عن الأصول النظرية للنزعة النقلية في التراث الثقافي العربي

بقلم: صلاح سالم — تبدو قصة إبليس كما وردت في القرآن الكريم بسيطةً في ظاهرها حيث أمَره الله أن يقع ساجداً لآدم فرفض، وكان ما كان من شأنه. غير أن فكرة هامة تتجاوز هذه النظرة البسيطة قال بها بعض مفسري القرآن، كالطبري، وهي التمييز بين الأمر الإلهي وبين المشيئة الإلهية، فالأمر بطبيعة الحال إما أن يطاع وينفذ وإما أن يُعصى، وللمأمور الخيار في ذلك. أما المشيئة الإلهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات، لأنها بطبيعتها لا ترد. لقد شاء الله وجود أشياء كثيرة، غير أنه أمر عباده بالابتعاد منها كما أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى. فقد أمر الله إبليس بالسجود لآدم ولكنه شاء أن يعصي الأمر، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه، فالأمر والنهي أشياء طارئة وعرضية إذا قيست بسرمدية المشيئة الربانية وقدم الذات الإلهية.
الأمر نفسه يمكن تعميمه على قصة هبوط آدم إلى الأرض، فالقرآن يحكي عن خطيئته مع حواء والأكل من الشجرة، بيد أنه لا يؤيد الاعتقاد القائل بأنها خطيئة أزلية/ أصلية تتابع النوع البشري، الذي بات نتيجتَها ذا طبيعة فاسدة مدنسة محكوم عليها بالدونية، بل إن آدم نفسه الذي ارتكب الزلة الشيطانية أصبح أول الأنبياء. وعلى رغم إن الإنسان في الإسلام قد يقع في خطايا عديدة وهو يمارس حياته على الأرض، فإنها خطايا ليست حتمية بأي معنى بل تخضع للمصادفة والإرادة. إنها محض تحدٍّ لقدرتنا على الاختيار، يواجهنا كل يوم، ننجح فيه يوماً ونفشل في آخر، نتيجة ضعف إرادتنا أو قوة شهوتنا في أحيان أخرى. ولكن وقوعنا في الخطيئة لا يعني هلاكنا الأبدي وإنما فقط حاجتنا للتوبة إلى الله. وقد أمرنا الله بالتوبة والاستغفار من الذنوب كبيرها وصغيرها، وإذا مات الإنسان على الإيمان فأمره مفوض إلى ربه في ما اقترفه من المعاصي، إن شاء عذبه بمقدار معصيته وإن شاء عفا عنه لحكمة يعلمها وحده جل شأنه، ولا خلود لمؤمن في العذاب، إنما الخلود الأبدي، وفق ما جاءت به النصوص الشرعية، للكافرين فقط. قال الله تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (النساء: 48). وتلقى العقل العربي المسلم هذه القصة بطريقتين مختلفتين، أو وفق فهمين متناقضين، دفع أحدهما في اتجاه توكيد نزعة نقلية/ اتباعية عميقة، فيما دفع الآخر باتجاه نزعة عقلانية تحررية:
الفهم الأول حرفي، رأى في هبوط آدم من الجنة إلى الأرض محض عقاب له على خطيئة الأكل من شجرة محرمة، وكأن الله لم يكن ليخلق العالم لولا تلك الخطيئة. ينتج هذا الفهم تصوراً لحركة التاريخ البشري باعتبارها محض نتاج للخطيئة، أو كأنها هي نفسها خطيئة لا يمكن الخلاص منها. ومن ثم يسلك أرباب هذا التصور على أساس أن لا معنى لقيم التقدم والتحرر، فكل حركة على هذا الطريق ليست إلا إمعانا في الخطيئة وولوجاً في الإثم.
والفهم الثاني تأويلي يرى في قصة الخلق محض ذريعة لتدشين الوجود البشري، معتبراً هبوط آدم تجسيداً لمشيئة الله، المقررة سلفاً، وليس نتاجاً لخطيئة عارضة. أما نص عصيان آدم لأمر الله فيدرك مغزاه فقط عبر التمييز بين الأمر والمشيئة، فقد خالف آدم أمر الله ظاهرياً فيما أطاع مشيئته جوهرياً، وهو ما ينسجم مع كمال الله وقدرته الكلية التي تُعجز المخلوق عن مخالفتها من الأصل.
وبينما يصوغ أرباب الفهم الأول نموذجاً لذات إنسانية مستلبة، تكاد تقترب من العدم، متوهمين أن لا مدخل لتعظيم الحضور الإلهي إلا بتحقير الوجود البشري، على نحو يصبح معه الإنسان عاجزاً، غريباً داخل التاريخ، يصوغ أرباب الفهم الثاني نموذجاً لذات مستخلفة، يملك الإنسان معها وجوداً حقيقياً وإن كان مقيداً ونسبياً أمام الوجود الإلهي المطلق. وهنا يتصور إمكان تحقيق ازدهار بشري برعاية إلهية لإنسان فاعل ينظر إلى التاريخ بإيجابية، ساعياً إلى امتلاك أرقى قيم عصره، بغية تحقيق العمران، باعتباره غاية الله من الوجود البشري.
