دور ولاية الفقيه في تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

د. هيثم مزاحم — نجح الإمام الخميني بعد نحو عشر سنوات من تبنيه لنظرية ولاية الفقيه في إقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 على أساس تلك النظرية وتولّيه الحكم فيها بصفته ولياً للفقيه. لكن لم يكن الشكل الدستوري للحكومة أو الولاية مبلوراً بشكل واضح ومفصّل بعد، فأوكل الخميني إلى مجلس من الخبراء منتخب من الشعب أن يعدّ دستوراً للجمهورية الإسلامية. قام ذلك المجلس بعد دراسة وبحث ونقاش دام أشهراً عدة بوضع دستور جديد يقوم على نظرية ولاية الفقيه، ويشابه الدستور الإيراني لعام 1906، ولكنه يستبدل بالملك رئيساً للجمهورية ينتخب مباشرة من الشعب، فيما يمنح المرجع الديني الأعلى، منصب الولي الفقيه كأعلى سلطة دستورية في البلاد، ويحتّم على رئيس الجمهورية أن يأخذ تزكية وموافقة من الإمام، وإلا فلن يصبح شرعياً ولن يستطيع ممارسة مهامه.

تطوير ولاية الفقيه

إذا كانت نظرية ولاية الفقيه العامة قد قال بها بعض الفقهاء الذين سبقوه (المحقق النراقي، وآية الله العظمى محمد حسن النجفي، صاحب كتاب جواهر الكلام وحسين البروجردي)، فإنّ توسيع صلاحيات الفقيه من “الولاية العامة” إلى “الولاية المطلقة” هو ما تميّز به الخميني، كما كان يُعتبر الوحيد القائل بالشرعية الإلهية المباشرة، وأول فقيه يتعامل مع مفهوم الدولة بصفتها مؤسسة.

يرى الخميني أنّ ولاية الفقهاء المطلقة هي الولاية نفسها التي أعطاها الله إلى نبيّه الكريم (ص) والأئمة، وهي من أهم الأحكام الإلهية، ومتقدمة على جميع الأحكام الإلهية، ولا تتقيد صلاحياتها في إطار هذه الأحكام. فالحكومة واحدة من الأحكام الأولية وهي مقدمة على الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. وتستطيع الحكومة أن تلغي من جانب واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الأمة، إذا رأت أنها مخالفة لمصالح الإسلام أو الدولة. كما تستطيع أن تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي يخالف المصالح العامة، وللحكومة صلاحيات أوسع من ذلك.

بناءً على ذلك، فإنّ الولي الفقيه يستطيع أن يحكم، على ضوء مصلحة النظام، بصورة أوسع من دائرة الشرع، ولكن ضمن أهداف الدين. وهذه الأحكام ليست فقط واجبة الاتّباع والإطاعة، وإنّما هي مقدمة على جميع الأحكام الشرعية الفرعية، إذا تزاحمت معها. إذ يستطيع الولي الفقيه المطلق أن يلغي القانون عندما يرى أنّ ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين، وخاصة في الحالات غير المنصوص عليها في الدستور، وذلك باعتبار أنّ القانون الواقعي هو قانون الإسلام الذي لم ينقضه الفقيه الولي. وبناء عليه، فأوامر الولي الفقيه تعتبر في حكم القانون، وهي مقدمة عليه في حالات التعارض الظاهري معه.

وتتميّز نظرية الخميني الولاية المطلقة للفقيه بمفهوم جديد عن الفقه يقوم على مراعاة الفقيه لمصالح الحكومة والمجتمع، والأخذ بالاعتبار دور الزمان والمكان في الاجتهاد، والقدرة على حل مشاكل العالم السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والاجتماعية، وبالتالي القدرة على هداية المجتمع الإسلامي الكبير، وحتى المجتمعات غير الإسلامية. فالفقه في رؤيته هو نظرية الإدارة الكاملة للإنسان والمجتمع. لقد كان الخميني يعتقد بأنّ الحكومة في نظر المجتهد الواقعي هي الفلسفة العلمية للفقه في جميع مناحي الحياة الإنسانية، وأنها الجانب العملي من الفقه الذي يتولّى معالجة سائر المشاكل الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية، وأنّ الفقه هو النظرية الواقعية والكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد.

كما كان الخميني يعتقد بأنّ النظام الإسلامي المرتكز على ولاية الفقيه المطلقة، والذي يشترط الفقه والعدالة في الولي الفقيه، لا يمكن أن يعرف الاستبداد والدكتاتورية لوجود شرط العدالة. فالفقيه متى ما جنح صوب الاستبداد والديكتاتورية، فإنه يسقط تلقائياً وبصورة مباشرة، ونظراً لاتّصاف الولي الفقيه بالفقه واعتماده على استشارة الخبراء، فإنّ نسبة الخطأ تقل إلى أقصى حد. وهو كان يعتقد أنّه بما أنّ الولي الفقيه هو خليفة الإمام المعصوم، وبما أنه يتمتع برعاية خاصة من الإمام المهدي، ويتكفّل بمهمة هداية الأمة، فإنّ درجة الحفظ والسلامة للنظام ترتفع إلى حدّها الأقصى تحت ظل ولاية الفقيه المطلقة.

يقول الخميني في هذا الصدد: “لا معنى لمفهوم الاستبداد والأنانية والإضرار بالناس في اتّخاذ القرارات، في الولاية الإسلامية النابعة من القيم، إذ إنّ العدالة بالمعنى الخاص من شروط الولاية، والولاية توأم العدالة، وإنّ الحاكم الإسلامي يفقد شرط العدالة ويعزل من منصبه إذا ارتكب أدنى مخالفة أو عمل خارج إطار الأوامر والنواهي الإسلامية، أو قام بأدنى ظلم وانحراف، أو أهمل مسؤولياته أو شيئاً منها. إنّ هذا المنهج الذي يؤمّن خير الإنسانية ويحفظ القيم ومصالح المجتمع، لا يوجد في أي نظام حكومي في الدنيا، أو في أي نظام للرقابة الشعبية.

يشار إلى أنه بعد نحو عشر سنوات من قيام الجمهورية الإسلامية في إيران على أساس ولاية الفقيه المطلقة؛ تفجّرت أزمة تشريعية بسبب رفض مجلس صيانة الدستور التصويت على قانون العمل الذي أعدّه مجلس الشورى، وعدّله ثماني مرات خلال ثماني سنوات، وذلك بحجة مخالفته للإسلام، مما اضطر وزير العمل للجوء إلى الإمام الخميني الذي كان يمثل أعلى سلطة في البلاد، لكي يحسم المشكلة، فأجاز له الإمام تطبيق القانون الذي أقرّه مجلس الشورى، من دون أن يصدّق عليه مجلس صيانة الدستور. وقد عمد وزير العمل إلى توسيع صلاحياته مستفيداً من إجازة الخميني له، فقام بتطبيق عدد من القوانين التي لم يجر تصديقها نهائياً من قبل مجلس صيانة الدستور، الأمر الذي أثار حفيظة رئيس الجمهورية آنذاك السيد علي خامنئي، الذي دان خلال خطبة الجمعة توسّع وزير العمل بالاستفادة من إجازة الخميني له، فاستاء الأخير من ذلك ووجّه له رسالة شديدة اللهجة عبّر فيها عن اعتقاده بالولاية المطلقة للفقيه التي لا تحدّها حدود. وجاء فيها:

“كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة، ويظهر أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخوّلة من قبل الله إلى النبي الأكرم (ص) مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية. وإن استشهادكم بقولي: إنّ صلاحية الحكومة في إطار الأحكام الإلهية يخالف بصورة كلية ما قلته. ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب أن تُلغى أطروحة الحكومة الإلهية، والولاية المطلقة المفوّضة إلى نبي الإسلام (ص) وأن تصبح دون معنى. لا بدّ أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة، وواحدة من الأحكام الإلهية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج. إنّ باستطاعة الحاكم أن يعطّل المساجد عند الضرورة، وأن يخرّب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار، ولا يستطيع أن يعالجه بدون التخريب.

الخميني والدولة الإسلامية

كان لنظرية الخميني الخاصة في “ولاية الفقيه” والحكومة الإسلامية دور مهم في نجاح مشروعه السياسي القائم على أربعة أركان هي:

أولاً: حاجة الإسلام إلى قيام الدولة من أجل تطبيق قسم كبير من أحكامه.

ثانياً: إنّ إقامة الحكومة الإسلامية وإعداد مقدماتها، ومن بينها المعارضة العلنية للظالمين، من واجبات الفقهاء العدول. وإنّ اتّباع الناس لهم ومساندتهم هي من الأمور الواجبة.

ثالثاً: إنّ الحكومة الإسلامية تعني ممارسة الفقهاء العدول المعينين من جانب الشارع المقدس لولايتهم في كل الجوانب السياسية التي كانت من صلاحيات النبي والأئمة.

رابعاً: إن الحكومة الإسلامية والقوانين الصادرة عنها تعتبر من الأحكام، الأولية وتتمتع بالأولوية على جميع الأحكام الفرعية، وإنّ حفظ النظام واجب شرعي.

ويرى الباحث الإيراني الشيخ محسن كديفر أن هذه المبادئ كانت أحد الأسباب المباشرة في اندلاع الثورة في إيران، وقيام الدولة الإسلامية، والعمل على المحافظة على النظام الإسلامي.

يتساءل كديفر: “لماذا لم تقُمّ ثورة إسلامية على يد فقيه آخر سوى الإمام الخميني؟”، ويجيب بأن ذلك يعود إلى مفهوم الخميني الخاص لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتبره واجباً لا يُرفع حتى مع وجود الضرر المطلق، ومنه الضرر النفسي والحرج.

كان الخميني يختلف عن باقي الفقهاء باعتقاده أنّ إقامة الحكومة الإسلامية معروف لا مفر من الأمر به، في حين كان الآخرون، حتى القائلون منهم بضرورة إقامة الحكومة الإسلامية، يشترطون للتصدّي لممارسة السلطة تهيؤ الظروف المناسبة لذلك.

