف القرن الماضي، بما لم تزاحمه كثيراً علوم الاستعمار الغربي ولغاتها.

خامساً: لو رجعنا لحالة التشدد والغلو في الخطاب الديني والتصنيف الفقهي وسبب بروزه في بعض البيئات من دون بعضها الآخر، لربما قادتنا الأسباب ذات في اعتبار دور البيئة في صناعة الفقه المتشدد وتناميه، فالبيئة المتعددة التي تلاقحت فيها الثقافات وتنوعت، وتعارفت فيها اللغات والحضارات، بيئةٌ لا يمكن أن تكون خصبةً للرأي الواحد والفقه القطعي والتعصب على الموروث بلونه الصامد لعقود من الزمن، لهذا كانت بيئة الصحراء ومناطق شظف العيش والبعد من الحواضر المتعددة الثقافات، مُسهمة بشكل كبير في خلق الآراء المغالية أكثر من غيرها، سواء في التشدد، أو في المفاصلة مع المخالف والميل للقطعي في العقيدة والشريعة، ولعل بيئة الجزيرة العربية وبعض مدن الصحراء الغربية في القرن الماضي مثال على هذا النوع من الحواضن البيئية التي ينمو فيها الغلو والتشدد.

سادساً: هناك بيئات مؤثرة جداً في الصناعة الفقهية وليس للجغرافيا والطبيعة دور فيها، لكنها تصنع فقهاً مختلفاً له طبيعته التي قد يتميز بها نشازاً وخروجاً عن المألوف، وأقصد بيئة البلاط السلطاني التي تحكمها أعراف السياسة وحزم التعامل وضرورة الهيبة وسد ذرائع الفكر الحرّ بكل وسائل القمع، وهذا النوع من الفقه المتكوّن في تلك البيئة حضر في لحظات تاريخية كثيرة، كانت تمثّل نوعاً من التجاوز والانحراف، ويضرب قتادة بن دعامة التابعي الجليل مثلا على ذلك بقوله: “إنما أحدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث” (انظر: شرح كتاب الإبانة عن أصول الديانة لابن بطة 4/ 37)، فبعد ثورة ابن الأشعث وقضاء الحجاج عليها برزت في الأمة فكرة الارجاء بحيث يكفي التصديق في ثبوت الإيمان من دون الحاجة الى العمل ويسمى بإرجاء الفقهاء تسويغاً للإستبداد السياسي فقهياً وعقدياً، كما أن هناك بيئة أخرى حاضنة للجنوح الفقهي، وهي التي يعيش فيها الفقيه تحت ضغط الجمهور أو أضواء الإعلام ويصبح مرتهناً لمطالبهم وانعكاساً لرضاهم وباحثاً في شكل فاقع عن تصفيقهم وتجميعهم خلفه، وهذا النوع المعاصر من التلون الفقهي الفاضح وفق موجات المجتمع وتقلبات الجماهير، مآلاته متناقضة ومسيئة على ذاته وعلى الشريعة حتى لو حمل في قلبه نية طيبة، وقد تكلم عن هذه الظاهرة الباحث الفرنسي باتريك هايني في كتابه المعروف (إسلام السوق 86-95).

وختاماً، يظهر مما سبق أن للبيئة الحاضنة للفقيه دوراً كبيراً في اختياراته وتصنيفاته الاجتهادية، وحتى لا تضيع بوصلة الشريعة تحت ضغط البيئات المتنوعة التي سبقت الإشارة إليها، فإن العاصم من هذا الجنوح الفاتن باسم الشريعة هو العودة لمقاصد الشريعة وتحقيق أهدافها، لأن الفقيه لا يصادم نصاً صريحاً أو إجماعاً قطعياً؛ بل الغالب أنه يسير في فهمه الاجتهادي وفق مؤثرات البيئة الضاغطة بنعومة أو بقسوة، والتي هي بلا شك خلاف منهجية الاستدلال العلمية، ومقاصد الشريعة حينئذ ستكون هي الضمانة للتأكّد القبْلي والبعدي من صحة الاجتهاد وسلامة منهجه؛ بحيث لا يخرج عن الأهداف الغائية التي قامت عليها الشريعة من جلب المصلحة ودرء المفسدة وبيان العدل ورفع الحرج وإصلاح الخلق.

المصدر: صحيفة الحياة




دلالة المصطلح في مفهوم الاستخلاف … آدم خليفة لمَن؟

بقلم: حسين معلوم — يأتي مصطلح الاستخلاف ليُعبّر عن مفهوم ذي إشكاليات كبرى في الفكر العربي والإسلامي، فعلى رغم الاتفاق على أن آدم عليه السلام جاء ليكون «خليفة في الأرض»، وفق أصل الورود في التنزيل الحكيم، إلا أن الاختلاف القائم يأتي من محاولة الإجابة عن التساؤل: خليفة لمن؟! فمن السلف، ومن سار على دربهم من الخلف، من يقول هو خليفة الله في الأرض، ومنهم من يقول: خليفة الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبل آدم، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا سبيل إلى التأكد من وجود برهان عليها، أو دلائل تؤشر إليها.

ولعل الآية الأصل في صك مصطلح الاستخلاف هي قوله سبحانه وتعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [البقرة:30]. وفي تفسيره لهذه الآية، يؤكد الرازي، كمثال، في التفسير الكبير: «اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقه آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه». أما الطبرسي، كمثال آخر، فيذكر في مجمع البيان لعلوم القرآن أن: «جاعل في الأرض خليفة، أي خالق في الأرض خليفة، وأراد بالخليفة آدم عليه السلام، فهو خليفة الله في أرضه». وفي ما يبدو، عبر هذين المثالين، وغيرهما، من القرطبي إلى البيضاوي، وصولاً إلى المراغي من المحدثين، فإن ثمة خلطاً بين جاعل وخالق. هذا فضلاً عن عدم الالتفات إلى دلالات الصيغة التي ورد فيها لفظ «خَلِيفَةً»، وهي صيغة «النكرة» التي تفيد العموم.

يحملنا هذا على الاقتراب من الإشكالية التي يُثيرها مصطلح الاستخلاف، لتفكيكها إلى عناصرها الرئيسة، ومن ثم إعادة تركيبها، للوقوف على ما يحمله المفهوم من دلالة، تختلف– بالتأكيد– عن كثير من أطروحات الفكر العربي والإسلامي في هذا الشأن. ولعل ذلك، أيضاً، ما يُمثل، أو يمكن أن يُمثل، خطوة أولى في بناء مفهوم إسلامي حول الاستخلاف، من حيث المعنى ومن حيث المبنى في الوقت ذاته.

وفي نظرنا، فإن نقطة البدء في هذا الاتجاه هي ما تؤشر إليه دائرة المعنى في اللسان العربي للفظ استخلاف. وهذا الأخير مصدر الفعل استخلف، الذي يستند إلى الجذر «خ ل ف». وكما جاء في معجم مقاييس اللغة، فإن: «الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة تأتي لأحد معان ثلاثة، الأول أن يجيء شيء بعد شيء فيقوم مقامه. والثاني خلاف قُدّام، ويكون هذا المعنى بتسكين الوسط خَلْف. أما الثالث فهو الاختلاف والمخالفة ومنه إخلاف الوعد».

في هذا المعنى الأخير، أي التنازع في خلافة شخص لآخر في قوله أو فعله على رغم وجوده، يأتي قوله سبحانه: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ» [آل عمران:105]. وقوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» [آل عمران:19]. وفي المعنى الثاني، أي تخَلَّفَ ضد تقدم أو خَلْف ضد قُدّام، يأتي قوله سبحانه: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ» [الأعراف:169]؛ وقوله: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ» [مريم:59]. وأيضاً، يأتي قوله تعالى: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» [يونس:92]؛ وقوله: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» [يس:45].

أما في المعنى الأول، أي مجيء شخص بعد آخر ليقوم مقامه، فيأتي قوله سبحانه وتعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ» [الأنعام:165]؛ وقوله سبحانه: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً» [الأعراف:69]؛ وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» [فاطر:39].

وهكذا، يبدو ارتكاز دائرة المعنى على نقطة رئيسة، مفادها أن الجذر «خلف»، يؤشر إلى مجيء شخص بعد آخر ليقوم مقامه، ومصدره الخلافة. وهو ما يتبدى بوضوح في قوله سبحانه: «وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» [الأعراف:142]؛ وقوله تعالى: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي» [الأعراف:150].