والحق أن هذين الفهمين ظلا قائمين، بالامتداد الرأسي في كل عصور التاريخ الإسلامي، والأفقي إلى شتى الحقول المعرفية من الكلام إلى الفلسفة ومن الحديث إلى الفقه، فطالما كان هناك الجبريون في مقابل القدريين، والأشاعرة في مقابل المعتزلة، والغزالي في مقابل ابن رشد، بل وابن حنبل في مقابل أبي حنيفة، فثمة اتباعيون، هاربون من التاريخ إلى النصوص مقدسين السلف، الأفضل دوماً من الخلف، استناداً إلى فهم صوري لحديث مجروح عقلاً وإن صح سنده عن خيرية القرن الذي عاش فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) قياساً إلى بقية القرون التي تحوز من الخيرية مقداراً أقل بمرور الزمن وتوالى القرون. وثمة مجددون ومبتكرون، واثقون من ذواتهم الإنسانية، قادرون على النهوض بعبء رسالتهم الاستخلافية، وعلى السير بجرأة على طريق المستقبل، مؤمنون بأن العصور والأزمنة تأتي بالجديد الذي لم يكن يتاح للأولين، أنهم مطالبون بإضافة ذلك الجديد إلى جهود السابقين.
يؤمن أرباب الفهم الأول، السلفي على وجه العموم، بأن الإنسان ناقص وخطاء، غير قادر على تحرير نفسه. والمفارقة هنا إن هذه الفكرة مسيحية بالأساس، يفترض أن تاريخ الدين التوحيدي قد تجاوزها مع الإسلام، ولكن هؤلاء يتورطون في استدعائها، على رغم أنهم لا يرون في الآخر، مسيحياً كان أو يهودياً، إلا موضعاً للرفض، وربما الكراهية. وفي المقابل، يؤمن أرباب الفهم الثاني، النقدي على وجه الإجمال، بقابلية الإنسان إلى الكمال الأخلاقي، عبر التربية والتعليم والتثقيف، وهى فكرة لم يبلغها العقل الغربي الحديث إلا عبر قطيعة فلسفية مع المفاهيم المسيحية التقليدية حول الإنسان والخطيئة الخلاص، بدءاً من زمن الإصلاح الديني مروراً بالعصر الهيوماني (الإنساني) وصولاً إلى عصر التنوير، حيث كرس جان جاك روسو لهذه الفكرة كتابه الشهير (إميل)، مؤكداً قدرة الإنسان على الترقي عبر التربية، وهي نفسها الفكرة التي أشار إليها المفكر الألماني غوتولد ليسنج، بل أقام عليها معمار فهمه لتاريخ الدين التوحيدي، ومغزى تعاقب رسالاته، وتغاير تعاليمه وفق قدرة الإنسان على التلقي، والتي نمت تاريخياً بفعل ارتقاء العقل البشري ذاته، ومن ثم ينبع التقارب المنطقي بين التيار النقدي في الفكر العربي، وتيارات الفكر الغربي الحديث، حيث الإيمان المشترك بالإنسان وقدرته على التعقل والتحرر، والتأثير الإيجابي في حركة التاريخ.
وقد انعكس هذان الفهمان أو تداخلا مع عالم السياسة أيما تداخل، فثمة حكام راقهم التيار الجبري الإتباعي، حاولوا توظيفه تأبيداً لسلطتهم على الناس/ الرعايا باعتبارهم من القاصرين، فاستدعوا رموزه على كافة الأصعدة، إذ لم يكن استدعاء الأمويين مثلاً، الجبريين ومقولاتهم وحصارهم القدريين الأوائل ومقولاتهم صدفة، بل تبريراً لاستبدادهم باعتباره قدر الله الذي يعد التسليم به والخضوع له نوعاً من الإيمان، وهو ما توالى عبر كل العصور في صور وأشكال شتى صاغت ظاهرة فقهاء السلطان، وشعراء الأمير، وصولاً إلى مثقف الدولة العضوي. وفي المقابل ثمة حكام كبار امتلكوا الطموح لترقية مجتمعاتهم، فاستدعوا رموز التيار الإبداعي في شتى المجالات، كالخليفة المأمون مثلاً (198 – 218 هـ) الذي رعى المعتزلة والفقه الحنفي القائل بالرأي، وأنشأ دار الحكمة لترجمة المعارف من كل اللغات الحية، باعتبارها رافداً للحكمة الإنسانية، وطريقاً للتواصل مع الآخرين، وإن كان الأمين، ثم المتوكل قد انقلبا على هذا المشروع الثقافي، باستعادة رموز التيار الاتباعي تهميشاً للنزعة العقلانية في الفكر العربي، وهو الانقلاب الذي لم تبرأ منه الثقافة العربية تماماً حتى اليوم، ولو شهدت في بعض الحقب أو الأنحاء طفرات عقلانية سرعان ما يقل إشعاعها، وميول تحررية، سرعان ما يتقلص امتداده، لتعود سيرتها الأولى على هذا الصعيد أو ذاك، وصولاً إلى الربيع العربي العاصف بنزعات التحرر، والذي استحال خريفاً كئيباً بانفجار براكين المذهبية، وتمدد ألسنة التطرف.