المصدر: خلاصة من بحث د. هيثم مزاحم ‘سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق، ضمن الكتاب 130 (أكتوبر/تشرين الأول 2017)’مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار’ .الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي، نقلاً عن موقع ميدل ايست أونلاين




نظرية المؤامرة الغربية في مرآة الثقافة العربية

بقلم: صلاح سالم — طالما اتسمت العلاقة بين العالمين الغربي- المسيحي، والعربي- الإسلامي بطابع إشكالي، فهما من وجوه كثيرة حضارتان شقيقتان، اعتمد كل منهما، ولو بنسب مختلفة، على التراث المشترك للوحي الإبراهيمي وعلى فلسفة اليونان وعلومهم، وتغذيا على تراث الشرق الأدنى وأساطيره القديمة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ. ولكنهما، على رغم ذلك، ظلا يتحاربان معظم فترات تاريخهما المشترك، ولا يزالان حتى اليوم الأكثر مواجهة، حتى احتلا موقع الصدارة على الخريطة السوداوية لـ «صدام الحضارات».
هذا التناقض الظاهري بين حقيقة القرابة ونزعة الصدام يحتاج إلى تفسير، نلتمسه في كون الصدام وليد شعور عميق بالغيرة وليس بالاختلاف. والغيرة، بالمعنى الحضاري، هي نتاج لتشابه جوهري على مستويين، أولهما ديني: إذ تستند كلتا الحضارتين إلى دين توحيدي كبير، يطرح نفسه على الإنسانية كلها، ويمتلك نزوعات رسالية لهداية أو تبشير العالم، ومن ثم فكلاهما دين إنساني بحق، على رغم الاختلاف الواضح بينهما في درجة التنزيه. وثانيهما تاريخي، لأنهما – بصفتهما مناطق حضارية – الطرفان اللذان تبادلا الهيمنة العالمية المطلقة في مراحل مختلفة من التاريخ، سواء على العالم القديم، عالم البحر المتوسط، أو العالم الحديث العابر للمحيطات، سواء كان ذلك من خلال تشكيلات سياسية لا يزال بعضها حياً، كدول البرتغال وإسبانيا وهولندا وفرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة من جانب، وتركيا وإيران والعراق وسورية ومصر من جانب آخر، أو عبر احتواء كل حضارة منهما على تشكيلات مارست تلك الهيمنة في حقبة تاريخية ما ولكنها تحللت، كالإمبراطورية المقدونية والرومانية المقدسة، ثم الإمبراطورية البيزنطية من جانب، وقرطاجنة وفارس ثم الخلافتين الأموية، والعباسية، والإمبراطوريتين المغولية والعثمانية من جانب آخر، ولو كان بعض تلك الهيمنات، خصوصاً القديمة، تمت تحت مسميات مختلفة، أو عبر أفكار حافزة مختلفة شكلاً عن الفكرتين الأساسيتين الحافزتين للصدام اليوم، وهما فكرتا أو ثنائيتا شرق – غرب، وإسلام – مسيحية.
وفي هذا السياق، تكمن ثلاث خبرات سلبية لعلها كانت حاسمة في تعقيد العلاقة بين العالمين تنبت الأولى من أفق تاريخي حضاري وهى الهجمة الاستعمارية على العالم العربي بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين. والثانية من فضاء سياسي عسكري يتعلق بالهجمة الصهيونية على الأرض العربية منذ القرن الماضي وحتى الآن. والثالثة من سياق إستراتيجي كوكبي يتعلق بالنزعة التدخلية الأميركية في الجغرافيا السياسية العربية بموازاة تنامي دورها العالمي، وبالذات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة منتصف القرن الماضي. وعلى رغم أنها خبرات متناثرة في عصور متباينة، تنتمى إلى أنماط مختلفة من الذكاء التاريخي، وتحركها من ثم دوافع مختلفة، إلا إنها ترتبط معاً وتحضر دوماً في اللاشعور الثقافي للجماعة العربية على وجه العموم، كما تضغط بقوة على الذاكرة النفسية للتيار الفكري التقليدي/ السلفي على وجه الخصوص لتثير لديه هاجس المؤامرة الغربية، بغض النظر عن حظوظ ذلك الفهم من المعقولية. وهنا نجد أنفسنا أمام تصورين مختلفين، ولا نقول نقيضين لتلك المقولة في الفكر العربي المعاصر:
أولهما ينتمي إلى التيار النقدي/ التوفيقي، الحامل الموضوعي للفكر النهضوي العربي، ذلك الذي يعتبر بالحداثة ويقبل بالغرب كأحد روافد إلهامه الثقافي، كما يعتبر الحضارة السائدة إنجاز إنساني كان قد ساهم فيه بنصيب، وإن كان الغرب يساهم فيه الآن بالنصيب الأوفر. وعلى رغم إدراكه طبيعة الاختلاف بين كثير من إلهامات الثقافتين العربية والغربية عند الجذور، أي على مستوى الرؤية الوجودية، فإنه يؤمن بإمكان بل وضرورة التوفيق بينهما على الأصعدة العملية كأنماط الإنتاج الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي والممارسة السياسية.
يعتبر هذا التيار في السياقات التـــاريـــخية المحيـــطة بـــالصراع الإستراتيجي وتحولاته الجارية على الساحة العالمية بين المناطق المختلفة، فإن التحيزات الغربية السالفة لا تعدو كونها إعمالاً تلقائياً لمفهوم الصراع الاستراتيجي حول صياغة العالم بين طرفين لكل منهما دوره وغاياته في التاريخ.. نعم يدرك هذا التيار كيف سلك الغرب طرقاً واتخذ مواقف تضر بعالمنا العربي الإسلامي، ولكنه يدرك أيضاً كيف اتخذ الغرب العديد من المواقف المشابهة ضد عوالم أخرى في أقصى الجنوب الأفريقي أو أقصى الشرق الآسيوي، بل إن هذا الغرب هو ما تقاتل مع نفسه، وانقسمت دوله إلى معسكرات دخلت في حروب دينية شرسة حول المذهب والطائفة، ثم حروب قومية علمانية حول المستعمرات والاستثمارات لعدة قرون قبل أن يكمل مسيرة حداثته، ويتجاوز ضيق أفقه الذي يشبه ما نعانى منه الآن.
وعلى رغم أن هذا التيار لا يستطيع أن يفلت من صوت عميق داخله يضج بالشكوى من ممارسات غربية كثيرة متحيزة ضد مصالحنا على الأرض، وضد رؤانا في العقل ربما بأكثر مما يشكو الآخرين في هذا العالم، فإنه يرفض القول التبسيطي بالمؤامرة الغربية على العرب وحدهم، وذلك لأن سعي الغرب إلى الهيمنة –وهو حقيقة تاريخية- لم يكن لينجح، وهناك قوة كبرى في العالم خارجه وإن لم تكن في الجغرافيا العربية، فالعالم غير مغلق على العرب والغرب وحدهم، ومن ثم فإنه لا يتجاهل حقيقة التحيز الاستراتيجي الغربي ضد العالم العربي- الإسلامي، ولكنه لا يقبل بخطاب المؤامرة الزاعق الذي يطاول من الوقائع ما يبدو تلقائياً ومباشراً وواضحاً، بل يأتي خطاب نقد الغرب هادئاً في نبرته، واقعياً في لغته، نسبياً في رؤيته، ملتحفاً بمفاهيم من قبيل (المراوغة) و(الكيل بمكيالين).. وهكذا.
وثانيهما ينعكس في التيار التقليدي/ السلفي، المؤسس لعقل الإسلام السياسي، والقادر على حفز جماهير واسعة تنتمى إليه وتدين له، إذ يقيم فهمه للعالم على قاعدة رؤية ثقافية ترفض الحداثة نظرياً وإن تعاملت مع وسائلها وأدواتها نفعياً، الأمر الذي يجعل موقفه المناوئ للغرب من أفق حضاري شامل، يبرر لديه فكرة المؤامرة المطلقة. هذا التيار يصوغ اعتقاده عن نظرية المؤامرة على قاعدة مفهومه عن الهوية المغلقة. فطالما كان الآخر غريباً على الذات بالضرورة، يتوجب التمايز الأبدي عنه، فإن كل محاولة يبذلها هذا الآخر للتفاعل مع الذات أو التأثير فيها لا بد وأن تكون عملاً معادياً، يهدف إلى إيذائها والنيل منها. وإذ لا يسعى إلى التأثير ولا يقدر عليه سوى الأقوياء القابعين في قلب مراكز التأثير والنفوذ العالمي، يصبح العالم الغربي المسيحي، الذي احتل موقعاً مركزياً في الجغرافيا السياسية والحضارية للعالم الحديث، هو المتآمر الأبدي.
وفي اللحظة التاريخية التي نعيشها بكل إحباطاتها كان ممكناً عقل الإسلام السياسي أن يربط عميقاً بين الخبرات الثلاث الكبرى: الاستعمار الغربي، والهجمة الصهيونية، والتحيز الأميركي، وأن يستحضرها في اللاشعور الثقافي لديه وكأنها عملية تاريخية واحدة، ممتدة وغير منفصلة، تتعالى على الترتيب التاريخي للعصور، وكذلك على الشروط الموضوعية للفعل والتأثير، وأن يعيد تفسيرها على نحو يعطيها دلالة خاصة شبه (سحرية)، فهذه التحيزات لا يمكن أن تكون معقولة أو مفهومة في أي سياق سوى المؤامرة الكونية على الشرع الإسلامي من قبل عالم مسيحي لا ينسي قط كونه صليبياً، أي تبشيرياً، يجلس قادته ليحيكوها في ظلمة الليل قبل أن يقوموا بتنفيذها في نهار اليوم التالي بتأييد ساحق من شعوبهم ودعم من كنائسهم.
وهكذا تتم عملية تنميط شاملة، فيصير الغرب مفهوماً كلياً، يتم التعالي على تناقضاته الجغرافية والقومية، مثلما يتم تجاهل الحالة العلمانية المهيمنة عليه منذ قرون، وكذلك الصراعات التي لا تتوقف بين التيارات المادية والروحية، أو بين التيارات الإنسانية النقدية، ونقيضتها العنصرية، ليتم حشر الجميع في تلك الزاوية الضيقة كعالم (صليبي)، واختزال المركب الشامل من الدوافع الثقافية والسياسية والاستراتيجية التي صاغت الذكاء التاريخي لعالمنا، إلى عامل وحيد بسيط، أبدي وحتمي، هو العداء الديني الذي يتجسد في صورة مؤامرة كونية (غربية) على العالم الإسلامي بالذات، وبدافع وحيد جوهري (ديني) هو اقتلاع الإسلام من جذوره العربية. كما يصير العالم العربي الإسلامي كلاً مصمتاً، يتم اختزال تنوعاته العرقية والجغرافية والثقافية الممتدة من الشرق الأقصى حتى الغرب الأوسط، في العقيدة الدينية، فنصير هنا وببساطة شديدة أمام عراك ديني واضح القسمات بين المسيحية والإسلام. ومن ثم يمعن هذا التيار، لدى أكثر تجلياته تطرفاً، في صياغة تناقض وجودي مع الغرب الذي يلتبس لديه بصورة الشيطان التي أنتجتها المخيلة الدينية للشر المحيط بعقيدة الخلق التوحيدية، ذلك الشيطان الذي يقضى العمر كله باذلاً الجهد كله في محاولة إغواء الإنسان وجره إلى الهاوية.

المصدر: الحياة




هجمات طهران ونظرية المؤامرة

بقلم: حسن أبو هنية– تشكل نظرية المؤامرة إحدى أهم المقاربات التفسيرية شيوعا وانتشارا في فهم التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وقد تنامت مقاربة المؤامرة مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وانتشاره في بلدان عديدة، حيث تبادلت أطراف الصراع المحلي والإقليمي والدولي نظرية المؤامرة باتهام بعضها بالوقوف خلف نشوء «داعش»، فالرواية المفضلة لدى المحور الإيراني تنص على أن تنظيم الدولة صنيعة أميركية صهيونية خليجية، بينما تشدد السردية الخليجية المقابلة على أن التنظيم صنيعة إيرانية، وفي غياب منابر علمية تتحول المنصات الإعلامية إلى أحد أهم مصادر المعرفة لدى الجمهور في بيئة اجتماعية أسطورية ما قبل علمية رغم انتشار التعليم.