فإذا حاولنا الاقتراب من دائرة الدلالة للمصدر «خليفة»، كما تبينها آيات الذكر الحكيم، فإن أول ما يمكن ملاحظته هو ورود لفظ «خليفة»، على وزن فعيلة وجمعه خلائف وخلفاء، في موضعين، في حين ورد لفظ «استخلف»– بصيغة الماضي والمضارع– في أربعة مواضع. أما لفظ «مستخلف»، وهو اسم مفعول لخلف، فقد ورد في آية واحدة هي قوله سبحانه: «آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ» [الحديد:7].

وهنا، لنا أن نشير إلى نقطتين أساسيتين، كمداخل، للتعرف إلى ملامح دائرة الدلالة المتعلقة بلفظ «خليفة».

فمن جهة، لنا أن نلاحظ الاختلاف بين الخلق والجعل. ففي الخلق يقول سبحانه: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ» [ص:71]، ثم أتبعها بقوله تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ٭ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» [ص:72-73]. إذ يبدو أن «الخلق» هو من عالم الغيب كما يقتضي الأمر الإلهي في إبداع الشيء من غير أصل أو احتذاء. وهنا، لم يتساءل الملائكة عن المخلوق، أو عن أفعاله، مع ملاحظة أنهم امتثلوا لأمر الله، وذلك على عكس تساؤلهم بالنسبة إلى عملية «جعل آدم خليفة».

أما في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» [البقرة:30]، يبدو أن «الجعل» هو تغير في الصيرورة، إذ لم يكن آدم خليفة فأصبح، تماماً كقوله سبحانه لإبراهيم «قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» [البقرة:124]، إذ لم يكن إبراهيم عليه السلام إماماً فأصبح إماماً. وأيضاً، كقوله لداود: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» [ص:26]؛ إذ لم يكن داود خليفة فأصبح ليحكم بين الناس بالحق. وهو ما يعني أن «الجعل» هو من عالم الشهادة حيث مجرى الصيرورة وتحول الشيء وتصييره على حالة دون أخرى.

من جهة أخرى، لنا أن نلاحظ اختلاف ورود صيغة «جعل»، في ارتباطها بلفظ «خليفة» في الموضعين. فبالنسبة إلى داوود فقد وردت في صيغة الفعل الماضي، فضلاً عن تصدير الآية بالنداء «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ». أما بالنسبة إلى آدم فقد وردت في صيغة اسم الفاعل الذي يدل على استمرار العملية. عملية «جعل آدم خليفة»، مع عدم ورود اسم آدم في الآية. أضف إلى ذلك، أن «الكاف» في «جَعَلْنَاكَ» بالنسبة إلى داود تدل على «الاستخلاف الخاص»، في حين أن ورود «جَاعِلٌ» بالنسبة إلى آدم تدل على العموم، بخاصة مع ورود لفظ «خَلِيفَةً» في صيغة «النكرة» التي تؤكد هذا العموم.

فالجعل، إذاً، لا يعني خلق شيء جديد مستقل بذاته، وإنما هو إحداث تغيير ما في شيء موجود من قبل، أي عملية تحويل شيء من حال سابقة إلى حال جديدة من دون استبدال الشيء ذاته، وهو ما يتضح في قوله سبحانه: «فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ» [يونس:73]، وفي قوله تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ» [القصص:7].

وفي ما يبدو، هكذا، فإن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين السابقتين، يؤشر إلى ارتكاز دائرة الدلالة، في التنزيل الحكيم، على أن الخليفة هو من اُستُخْلِف في الأمر مكان من كان قبله، فهو مأخوذ من كونه خلف غيره وقام مقامه. ومن ثم، فالخليفة لا يُصبح خليفة إلا لمن هو مِن بني جنسه. فالإنسان لا يصلح أن يخلف الملائكة أو الجن، والعكس صحيح. فكيف، إذاً، يقول القائلون بأن الإنسان يخلف الله سبحانه وتعالى؟!

يكفي أن نشير، هنا، للدلالة، إلى قوله سبحانه: «وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» [الزخرف:60]. وهنا، يرد «مَلَائِكَةً» كـ «جنس» إلى «مِنْكُمْ»، أي من جنسكم ذاته، لأنه لا يصلح ولا يصح أن يخلفكم ملائكة من جنس غير جنسكم. إن الخلط بين اسمي الفاعل «خالق» و «جاعل»، هو ما أدى بأطروحات الكثيرين من السلف والخلف إلى القول بأن الإنسان خليفة الله في الأرض، وهو قول- في نظرنا- غير صحيح.




تجديد الفقه السياسي في الأزمنة الحديثة

إبراهيم البيومي غانم — بحلولِ الأزمنة الحديثة في القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، كانت مجتمعات الأمة الإسلامية دخلت مرحلة التدهور الحضاري والتحلل العمراني والانكسار أمام الغزو الأوروبي. وفعلَ قانون «القابلية للاستعمار والاستعمار» فعله في تعميق الأزمة الحضارية الشاملة للأمة، وفي تخريب عمرانها، ونهب ثرواتها، وتدمير بنيتها التحتية. وأصابَ جانبَ الفكر السياسي بمختلف أنواعه الموروثة ما أصابَ بقية الحياة العامة للأمة من تدهور ذاتي بفعل الاستبداد الداخلي، وإضافة إلى الخضوع للتبعية بفعل الغزو العسكري الاستعماري والهيمنة الفكرية الوافدة.

وفيما يخصُّ المجال السياسي وأنواع الكتابة فيه، شهدت الأزمنة الحديثة محاولاتٍ غير مسبوقة ومتتالية لإحلال أنماط الكتابة السياسية الأوروبية محل أنماطها الموروثة من التراث الإسلامي. وبخلاف ما كانت عليه علاقات التثاقف الحضاري في العصرين الأموي والعباسي، كانت هذه المحاولات الحديثة غير مسبوقة لجهة أنها استهدفت اقتلاع السرديات الموروثة والحلول محلها، وكان من ذلك مثلاً: الشروع في ترجمة كتاب «الأمير» لمكيافيللي حوالى سنة 1239/1240هـ- 1824/1825م، بأمر من محمد علي باشا بعد أن أوصاه بذلك أحد القناصل الأوروبيين. وقد أمرَ محمد علي بترجمة أمير ميكافيللي فعلاً، لكن بعد أن قطع المترجم شوطاً فيه، عاد الباشا وأمر بوقف ترجمة الكتاب. وعلق على ما تمت ترجمته في حوار له مع قنصل النمسا في مصر آنذاك جوسيبي أشربي (Giuseppe Acerbi)، وكان ذلك سنة 1828م، أي بعد ترجمة ما تمت ترجمته من الكتاب بنحو أربع سنوات. وقال له محمد علي: «إنكم تثيرون في إيطاليا ضجة كبيرة حول كاتبكم المعروف مكيافيللي، وقد أمرتُ بترجمة كتابه إلى التركية كي أعرف ما فيه، لكنني أعترف بأنني وجدته أقل بكثير مما كنت أتوقع ومن الشهرة التي له، وإني أعلنُ لك أيضاً أن هناك مؤلَفاً عربياً آخر أثار دهشتي ونال إعجابي بعد أن أمرتُ فتُرجم إلى اللغة التركية هو «مقدمة ابن خلدون»، إن هذا الكاتب أكثر حرية في تفكيره من مكيافيللي، بل إنني أعتقد أن كتابه أكثر وأشد نفعاً. وإذا كان كتاب مكيافيللي ممنوعاً تداوله في بعض البلاد الأوروبية، أفما كان الأجدر أن يكون المنع أتم وأعم بالنسبة إلى مقدمة ابن خلدون»!

ومن مفارقات التاريخ وسخرياته أن مخطوطة ترجمة كتاب الأمير لمكيافيللي غير المكتملة بأمر محمد علي، تم تسجيلها كوقفية أمام المحكمة الشرعية في مصر المحروسة لمصلحة مكتبة مسجد الحسين في القاهرة، وحُفظت المخطوطة لفترة في مكتبته، ثم نُقلت إلى دار الكتب المصرية في وقت لم أتوصل إلى معرفته، حيث تم حفظها تحت رقم 435/تاريخ، وعنوانها: «المجلد الرابع من مصنفات نيقولاس في التواريخ، وفي علم حسن التدبير في الأحكام». وطول المخطوطة 21.5 سنتيمتراً وعرضها 16 سنتيمتراً، وهي مكتوبة بخط النسخ الواضح الرائع. وتحتوي على 82 ورقة، وفي كل صفحة 20 سطراً. وتحتوي الصفحات من (1 أ) إلى (2 ب) على مقدمة موجزة بقلم المترجم روفائيل زاخور راهبة تبدأ بقوله: «نبتدئُ بعونِ الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الحمدُ لله الذي على مشيئته وتدبيره تنعقدُ سلاسل الحوادث والأخبار،… إلخ». ثم يتطرق المترجم إلى مدح محمد علي باشا، ويذكر أنه أمره بترجمة هذا الكتاب الذي «ألفه المعلم مكيافيللي، ليفيد منه القائمون بالوظائف الإدارية»!، وأنه ترجمه ترجمة دقيقة ليكون واضحاً سهلاً لمن يقرؤه…».