المصدر: الحياة




عبد الكريم سروش بين الاعتزال والأشعرية

بقلم: داريوش محمد پور — ترجمة: السيد حسن الهاشمي — إنّ إجابة الدكتور سروش الثانية عن نقد الشيخ بهمن پور هي تكرار للقصة المتقدمة منه مراراً. ومن وجهة نظري فإن المشروع الذي يتقدّم به الدكتور سروش يغلب جانبه السياسي على جانبه العلمي والمعرفي.

إذا كان التنوير الديني يعني مجرّد توجيه النقد إلى الفقه فهو نشاط عقيم. وإنّ وجه التعارض بين الخاتمية والتشيع أضحى ـ كما يبدو ـ أبرز من أن تتمّ مناقشته من الزاوية التاريخية. وعلينا في هذه العجالة توضيح هذه المسألة، وهي أنّ مراد الدكتور سروش من (التشيع) هو التشيع الاثني عشري، الذي صادف أن يرتبط مصيره بالسياسة الحكومية. وإنّ نظرية ولاية الفقيه هي الجانب الأبرز من هذه النظرية. وبمعزل عن هذا كلّه فإنني لا أرى نقد الدكتور سروش للتشيع متيناً؛ وذلك للأدلة التالية:

1ـ لقد تحدث الدكتور سروش عن تقطيع أوصال النبوّة بمقراض الإمامة. ومن خلال النظر إلى المسألة من هذه الزاوية يبدو أن الطائفة الوحيدة التي لم تقطع أوصال النبوّة على هذه الشاكلة هم غالبية أهل السنّة في العالم. وعليه يتعيّن على الدكتور سروش أن يقدّم تعريفاً جديداً للتشيّع. إذا كان المراد هو مجرّد تحديد وتذليل التشيع السياسي المعاصر وجب اقتصار الحديث بصراحة ووضوح على تذليل هذا التشيّع الخاص، لا أن يتمّ توظيف مشرط الجراحة من طرف واحد على كيان التشيّع بأجمعه. لقد كان التشيع على طول التاريخ هو هذا الذي نراه بجميع مقتضياته السياسية والاجتماعية. إذا كان البناء على نقد التشيّع، بالاستناد إلى وضع النبوّة في الظل والهامش، فيجب على القاعدة عدم التوقف على الواقع الراهن، ولابد من العودة خطوة خطوة حتى نصل إلى البداية الأولى للتشيع.

2ـ قال الدكتور سروش في بيان موقع الشيعة وغير الشيعة في تاريخ الدين وتفسيراته: «إذا كان هناك الكبار من المفسِّرين والعرفاء والمتكلمين والمدافعين عن حصون الدين فإنما برزوا من الأوساط غير الشيعية».

من وجهة نظري فإن هذا الكلام إذا لم يكن باطلاً فإنه لا يخلو ـ قطعاً ـ من عدم العدل والإنصاف؛ فإنّ الدكتور سروش نفسه يدرك أكثر من غيره أن لواء الحركات والمدارس العقلية في الإسلام قد حمله الشيعة بالمعنى الأعم. وإذا أدخلنا دور المعتزلة في الحساب فلن نتمكن من إلغاء دور إخوان الصفاء والفاطميين في مصر في توسيع الحركات العقلية، اللهم إلا إذا كان للمفسِّر والعارف والمتكلِّم أو المدافع عن حياض الإسلام تعريف آخر لا يعرفه غير الدكتور سروش.

3ـ ما هو مستند الدكتور سروش عندما يقول: «ليس الأمر بأنّ آراء الشيعة مقدمة وأقوى بالمطلق من آراء غيرهم»؟