أحد أهم حجاجات نظرية المؤامرة في علل صعود تنظيم الدولة ومن يقف خلفه، تتمثل بتكرار السؤال والاتهام، ذلك أن نظرية المؤامرة لا تطرح إجابات، وأسئلتها الأثيرة تبدأ بلماذا لا يهاجم التنظيم باستهدافاته هنا أو هناك، ولسوء الحظ يمكن القول أن التظيم لم يدع مكانا لم يهاجمه، فقد نفذ هجمات في معظم الدول العربية والإسلامية، وبلغت هجماته أميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا وغيرها من البلدان، وفي الأثناء كانت إيران بعيدة عن الاستهداف، الأمر الذي ساعد أنصار نظرية المؤامرة على المحور الآخر بالترويج لدعايتهم، رغم أن التنظيم يخوض صراعا مميتا مع الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية التابعة له في العراق وسورية.

يعتقد البعض أن نظرية المؤامرة يمكن تقويضها في حال تعرضت الدولة محور المؤامرة للهجوم من طرف من يتهم بالتآمر معها، لكن ذلك غير صحيح؛ حيث ستصبح الهجمات إحدى الركائز الجديدة للمؤامرة بالقول أن ما حدث هو محاولة بائسة لخلط الأوراق والتعمية على المؤامرة، ولكن بعيدا عن المؤامرة ونظرياتها فقد تعرضت طهران لهجمات مزدوجة استهدفت أسس الجمهورية على الصعيدين الرمزي والسياسي في 7 حزيران 2017، حيث نفذ هجومان في نفس الوقت ضد البرلمان الإيراني وضريح الخميني، مما أسفر عن مقتل 17 شخصًا وإصابة 40 بجروح، وأعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية أن منفذي هجومي البرلمان وضريح الخميني هم إيرانيون التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية، مشيرة إلى أن خمسة منهم كانوا قد غادروا إيران وشاركوا في عمليات بـالموصل والرقة.

في سياق نظرية المؤامرة عملت إيران على استغلال الهجمات بالهجوم على أميركا والسعودية واتهمها الحرس الثوري بالوقوف خلف الهجمات، وقال وزير الاستخبارات الإيرانية محمود علوي أنه «لا يوجد شك بأن السعودية تدعم المنظمات الإرهابية في العالم، حسب تعبيره، وأن آثارها واضحة في دعم الإرهاب بالعراق وسوريا، وأوضح أن هناك اعتقادا في العالم بأن السعودية هي من وراء التيارات الإرهابية وأنها مركزهم الأيديولوجي».

في حقيقة الأمر لم يكن تبني تنظيم الدولة الإسلامة للهجمات مفاجئا للخبراء والمراقبين، وقد تبنى التنظيم الهجمات في بيان وقال: إن خمسة من مقاتليه نفذوا الهجومين على البرلمان الإيراني وضريح الخميني، مستخدمين بنادق هجومية وقنابل وسترات ناسفة، وقتلوا وأصابوا قرابة 60 شخصا قبل مقتلهم، كما بثت وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم لقطات من الهجوم بكاميرا أحد المنفذين، وبعدها نشرت وكالة «أعماق» وصية مصورة لمنفذي الهجوم، وقال أحد المقاتلين الخمسة إن «هذه الكتيبة هي أول كتيبة تشكل في إيران، ولن تكون الأخيرة»، ودعا المتحدث جميع المسلمين السنة في إيران إلى قتال الشيعة في أي مكان من البلاد، وفي نهاية الفيديو، هدد المتحدث -وهو أحد منفذي الهجوم- السعودية بأن الدور القادم سيكون عليها بعد إيران، وفق قوله، وكانت مجلة «النبأ» التابعة لتنظيم الدولة قد نشرت كنى منفذي الهجومين، وهم: «عبد الرحمن الإيراني، وأبو جهاد الإيراني، وأبو وردة الإيراني، وأبو عبد الله الإيراني، وأبو محمد الإيراني».

تمثل هجمات طهران تحولا خطيرا في مسار الصراع بين إيران وتنظيم الدولة، على الصعيدين الإيديولوجي والعسكري، فالسردية الأساسية لدى تنظيم الدولة تقوم على أساس هوياتي ديني يقوم على احتكار تمثيل السنة ومناهضة وتكفير الشيعة وتأجيج الطائفية، وعلى الصعيد الميداني منذ إعلان التنظيم عن تأسيس الخلافة بعد السيطرة على الموصل في يونيو 2014، كانت حدودها تنظيم الدولة تبعد حوالي 20 ميلاً فقط عن حدود ايران، فقد امتدت الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم الى المحافظة العراقية الحدودية ديالى، مما شكل تهديداً خطيراً على الأمن القومي الإيراني، الأمر الذي أدى إلى تدفق مئات العناصر من الحرس الثوري الإيراني الى العراق لخوض معركتهم الأولى في جلولاء جنباً إلى جنب مع القوات الكردية والعراقية وأعضاء من منظمة بدر العراقية.

لم ينقطع القتال بين إيران وتنظيم الدولة في العراق، وأصبح قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري يشرف بصورة مباشرة على المعارك في العراق وسوريا ويدير المليشيات الشيعية المختلفة من جنسيات عدة، وفي الأثناء كان تنظيم الدولة يعمل على تأسيس خلايا وشبكات وكتائب داخل إيران، حيث أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية في مناسبات عدة خلال العامين الأخيرين بأن المؤامرات الإرهابية داخل حدود البلد قد أحبطت.

الصراع الاستخباري الأمني بين إيران والتنظيم كان في أعلى مستوياته في سباق محموم، وقد أعلنت وكالة أنباء فارس، نقلاً عن مصادر لم تسمها، في 27 سبتمبر 2016، أن قوات الأمن قتلت الزعيم الجديد لداعش في إيران، المعروف بـ أبو عائشة الكردي، وحسب الموقع الإخباري إنه «منذ بعض الوقت وفي مدينة كرمنشاه الحدودية ، قُتل شخص كان من المفترض أن يتم اعلانه أميراً لداعش في إيران، في عملية معقدة وضخمة وشاقة قام بها جنود الإمام المجهولين»، في إشارة إلى عملاء وزارة الاستخبارات، وكان مقتل أبوعائشة وبعض معاونيه قد تكرر مرات عديدة على لسان الأجهزة الاستخبارية والدعائية.

لم يكن القلق الإيراني من نجاح تنظيم الدولة باختراق المجتمع الإيراني السني والإعلان عن تأسيس ولاية في بلاد فارس مجرد دعاية، فقد استثمر التنظيم حالة الأقليات السنية ووجود بعض الحركات الجهادية السنية المناهضة لحكومة طهران وحكم الملالي أمثال حركة جند الله والعدل، وعمل على استقطاب أعداد من الشباب الإيراني السني من الأقليات البلوشية والأهوازية والكردية للقتال في صفوفه تمهيدا للعمل داخل إيران، وقد تطور الجهاز الخاص بإيران منذ بداية العام الحالي، حيث أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن تشكيل قوة جديدة شرقي العراق، تحمل اسم «كتيبة سلمان الفارسي»، تضم في صفوفها إيرانيين، لتكون الأولى من نوعها.

جاء إعلان التنظيم عن تشكيل القوة الجديدة من خلال شريط فيديو مصور من إصدار ولاية ديالى ، في 27 مارس 2017 بعنوان «بلاد فارس بين الأمس واليوم»، تضمن مشاهد لأفراد من الكتيبة أثناء تدريبهم على الرماية، في محافظة ديالى، شرق العاصمة بغداد، تضمن المقطع مشاهد لقيام عناصر من الكتيبة أثناء تصويبهم النار على صور للمرشد الإيراني الراحل «الخميني»، والمرشد الأعلى الحالي علي خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، والجنرال قاسم سليماني، وعرض المقطع أيضاً لقطات لقيام أربعة عناصر إيرانيين من التنظيم بنحر أربعة عراقيين، أحدهم قائد عسكري «في رسالة تهديد لحكومة طهران»، وتحدث في المقطع ثلاثة عناصر إيرانيين من التنظيم هم «أبو الفاروق الفارسي، وأبو مجاهد البلوشي، وأبو سعد الأهوازي»، وحثوا الشعب الإيراني على «الانتفاض في وجه نظام ولاية الفقيه»، ودعوا الإيرانيين في طهران وأصفهان وقم، وغيرها إلى «مهاجمة التجمعات التابعة للنظام الإيراني».

هكذ فإن نظرية المؤامرة تعبر عن بؤسها وبأسها ونفوذها، ذلك أن الجهل والذهنيات الأسطورية لا طاقة لها بالتفاصيل وتنفر من المعرفة وتكتفي بالعناوين، وتلك صناعة يتقنها سدنة الإعلام التضليلي، ففي ظل غياب قدرة تفسيرية علمية للظواهر الاجتماعية الإنسانية تستند إلى تفهم دوافع الفاعلين وفق مبدأ السبب الكافي ماديا ورمزيا، والاستقالة والاستسلام أما التحولات البنيوية العميقة الجارية في العالم العربي، ينسحب العقل التآمري مطمئنا رافضا الأسباب والشروط والظروف الموضوعية التي أدت إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية، متلبسا بخطاب نمطي تبريري يستند إلى مقولة المؤامرة لفهم وتفسير طبيعة ما يجري من تحولات بنائية دخلها العالم العربي منذ بدء فعاليات الربيع العربي.

يقوم خطاب المؤامرة على رؤية معرفية للإنسان والمجتمع العربيين، تتماهى مع الأطروحة الكولينيالية الاستشراقية التي تختزل الإنسان والثقافة والديانة الإسلامية بأنماط ثابتة وجوهرانية، تتسم بالركود والثبات، والعجز عن القدرة على التطور والتحول، والتلبس بإعادة إنتاج الذات، كما أن خطاب المؤامرة أحد أسلحة الأنظمة السياسية السلطوية المحلية في الحفاظ على الوضع القائم، إذ يغدو كل تغيير ثمرة لمؤامرة خارجية، وبهذا لن تسقط نظرية المؤامرة بهجمات طهران أو الرياض أو نيويورك أو باريس أو لندن أو برلين.

المصدر: صحيفة الراي




جاهلية سيد قطب وتكفير المجتمعات

بقلم: د. هيثم مزاحم* — أعجب سيد قطب (1906-1966) بكتب معاصره أبي الأعلى المودودي أشد الإعجاب، وزعم قطب أن المجتمعات التي تعيش فيها الأمة الإسلامية الآن هي “مجتمعات جاهلية”. يقول قطب في كتابه “معالم في الطريق”: “إن العالم يعيش اليوم كله في (جاهلية) من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية… وهي الحاكمية… إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله، فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده… فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي، يعبد بعضهم بعضًا –في صورة من الصور- وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعًا من عبادة بعضهم البعض، بعبادة الله وحده، والتلقي من الله وحده، والخضوع لله وحده”.