كان مشروع ترجمة أمير ميكيافيللي وكأنه محاولة لإزاحة «نمط الآداب والنصائح السلطانية» والحلول محلها وفق رؤية وافدة من فلسفةٍ مغايرة. ثم كانت حركةُ التنظيمات في تلك الفترة ذاتها، أي في عهد السلطان محمود في الآستانة وعهد محمد علي في مصر، إضافةً إلى الأفكار والترجمات الدستورية والإدارية التي نقلها رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وكأنها محاولة للحلول محل « الأحكام السلطانية» المتيبسة منذ قرون، وفي هذا السياق ظهرت أهمية كتاب «أقوم المسالك» لخير الدين التونسي، الذي توسع في ابتناء «التنظيمات» وشرعنتها على قاعدة «المصلحة»، وتبنّى مفهوم «السياسة الشرعية» التي يعرفها بأنها «القيام بالأعمال التي يكون معها حال الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وإن لم يضعْهُ الرسول ولا نزل به الوحي»، وهذا المفهوم موروث عن أئمة الحنابلة منذ ابن عقيل (ت513ه)، مروراً بابن قيم الجوزية (ت571هـ)، وانتقالاً إلى عدد من علماء المالكية والحنفية.

ثم كانت ترجمة كثير من كتب النظريات السياسية وتاريخ الفكر السياسي والقانوني الأوروبي، على يد مترجمين شوام ومصريين في بدايات القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي)، وكان أيضاً نقلُ قوانين الأحكام العرفية وفرضها في البلدان الإسلامية إبان الحربين العالميتين، وكانت هذه الأعمال كلها وكأنها محاولة لإزاحة «فقه السياسة الشرعية» الموروث منذ القرن السابع الهجري والحلول محلها بما هو أشد منها نزوعاً إلى الاستبداد والحكم المطلق.

ووفق رضوان السيد، كان خير الدين التونسي من أوائل الذين أعادوا استخدام مصطلح «السياسة الشرعية»، لكننا نعتقد أن الطهطاوي سبقه إلى ذلك. ودليلنا هو ما ذكره الطهطاوي في مناهج الألباب. قال بشأن القوة الحاكمة إن لها» ثلاث قوى عظيمة: القوة الأولى قوة تقنين القوانين وتنظيمها، وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة، أو السياسة الشرعية» (ص349). وكان الإسهام الأكبر لخير الدين هو دعوته إلى الأخذ بالتنظيم الدستوري ووجوب تحديث الإدارة العامة. وقد وضع اجتهاداته في هذا المجال في كتابه الضخم «أقوم المسالك في تدبير الممالك»، وهو الشبيه المعاصر- مع وجود فوارق جوهرية- لفقه الأحكام السلطانية القديم.

لقد هال خير الدين حال الضعف التي وصلت إليها الأمة في مواجهة التحديات الغربية، وطلب من علماء الإسلام دعم التنظيمات الحديثة، كما يقول رضوان السيد، لسببين: لأنّ الشريعة كافلةٌ لمصالح الدارين، فإنْ لم يقوموا بالاهتمام بالشأن الدنيوي أخلُّوا بركنٍ من الركنين فيُفضي ذلك إلى اختلال نظام الدين أيضاً. وأما السبب الثاني فهو أن التقدم الأوروبي- الذي طمى سيلُهُ في الأرض- يتطلب اهتمام الجميع بدفع السيل، ومن ضمنهم النخب السياسية والدينية. والوسيلةُ لهذا الاهتمام ذات شقين أيضاً: القول باقتباس ما يوافق الشريعة الإسلامية من محاسن التقدم الأوروبي.

لكن بعد أكثر من قرن ونصف القرن تم فيها تطبيق تلك الأفكار والتوجهات المستوردة باسم التحديث والتنمية (الشبيه المعاصر غير المساوي لـ «العمران») في شؤون المجتمع والدولة في بلدان الأمة الإسلامية، تبين أنها أخفقت في تأسيس عمران جديد ومعاصر، وأخفقت حتى في تحقيق أهداف «التنمية والتحديث»- وفق مصطلحاتهم- وآلت الإصلاحات المؤسسية إلى تشديد سلطة الدولة المركزية، وترسيخ أقدام الاستبداد عبر إساءة استخدام تلك التنظيمات والأفكار الحديثة ذاتها، بما فيها فكرة «الدستور» الذي أضحى مطية لسلطة الفرد بحجة أنه حامي حمى الدولة. وتأكد أن السلطة المطلقة للدولة مفسدة مطلقة للمجتمع، وأن لا فائدة من قوة الدولة إذا كانت مبنية على ضعف المجتمع، وأن الشبيه المعاصر وغير المساوي للعمران الإسلامي، وهو الحداثة أو التنمية المستوردة، مهما كانت براقة ومدهشة فإن مؤسساتها هشة، وأنها قد تعمل ضد مصالح الأمة، وعكس مقاصدها العامة في الكرامة والحرية والعدالة والسلام.

لكن جهود التجديد والإصلاح والتخلص من الاستبداد الداخلي وموروثاته، وحركات المقاومة والتحرر من الاستبداد الأجنبي ووافداته الاستعمارية، ظلت- ولا تزال- تشق طريقها الشاقَّ والطويلَ من أجل الخروج من تلك الأزمة الحضارية الشاملة، وبقصد إعادة بناء عمران إسلامي أصيل ومعاصر، وذلك بالتزامن مع إنجاز مهمتين مركزيتين هما: التحرر من استبداد الداخل، والتحرر من هيمنة الخارج وكسر روابط التبعية الحضارية له. وبعد أن ألغيت الخلافة (1342هـ/1924م)، واكتملت حلقات الاستبدادين: الداخلي والخارجي، بدأت ترتسمُ معالمُ نمطٍ جديد من الكتابة السياسية التي تستهدف «النهضة» وإعادة بناء العمران بكل أبعاده، بالاستناد إلى معايير المرجعية الإسلامية. وفي هذا السياق، جاءت الاجتهادات الجديدة في علم مقاصد الشريعة على يد العلامة محمد الطاهر بن عاشور(1296-1393هـ/ 1879-1973م)، وعلال الفاسي (1326-1394هـ/ 1910-1974م) ـثم من جاء بعدهما وكتب في المقاصد العامة، وهم كثيرون. وقد فتحت هذه الكتابة المقاصدية الجديدة آفاقاً واسعة أمام الكتابة السياسية الإسلامية، مثلما فتحت الاجتهادات المقاصدية القديمة آفاقاً واسعة قبل ذلك في القرنين السابع والثامن الهجريين، وبخاصة على يد أبي إسحق الشاطبي.

وفي هذا السياقِ الحديث بتحدياته الداخلية والخارجية، تندرجُ- في نظري- معظمُ الكتابات السياسية لرواد الإصلاح وقادة الحركات التحررية والمجتهدين والمفكرين في تاريخ أمتنا الحديث والمعاصر، ومنهم: الأفغاني، محمد عبده، الكواكبي، رشيد رضا، محمد إقبال، طنطاوي جوهري، محمد فريد وجدي، نجيب فاضل، عصمت أوزال، سعيد النورسي، سيزاي قراقوش، حسين الجسر، مصطفى الغلاييني، علال الفاسي، أبو الكلام آزاد، عبدالقادر عودة، عبدالرحمن عزام، عبدالرزاق السنهوري، مالك بن نبي، توفيق الشاوي، علي شريعتي، حامد ربيع، عبد الوهاب المسيري، طارق البشري، راشد الغنوشي، محاضير محمد، أنور إبراهيم، علي عزت بيغوفتش، حسن الترابي، محمد عمارة، سليم العوا، منير شفيق، أحمد داود أوغلو، رضوان السيد، منى أبو الفضل ونادية مصطفى.