فهل يستند في ذلك إلى التاريخ الأشعري الطويل، الذي برز في مولوي والغزالي بشكل خاص؟ أليس عجيباً من الدكتور سروش، الذي يدعي تجديد تجربة الاعتزال، أن يرى مراده ومثاله البارز في فهم الدين في مولوي أو الغزالي؟! لا أروم من هذا الكلام تخطئة مولوي، أو تشويه سمعة الغزالي، وإنما الذي أريد أن أضيفه وأروم الوصول إليه هو أنه بينما يلبس الدكتور سروش رداء الاعتزال نراه يسلك سلوك الأشاعرة، من خلال تكراره لادعاءاتهم. وطبعاً علينا أن لا نغفل أنّ غير الشيعة، الذين يذكرهم الدكتور سروش، كان لهم السهم الأوفر في تطوير النظام الفقهي في العالم الإسلامي. ولكن إذا استثنينا الغزالي فما هو عدد المنتقدين للفقه من غير الشيعة؟ يشير الدكتور سروش بوضوح إلى ابن عربي، والفخر الرازي، ومئات النماذج الأخرى التي ليس لها ذكر دقيق وواضح في البين، ولكن علينا أن لا ننسى أيضاً أن ابن عربي نفسه عندما يتجاوز مقولة التفسير، ويصل إلى حدود التأويل، يكون في الحقيقة والواقع قد وصل إلى النقطة التي سبقه الشيعة إليها، فكيف يمكن القول بتصويب وإجازة تأويلات ابن عربي، والخضوع لما يقول، ولكن عندما نصل إلى تأويلات الشيعة نعمل على رفضها وإبعادها تحت ذريعة الغلوّ والتطرّف؟!

4ـ إنّ حجر الزاوية لادعاءات سروش في هذه البحوث يكمن ـ كما ذكرنا ـ في نقد الفقه. فلنفترض جدلاً صحة كلام الدكتور سروش، من أنّ الشيعة قد وظفوا الإمامة مقراضاً لتقطيع أوصال النبوّة، وعلينا من الآن فصاعداً أن نتخلى عن هذا السلوك الخاطئ، فما هي وظيفتنا بعد ذلك؟ وما هو الشيء الذي يميّز الشيعة من غيرهم؟ إذا كان البحث في حصر الولاية بالولاية الباطنية فما هو الفرق بين ولاية علي وولاية ابن عربي؟ لا شكّ في أن مراد الدكتور سروش من الولاية هنا الولاية التي تتجلى في السياسة. ولم يتجلَّ هذا النوع من الولاية في العالم بطبيعة الحال إلا في مصداق واحد. فهل توصَّل الدكتور سروش، وهو القائل بالتعددية الدينية، إلى وجود فهم أكثر صحّة من الفهم الآخر، بمعنى كون غير الشيعة أكثر وفاءً بفهم الإسلام وفهم الخاتمية من الشيعة؟ وهل ينسجم هذا الكلام مع الاعتقاد بالتعددية؟ وبالالتفات إلى هذا الكلام أليس ينبغي للدكتور سروش إعادة التفكير في نظرية التعددية وبسط التجربة النبوية أو أن يضيف إليها استدراكاً؟

من وجهة نظري إن لبّ كلمات الدكتور سروش يكمن في أنّ نصف سطوره عبارة عن إجابات عاطفية تنطق بالعتاب والشكوى، وإنْ كانت شكايات الدكتور سروش تستحق أن تلقى أذناً صاغية، بل هي غالباً في محلها.

5ـ المسألة الأخيرة التي لم أجد لها بعد كلّ هذا التكرار جواباً هي أنه بعد اتضاح مسألة الشيعة حملة المقراض نصل إلى شخص خاتم الأنبياء. فصحيح أنّ ولاية رسول الله لم تعد ولاية قائمة وموجودة، وصحيح أنّ شريعة خاتم الأنبياء قد ختمت بختم النبوات، ولكن كيف يكون التعامل والتوفيق بين شريعة مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرناً والعالم المتحوّل والمتسارع في تطوّره؟ فلو أنّ الأمس كان يشهد شيعياً يقطِّع أوصال الخاتمية بمقراض الإمامة فإننا نشهد اليوم كلّ مسلم يعمل على تعطيل الخاتمية بمقراضه الخاص. ومع هذه المقدمات لا أجد مانعاً عقلياً من تجاوز حتى شخص النبي الأكرم. وأساساً فإن وجود النبي الأكرم وعدم وجوده ـ وفقاً لهذه الرؤية ـ لا يؤثر كثيراً في فاعلية علم الأخلاق المستقل عن الفقه، أو العقل المستقلّ عن الدين. وعليه فإنّ الحديث عن الخاتمية، سواء صدر من محمد أم عيسى أم موسى، فإننا في التالي نحن الذين نوضِّح معنى الخاتمية من خلال تعريفنا الخاص. وخلاصة الكلام: إنّ العقل عندما يستغني ويستقلّ لن تغدو له حاجة بالنبي، ويكون العقل بنحو من الأنحاء هو صاحب الوحي، لنعود بعد ذلك إلى ما كنا فيه من دوامة الدور الباطل. إن العقل المستقلّ والمستغني بنفسه هو نبي آخر في ثوبٍ جديد.