ذهب قطب إلى أن “كل البشر الذين يعطون أنفسهم الحق في إصدار قوانين أو تشريعات، أو أي تنظيمات اجتماعية تعد خروجاً من الحاكمية الإلهية إلى الحاكمية البشرية، وأصبح عنده أن البشر محكومون بقوانين غير قوانين الله –سبحانه وتعالى– وبأنظمة لا ترضى عنها شريعة الله، ولم يأذن بها الله، وبالتالي هذا المجتمع مجتمع مشرك وكافر ويعبد غير الله، لأن العبادة هي طاعة الله في حاكميته”.

يقول سيد قطب في هذا الصدد: “نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميًا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية”. والحل عنده للتحرر من هذه الجاهلية والعبودية لغير الله، هو في قيام طليعة مسلمة ملتزمة بمنهج الحركة الإسلامية، تتجرد من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها، والتخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية، بحيث تكون مهمة هذه الحركة تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه.

يقول قطب: “إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترفع كلمة (لا اله إلا الله)، وأن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله إلا أن ترتفع راية (لا إله إلا الله) -لا إله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته: لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله”.

ويوضح قطب أن العقيدة الإسلامية الصحيحة هي التي “يتفرد فيها الله -سبحانه- بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال… وأن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا إله إلا الله، وأن الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة”. ويحدد قطب لأتباعه أنه “حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة -حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو (أولاً) إقرار عقيدة (لا إله إلا الله) بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله”.

سيادة الشريعة ولا عِبرة لتبدل الزمن

يعتبر قطب أن الإسلام جاء على يد النبي محمد، “ليرد الناس إلى حاكمية الله كشأن الكون كلّه الذي يحتوي الناس، فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجوده، فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصرف الكون كله، ومن ثم ينبغي أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم، فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن من شؤون هذه الحياة، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري، وتنسيقاً بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني”.

يذهب قطب إلى أن الإسلام هو إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد ومن العبودية لهواه أيضاً، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، و”إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور.. ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أرباباً من دون الله”.

ويرى صاحب “معالم في الطريق” أن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم، أي كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده، متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية. وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار “المجتمع الجاهلي” جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً!”.

يخلص قطب إلى أنه “حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده -متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية- تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً من العبودية للبشر… وتكون هذه هي “الحضارة الإنسانية” لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان”.

وإذا أردنا تلخيص نظرية الحاكمية عند سيد قطب والمودودي بأسطر قليلة، نقول: إنها تكفير للمجتمعات كلها، بما فيها المجتمعات المسلمة واعتبارها “جاهلية” تعبد غير الله بسبب طاعتها لأنظمة لا تطيع الله ولا تقيم شرع الله، وتتخذ أنفسها من دون الله أرباباً، وكذلك بسبب قبولها بتشريعات وضعها بشر وأنظمة غير الله. كما يدعو قطب إلى ثورة شاملة على حاكمية البشر لتحطيم مملكة البشر وإقامة مملكة الله في الأرض، وذلك بإزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر.

المقالة هي حزء من دراسة د. هيثم مزاحم ‘نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي”، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) ‘إيران والإخوان الشيعة القطبيون’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

المصدر: ميدل ايست اونلاين




الخميني بين الحاكمية وولاية الفقيه

بقلم: د. هيثم مزاحم — يرى الإمام روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، أن “العقيدة الإسلامية هي عقيدة صياغة الإنسان”، وأنه ليس من حاجة إلى مرجعية عقدية أخرى في تكوين منهجية التفكير عند الإنسان، لأن “لدى الإسلام كل شيء لهذا الإنسان، أي لديه أطروحة متكاملة”، لأن “قوانين الإسلام جامعة وشاملة إلى درجة تجعل من يطلع عليها يعترف بأنها تفوق حدود الفكر البشري، ولا يمكن أن تكون نتائج القدرة العلمية والفكرية للإنسان”.

يؤكد الخميني أنه ليس في الإسلام حاكمية سوى لقانون واحد هو القانون الإلهي. ويقول: إن حكومة الإسلام هي حكومة القانون، وإنه في هذا النمط من الحكومة تنحصر الحاكمية بالله والقانون –الذي هو أمر الله وحكمه– فقانون الإسلام أو أمر الله له تسلط كامل على جميع الأفراد وعلى الدولة الإسلامية. فالجميع بدءاً من الرسول الأكرم (ص) ومروراً بخلفائه وسائر الناس، تابعون للقانون النازل من عند الله والمبلّغ بلسان القرآن والنبي (ص). إذا كان النبي قد تولى الخلافة، فقد كان ذلك بأمر من الله الذي جعله خليفة له في أرضه. فهو لم يقم بتشكيل الحكومة من نفسه، وأراد أن يكون رئيساً على المسلمين.

لا شك أن كلام الخميني هنا حول التوحيد ونفي الألوهية عن كل ما عدا الله، ليس في الاعتقاد والعبادة فقط، وإنما في التبعية السياسية، يتقاطع مع نظرية حاكمية الله لدى المودودي وسيد قطب، إن لم يكن متأثراً بها بشكل مباشر، وهو ما لا نستطيع تأكيده لغياب المصادر التي تثبت ذلك.

الإسلام دين وحياة
يرتكز الفكر السياسي للخميني على أساس “أن الإسلام دين الحياة بكل تفاصيلها، وهو طرح شامل لجميع شؤون وقضايا الحياة والمجتمع، وأن الفقه الإسلامي نظرية واقعية متكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد، وأن الحكومة هي تجسيد للفلسفة العلمية لتمام الفقه في جميع جوانب الحياة، والحكومة هي انعكاس البعد العملي للفقه في تعامله مع جميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية، وأن الهدف الأساسي هو كيف نبغي تطبيق الأصول الثابتة للفقه في عمل الفرد والمجتمع”.

فالحكومة الإسلامية التي هي السلطة التنفيذية في الدولة تمثل ضرورة فقهية عند الخميني لتطبيق الشريعة، مستنداً في طرحه إلى محاكاة الأنبياء الذي بعثوا بالكتب السماوية لإقامة حكم الله في الأرض، ولتنظيم وهداية الإنسان إلى ما فيه خيره وصلاحه في الدنيا والآخرة، ولم تقتصر دعوتهم على الجانب التبليغي النظري، بل هم سعوا لامتلاك الأداة التنفيذية لتطبيق النظرية التي جاءت بها الشريعة. يحاجج الخميني بأن “وجود القانون المدوّن لا يكفي لإصلاح المجتمع، فلكي يكون القانون أساسًا لإصلاح البشرية وإسعادها، فإنه يحتاج إلى سلطة تنفيذية، ولذا أقر الله تعالى الحكومة والسلطة التنفيذية والإدارية إلى جانب إرسال القانون، أي أحكام الشرع. وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على رأس التشكيلات التنفيذية والإدارية في المجتمع الإسلامي”، واهتم، بالإضافة إلى إبلاغ الوحي وبيان وتفسير العقائد والأحكام والأنظمة الإسلامية، بتنفيذ الأحكام وإقامة نظم الإسلام، حتى أخرج دولة الإسلام إلى حيز الوجود.

هكذا يعتقد الخميني بأن الإسلام دين ودولة متلازمان، فهو فقه يبيّن التفاصيل النظرية للأحكام والقوانين، وسلطة تنفيذية لتطبيق تلك الأنظمة والأحكام والقوانين النظرية. وهو يرى أن المشكلة المنهجية الأساسية التي يعاني منها المسلمون في تفكيرهم السياسي، تكمن في تسرب مفهوم فصل الدين عن السياسة إلى أذهان المسلمين وعلمائهم، من هنا فإن عدم الفصل بين الدين والسياسة يشكل أحد الأسس الثابتة في أفكار الخميني، وهو يرى في الدين المفصول عن السياسة “ديناً أمريكياً”.

يقول الخميني في هذا السياق: “فالدين الذي يصبح وسيلة لسلب القوى المادية والمعنوية للبلدان الإسلامية وغير الإسلامية، ويضعها تحت تصرف القوى الكبرى وباقي القوى العالمية، وينادي بفصل الدين عن السياسة، هو أفيون المجتمع ولكن مثل هذا الدين ليس ديناً واقعياً، بل هو دين يسميه شعبنا ديناً أمريكياً”.
ويستدل الخميني على ضرورة قيام الحكومة الإسلامية بوجود الأنظمة والقوانين في الإسلام، والتي لا سبيل إلى تطبيقها إلا بوجود سلطة تنفيذية، قائلاً: “وعند إمعان النظر في ماهية أحكام الشرع، يثبت لدينا أن لا سبيل إلى وضعها موضع التنفيذ، إلا بواسطة حكومة ذات أجهزة مقتدرة”.

الحاكمية والولاية
فالخميني قد ركز على مسألتين محوريتين هما: مؤسسة الحاكمية، ومؤسسة ولاية الفقيه، حيث نجده يقرر بأنه “في الحكومة الإسلامية يختص التشريع بالله تعالى، فالشارع المقدس في الإسلام هو السلطة التشريعية الوحيدة. فلا حق لأحد بوضع القوانين، ولا يمكن وضع أي قانون غير حكم الشارع موضع التنفيذ. لذا ففي الحكومة الإسلامية بدلا من “مجلس التشريع” الذي يشكل إحدى السلطات الثلاث في الحكم، يكون هناك “مجلس تخطيط” يضع الخطط لمختلف الوزارات من خلال أحكام الإسلام، وتحدد كيفية أداء الخدمات العامة في جميع أنحاء البلاد من خلال هذه المخططات.

وهذا الأمر متحقق في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران في المادتين (71) و(72) الناصتين على التوالي على أنه: “يحق لمجلس الشورى الإسلامي أن يسن القوانين في القضايا كافة، ضمن الحدود المقررة في الدستور”، “ولا يحق لمجلس الشورى الإسلامي أن يسن القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للبلاد أو المغايرة للدستور. ويتولى مجلس صيانة الدستور مهمة البت في هذا الأمر طبقاً للمادة السادسة والتسعين من الدستور”.

ويذهب بعض الباحثين المؤيدين للخميني إلى أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حديث الثقلين للنبي (ص) “إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي إلا أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض”، “لأيقنا بأن مذهب آل البيت هو المذهب المتجلية فيه الحاكمية الإلهية في أعلى درجاتها. فالحاكمية تتجسد في اتباع القرآن والسنة والعترة الطاهرة الماسكة بناصية التأويل”.

وطبعاً فإن الحاكم الولي الفقيه، بحسب نظرية ولاية الفقيه التي نظّر لها الخميني، هو امتداد لولاية أئمة أهل البيت المعصومين، وهو له ما لهم من الصلاحيات التي كانت للنبي كحاكم بأمر الله.

دور الشعب بالقبول والطاعة
لكن القول بالحاكمية عند الخميني، ومن بعده تلميذه علي الخامنئي، لا يعني البتة الاستبداد بالحكم وإرغام الشعب على ما تراه الثلة الحاكمة من اجتهاد، بل للشعب الكلمة الأولى والأخيرة فيما يعرض على البلد من سياسات عامة، فالخميني يركز في مناسبات كثيرة سواء في كتابه “الحكومة الإسلامية” أو في غيرها من الكتابات أوالخطابات الجماهيرية على دور الشعب، ويذهب إلى أن “القوانين الإسلامية التي وردت في القرآن والسنة، يتلقاها المسلمون بالقبول والطاعـة. وهذا مما يسهـل عمـل الحكومـة، ويجعلهـا مرتبطـة بالشعـب، بينما في الحكومات الجمهورية والملكية المشروطة، فإن غالبية الذين يعتبرون أنفسهم ممثلي أكثرية الشعب يضعون ما يشاؤون ويسمونه (قانوناً) ومن ثم يفرضونه على الشعب”.