كتابات هؤلاء وأمثالهم ممن يشاركونهم التوجه الحضاري الإسلامي/ الإنساني- في علوم السياسة، شكلُ في مجموعها نوعاً جديداً من التفكير السياسي، بعد أن استنفدت أنواع الكتابة السياسية الموروثة أغلبَ مقاصدِها، وأضحى أغلبُها أيضاً في ذمة التاريخ. وهذا «النوع الجديد» نسميه «الفقه السياسي الحضاري»، وهو يستهدف بناءَ عمران إسلامي/ إنساني معاصر، يستند إلى ثوابت القيم المعيارية الإسلامية/ الإنسانية الكبرى وهي: الكرامةُ والحريةُ والعدالةُ والسلامُ.

وتصب كتاباتهم في مجموعها باتجاه تأسيس نهضة عمـــــرانية متعددة الأبعاد، تُخرج الأمةَ من حال الاستــــضعاف إلى القوة، ومن ظلماتِ الجهل إلى أنوار المعــــرفة والعلم، ومن الاستبدادِ إلى الحرية، ومن التبعيةِ إلى الاستقلالِ والريادة العالمية. وهم في مجمَلهم لا يحفلونَ بخطاب الآداب السلطانية القديم، لكنهم مستمسكون بالأساس الأخــلاقي لهذا الخطاب باعتبار أن الأخلاقَ من صميم السياسة الإسلامية. وهم ويواصلون البناء على خطاب الأحكام السلطانية، لكن بتجاوز ما فيه من فقه التغلبِ وحكومات الاضطرار وضرورات الحالات الاستثنائية التي حلت محل الأحوال العادية لقرون دون جدوى إلا مزيد من الانحطاط والاستبداد.

وهم في جملتهم أيضاً يحررونَ فقه السياسة الشرعية من تركيزه على «سلطة ولي الأمر»، و «التوسعة على الحكام»، و «إطلاق السلطات التقديرية في حالات الاستثناء»، ويؤسسون لفقه جديد يركز على «احترام إرادة الأمة» و «الحفاظ على وحدتها»، و «مسؤولية الحكام ومساءلتهم»، والالتزام بالدستور ودولة القانون، والإدارة بالمؤسسات لا «بالسلطة المشخصنة»، ورعاية المصلحة العامة، والمحاسبة والشفافية، والرقابة على المسؤولين، والتوسعة على المحكومين بصون كرامتهم، والتمتع بحرياتهم. وعوضاً عن الذوبان في الحضارة المادية المعاصرة، يدعون لبناء عمران حضاري إسلامية/ إنساني جديد.

المصدر: الحياة




«التأويل» … دائرة الدلالة في القرآن الكريم

بقلم: حسين معلوم — في اتجاه محاولة اكتشاف معناه ودلالته، فإن مقاربة «التأويل»، لا بد من اعتمادها على دائرة المعنى الذي تتخذه اللفظة في اللسان العربي، وعلى دائرة الدلالة التي تؤكدها مواضع الورود في كتاب الله الكريم. فمن حيث دائرة المعنى، فإن مفهوم التأويل يتمحور حول: «حركة ذهنية في إدراك الأشياء والظواهر والوعي بها»؛ حيث الإدراك هو إعطاء الأشياء والظواهر معاني محددة، أما الوعي فهو كيفية التعامل مع معاني الأشياء والظواهر.
ومن حيث مقاربة دائرة الدلالة التي يتخذها المصطلح، وتؤكدها مواضع الورود في التنزيل الحكيم، فإن أول ما يواجهنا في هذا الشأن أن لفظة تأويل وردت في كتاب الله العزيز في سبعة عشر موضعاً، وذلك في سبع سور؛ مرة واحدة في ثلاث: «النساء»، «يونس»، «الإسراء»؛ ومرتان في ثلاث: «آل عمران»، «الأعراف»، «الكهف»؛ ثم ثماني مرات في سورة «يوسف».
ولعل ورود لفظة تأويل في كتاب الله، بمثل هذا العدد من المرات، يشير إلى مدى دوران اللفظة في التنزيل الحكيم خصوصاً، وفي اللغة عموماً؛ إذ، لنا أن نلاحظ أن التأويل كان مفهوماً عند العرب قبل الإسلام. كما أن ورود اللفظة ثماني مرات في سورة واحدة، سورة يوسف، يعود إلى أن بناء السورة قائم على أساس «رؤية» يوسف عليه السلام في بدايتها؛ وهي الرؤية التي «يتحقق تأويلها» في نهايتها. هذا إضافة إلى كل من «حلم الملك» و «حلمي السجينين» التي يقوم يوسف بتأويلها.
وفي إطار محاولتنا مقاربة مصطلح التأويل لأجل التعرف على الدلالة التي يشير إليها، ومن ثم تحديد ملامحه كـ «مفهوم» في القرآن الكريم؛ لنا أن نقارب عدداً من النقاط يختص كل منها بمستوى دلالي ينبني على «اصطلاح» معين، تكون لفظة التأويل إحدى مفرداته.
ولعل أهم هذه النقاط، ارتباط التأويل بكل من الرؤى والأحلام والأحاديث، ما ينتج منه من مستويات دلالية مختلفة، تبعاً للاصطلاح الذي ترتبط فيه لفظة تأويل بأي منها؛ وهو ما يتضح في سورة «يوسف». وهنا، لا بد من تأكيد «خطأ» ما يراه البعض: استبدالاً لكلمة «أحلام» بكلمة «أحاديث» أو بكلمة «رؤيا»، من آية إلى أخرى في هذه السورة. الدليل على ذلك، هو اختلاف السياقات التي وردت فيها الاصطلاحات الثلاثة.
فاصطلاح «تأويل الأحلام» لم يأت إلا مرة واحدة، في هذه السورة – بل، وفي الكتاب كله – وذلك في قوله سبحانه وتعالى: «… يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ٭ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ٭ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي ٭ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا…» [يوسف: 43 – 46]. وكما يبدو، فإن اصطلاح «تأويل الأحلام»، جاء على لسان حاشية الملك وجاء بدلالة «الهاء»، في: «أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ»، على لسان: «الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا». ومن ثم، لنا أن نلاحظ «الاختلاف» بين تأويل الرؤيا والحلم، وذلك قياساً إلى «المتحدث»؛ إذ عندما يكون «أنا» فهي رؤيا، وعندما يكون «آخر» فهو حلم، ويكون «تأويل الأحلام» هو تأويل الآخر لرؤية الأنا، ولعل هذا ما يتأكد، إذا لاحظنا قوله سبحانه: «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ» [يوسف: 36].
أما اصطلاح «تأويل الرؤيا»، فقد ورد مرة واحدة في السورة؛ وفي الكتاب كله، أيضاً، وذلك على لسان يوسف عليه السلام، في قوله تعالى: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا…» [يوسف: 100]. وها هنا، لا يبدو فقط اختلاف دلالة هذا الاصطلاح، عن ذاك الذي سبقه، قياساً إلى المتحدث، ولكن أيضاً يبدو ما تشير إليه الآية من معنيين مهمين: معنى التأويل ومعنى الحق. ففي المعنى الأول: «هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ»، أي: بعد أن رأى يوسف في «المنام» ما رآه، وبعد أن تتالت الأحداث حتى وصل أهله إلى مصر وهو وزير، عندها «تحول» المنام من مجرّد رؤيا في وعي يوسف، إلى حقيقة موضوعية مادية خارج وعيه؛ هذا التحوّل – الجعل – هو «تحقق» التأويل. وفي المعنى الثاني: «قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا»، أي: غيَّر صيرورتها – جعلها – من حال «الرؤيا»، إلى حال «الحقيقة» الملموسة، لذلك وردت كلمة «حقاً».
أما اصطلاح «تأويل الأحاديث»، فقد ورد ثلاث مرات، وفي سياق مختلف عن سابقيه، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: «وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ…» [يوسف: 6]؛ وفي قوله سبحانه: «وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» [يوسف: 21]، وفي قوله تعالى: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: 101]. في هذا السياق، يبدو بوضوح أن تأويل الأحاديث هي مسألة خاصة بيوسف، وأنها مرتبطة بـ «تعلم» يوسف إياها عن ربه «فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض»؛ إذ، نلاحظ ارتباط اصطلاح «تأويل الأحاديث»، في الآيات الثلاث، بـ «َيُعَلِّمُكَ، َلِنُعَلِّمَهُ، عَلَّمْتَنِي». بيد أن يوسف لم «يتعلّم» تأويل الأحاديث كلها، ولكن بعضها، وهو ما يشير إليه تكرار حرف «مِنْ» للتبعيض.
هذا، وإن كان يشير إلى اختلاف الاصطلاحات الثلاثة، من حيث السياق الذي ورد فيه كل منها؛ إذ إن كتاب الله العزيز، أكبر وأكثر عمقاً من أن يتمّ فيه «مجرد استبدال كلمة بأخرى»؛ إلا أنه، في الوقت نفسه، يؤكد أن «تأويل الأحاديث» يشمل تأويل الرؤيا، وتأويل الأحلام: حلم الملك الذي يقوم يوسف بتأويله كما في الآيات 47 – 49، وحلمي السجينين كما في الآية 41؛ ويشمل إضافة إلى هذا وذاك، الإخبار عن «حدوث» أمر قبل وقوعه فعلاً، وهو ما يتبدى على لسان يوسف، في قوله سبحانه وتعالى: «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي» [يوسف: 37]. ولأن الإخبار عن الأشياء قبل حدوثها، هي مسألة خاصة بيوسف، وأنها – بالتالي – من «تأويل الأحاديث»، لذلك اتبع يوسف تأكيده لزملائه في السجن على قدراته التأويلية، التي لا تقتصر على مجرد «تأويل الأحلام»، بـ : «ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي».
وإذا كان «تأويل الأحاديث» يتمحور حول معنى الإخبار عن الأشياء قبل حدوثها، وكان هذا الإخبار ناتجاً مِن «العلم» الذي أوتيه يوسف؛ فإن ثمة تأويلاً آخر، هو «تأويل الأفعال»، يتمحور حول معنى الكشف على الدلالة الخفية للأفعال، وهو الكشف الناتج مِن «العلم» الذي أوتيه العبد الصالح، كما تخبرنا بذلك سورة «الكهف». ففي قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، نبأه الأخير بما تؤول – تنتهي – إليه الأفعال التي قام بها، ولم يستطع موسى الصبر عليها؛ لذا قال: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» [الكهف: 78]. وبعد الانتهاء من التأويل، بالكشف عن دلالة الأفعال، قال: «ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» [الكهف: 82].
وهكذا، تتبدّى دائرة الدلالة لمصطلح تأويل في القرآن الكريم، فهي تشير إلى الكشف عن الأسباب الحقيقية للشيء أو الظاهرة، وتبيان ما تصل إليه حركتها من هدف أو غاية. ومن ثم، يتأكد ما ذكرناه من قبل، من أن التأويل: «حركة ذهنية في إدراك الأشياء والظواهر والوعي بها».
المصدر: الحياة




المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير ودراسة القرآن

بقلم: ريتا فرج — قدم الاستشراق الكلاسيكي إسهامات بارزة في الدراسات الإسلامية والقرآنية. وعلى رغم سيطرة النزعة الإسقاطية والتلفيقية على العديد من مذاهبه، ليس من المفيد التغاضي عن الإنجازات المعرفية التي حققها. لقد نُظر إلى الإسلام لفترات طويلة من قبل الوعي الثقافي والسياسي الأوروبي، بأنه دين التعصب والعنف وبأنه «إلغاء للمسيحية»، وبأن محمداً «عدو المسيح»، وانعكس ذلك في الأدبيات والحوليات والوثائق الأوروبية، التي أتت في سياق الردّ اللاهوتي والعقائدي. وحتى القرون الوسطى بقيت الكتابات الأوروبية تستخدم مصطلحات مثل: «الإسماعيليون» أو «السراسنة» (Sarrasins) أو «الهاجريون»، حين كانت تتحدث عن المسلمين، ولم تستعمل عبارتي «مسلم» أو «إسلام» قبل القرن السادس عشر.
طغت على التفكير الأوروبي بدءاً من القرن الثاني عشر ميلادي، البحوث الهادفة للرد على القرآن والإسلام لمصلحة الدفاع عن العقائد المسيحية. يلاحظ الكاتب والأكاديمي رضوان السيد أن «تقسيم التعامل مع القرآن من جانب الأوروبيين حتى القرن الثامن عشر» أتى في مرحلتين كبريين: مرحلة العصور الوسطى المتأخرة (12-16م) ومرحلة عصر النهضة والأنوار؛ في المرحلة الأولى كانت المقاربات لاهوتية الطابع، وذات صبغة نقضية. وفي المرحلة الثانية صارت المقاربات شاملة تتعلق برؤية العالم، وعلاقات الشرق بالغرب والإسلام بأوروبا المسيحية. وفي القرن التاسع عشر، ما عاد هدف الاهتمامات بالقرآن عند كل من أبراهام غايغر وغوستاف فايل وشبرنغر وهرشفلد وموير الردّ على القرآن ونقضه، بل قراءته قراءة فيلولوجية تاريخانية، باعتبار ذلك المنهج السائد في سائر العلوم الإنسانية آنذاك». وللمنهج التاريخاني –كما يلفت السيد- «خاصتان بارزتان: أنه من نتاجات إنسانويات القرن الثامن عشر، وأنه مذهب وضعي. لكن فيه عرقاً معادياً للدين(…) وقد ساد في الدراسات الاستشراقية الحديثة اعتبار كتاب المستشرق الألماني البارز تيودور نولدكه «تاريخ القرآن» التأسيس العلمي الباقي للدراسات القرآنية في العصر الحديث» وسيطر «كتاب نولدكه على الدراسات القرآنية حتى مطلع الستينات، وقد أثر في الدارسين على الخصوص تقسيمه للسور المكية إلى ثلاث مراحل، وتحديد الخصائص الأسلوبية في كل مرحلة، وأثر في الدارسين ذهابه في أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم اتخذ من نبوته أنبياء بني إسرائيل أنموذجاً له. ولذلك ولأن العهدين لم يترجما إلى العربية قبل الإسلام، فقد جمع النبي معلوماته عنهما شفوياً، وفي كثير من الأحوال، عن المنحولات والتفاسير والمأثورات الشعبية اليهودية والمسيحية، ولذلك تكثر في القرآن الألفاظ والموضوعات السريانية والآرامية والإثيوبية والعبرية» (راجع: السيد، رضوان، جوانب من الدراسات القرآنية الحديثة والمعاصرة في الغرب، موقع رضوان السيد).
يُعد المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (1900-1973) من بين المستشرقين الذي تأثروا بمنهجية تيودور نولدكه (1836-1830) واتضح ذلك في ترجمته للقرآن الكريم إلى الفرنسية في كتابه الصادر عام 1949 والذي ضمنه مقدمة طويلة، ورتب القرآن الكريم في هذه الترجمة وفقاً لما اعتبره أنه ترتيب نزول السور والآيات (3 أجزاء)؛ وفي طبعة أخرى عامة (1957) عاد إلى الترتيب الأصلي الوارد في المصحف.
ولد بلاشير في ضاحية مونروج (باريس) وسافر مع أبويه إلى المغرب عام 1915، حيث كان أبوه موظفاً في متجر، ثم موظفاً صغيراً في الإدارة الفرنسية في مراكش التي أعلنت عليها الحماية الفرنسية قبل ذلك بثلاث سنوات. قضى دراسته الثانوية في مدرسة فرنسية في الدار البيضاء، وتخرج في جامعة الجزائر عام 1922 من كلية العلوم الإنسانية، وعُيِّن عام 1929 في «معهد الدراسات العليا المغربية» واستمر في عمله حتى عام 1935، وحصل على دكتوراه دولة عام 1936 من جامعة باريس برسالتين: الأولى عن «شاعر عربي من القرن الرابع هجري: أبو الطيب المتنبي» (يعتبر بلاشير أول من عرّف بالمتنبي في الثقافة العالمية)؛ والثانية ترجمة فرنسية لكتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي. عيَّن بعد ذلك أستاذاً للغة العربية الفصحى في «المدرسة الوطنية للغات الشرقية» (باريس)، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1950، حيث شغل كرسي اللغة والأدب العربيين في جامعة السوربون حتى تقاعده عام 1970 (راجع: بدوي، عبدالرحمن، موسوعة المستشرقين، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1993، ص 127 ). وضع بلاشير مجموعة من الكتب بالفرنسية من بينها: «تاريخ الأدب العربي منذ البداية حتى نهاية القرن الخامس عشر» (ثلاثة أجزاء) (الجزء الأول: 1952، الجزءان الثاني والثالث: 1964 وقد توفي قبل أن يتممه) – نقل إلى العربية بترجمة إبراهيم الكيلاني (دار الفكر المعاصر بيروت، دار الفكر دمشق، 1998-؛ «مشكلة محمد» (1952) (لخص فيه أبحاث المستشرقين الذين كتبوا عن حياة النبي)، «على خطى محمد» (1956)، « مقاطع من الجغرافيا العربية في القرون الوسطى « (1958 بالاشتراك مع هنري دارمون) هذا إلى جانب إصداره قواميس وكتب أخرى في اللغة العربية وقواعدها منها: «قواعد اللغة العربية الكلاسيكية» بالاشتراك مع موريس غودفروي «عناصر اللغة العربية الكلاسيكية» (1958).
أعطى بلاشير اللغة العربية وآدابها الأولوية في أبحاثه، غير أن ترجمته للقرآن الكريم إلى الفرنسية (تمت أول ترجمة للقرآن في أوروبا بين عامي1141- 1143م إلى اللغة اللاتينية بتوجيه وطلب من الأب بيتروس فينيرا بيليس المعروف بـ «بطرس المبجل») والترتيب الذي اعتمده وشروحاته وتعليقاته في المقدمة، تركت صدى أوسع؛ ويرى كثيرون أن ترجمته تُعد الأفضل بين الترجمات الفرنسية. استند بلاشير إلى المنهج التاريخاني في دراساته للقرآن؛ وهذا المنهج يعتبر أن تفسير النص يجب أن يكون مرهوناً بتاريخه، فلا يمكن فصل أي نص عن تاريخه. «وقد عوّل المستشرقون كثيراً على هذا المنهج وإجراءاته في قراءة النصوص الأدبية والدينية، بغية القول إن النصوص بما فيها القرآن هي إنتاج منطقي وطبيعي للأفكار المنتشرة في تلك البيئة، كما نجد ذلك عند [المستشرق المجري] جولدتسيهر القائل إن «تبشير النبي العربي ليس إلاّ مزيج منتخب من معارف وآراء دينية عرفها واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثراً عميقاً» (بن عامر، محيي الدين، القراءة التاريخية ومقوماتها التأويلية عند المستشرق بلاشير لمقومات العقيدة الإسلامية في السور المكية، مؤمنون بلا حدود، 2016، ص6).
لجأ بلاشير في كتابه إلى الترتيب السور القرآنية وفق الأنموذج الذي وضعه نولدكه (السور المكية: سور الفترة المكية الأولى، سور الفترة المكية الثانية، سور الفترة المكية الثالثة؛ السور المدنية) مشككاً بصحة الروايات الإسلامية. في هذا السياق يقول: «تدل التجربة في ما يبدو على أن التقيد في المراحل الزمنية للترتيب الذي اقترحه نولدكه، وأخذ به بعض المترجمين، يجعل قراءة المصحف سهلة بل ممتعة» (المرجع السابق). اعتبر «بلاشير» أن قراءة القرآن الكريم قراءة خاطئة لا تنضبط للتسلسل الزمني لتواتر السور»، داعياً إلى ضرورة البحث عن ترتيب زمني للسور، طالما أن الترتيب الذي عليه القرآن حالياً ترتيب مصطنع يشي بالروح الفوضوية التي كان عليها العرب في ذلك الوقت، الأمر الذي استدعى هجر هذا الترتيب والبحث عن آخر، ينضبط للتسلسل التاريخي في النزول: «من أجل فهم الكتاب المقدس للمسلمين تاريخياً يمكن الرجوع إلى التسلسل الزمني(…) من أجل مساعدة القارئ». وقد قسم سور القرآن إلى أربع مراحل، فاصلاً بين كل مرحلة من هذه المراحل الأربع بما تتميز به كل مرحلة عن الأخرى من سمات (الصنهاجي، أنس، القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية الفرنسية مناولة بلاشير أنموذجاً، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية).
طرح بلاشير أفكاراً لا تختلف كثيراً عمّا طرحه بعض المستشرقين بخصوص مسألة التأثير، أي تأثر الرسول بالنصوص الدينية اليهودية والمسيحية «إذ اعتبر أن القصص القرآني يرجع إلى مصدر يهودي مسيحي، معتمداً في حكمه هذا على ما زعم من وجود علاقات مستمرة، كانت تربط مؤسس الإسلام بالفقراء المسيحيين في مكة». وفي حديثه عن تكوين المصحف رأى أنه «خلال المرحلة الأولى المشتملة على الأعوام العشرين من الدعوة الإسلامية التي قام بها محمد نفسه، لم تزل المنزلات بكاملها تودع الذاكرة، وتنقلها الألسن إلى الآذان، ولا شك في أن مفهوم النصّ المكتوب كان حاضراً في أذهان المهتدين المكيين الذين لم يتجاوز عددهم المئة إبان الهجرة سنة 622م. ويبدو أن فكرة تدوين مقاطع الوحي المهمة التي نزلت في السنوات السالفة على مواد خشنة من الجلود واللخاف، لم تنشأ إلا بعد إقامة محمد في المدينة» (بلاشير، ريجيس: القرآن نزوله وتدوينه وترجمته وتأثيره، ترجمة: رضا سعادة، دار الكتاب، بيروت، الطبعة الأولى، 1974، ص 29-27). خلص بلاشير إلى أن معظم نصوص الوحي كانت عند وفاة النبي محفوظة في الصدور، أما المكتوب فلا يتجاوز بعض نسخ جزئية دونت بطريقة بدائية، يصعب قراءتها إلا إذا كان القارئ يعي النص المكتوب في ذاكرته (راجع: الحلاق، ثائر، مناهج المستشرقين في دراسة الإسلام: دراسة وصفية تحليلية، جامعة دمشق، متوافر على شبكة الإنترنت).
إن خلاصات المستشرقين الكلاسيكيين تم التعامل معها من قبل الباحثين والأكاديميين العرب وفقاً لثلاثة ردود: الأول: هجومي كونها تناقض القراءات التراثية؛ والثاني، تقريظي إذا تواءمت معها؛ والثالث: علمي سعى إلى قراءة الأدبيات الاستشراقية برؤية نقدية هادئة والبناء عليها والإفادة من مناهجها.
ترك منهج بلاشير تأثيراً في الدراسات القرآنية لدى المتخصصين في علم الإسلاميات وفي مقدمتهم محمد أركون، وإن تجاوزه لاحقاً باتجاه «المنهجية التعددية». يسجل البعض عليه مغالطات عدة، لكن لا يمكن التقليل من جهوده في ترجمة القرآن ودراسة الشعر والنثر العربيين.