إنني أدرك أنّ مراد الدكتور سروش من تأكيده على الفهم الصحيح للخاتمية هو عدم إلغاء دور العقل البشريّ بعد رسول الله، وأن لا يكون هناك في مقام الإدارة السياسية والاجتماعية شخص فوق أن يُسأل. ولا شكّ في أنّ هذا الجهد يستحق التقدير والثناء. ولكنني لا أتصور أنّ طرح المسألة بهذا الشكل والأسلوب يساعد على بلوغ الغاية والهدف. فإذا كانت هناك ملازمة بين الشيعة وإلغاء دور العقل المستقل عن الإمام (الغائب أو الحاضر)، فمن وجهة نظري يمكن على هذا السياق إلغاء العقل من خلال التمسك بالخاتمية أيضاً. وإنّ من أهم الواجبات التي يتعيّن على الدكتور سروش أن يخوض فيها بوضوح هو أن يقدم تعريفاً دقيقاً وواضحاً عن (النبوّة) و(الإمامة) و(التشيع). وأما كلام الدكتور سروش في (الولاية الباطنية) و(الولاية السياسية) فلا يسعنا التطرق إليه في هذا البحث على نحو يفي بحقه. كما أنّ الشيعة في العالم لا يمكن اختزالهم بشيعة إيران، القائلين بولاية الفقيه. فإذا وجدنا نموذجاً واحداً تعتقد فيه جماعة من الشيعة اعتقاداً راسخاً بولاية إمامهم، حتى في الحد الذي يؤدي من وجهة نظر الدكتور سروش إلى إلغاء الخاتمية، ومع ذلك لا نصل إلى النتائج السيّئة التي يؤكد عليها الدكتور سروش، فهذا يعني إمكان الجمع بين هذا التشيع وبين العقل المستقلّ والأخلاق المستقلّة عن الفقه.

(*) باحث في العلوم السياسية.

المصدر: مجلة نصوص معاصرة




“دراسات في علم الكلام الجديد” للباحث الإيراني حسن يوسفيان

علم الكلام الجديد

حوارات نت — صدر عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي في بيروت كتاب جديد تحت عنوان: دراسات في علم الكلام الجديد للباحث الايراني الدكتور حسن يوسفيان وترجمة العلامة الشيخ محمد حسن زراقط ، ويتضمن الكتاب عدة فصول حول الموضوعات التالية: الدين والدراسات الدينية، فلسفة الدين والكلام الجديد،الدين والاسئلة الكبرى، علم الاديان، منشأ الدين ونظريات في تفسير الدين، إثبات وجود الله، صفات الله، موقع الشرور في نظام الخلق، لغة الدين، العقل والوحي، الحرية الدينية، التعددية الدينية، الدين والمجتمع، والدين والاخلاق.

ويقول مؤلف الكتاب الدكتور حسن يوسفيان في المقدمة: هذا الكتاب الذي نضعه بين ايدي الباحثين هو كتاب بحثي روعي فيه ان يكون صالحا لاعتماده في التدريس في موضوع علم الكلام الجديد وحاولنا فيه شرح الفرق بين علم الكلام التقليدي وعلم الكلام الجديد وبين مفاهيم جديدة مثل فلسفة الدين واللاهوت الفلسفي او علم الكلام الفلسفي.

ويضيف المؤلف: لقد راعينا في الكتاب سمتين :الاختصار والجامعية والشمول بحيث يجد القاريء فيه ما لا يجده في كتب اخرى حول هذا الموضوع ومما يجعله مفيدا للجميع من طلبة وباحثين وعلماء.