ويقول الخميني في موضع آخر: إن “الحكومة الإسلامية التي نفكر فيها سوف تستمد إلهامها من رؤية الرسول الأكرم (ص) والإمام علي (عليه السلام) وتعتمد على آراء عموم الشعب”.

*المقالة جزء من دراسة د. هيثم مزاحم ‘نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي”، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) ‘إيران والإخوان الشيعة القطبيون’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

المصدر: ميدل ايست أونلاين




المودودي وحاكمية الله

ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته.

بقلم: د. هيثم مزاحم – عرف تاريخنا الإسلامي المعاصر لأول مرة نظرية الحاكمية على يد المنظّر الإسلامي أبي الأعلى المودودي (1903-1979)، مؤسس “الجماعة الإسلامية” في الهند قبل تقسيمها ونشأة باكستان وبنغلاديش لاحقاً. يقول المودودي عن حاكمية الله: “إن الحاكمية في الإسلام خالصة لله وحده، فالقرآن يشرح عقيدة التوحيد شرحا يُبيِّن أن الله وحده لا شريك له، ليس بالمعنى الديني فحسب، بل بالمعنى السياسي والقانوني كذلك، كما أن وجهة نظر العقيدة الإسلامية تقول: إن الحق تعالى وحده هو الحاكم بذاته وأصله، وإن حكم سواه موهوب وممنوح، وإن الإنسان لا حظ له من الحاكمية إطلاقاً”.

يوضح المودودي أن “خلافة الإنسان عن الله في الأرض لا تُعطي الحق للخليفة في العمل بما يشير به هواه وما تقضي به مشيئة شخصه، لأن عمله ومهمته تنفيذ مشيئة المالك ورغبته… فليس لأي فرد ذرة من سلطات الحكم (…) وأي شخص -أو جماعة- يدَّعي لنفسه أو لغيره حاكمية كلية أو جزئية في ظل هذا النظام الكوني المركزي، الذي تدبّر كل السلطات فيه ذات واحدة هو -ولا ريب- سادر في الإفك والبهتان.. فالله ليس مجرد خالق فقط، وإنما هو حاكم كذلك وآمر، وهو قد خلق الخلق ولم يهب أحدا حق تنفيذ حكمه فيهم”.

ويرى المودودي أن “الأساس الذي أرتكزت عليه دعامة النظرية السياسية في الإسلام، أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر، منفردين ومجتمعين، ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليسنّ قانوناً لهم ينقادوا له ويتبعوه، فإن ذلك أمر مختص بالله وحده، لا يشاركه فيه أحد غيره”.

أما الخصائص الأولية للدولة الإسلامية –بحسب رؤية المودودي– فهي ثلاث خصائص هي:

1- ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم.

2- ليس لأحد، من دون الله، شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعاً، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لا يستطيعون أن يشرّعوا قانوناً.

3- إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي جاء به النبي من عند ربّه، مهما تغيرت الظروف والأحوال”.

تطلق الحاكمية عند المودودي على السلطة العليا والسلطة المطلقة، فهي مساوية للألوهية، وهو يقول: “إن الإسلام يستعمل دائماً لفظ الخلافة في الحديث عن الذين يقومون بتنفيذ القانون الإلهي في الأرض، بدل لفظ الحاكمية”، مستشهداً بآية “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم” (سورة النور، الآية 55). ليخلص إلى أن لفظ “إله” واصطلاح “الحاكمية” هما اسمان لحقيقة واحدة.

يقول المودودي: “إن الحق تعالى وحده هو الحاكم بذاته وأصله، وإن حكم سواه موهوب وممنوح”. وهو بذلك يميّز بين حكم الله وحكم الإنسان بأن الأول “حاكم بذاته وأصله” والثاني حاكم بحكم موهوب وممنوح من الله. ويقر المودودي بأن في خلافة الإنسان عن الله معنى الحاكمية، فيقول: “وفي الخلافة معنى الحاكمية والسلطان، باعتبار أنها خلافة إلهية ونيابة عن الحاكم الأعلى”، وهذه الخلافة هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بـ”الأمانة” في سورة الأحزاب (الآية 72)، بقوله: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. ويشرح المودودي أن المقصود بالأمانة في هذه الآية هو حرية الاختيار والمسؤولية والحساب، وأن لفظ الأمانة يوضح مفهوم الخلافة ومعناها، وأن كلا اللفظين يحدد وضع الإنسان الصحيح وحيثيته الأصلية بالنسبة لنظام العالم، فهو حاكم الأرض، لكن حكمه لها ليس بذاته وأصله، وإنما هو حكم مفوّض إليه.

حاكمية الله بالمعنى السياسي والقانوني

إذن، حدد المودودي أن حكم الإنسان للأرض بالتفويض من الله والخلافة عنه، ليقول في مكان آخر: “إن الإسلام قد أقر نيابة الشعب واستخلافه عن الله في ظل سيادة الله وحاكميته”، أي إن الله قد خوّل المسلمين، في الحكومة الإسلامية، “حاكمية شعبية مقيّدة”. فكما أن هناك حاكمية إلهية عليا هي لله بذاته وأصله، فهناك “حاكمية شعبية للإنسان، باعتباره خليفة عن الله، بها يكون هذا الإنسان “حاكم الأرض” نيابة وتفويضاً عن الله، الحاكم الأعلى.

وهكذا نجد أن المودودي قد فسّر كلمة الإله بأنه الحاكم، والألوهية بالحاكمية، والعبودية بأنها الطاعة لحكم الله، وقال: “الله له الحكم والسلطة، والخلق ليس لهم إلا الطاعة المطلقة، ومن يدّعِ أن له حرية في أن يحكم أو يصدر قوانين يخضع لها البشر فهو كافر؛ لأنه ينازع الألوهية في أخص خصائصها وهي الحاكمية، ومن يطع من يحكم ويضع القوانين الحاكمة فهو أيضاً مشرك؛ لأنه اتخذ من دون الله إلهاً آخر”.

“يربط المودودي بين الجاهلية المعاصرة كواقع تعيشه الأمة اليوم، وبين حاكمية االله كمنهج يجب أن تستعيده الأمة مستقبلاً. إلا أنه يشحن مفهوم حاكمية الله بمحتوى نظري سيترك أثره علـى كـل الحركـات الإسلامية مستقبلاً. فهو يعتبر أن الدولة الإسلامية يجب أن تقوم على أساس واحد وهو “حاكمية الله الواحـد الأحـد، وإن نظريتها الأساسية هي أن الأرض كلها لله، وهو ربها والمتصرف في شؤونها. فالأمر والحكم والتـشريع كلهـا مختصة بالله وحده، وليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو شعب، بل ولا للنوع البشري كافة شيء من سـلطة الأمـر والتشريع. فلا مجال في حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه إلا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفـة خليفـة الله”.

ويغلـق المودودي جميع الأبواب بوجه الاجتهاد، فيقرر أنه يجب أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر “منفردين ومجتمعين” لأن ذلك أمر مختص بالله “فلا يؤذن لأحد أن ينفذ أمره في بشر فيطيعوه أو ليسن قانونـًا لهم فينقادوا له ويتبعوه”. وتؤدي هذه الرؤية إلى اعتبار الخلافة الإسلامية “خلافة إلهية” يقوم بها الإمـام بوظيفـة خليفة الله، إذ يرفض المودودي إطلاق وصف الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل يعتبر أن كلمـة “الحكومـة الإلهية” أو “الثيوقراطية” أصدق تعبيراً.

*المقالة جزء من دراسة د. هيثم مزاحم ‘نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي”، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) ‘إيران والإخوان الشيعة القطبيون’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

المصدر: ميدل ايست أونلاين




آية الله خامنئي.. والربط بين حاكمية الله وحاكمية الشعب

بقلم: د. هيثم مزاحم — عام 1966 ترجم مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي الخامنئي، كتاب سيد قطب: «المستقبل لهذا الدين»، من العربية إلى الفارسية، وكتب مقدمة للترجمة، مثنياً على قطب وكتابه ووصف قطب الذي أعدم في تلك السنة، بــ”المفكر المجاهد”. يقول الخامنئي في مقدمته: “هذا الكتاب -على الرغم من صغر حجمه- خطوة رحبة فاعلة على هذا الطريق الرسالي. مؤلفه الكريم الكبير سعى بهذا الكتاب في فصوله المبوبة تبويباً ابتكارياً، أن يعطي أولاً صورة حقيقية للدين، وبعد أن بيّن أنّ الدين منهج حياة، وأن طقوسه لا تكون مجدية إلاّ إذا كانت معبّرة عن حقائقه، أثبت بأسلوب رائع ونظرة موضوعية أن العالم سيتجه نحو رسالتنا وأن المستقبل لهذا الدين”.

ولا شك في أن الخامنئي قد تأثر بفكر سيّد قطب وبنظرية الحاكمية أكثر من تأثر الخميني، مما دفعه إلى ترجمة كتاب قطب “المستقبل لهذا الدين” عام 1966، وذلك قبل ثلاث سنوات من نشر كتاب “الحكومة الإسلامية” للخميني عام 1969، والتي كانت سلسلة دروس ومحاضرات ألقاها على طلابه خلال منفاه في النجف الأشرف. ولا نعلم إن كان الخميني قد تسنّى له قراءة كتب سيد قطب قبل تصنيفه لكتابه ومدى تأثره به في تبنّيه نظرية ولاية الفقيه المطلقة، ونقلها من الكتب والفكر إلى حيز الواقع، علماً بأن النظرية قديمة جداً وقد قال بها فقهاء شيعة قبل قرون عديدة، وبلورها الشيخ النراقي في العصر الحديث.

ولعل من المفيد نقل أبرز أقوال الخامنئي في الحاكمية والولاية:

“الولاية التي أشار إليها نبيّ الإسلام، هي أمر إلهيّ وسماويّ ملكوتيّ، غنيّ عن الجعل والتنصيب”،

“الركيزة الأساسيّة في حاكميّة الإسلام هي أن يكون الشخص الذي يأخذ بولاية الناس من الناس أنفسهم”،

“الولاية تعني الحكومة، لكنها صيغت بتعبير لطيف يناسب شخصيّة الإنسان وشرفه”،

“حقيقة الولاية الإلهيّة تنعكس عبر العلاقة مع الشعب”،

“تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) للولاية والخلافة من الأهميّة بحيث يكون عدم امتثاله بمثابة عدم امتثال الرسالة”،

“ذرّات الوجود كلّها شاءت أم أبت تدور في إطار ولاية اللَّه”.