المصدر: الحياة




مؤتمر دولي حول بديع الزمان سعيد النورسي

بقلم: محمَّد حلمي عبدالوهَّاب — شاركتُ، على مدى ثلاثة أيام، 1-3 تشرين الأول (أكتوبر)، في فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر لبديع الزمان سعيد النورسي، الذي أقامته مؤسسة اسطنبول للثقافة والعلوم، والذي كان مقرراً عقده العام الماضي وأُجِّل بسبب محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) 2016. وقد عُقد المؤتمر تحت عنوان: «العمل الإيجابي البنَّاء في ضوء القرآن الكريم والسُنّة النبوية»، بمشاركة أكثر من 100 متحدث من مختلف بقاع العالم وباللغات التركية والعربية والإنكليزية. وكانت مشاركتي بعنوان: «مركزية التربية الروحية وفاعليتها في فكر بديع الزمان سعيد النورسي».
في الواقع، ليس من قبيل المصادفة أن يكون الدَّرس الأخير، الذي ألقاه النورسي قبيل وفاته على طلبة النُّور، بعنوان: «حول العمل الإيجابي البنّاء». فقد قضى صاحب الدَّرس حياته كلَّها في سبيل غاية كبرى تُعَدُّ، في رأيه، غاية الغايات، ألا وهي: «العمل الإيجابيُ البنَّاء»، في مقابل سَعْي الآخرين «للعمل السَّلبي الهدَّام»!، وكأنه بذلك يُشدِّد على «مركزية» هذا الـمسعى باعتباره «الكلمة الأخيرة»، بعد أن أتمَّ رسالته التَّربوية الرُّوحية التَّزكوية على أكمل وجه. وهو ما أكده في رسالته الأخيرة، وشدَّد عليه بالقول: «إن واجبنا القيام بأعمال إيجابية بنّاءة وليست تخريبية سلبية، بل القيام بوظيفة الإيمان ابتغاء مرضاة الله وحده لا غير ومن دون التدخل في أمور موكولة إليه تعالى. فنحن مكلّفون أن نصمد صابرين على كل الـمضايقات لأجل إحلال النظام واستتباب الأمن في ربوع البلاد».
وضمن هذا المسلك، تتوضَّح قواسم مُشتركة تُعدُّ بمثابة منظومةٍ للقيم العُليا التي يتعيَّن على «سالك النُّور» أن يبتغيها في نفسه وسلوكِه؛ امتثالًا لمبادئ الدُّستور القرآنيِّ من ناحية، وتأسِّياً بنهْج الشَّيخ/ الأستاذ في التَّربية الرُّوحيَّة من ناحية أخرى. فمن جهة أولى، هناك الثبات على المبادئ، والوقوف ضدَّ كلِّ مظاهر التَّحَكُّم والتَّسلُّط والاستبداد التي عايشها وعانى منها طلبة النور وأستاذهم النورسي. ومن جهة أخرى، هناك التَّخلُّق بفضائل العفو والرَّحمة والتَّسامُح، قياماً «بالخدمة الإيمانية ضمْن نِطاق الرِّضى الإلهيِّ» أولاً، وأخذاً بعين الاعتبار «أنَّ المسألة الأساسية في هذا الزَّمان إنَّما تتعلَّق بالـجهاد الـمعنويِّ، وإقامة السَّدِّ الـمنيع أمام التَّخريبات الـمعنوية، وإعانة الأمن الدَّاخلي بكلِّ ما نملكُ من قوَّةٍ، اتّباعاً لدستُور الآية الكريمة: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ» ثانياً.
ولا شك في أن الـحديث عن مفهوم «العمل الإيجابي البنَّاء» في رسائل النُّور، قد أوجب علينا أن نُقارب -من هذه الزَّاوية تحديداً- مسار ومسيرة النورسي في حياته العملية، بوصفها تجلِّياً أمْثَل لِتَعَيُّن وتَشَكُّل هذا الـمفهوم/ الـمبدأ في شخصه وسلوكه ومواقفه العملية، التي رسمتْ لجموع السَّالكين سُبُل «التَّخلِّي» عن ضرُوب الأنانية والطَّمع وحبِّ النَّفس، كما رسمتْ لهم أيضاً معالِمَ «التحلِّي» بأخلاق التَّضحية والتَّفاني والإخْلاص الحقيقيِّ للَّه عزَّ وجلَّ.
ومما لا شكَّ فيه أيضاً، أنَّ النُّورسي قد وجَّه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة «التَّربية الرُّوحية»، أو بالأحرى «التَّزكية»، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهْم لكلِّ عملية تربوية تبغي إخراج جيلٍ قرآنيٍّ ربانيٍّ يُساهم من خلال «العمل الإيجابيِّ البنَّاء» في خلافة الأرض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الـملْقاةِ على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها؟! فبفضل «التَّربية الرُّوحية» التي نالها في صغره وما تضمنتْهُ من مجاهداتٍ تشبَّع النُّورْسِي بالـحقائق الـمكنونة في القرآن والسنة، حتَّى أنه وصف كتابه «الكلمات» بأنّه كتابٌ «يبحثُ في علم الحقيقة؛ حقيقة الشَّريعة، حكمةِ القرآن الكريم»، الحكمة التي كانت بالنِّسبة إليه دليلاً ومرشداً، فأعلن على رؤوس الأشْهاد: «لأُبرْهِننَّ للعالم بأنَّ القرآن شمسٌ معنويةٌ لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاءُ نورها».
وانطلاقاً من القرآن الكريم، الذي حثَّ في آيات كثيرة على ضرورة التَّزكية، واتّساقاً مع تركيز النُّورسي على الجانب العمليِّ في التَّربية الرُّوحيَّة، أكدَّ بديع الزَّمان أنَّ الطَّرائق إلى الخالق عزَّ وجلَّ كثيرة ومتعدِّدة، لكنَّ مردَّها جميعاً إلى القرآن الكريم، ويُتابع قائلاً: «وقد استفدتُ من فيض القرآن الكريم طريقاً قصيراً وسبيلاً سوياً، هو: طريق العجْز، الفقْر، الشَّفقة، التَّفكُّر». ويدلّل النُّورسي على طريقه المختصر للسَّالكين بمنطق الثنائيات، فـ «العجزُ كالعشْق طريقٌ مُوصِّلٌ إلى الله، بل أقرب وأسلم، إذ هو يُوَصِّلُ إلى المحبوبية بطريق العبوديَّة. والفقر مثله يُوصِّل إلى اسم الله (الرَّحمن)، وكذلك الشَّفقة كالعشْق مُوصِّلَةٌ إلى الله، إلَّا أنَّها أنفذُ منه في السَّير وأوسعُ منه مدى، إذ هي تُوصِّلُ إلى اسم الله (الرَّحيم). والتَّفكُّر أيضاً كالعشْق، إلا أنَّه أغْنى منه وأسطع نوراً وأرحب سبيلاً، إذ هو يُوصِّل السَّالك إلى اسم الله (الحكيم)».