رؤى في الكلام الجديد: عبد الكريم سروش نموذجاً

بقلم: عبد الله إدالكوس —

soroush

مدخل
يرى العديد من الدارسين أنّ علم الكلام أو علم أصول الدين أو علم التوحيد..إلخ، تولد في فضاء الإستفهامات التي طرحتها مدلولات بعض الآيات القرآنية المتشابهة خصوصاً المرتبطة منها بقضايا الذات الإلهية والصفات والقضاء والقدر…إلخ، وقد ازدادت هذه الإشكالات حدة من ناحيتي الكم و الكيف عبر المحطات التي شكلتها الأحداث التاريخية والسياسية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، كمسألة الإمامة و الخلافة التي برزت عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتساع مساحة الإسلام و الاحتكاك الذي تولد عنه بين الحضارة الإسلامية والحضارات المجاورة وتفاعل العقل الإسلامي بالمنتج المعرفي اليوناني بالخصوص.
فهذه عوامل تضاف إلى أخرى ساهمت بشكل جلي في صياغة العديد من الأسئلة الكلامية والفلسفية ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية تجسدت في بروز مدارس كلامية ومذاهب في العقيدة، بعضها انبهر بالآلية العقلية التي يوفرها المنطق الأرسطي و البعض الآخر رفضه كما رفض الوافد المعرفي اليوناني عامة، فتطور الجدال و السجال بين هذه الأطراف، كل يدافع عن مذهبه، وتوسعت القضايا وازدادت تشعباً وتفريعاً حتى فقد علم الكلام حيويته وفاعليته واختُزل في مقولات يكتنفها الغموض و التعقيد و التفريع و الحشو؛ فتحول بذلك إلى” مجرد ترف فكري لا فائدة منه، ولم تستسغه النخب الجديدة، حيث لم يعد قادراً على معالجة الإشكالات المعرفية الحديثة فضلاً عن المشاغل الروحية للمسلم المعاصر، فبرزت بذلك محاولات جديدة لإعادة إحياء هذا الفكر في قالب جديد، و البحث عن عصر ذهبي للثقافة الإسلامية بعد أفول شمعتها الأولى”(1). وقد تجسدت هذه المحاولات في برامج العديد من المؤسسات البحثية و المراكز العلمية وفي كتابات عدد غير يسير من الباحثين و الأكاديميين، محاولات تروم في مجملها تحديث المنظومة المعرفية الإسلامية و الاستفادة من المنجز المعرفي المعاصر وتجاوز النمط القديم في التفكير الكلامي .
في هذا السياق المعرفي الجديد تبرز إسهامات الدكتور عبد الكريم سروش ، فالمتن الفكري الذي يحمله هذا الرجل مليء بقضايا وإشكالات تغتني بها المعرفة الكلامية الجديدة خاصةً والدينية عامة. وسنحاول في الأسطر القليلة المقبلة عرض و مناقشة هذه القضية- تجديد علم الكلام وإسهامات سروش في ذلك- عبر نقطتين أساسيتين: الأولى: في الحاجة إلى تجديد علم الكلام، و الثانية: في السيرة الفكرية للدكتور عبد الكريم سروش، وإسهاماته في هذا المجال. على أنَّ ما سنشير إليه لا يغني عن مراجعة ما كتبه و أبدعه رواد هذا الفن، وحسبي النماذج الفكرية التي قدّمها الدكتور عبد الكريم سروش.
الحاجة إلى تجديد علم الكلام
أشرنا سابقاً إلى أنّ علم الكلام لم يعد له تلك القدرة المبدعة التي كان يتمتّع بها في القرون الأولى، فهو عاجز عن تغطية الحاجات الفكرية و النفسية للمسلم المعاصر، وهذا تقرير يكاد يجمع عليه الباحثون و الدارسون للفكر الإسلامي، ويرجع عبد الجبار الرفاعي – وهو أحد أبرز المشتغلين بقضايا تجديد علم الكلام – مناشئ عجز علم الكلام التقليدي عن الوفاء بهذه الحاجيات إلى عوامل منها :
1- هيمنة المنطق الأرسطي في الاستدلال على قضايا العقيدة .
2- طغيان النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل.
3- تفريغ علم الكلام من محتواه الاجتماعي .
4- تراجع دور العقل وشيوع التقليد.(2)
فهذه عوامل تضافرت لتساهم بنحو مركب في ضمور سؤال الإبداع وخلق المعنى و الحيوية الفكرية في الكلام الكلاسيكي، مما يسوغ تولد أصوات تدفع بتجديد علم الكلام، ليس بمجرد إلحاق مسائل جديدة به، بل بمراجعة شاملة لعلم الكلام في مستوياته الثلاثة : الأهداف و الموضوع و المنهج.