معنى التوحيد

يقول خامنئي في خطاب له: “الإسلام دين التوحيد، ومعنى التوحيد هو تحرّر الإنسان من قيود العبودية لأي شيء والتسليم لله وحده.. التوحيد يعني التحرّر من قيود الأنظمة وضروب السلطة البشرية. ويعني التوجه الى الله وحده في طريق تحقيق هدف إنقاذ المجتمع من الظلم والتمييز والجهل وضروب الشرك”.

ويوضح رؤيته للحكومة الإسلامية بقوله: “إن الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه التي أبدعها الإمام الخميني وطرحها أمام العالم، هي تلك الحكومة الإسلامية التي تعني حاكمية الإسلام والدين والشريعة، وهذا المعنى يجب أن يفهم جيداً”.

يرى الخامنئي “أن المجتمع الذي يحمل أفراده إيماناً بالله، ينبغي أن تكون الحكومة القائمة فيه حكومة دينية إسلامية، تطبق التعاليم الإسلامية، وتنفذ الشريعة والأحكام الإسلامية في حياة الناس. وينبغي أن يكون على رأس تلك الحكومة شخص يتمتع بصفتين بارزتين وأساسيتين هما:

أولاً: أن يكون الأعلم بالأحكام والشريعة والفقه الإسلامي.

ثانياً: أن يتمتع بملكة ضبط النفس والسيطرة عليها من الوقوع في المعاصي، وما اصطلح عليه عرفاً بـ(العدالة).. وهاتان السجيتان من الضروري توافرهما في الشخص الذي يريد تطبيق الأحكام الإلهية والقوانين الإسلامية في المجتمع الإسلامي. وقد صرّح دستورنا بشكل واضح في باب (ولاية الفقيه)”.

واللافت في رؤية كل من الخميني والخامنئي هو قولهما في حاكمية الشعب، ودوره في اختيار حكامه، من رئيس للجمهورية، ونواب البرلمان، وأعضاء مجلس الخبراء، من خلال الانتخابات المباشرة.

ولعل قول الخميني والخامنئي بحاكمية الله وحاكمية الشعب أيضاً هو ما يميّزهما عن سيد قطب والمودودي اللذين قالا بحاكمية الله ورفضا حاكمية الشعب، ومن هنا جاءت تسمية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي جمعت بين ولاية الفقيه ونظرية المشروطة أي الدستور والنظام الجمهوري الديمقراطي، بين سلطة الإمام أو المرشد وانتخاب الشعب للقائمين بالسلطات التنفيذية والتشريعية.

يطرح الخامنئي السؤال التالي: كيف يمكن أن تكون الحكومة الإلهية شعبية أيضاً؟ وهل عبارة “الجمهورية الإسلامية” التي تجمع بين الحكومة الإسلامية والحكومة الشعبية، عبارة صحيحة أم فيها شيء من التسامح؟

يرفض الخامنئي الزعم بأن الحكومة الإلهية أو الدينية لا يمكنها أن تكون شعبية، ويؤكد أن الأمرين لا يتناقضان، لأن هذه الحكومة هي الوسيلة الأنجح لتيسير مشاركة الشعب الفعالة في إدارة أموره وتدبير شؤونه. ويشير إلى المشاركة الكبيرة للناخبين في الجمهورية الإسلامية في إيران في الاستفتاء العام على أصل قيام “الجمهورية الإسلامية” وفي انتخابات مجلس الخبراء ورئاسة الجمهورية وغيرها. ويوضح أنه في هذه الحكومة الإلهية، وهذا النظام الإسلامي، بالرغم من وجود إطار إسلامي عام يحدد مسار حركة الشعب، بيد أن للشعب شتى ضروب حق التصرف، ومختلف أنماط الحريات والصلاحيات.

والحكومة الإسلامية –في رأي الخامنئي– لا تشبه أشكال الحكومات الأخرى، فهي ليست استبدادية ولا مطلقة، بل مشروطة، بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيّدون بمجموعة من الشروط والقواعد المبيّنة في القرآن والسنّة، لذا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي على الناس. ويكمن الفرق بين هذه الحكومة والحكومات الملكية أو الجمهورية في أن ممثلي الشعب أو ممثلي الملك في تلك الأنظمة هم الذين يشرّعون، في حين تنحصر سلطة التشريع في الإسلام بالله عزّ وجلّ، فالشارع المقدس في الإسلام هو المشرّع الوحيد، وليس لأحد أياً كان أن يشرّع، وليس لأحد أن يقرر وينفذ أي قانون غير حكم الشارع.

ولاية الفقيه وولاية الشعب

يرد نائب أمين عام حزب الله اللبناني: الشيخ نعيم قاسم، على سؤال إن كان هناك اختلاف بين ربط الإمام الخميني بين ولاية الفقيه ودور الشعب، وبين قول الخامنئي بحاكمية الشعب، أم إن الثانية تعد تطوراً للأولى؟ قائلاً: “لا يوجد فرق بين ما طرحه الإمام الخميني (رض) من دور للشعب وبين ما يقوله الإمام الخامنئي من حاكمية للشعب. لعل الاختلاف بالمصطلح ومحاولة إخراجه إلى حيز المناقشة النظرية والعملية، لأنه إذا راجعنا بدقة نجد الإمام الخميني أسس لدور الشعب من خلال اللجوء إليه واستفتائه في كثير من المحطات، حتى إن الشعب هو من وافق على دستور الجمهورية الإسلامية، وعلى حكم جمهوري إسلامي.

وفي المادة (56) يقول الدستور: “الله سبحانه هو الحاكم المطلق على العالم والإنسان، وهو الذي فوّض حق تقرير المصير الاجتماعي، ولا يجوز لأحد سلب هذا الحق الإلهي”.

وفي المادة السادسة من الدستور يقول :”في نظام الجمهورية الإسلامية، الشعب هو مصدر السلطات يمارسها عن طريق الانتخابات، على ألا تكون القوانين متعارضة مع الإسلام”.

وفي المادة (72) من الدستور يقول: “لا يحق لمجلس الشورى الإسلامي سنّ قوانين تتعارض مع مبادئ وأحكام المذهب الرسمي للبلاد مع الدستور”.

ورؤية الخامنئي لحاكمية الشعب جاءت في مقابل الديمقراطية في الغرب، والفرق الأساسي بينهما أن حاكمية الشعب هي أن يقرر الشعب ما يريد تحت سقف الإسلام. أما الديمقراطية فهي أن يقرر الشعب ما يريد دون ضوابط أو سقف يحكمه.

المصدر: ميدل ايست اونلاين، خلاصة دراسة د. هيثم مزاحم ‘نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي”، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) ‘إيران والإخوان الشيعة القطبيون’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.