وتأكيداً على «مركزية التّزكية» في منهج الأستاذ النورسي التَّربويِّ العمليِّ، نراه يشدِّد -في أكثر من موضع- على ضرورة التَّزكية بوصفها تُمثِّل المنبع الأول للطَّريق الصُّوفي الصحيح. يقول في ذلك: «أمَّا منابع هذه الخطوات الأربع من القرآن الكريم، فهي: «فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ» التي تُشير إلى الخطوة الأولى (العجز). «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» التي تشير إلى الخطوة الثانية (الفقر). وقوله تعالى «ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ * وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ» التي تشير إلى الخطوة الثالثة (الشفقة). وقوله تعالى «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» التي تشير أخيراً إلى الخطوة الرابعة (التفكُّر).
ولعلَّ ذلك كان سبباً قوياً في اكتسابه تلك القُدرة الفريدة المتعلقة بتحويل «المحن» العديدة التي مرَّ بها إبَّان مختلف أطوار حياته، إلى «منحٍ» إلهيَّة، وصولاً إلى تحوُّله هو شخصياً من «سعيد القديم» إلى «سعيد الجديد»، وما رافق ذلك من منطق الثنائيات الحاكم لمسارِ حياته: فمنْ مهمَّة إنقاذ الخلافة إلى مهمَّة إنقاذ الإيمان، ومن مسْلك الزُّهْد إلى خدْمة القرآن، ومن الصَّحْوة الرُّوحية بعد الوقوع في الأسْر إلى انزوائه في تلِّ يُوشَعْ وتحوُّلِه إلى «سعيد الجديد» بانكشافٍ روحانِيٍّ وانقلابٍ قلبيٍّ وفكريٍّ، ومن مسلك التَّفكُّر والتَّأمُّل إلى ثلاثية: العجز والفقر والشَّفقة، ومن مخايل النُّبوغ في عهد الصِّبا وتلقُّبِه ببديع الزَّمان إلى حصول الانقلاب الفكريِّ واتِّهامه بالجنون وإيداعه مستشفى المجانين، ومن الاشتغال بالعلوم العقلية «الكسْبيَّة» إلى حصول المعرفة الإلهيَّة «الّلدُنِيَّة»، ومن الظَّلام الرُّوحي الناتج من الاشتغال بالفلسفة إلى تحقُّق الاستنارة عن طريق القرآن وإزالة العوائق عن طريق القلب، ورحلة النَّفس في البحث والتحرّي عن أذواقٍ معنويةٍ بدلاً ممَّا افتُتِنَتْ به من أذواقٍ.
ولهذا كله، يُمكننا اختصارُ مراحل السَّير والطَّلب نحو «سعيد الجديد» -فيما يتعلق بموضوعنا- في النِّقاط الأربع التالية: التَّخلُص من أسقام الاشتغال بالفلسفة، والإقرارُ بأنَّ القرآن هو الأستاذُ الحقيقيُّ، والاقتداءُ ببعض عظماء أهل الحقيقة انتهاءً بالجمع بين الطَّريقة والحقيقة ببركة فيض القرآن الكريم وإرشاده، والإيمانُ بفعالية دوره في الوعظ والإرشاد وخدمة الإيمان، وأنَّه «عالِمٌ دينيٌ، مكلَّفٌ شرعاً بإفادة الناس»، وقَطْعُ المقامات على طريقة الإمام الغزالي، وصولاً إلى خلاص نفسه من الوساوس والأوهام، وبِخَلَاصِهِ منها انقلَبَ «سعيدُ القديمُ» إلى «سعيدٍ الجديد». يقول النُّورسي مُعبِّراً عن حاله الجديد، وما لازمه فيه من ثلاثية: العناية الأزليَّة، والهداية القرآنيَّة، وغوث الرَّحمة الإلهيَّة: «إنِّي قد ساقني القدرُ الإلهيُّ إلى طريقٍ عجيب، صادفتُ في سيري فيه مهالِكَ ومصائِبَ وأعداءً هائلةً، فاضطربتُ، فالتجأتُ بعجزي إلى ربّي فأخذتِ العنايةُ الأزليَّة بيدي، وعلَّمني القرآنُ رُشدي، وأغاثتْني الرَّحْمةُ فخلَّصتْني من تلك المهالك».
وبالعودة إلى الحديث عن مفهوم «العمل الإيجابيِّ البنَّاء»، فإنَّنا نُلاحظ تأكيد النُّورسِي على هذا المنْحى، من خلال ربطه بشبكة «المفاهيم المِفْتاحيّة» الدَّالة على «مركزيَّة التَّربية الرُّوحيَّة» في فكره. وليس أدلّ على ذلك مما قاله عند تفسيره الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾: من أنَّ الشعور «الإيجابيّ ينْتعش بنمو الشَّفقة على بني الجنس التي تدفع إلى التَّعاون والتَّعارف. أمَّا السَّلبي فهو الذي ينشأ من الحرص الذي يُسبِّبُ التَّناكُر والتَّعانُد. والإسلامُ يرفضُ هذا الأخير».
كما يطلب من طلاب النور أن ينظروا إلى ألطاف آثار الرَّحمة الإلهية، ويَقْصِدُ بها كلًّا من: المحبَّة والشَّفقة والعشق، وكيف أن الهجران الأبديَّ لا يُعادِلُ المحبَّة ولا يُوازيها. ومن ثمَّ، فإنَّ رحمة الله تُعَدُّ بنظرِه أعظم وسيلة تتولَّدُ منها مظاهرُ شفقةِ الإنسان على بني جنسه، وأنَّ أبلغ مثال لها، وأفضل مَنْ يُمثِّلُها هو الذي سُمِّي في القرآن الكريم «رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ». وما بين دائرتيْ الرُّبوبيَّة والنُّبوة، يتحرَّك مقصدُ «التَّفكُّر الإيمانيّ» الموصِّل إلى معرفة الله تعالى، والذي امتزج فيه النُّورسي بقلبِه وعقلِه طيلةَ حياتِه، وصولاً إلى تجلِّي اسم «الحكيم» فيه روحاً وقلباً وعقلاً. وهكذا يقودُ العجزُ السَّالكَ إلى المحبوبيَّة بطريق العبوديَّة، ويقودُ الفقرُ المريدَ إلى اسم الله «الرَّحمن»، كما تُوصِّلُهُ الشَّفقةُ إلى اسم الله «الرَّحيم»، وأخيراً يصلُ بواسطة التَّفكُّر إلى اسم الله «الحكيم». وكلُّ ذلك ليس مقصوراً على السَّالك أو المريد في حدود نفسِه وحسب، وليس مُنفصِلاً عن الأبعاد الوظيفيةِ الاجتماعية التي تُرافق مسيرة التَّرقِّي الرُّوحي، وتكون ثماراً لها.