فمجال التجديد في علم الكلام يشمل” تحديات جديدة لم تكن موجودة في القرون الإسلامية الأولى ، من مثل نهوض “الآخر” وتراجع عالم الإسلام. ومن مثل صعود الفلسفات المادية و الوضعية وثقافة الحداثة وتفكيك وعدمية ما بعد الحداثة. ومن مثل “التخلف الذاتي” الموروث عن حقب التراجع الحضاري في مسيرة الأمة الإسلامية، وكذلك التجديد في المناهج استفادة مما تحقق من التراكم المعرفي في هذا الميدان. و أيضاً في لغة الخطاب و أساليب التأليف ومنطق الترتيب للأبواب و المسائل والمقالات، فلابد- يقول محمد عمارة- من تحلي علم الكلام الجديد بالبلاغة التي تراعي مقتضى حال العقل المعاصر، إنْ في الموضوعات أو أساليب التعبير و الخطاب أو هندسة البناء المفاهيمي و المعرفي لأدبيات هذا الطور الجديد لعلم الكلام”.(3) . ويرى الرفاعي أنَّ التجديد إذا طال الأبعاد السالفة الذكر: الأهداف والموضوع و المنهج. فإننا ” سنشهد ميلاد علم جديد مغاير تماماً لسلفه، لأنََّ أبعاد كل علم تشكل نسيجاً متكاملاً فيما بينها ويوحدها التأثير المتبادل، أي إنَّ أي تحوّل في أحدهما يستتبعه تحوّل في سائر الأبعاد، وهذا يعني تخلخل المنظومة السابقة للعلم، وحدوث منظومة بديلة يأخذ فيها كل بُعد من أبعاد العلم موقعه الملائم ويعاد نظم المسائل في إطار يتسق و التحولات الجديدة في المسائل و الغايات و الموضوع و المنهج و اللغة و المباني ، ومعنى ذلك تجديد “الهندسة المعرفية لعلم الكلام”(4).
إن هذا التحديث لا يمكن تحققه دون الاستفادة و التفاعل مع التحولات التي شهدها العالم خلال القرون الأخيرة على المستوى السياسي و الاقتصادي و الفلسفي و العلمي و التدفق الهائل للنظريات العلمية و الفلسفية التي تزخر بها حقول المعرفة المعاصرة و الإيمان بتاريخانية المعرفة البشرية ونسبيتها.
هذه إذن هي الخطوط العريضة لمفهوم التجديد في علم الكلام، وتبقى إشكالية التأسيس تاريخياً لهذا النمط من المعرفة من القضايا المختلف فيها بين الدارسين على اعتبار أن تجديد علم الكلام هو” مشروع تضافرت في احتضانه وتطويره مبادرات وجهود معرفية وعلمية أسهم فيها رجال كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث ، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم ،ويعد العالم الهندي شبلي النعماني (1332هج) من أوائل من نحت مصطلح علم الكلام الجديد كعنوان لكتابه الذي نقله إلى الفارسية محمد ثقي فخر داعي كيلاني وطبعه في طهران سنة 1950 بنفس العنوان”(5).لكن هذا لا يعني أنه المؤسس للتفكير الجديد في علم الكلام، بل هو واحد من الرواد الذين تشكل عندهم وعي بضرورة تحديث المنظومة الدينية بشكل عام و الكلامية بشكل أخص، أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال وحمد جواد البلاغي ومحمد الطاهر بن عاشور…وغيرهم كثير، فكل واحد من هؤلاء يشكل مدرسة قائمة بذاتها في التفكير الإسلامي الجديد ، غير أنه يمكن أن نصنفهم ضمن ثلاثة أزمنة للاتجاهات الجديدة في علم الكلام:
الزمن الأول : يتمثل بتأسيس المعتقد على العقل و العلم، كما في آثار الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، ومحمد فريد وجدي، وحسين الجسر، وهبة الدين الشهرستاني، وغيرهم.
الزمن الثاني: يتمثل بالتأسيس الفلسفي لعلم الكلام مثلما نلحظ في آثار محمد إقبال وكتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي، ومحمد عبد الله دراز والعلامة الطباطبائي.
الزمن الثالث: يتمثَّل في التأسيس المنهجي لعلم الكلام كما في الأسس المنطقية للاستقراء عند محمد باقر الصدر.
وقد حصل في مرحلة لاحقة انفتاح على مناهج متنوعة في البحث الكلامي ،حيث استعان البعض بفلسفة العلم المعاصر في أوربا وعمل على توظيف معطياتها في تحليل المعرفة الدينية، وتأكيد تاريخية هذه المعرفة، فيما استعان آخرون بالهيرمنيوطيقا ” تفسير النصوص” و السيمياء “علم الدلالة” في تفسير النصوص وتأويل مدلولاتها، واستعار فريق ثالث مناهج ومعطيات متنوعة من العلوم الإنسانية الغربية و الإلهيات المسيحية ودشّنها بمجموعها في تفسير النصوص وتحليل التجربة الإيمانية و المعرفة الدينية(6). أمثال محمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، وأحد فرامز قراملكي، وحسن حنفي، ومحمد أركون، و محمد شحرور، ومحمد أبو القاسم حاج حمد، وعبد المجدي الشرفي، وعبد الكريم سروش، وهذا الأخير يُعدّ من بين أكثر المفكّرين جدلاً في الوسط الإيراني خاصة و الإسلامي عامة. فقد أثارات كتاباته نقاشاً مستفيضاً في صفوف المثقفين والطلبة الجامعيين في الساحة داخل إيران وخارجها، ولهذا السبب ارتأينا أن نقف عند الخطوط العريضة لمشروعه الفكري و أبرز الردود التي أثارها.