المجتمع المدني في الإسلام وإشكاليات الممارسة السياسية

بقلم: سليم الحاج قاسم — إذا كان حصول أي تغيير في الإطار العام لمبحثٍ ما، يؤدي ضرورةً إلى اختلافٍ في المعجم الاِصطلاحي لبعض المدلولات، فإن ما يمكن الجمع بين لفظَيْ «المجتمع المدني» و «الإسلام» أن يخلفه من غموض قد يصل حتى إلى درجة التناقض، حتم علينا – في بداية هذه الدراسة النقدية – إنشاء مدخل مفهومي من شأنه تحديد العلاقة القائمة بين هذين المصطلحين داخل منظومة الدين، من وجهة نظر إسلامية على وجه الخصوص.
إن التعريف الغربي الأولي لمصطلح «المجتمع المدني» يكشف غرابة هذا الهيكل الاجتماعي عن الإسلام سواء بوصفه ديانة أو منظومة سياسية. تعرّف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) المجتمع المدني بأنه: «التنظيم الذاتي للمجتمع خارج الإطار الحكومي والتجاري» أي أنه عموم الهيئات أو المجموعات المنظمة المستقلة تماماً عن الدولة. غير أن هذا التعريف يخفي بين طياته مسألة غاية في الأهمية، تمثل نقطة الاِرتكاز في المفهوم الغربي. إن تأكيد جل التعريفات المعتمدة في الغرب على استقلالية الهياكل المكونة المجتمع المدني عن الدولة، ليس – في واقع الحال – سوى إشارة إلى أن هذه الهياكل تمثل قوة مقابلة لسلطة الحكومة، أي معارضة لها، تسعى إلى إحلال نوع من «التوازن السلطوي» داخل البلاد، يمنع الحاكم أو مجموعة الحاكمين من الاِنفراد المطلق بالحكم، ويضمن للمحكوم إمكان المشاركة في تحديد مصيره. غير أنه – وعلى رغم دقة التعريف – تستحيل مجموعة من الأسئلة الإشكالية قائمة بين حنايا هذا المبحث. ألا يبقى المجتمع المدني الذي عُرف باستقلاليته عن الدولة، رهين النموذج السياسي المتبع في بلد ما؟ هل يبقى هذا التعريف ساري المفعول في ظل دولة ثيوقراطية؟ وفي ما تكمن حدود وآفاق اشتغال المجتمع المدني تحت دولة الإسلام؟
نعتبر أولاً، أن المرجعية الأولى عند التطرق لبحث مماثل هي النصوص والوقائع التاريخية الثابتة، بخاصة في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، في المدينة. إن مبدأ الحاكمية الإلهية في الإسلام، يخرج طاعة الحاكم من دائرة السياسة، إلى الرؤية الدينية، شريطة امتثال هذا الأخير بدوره للمنهاج الرباني الذي تحدده النصوص أو الممارسة النبوية التطبيقية لها.
ذلك أن توافر أول شروط التعامل بين الحاكم والمحكوم، والمتعلق أساساً بالطرف الأول، وهو الحكم بالعدل كما تبين الآية الكريمة: «إن الله يأمركم أن تُؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، يفرض توافر ثاني هذه الشروط، والمتعلق بالطرف الثاني، وهو الطاعة كما تبين الآية: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». من مثل هذا المنطلقِ، يظل وجود مجتمع مدني ما، رهين وجود مجموعات منظمة تربط بين عناصرها أواصر مغايرة للعلاقة التي تربط بين أفراد المجتمع. أواصر إضافية تجعل من هذا الهيكل قوة من شأنها الضغط على سلطة الدولة وحدها. بناء عليه، يصعب تصور مجتمع مدنيٍ – وفق المفهوم الغربي – في الإسلام، ذلك أن الانتماء داخل الدولة الإسلامية لا يكون سوى للدين وللهياكل التي تدخل تحت إطاره، فلا تتحول في أي شكل من الأشكال إلى قوة مقابلة للدولة، من ذلك الأسرة، أو العشيرة. لقد بقي الانتماء، كما يقول الدكتور صبري محمد خليل «انتماء تكوينياً لا تكليفياً».
أما لو ساءلْنا المبحث من داخل منظومة العلاقات الإسلامية ذاتها، فإنه يمكن استشفاف كينونة مجتمع مدني مسلم له خصوصياته ومقوماته المغايرة لتلك التي تخص الغرب. إن أول الفروق وأهمها بين العالَميْن (الغربي والإسلامي)، هو التوجه العام إلـى «سلطة» المجتمع المدني. هذه الأخيرة، ليست موجهة، في الإسلام، ضد سلطة الحكومة، كما لا تسعى إلى خلق توازن سياسي ما، لكنها سلطة موازية للدولة، شبه مساندة لها. وتتمثل مهماتها الأساسية – كما يبين مارتين فيلاجوس – في توفير الخدمات العمومية المعيشية وتنظيم جزء من العلاقات الاجتماعية. بذلك، ينفي أي شكل من أشكال التصادم بين المجتمع المدني والدولة، صفة من أهم صفات الدولة اللاهوتية. كما يرجع هذا التباين المفهومي، إلى مبدأين أساسيين: أولهما سعي الإسلام إلى جعل المسلمين كتلة واحدة لا يفرق بين عناصرها أي انتماء، من ذلك قوله تعالى: «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون»، و ثانيهما، تركيزه – بعد فكرة الانتماء إلى الدين – على التجمع التكويني. من ذلك أن موسى (عليه السلام) اشترط القرابة التكوينية في الشخص الذي سيسانده في مواجهة فرعون، ألا وهي قرابة الأهلية التي خصصها وعمقها أكثر بحصرها في واحدة من أمْتَن العلاقات التكوينية، وهي الأخوة: «واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري». هذا من جهة. أما من جهة ثانية، فقد اعتمد الإسلام في تكوينه الانتماءات، من غير الخروج عن البوتقة العامة (الدين) ومن دون اللجوء إلى معارضتها، على مبدأ أغفله التوجه الغربي وهو مبدأ «وحدة المهمة». لقد راهن الإسلام على الفعل المشترك بين مجموعة معينة من الأفراد، لخلق مجموعات منظمة تربط بين عناصرها علاقة جديدة، إضافة إلى العلاقة الدينية، ألا وهي الاشتراك في المهمة.
تجد «نظرية» وحدة المهمة مرجعيتها في القرآن ذاته، إذ يقول عز وجل: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولِينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون». وقوله: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». إن استخدام «من» التبعيضية في كلتا الآيتينِ يُميز ويُخرج فريقاً من المسلمين من صلب الجماعة الشاملة المنطوية تحت راية الدين لِيُخصصه، ثم يعلل القرآن هذا التخصيص بحجة المهمة المشتركة كالتفقه في الدين أو الدعوة إلى الخير. إنه يجمع بين أفراد هاتين الفرقتين بوحدة العمل. إنه يشكل منهم مجموعات مدنية (لأنها متميزة عن الدولة) لا تخرج عن إطار الدين، ولكن تتميز عنه. إن هذه المجموعات تكون المجتمع المدني المسلم. هنا، تلتقي هذه النظرية الإسلامية كما تطرقنا إليها مع النظرية الهيغلية (نسبة إلى «هيغل») في المجتمع المدني. ذلك أن هيغل تناول مفهوم المجتمع المدني استناداً إلى منهجه المثالي الجدلي القائم على اعتبار التاريخ مسرحاً لتطور الفكر الإنساني المطلق عبر مراحل، واعتبار الدولة أرقي تجسيد لهذا الفكر. لذلك، فإن الدولة تستوعب المجتمع المدني في داخلها كنفي جدلي لها، وكمرحلة من مراحل تطورها. إن وجه المقاربة بين النظريتين يكمن أولاً في أن هيغل نفى البعد التصادمي مع الدولة واعتبر أن المجتمع المدني هو بمثابة نتاج لها. وثانياً، في أن الإسلام قد راهن هو الآخر على نوعية مجتمع يسعى إلى الاشتغال في الخير بمعزل عن الدولة ومن دون الرجوع إليها بالنظر، بخاصة أن الدعوة إلى ذلك قد خرجت من دائرة التخصيص، إلى الأمة كاملة: «كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». أليس في ذلك تعميم لسلطة المجتمع المدني؟ أليس هذا شكلاً من أشكال التأسيس «للمجتمع المدني – الدولة». المجتمع المدني الذي يمثل المرحلة الأكثر رقياً في التطور الفكري الإنساني، الأكثر نضجاً من الدولة ذاتها.
للختم بإمكان نقدٍ لما جاء في الفكر الغربي بخصوص هذا الهيكل الذي صار رمزاً من رموز الحداثة السياسية، تجدر الإشارة إلى أن مبدأ الاستقلالية الذي سبق ذكره لا يخرج – في حقيقة الحال – من دائرة النسبية، ذلك أن معارضته للدولة ليست سوى شكل من أشكال المنافسة السياسية، خصوصاً أن ذلك لا يتم سوى في نطاق عام من الحريات وإمكانات التحرك السياسي. إمكانات تحددها الدولة ذاتها. أي أنه يمكن هذا المجتمع أن يمثل هو ذاته، إما بطريقة مباشرة إما غير مباشرة، نتاجاً لما سطرته الدولة من سياسة داخلية عامة. وبذلك يتحول هذا المجتمع المدني إلى «مجتمع الدولة المدني»، أي أنه يضحي مجرد تَمظْهُرٍ مغاير لها، كما يحصل في الكثير من الدول المتخلفة سياسياً.

المصدر: صحيفة الحياة




مفهوم الدولة المعاصرة وإمكانيات التأصيل الفقهي.. الإخوان المسلمون نموذجاً – ندوة

20160927_173144

“حوارات” — استضاف مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت ممثل حركة الجهاد االإسلامي في لبنان، أبو عماد الرفاعي، في لقاء حواري حول: مفهوم الدولة المعاصرة وإمكانيات التأصيل الفقهي – الإخوان المسلمون نموذجا ، وحضر اللقاء حشد من الشخصيات الفكرية والسياسية والدينية والإعلامية ، وقدم للقاء وأداره قاسم قصير مشيرا إلى أن هذا اللقاء هو بداية لقاءات حوارية حول نظرة الحركات الإاسلامية إلى الدولة المعاصرة ، ومن ثم تحدث مدير الأبحاث في المركز الشيخ محمد زراقط عارضا الأسباب التي دعت المركز إلى اختيار هذا الموضوع وأهمية تقديم رؤى إسلامية حول القضايا المتعلقة بالدولة وتحدياتها.
ومن ثم تحدث أبو عماد الرفاعي ومما قاله : يتشكل مفهوم “الدولة” ركيزة الفكر السياسي المعاصر؛ وفي عالمنا العربي والإسلامي، شكل هذا المفهوم ساحة المعركة والمواجهة بين تيارات الأمة الفكرية، ولا سيما في مرحلة ما بعد سقوط “السلطنة العثمانية”، إثر الهجمة الغربية العسكرية والحضارية، ضد وطننا العربي والإسلامي. ويزيد من حدّة المواجهة فشل النظام السياسي الذي يحكم بلادنا، منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، في التعبير عن حضارة الأمّة، وهويتها، إضافة إلى فشل نموذج “الدولة القطرية” في تحقيق أهدافه المعلنة في التنمية والتحرير؛ وقد أثبتت الكثير من المحطات في تاريخنا المعاصر زيف ادعاءات “السيادة” و”الاستقلال” التي تدعيها “الدولة القطرية”.
يمثل ما يشهده عالمنا العربي اليوم من اضطرابات ومجازر، بعد موجة “الثورات” ضد الأنظمة، منذ عام 2011 وإلى اليوم، وصولاً إلى إعلان “الخلافة” على يد “تنظيم داعش”، ذروة التأزم في العلاقة بين الهوية الإسلامية للأمة ومفهوم “الدولة الحديثة”.
في الواقع، ولئن كان مصطلح “الإسلام السياسي” تم اشتقاقه لوصم “الحركات الإسلامية” واتهامها بالسعي للوصول إلى السلطة لأهداف وأجندات خاصة بها، إلا أن العديد من الحركات الإسلامية لا تخفي أن أولويتها هي إقامة “الدولة الإسلامية”، وأن هذا الهدف يتقدم على ما سواه لديها.
ومن ثم تناول في مداخلته أربعة عناوين أساسية: مفهوم “الدولة الحديثة”، وأسس التأصيل الفقهي، وموقف “جماعة الإخوان المسلمين” من “الدولة الحديثة”، وبيان توافق أو تناقض هذا الموقف مع الأسس الفقهية، وصولاً إلى استخلاص النتائج.
وحول نظرة الإخوان للدولة قال : تُعتبر “جماعة الإخوان المسلمين” أولى الحركات الإسلامية التي أخذت على عاتقها الاستجابة لتحدي إلغاء منصب الخلافة، على يدي مصطفى كمال أتاتورك، في آذار 1924. فالجماعة نشأت عام 1928.
منذ البدايات الأولى، رأت الجماعة أن (الخلافة) نظام تاريخي غير ملزِم دينياً؛ ولذلك، لم ترفع شعار (إعادة نظام الخلافة)، بل طرحت شعار (إقامة الحكومة الإسلامية). وفي ذلك، يقول حسن البنا إن الوصول إلى الخلافة (الإمام الواحد) يحتاج إلى خطوات عدة، منها: التعاون التام بين الحكومات الإسلامية، ثم إبرام المعاهدات، ثم تشكيل عصبة الأمم الإسلامية، وصولاً إلى الخلافة.
في التأصيل الفقهي “للحكومة الإسلامية”، يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات داخل “جماعة الإخوان المسلمين”، تتباين فيما بينها تبايناً حاداً: اتجاه يمثله الإمام حسن البنا والمستشار عبد القادر عودة والشيخ يوسف القرضاوي ومرشدون عامون. واتجاه يمثله الأستاذ سيد قطب. واتجاه ثالث يمثله المرشد العام الثاني للإخوان المسلمين: الشيخ حسن الهضيبي.
وتجدر الإشارة هنا إلى مسألة هامة، تثير الانتباه، وهي أنّ جماعة الإخوان المسلمين، في حين أنها تنكرت لمقولات الهضيبي في مصر، إلا أنها في السودان (مع د. الترابي) وتونس (الغنوشي) وتركيا (حزب العدالة والتنمية / أردوغان) تبنّت هذه المقولات وطوّرتها.
وباستقراء أدبيات الإخوان، يمكن للمرء أن يخلص إلى أن الجماعة توصلت، بعد مخاض عسير، إلى تبني الصورة التالية للدولة الإسلامية: إنها جمهورية، دستورية، برلمانية، ديموقراطية (شورى)، مدنية، تقبل بتداول السلطة، وتعدد الأحزاب. باختصار: تبنت “جماعة الإخوان المسلمين” المفهوم الغربي لـ “الدولة الحديثة”.
يمكن القول إن الصّورة النّهائية التي وصلت إليها تلك المفاهيم، بصورتها الحاليّة على الأقل، لم تكن “أسلمة” للمفاهيم الغربية، بقدر ما كانت “تغريباً” للمفاهيم الإسلامية.
وبعد أن عرض للإاشكالات التي تواجه نظرة الحركات الإسلامية للدولة المعاصرة دعا إلى إعادة قراءة “الدولة الحديثة” كظاهرة تاريخية؛ وكذلك إلى قراءة النصوص الإسلامية وفق سياقاتها، خارج الأطر التاريخية والأيديولوجية، للوصول إلى حقيقة النظرية السياسية في الإسلام.
لأن أولوية إقامة الدولة الإسلامية يجب أن تحل محلها أولوية بناء المجتمع المسلم، وهو الذي يقيم إدارته السياسية وفق المنظور الشرعي الإسلامي.
على المستوى السياسي، يجب أن تحلّ أولوية مواجهة الهجمة الغربية والمشروع الصهيوني في فلسطين، بدلاً من صرف الدماء في سبيل الوصول إلى السلطة، وهو أمر لن يقدم ولن يؤخر، لأنه محكوم بالمنظومة السياسية الدولية، التي لا يمكن مواجهتها إلا بالتنمية المجتمعية وبالمقاومة.
وبعد ذلك جرى حوار موسع شارك في الحضور وطرحت خلاله العديد من النقاط الاشكالية حول مفهوم الدولة والنظرة الإسلامية لها.