المصدر: الحياة




آمنتُ بالحُسين

بقلم الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري —

فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ تَنَوَّرَ بالأبلَج الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ رَوحاً ، ومن مِسكِها أضوع
ورَعياً ليومِكَ يومِ ” الطُفوف” وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَع
وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ على نهجِكَ النَّيِّرِالمَهْيَع
وصَوتاً لمجدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ بما أنت تأباهُ مِن مُبّدع
فيا ايُّها الوِتْرُ في الخالِدينَ فذّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَع
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ للاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
تعاليتَ مِن مُفْزِعِ للحتُوفِ وبُورك قبرُكَ مِن مَفْزَع
تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد على جانبيه . ومِنْ رُكَّع
شَممتُ ثراكَ فهبَّ النسيمُ نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
وعفَّرتُ خدي بحيثُ استراحَ خدٌّ تفرَّى ولمْ يَضرَع
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُغاةِ جالتْ عليهِ ولم يَخشع
وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ بروحي إلى عالمٍ أرفَع
وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ بصومعةِ المُلْهِمِ المُبْدع
كأنَّ يداً من وراءِ الضريحِ حمراءَ ” مَبتُورَةَ الإِصْبَع ”
تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنوعِ والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَع
تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع
لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير بآخَرَ مُعَشوشِبٍ مُمرِع
وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغارَ خوفاً إلى حَرَمٍ أمنَع
تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي فانْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ وقد حرَّقَتَهُ ولمْ تَزرع
ولم تُخلِ أبراجَها في السماء ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
ولم تَقْطَعِ الشّرَّ مِن جِذْمهِ وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
تعاليتَ من ” فَلَكِ ” قُطْرهُ يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيابنَ ” البتولِ ” وحَسْبي بها ضَماناً على كلْ ما أدَّعي
وبابنَ التي لم يَضَعْ مِثُلها كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويابن البطينِ بلا بِطنةٍ ويابن الفتى الحاسرِ الأنْزَع
ويا غُصْنَ ” هاشِمَ ” لم ينفَتِحْ بأزهرَ منكَ ولم يُفْرِع
ويا واصِلاً مِن نشيدِ ” الخُلود” خِتامَ القصيدةِ بالمطلع
يَسيرُ الورى بركاب الزمانِ مِن مستقيمٍ ومن اظلع
وأنتَ تُسيِّرُ ركْبَ الخلود ما تستَجِدّ له يَتْبَع
تَمثَّلتُ ” يَومكَ ” في خاطري وردَّدت ” صوتَكِ ” في مَسمعي
ومَحَّصتُ أمرَكَ لم ” أرتَهبْ ” بنقلِ ” الرُّواة ” ولم أُخدَع
وقلتُ : لعلَّ دويَّ السنين بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
وما رتَّلَ المخلِصونَ الدُّعاةُ مِن ” مرسِلينَ ” ومن ” سُجَّع ”
ومِنْ ” ناثراتٍ ” عليكَ المساءَ والصُبْحَ بالشَعْرِ والأدمُع
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ على لاصِقٍ بكَ أو مُدَّعي
وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
لعلَّ لِذاكَ و ” كونِ ” الشَّجيِّ وَلُوعاً بكلِّ شَجٍ مُولع
يَداً في اصطباغِ حديثِ ” الحُسين ” بلونٍ أُريدَ لهُ ممتِع
وكانتْ ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةً يدُ الواثقِ المُلْجَأ الألمعى
صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً وكيفَ ومهماً تُرِدْ تَصنع
ولمَّا أزَحْتُ طِلاءَ ” القُرونِ ” وسِتْر الخِداع عنِ المخْدع
أُريدُ ” الحقيقةَ ” في ذاتِها بغيرِ الطبيعة لم تُطْبَع
وجدتكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ بأعظمَ منها ولا أرْوَع
وماذا ! أأروعُ مِنْ أن يكونَ لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
وأنْ تَتَّقي – دُون ما ترتائي – ضميرَكَ بالأسَلِ الشُرَّع
وإنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ ” الأكهلينَ ” إلى الرُّضَّع
وخيرَ بني ” الأمِّ ” مِن هاشمٍ وخيرَ بني ” الأب ” مِن تُبَّع
وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدورِ كانوا وِقاءكَ ، والأذْرع
وقدَّسْتُ ” ذكراكَ” لم أنتحِلْ ثِيابَ التُقاةِ ولم أدَّع
تَقَحَمْتَ صدري وريبُ ” الشكوكِ ” يَضِجُّ بجدرانِه ” الأرْبَع ”
ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب عليَّ من القَلَقِ المُفزع
وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات و ” الطيبينَ “ولم يُقْشَع
إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ تأبَّى وعادَ إلى مَوضع
وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ ” الجدودِ ” إلى الشكِّ فيما معي
إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ من ” مَبدأ” بدمٍ مُشْبَع
فأسلَمَ طَوعاً إليكِ القِياد وأعطاكَ إذعانهََ المُهْطِع
فنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي وقِّوْمتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى سِوى ( العقل) في الشكِّ مِن مَرْجع
بأن ( الإِباء ) ، ووحيَ السماء وفيضَ النبوَّةِ ، مِن مَنْبع
تجمَّعُ في ( جوهرٍ ) خالصٍ تَنَّزهَ عن (عَرَضِ ) المَطْمَع