الحركات الإسلامية تحديات الخطاب والواقع وفقا لرؤية المرجع السيد محمد حسين فضل الله

الحركات الإسلامية وتحديات الواقع
الحركات الإسلامية وتحديات الواقع

  •  حوارات — بقلم: محمد عبد الله فضل الله

 

الإسلام كباقي الأديان رسالة من الله للإنسان يحوي كما غيره على منظومة عقيدية وأخلاقية في غاياتها النهائية تهدف إلى بناء الإنسان والحياة وعندما يكون الدين رسالة لا بد لها من أن تتساوق مع لغة العصر وتتفاعل مع المرحلة ، وأن تنفتح هذه الرسالة بما تحوي على كل إنتاجات الفكر والوعي البشري ومساهمتهما كي تكون القناعة بالدين مرتكزة على وعي ناضج وتكون حركة الشعور الديني متحركة على أساس النضج الخطابي الديني الذي يحرك الكوامن في مواكبته لحركة التغيير والإصلاح بعيداً عن الجمود والموات ، وإن لم يكن هناك من من خطاب متوازن يعني ذلك أنه يوجد خللٌ ما في الشخصية في تواصلها عبر الزمن مع ما تحمل منن تراث يعبّر مع أصالة هويتها ، هذا الخلل الذي نجده اليوم في واقعنا الصاخب بالأزمات والمشاكل على أنواعها في ظل سيطرة خطاب اجتراري تبريري وذرائعي بعيداً عن توصيف الداء ووضع الأصبع على الجرح والعمل على المداواة الفعلية.

والحركة الإسلامية ليست بدعاً من الحركات ولكنها قد تتحول إلى بدع حقيقية عندما تلغي وجودها الفعلي عبر إلغاء دورها في التعبير الأصيل عن الحقيقة الحيوية للإسلام التي تضع قبل كل شيء نصب أعينها السعي وفق الظروف وضمن الإمكانات في حسن توجيه الإنسان وربطه بعنوان رسالته وقيمها ليجيد التصرف مع محيطه ، لا أن تتحول الحركة الإسلامية إلى مجرد شعارات وعناوين فارغة همها كيف تثير الغرائز المذهبية وكيف تحرك العصبيات خدمة لتكتيكات مرحلية على حساب المصلحة العامة في إيجاد مجتمع إنساني متصالح مع نفسه كي نصل إلى مرحلة التعارف.

من هنا لا بد من إعادة قراءة الخطاب الإسلامي وتحديث آلياته كي يصبح عنصر دفع وحركة نحو الآخر لا عنصر انكفاء على الذات وتأطيرها بأطر ضيقة فالإسلام كرسالة يحتاج إلى الشمس المشرقة لا الاختباء في كهوف الظلمات. ويوضح المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله الأساس الذي يقوم عليه الاسلام لنحدد بعدها مدى قرب أو بعد الحركة الاسلامية عن محاكاة الرسالة وتطبيقها بوعي وجدارة إذ يقول :” ثمة حقيقة حيوية في الاسلام هي أنه رسالة الله إلى الإنسان الذي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرجه من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة وهدى ينقذه من الضياع وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة” ( كتاب الحركة الاسلامية ما لها وما عليها ص 291).

ثم يأتي التعارف كقاعدة إسلامية عامة تؤكد على أهمية التنوع في دفع دفة الحياة ، لا استغلال هذا التنوع في تكريس الفواصل والحواجز بين البشر أو استغلالهم تبعاً للجنس والعرق واللغة والدين. يقول السيد فضل الله تعليقاً على الآية القرآنية”( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) وهذه قاعدة إسلامية في النظرة العامة إلى الناس على اختلاف ألوانهم وقومياتهم وخصوصياتهم العائلية والجغرافية، فهي في الوقت الذي تؤكد فيه على جانب التنوع في الخصوصيات العرقية واللغوية والنسبية والجغرافية ونحوها فإنها لا تمنح أي نوع قيمة خاصة ترسم الفواصل بين الإنسان والآخرين ، وتقوده إلى استعدائهم أو محاولة السيطرة عليهم بأي عنوان عرقي أو قومي”. ( تفسير من وحي القرآن ج21 ص 159).

فما دام الدين كذلك فإن أفعال البعض المرتكبة باسم الإسلام والتي تستعدي هذا التنوع وتجعل منه مطية لطموحاتها أو تنفيذاً لأجندات معلنة وخفية لا تندرج سوى المخططات الهادفه إلى تطويع الناس لحساب من يملك القوة والسطوة في الضاهر ، نقول في الضاهر لأن منطق الحق والزمان يقولان بأن هذه اللعبة الخبيثة من البعض ستصيبهم بنارها فهي خطة شيطانية متلونه بشعارات دينية فضفاضة.

وربطاًبما تقدم فقد ظلمت الحركة الإسلامية في صحوتها مرتين ولا تزال ، مرة من قبل من يدعي الانتماء لها ولكنه لم يتابع مسيرتها بوعي وبالتالي لا يؤثر في حركة الواقع كما يجب ، وبين تيار آخر يرى فيها مجرد صحوة تريد في الحقيقة إعادة الوضع إلى زمن الرجعية والتخلف ، فالحركة الإسلامية تحتاج إلى جيل يعيش الصحوة فعلاً ويرى في صحوته انطلاقة إنسانية تدفع نحو الأصالة في خط الحرية، وحول هذه النقطة يصرح فضل الله ” لا يزال العالم كله يعيش هاجس الصحوة الاسلامية الجديدة بين تيار يرى فيها انطلاقة إنسانية روحية جديدة تدفع الإنسان إلى الأصالة الروحية في خط الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعمق إنسانيته وتؤكد حريته وتفتح الحياة كلها لثورة عميقة ممتدة في رحاب الله وبين تيار يرى فيها عودة إلى الخلف والرجعية والتعصب وحركة إرهابية تعمل على تهديم الحضارة والرجوع إلى عهد البداوة وذلك من خلال فكرة الحكم الديني المطلق الذي لا يسمح بأي لون من ألوان الحرية الإنسانية”.( الحركة الاسلامية ص 13).

وبقدر ما تكون الصحوة الاسلامية حالة واعية وراسخة ونابعة من عمق إيماني ورسالي هادف بقدر ما تصبح المصطلحات التي ربما يخاف منها البعض (إسلاميون – جماعات مسلمة) أو غير ذلك مجرد كلمات عادية لا ينسحب الذهن معها إلى ما يحاول البعض وصمه بالاسلام من عناوين الارهاب والتطرف والعنف.

حتى لو سلمنا بوجود صحوة اسلامية متوازنة في وقت من الاوقات فاليوم نجد تراجعاً في الفهم والتطبيق وسذاجه ربما ينفذ البعض ليستغلها في تحقيق مشاريعه ومآربه ، فبات تسييس الدين  وتديين السياسة أمراً مختلطاً لا يمكن ضبط حركتهما إذ أصبحنا الجهة التي تحدد انتماء الفرد وحتى سلامة علاقته بالله وكأنه حساب إلهي يجري بأيدي البشر باسم الله حيث تجري المبايعات والصفقات باسمه كسيف مسلط على رقاب خلقه وبالتالي غابت الصحوة الاسلامية الفاعلة المطلوب منها أن تكون حالة حركية تهز العقل والعاطفة والواقع في انطلاقة الاسلام في الحياة كرسالة تستوعب كل تطلعات الإنسان في الإيمان والحرية والعدالة كي لا يستغرق الإنسان في الغيب وينسج واقعه على أساسه اللامحدود والمشوش وعندها تغيب عملية التكامل الانساني لجهة بناء الاجتماع الانساني فيما المطلوب إحياء قيم الاجتماع الانساني على قاعدة البر والتقوى في تحمل الفرد والجماعة لمسؤولياتهم .

ما يحصل وباسم الدين اليوم هو هجران هموم الواقع والانجراف نحو عوالم وهمية يصطنعها البعض لأنفسهم ويعطونها ما يتلبسها من نص شرعي لإضفاء القدسية عليها وهذا زيادة في الجهل ويعطي السيد فضل الله التوصيف الملائم لحقيقة الصحوة وما يجب أن تكون عليه بقوله:”ليست الصحوة الإسلامية تعبيراً عن حالة شعورية تعيش في إحساس الإنسان المسلم بأنه يعيش حالة يقظة بعد نوم طويل أو بعد سكرة مطبقة بل هي تعبير عن حالة حركية تهز العقل والعاطفة والواقع في انطلاقة الاسلام في الحياة كرسالة تستوعب كل تطلعات الانسان في الإيمان والحرية والعدالة ليبتعد عن الهامش الذي يقف به خارج نطاق الواقع فيدخل في العمق ويتحرك في الامتداد ليصل إلى التكامل الفكري والعملي”.(كتاب الحركة الاسلامية ص 97).

وعندما تنغلق التنظيمات التي تعتبرنفسها إسلامية على عصبيتها الحزبية أو الجهوية وبالتالي تصبح منفصلة عن القضايا الجوهرية للأمة تصبح هذه التنظيمات غريبة على الأمة وتسيء إليها وتعيش بالتالي على جهالة البعض منها وتحاول أن تستحضر وتحشد كل الشعارات والعناوين لتأكيد روحها وحيويتها ولكنها في الواقع ميتة لأنها لا تعبر عن تطلعات الأمة الحقيقية.

يقول السيد فضل الله (رض):” وربما كان من الضروري أن نلفت الأنظار إلى ضرورة العمل على إبعاد التنظيمات الاسلامية عن العصبية الحزبية المنغلقة في الدائرة الصغيرة التي تؤكد فيها الانفصال عن الجماهير الواسعة للأمة في الساحات الأخرى أو المجالات الأخرى”. ( كتاب الحركة الاسلامية ص 114).

بعدما تقدم علينا أن نفكر كمسلمين وبحجم الاسلام في رسالته لا كسنّة ولا كشيعة منغلقين على مذهبيتهم الضيقة فعندما نفكر بحجم الاسلام ونتوحد حول قضايانا الكبرى ونتناسى بعض الخلافات التاريخية التي لا ثمار لها اليوم سوى بقاء حالة التشرذم والتنازع نستطيع أن نخرج من المذهبية إلى فضاء الأمة في حفظ مصالحها ووجودها.

ونقطة أخرى هامة وهي ضرورة العمل على تنمية الإنسان من النواحي كافة كي نرفع من مستوى وعيه وحضوره ويكون أكثر فهماً لما يحصل ويحدث من حوله فالتنمية الإنسانية أضحت من القضايا الهامة التي علينا جميعاً العمل من أجلها تخفيفاً لمآسي الواقع التي لا تنتهي.

  • كاتب اسلامي من مؤسسة السيد فضل الله