عبد الكريم سروش : ملامح التكامل في تكوين المثقف المعاصر
عبد الكريم سروش هو الاسم المستعار لحسن حاج فرج الدباغ، من كبار المثقفين الإيرانيين الدينيين المعاصرين، من مواليد طهران سنة 1945 م، درس بالمدرسة الثانوية(الرفاه) وهي من المدارس التي كانت تحرص على الجمع في مناهجها بين الدروس الدينية وبين المواد العلمية المعاصرة، التحق بجامعة لندن في فرع الكيمياء وحصل على الدكتوراه، وكان إضافة لتخصصه في الكيمياء والصيدلة متبحراً في فلسفة العلم، مطلعاً على معطيات أحدث تياراتها النقدية الحديثة وتراث المدرسة الوضعية.
كان سروش قريباً من علي شريعتي ومرتضى مطهري، وهما وجهان محوريان في فترة ما قبل الثورة في إيران، وبعدها عاد إلى بلده وشغل مناصب عليا في الدولة وأخرى بحثية أهمها مؤسسة الأبحاث و الدراسات الثقافية .
ظهر سروش منذ أوائل الثمانينيات كواحد من الكتّاب غزيري الإنتاج في إيران، وعالجت كتاباته الأولى النظريات الماركسية وموضوعات فلسفة العلم، ومن أهم أعماله البارزة في تلك الفترة كتاب “المعرفة و القيمة” و كتاب ” ماهو العلم؟ ما هي الفلسفة؟” إضافة إلى دراسة نقدية لكتاب الشهيد الصدر “الأسس المنطقية للاستقراء” نُقلت على العربية ضمن كتاب السيد عمار أبو رغيف بعنوان “الأسس المنطقية للاستقراء في ضوء دراسة الدكتور سروش” سنة1989، وهي السنة التي بدأ فيها سروش بنشر مقالات القبض و البسط النظري للشريعة(7)، وقد أثارت جدلاً واسعاً ونقاشاً حاداً بين المؤيدين و المعارضين، فجمعت بعد ذلك في كتاب حمل نفس العنوان “القبض و البسط في الشريعة” ونُقل إلى العربية، فليس من قبيل الصدفة أن يؤلف في إيران وحدها ثلاثون كتاباً لمناقشة آراء سروش،عشرون منها تتفق معه وتؤازره و العشرة الأخرى تقف بالضد من تلك الآراء و الطروحات(8). وميزة الدكتور عبد الكريم سروش أنه مفكّر تكوّنت ثقافته ومنهجيته في البحث من أبعاد علمية متعددة فهو صاحب اختصاص في الصيدلة و الكيمياء وهو متابع لأحدث الدراسات الغربية في التاريخ وفلسفة العلوم و علم المعرفة (الإبستمولوجية)،وهو إضافة إلى ذلك ناشط ثقافي وسياسي ومتبحر في علم الكلام و التفسير و أصول الفقه ومتذوق لأدبيات العرفان ولعل ذلك ما دفعه إلى استمداد مفهومي “القبض” و “البسط” من الحقل الصوفي كعنوان لنظريته، ساعياً في ذلك إلى إبراز خاصية التحول والتغير التي تميز المعرفة البشرية ومن ضمنها المعرفة الدينية، “على أن هذه العناصر التكوينية لثقافة سروش والتي تبدو جلية في كتاباته عبر الاستشهاد و التوثيق والإشارة لا تصطف اصطفافاً كمياً بل تتداخل وتتفاعل في نوع من الوحدة المعرفية التي تتحوّل بفعل تداخلها العميق إلى منهج معرفي متكامل”(9).
وهي عناصر قل ما نجدها في الباحث و المثقف المعاصر، وربما يكون هذا هو السبب الرئيس في ذيوع صيت الباحث عبد الكريم سروش أكثر من أقرانه المفكرين عرباً و إيرانيين، وهو إلى جانب ما ذكرنا ” اتخذ لبسط هذا العمق المعرفي مسارب أوحت أن الرجل مستعد للدفاع عنها و إغنائها حواراً و بحثاً وسجالاً مع آخرين”(10).
نظرية سروش بين القبض والبسط
يسعى الدكتور عبد الكريم سروش في القبض و البسط إلى تقديم “مشروع نظرية تفسيرية (= هرمنيوطيقية) معرفية(= ابستمولوجية) تستلهم المنهج الكانطي في التميز معرفياً بين الشيء لذاته و الشيء لذاتنا، فتميز بين الدين والفكر الديني أو المعرفة الدينية التي هي قراءة للدين لتتساءل حول طبيعة العلاقة بين هذه المعرفة والمعارف البشرية الأخرى كما تفترض أنّ الدين ثابت، بينما المعرفة الدينية ظاهرة بشرية متغيّرة، ونسبية كشأن المعارف الأخرى (ويؤكد سروش على أنّه يؤمن بنسبية المعرفة لا نسبية الحقيقة) فالمعرفة الدينية تتسم بالتحول و النسبية؛ لأنّها مرتبطة بألوان المعرفة الإنسانية الأخرى ومتأثرة بها “(11). على أنّ سروش في هذا الاستمداد من المنهج الكانطي” يصطف إلى جانب أركون وسبشتري، فهؤلاء الثلاثة يصدرون جميعهم عن كانط، لكنّهم يتفرّعون بعد ذلك في إثر سلاسل جينالوجية ثلاث لكلّ واحدة منها تقاليدها و أنصارها وفتوحاتها ومحازبوها. و الحق أن كانط كان نقطة انطلاقة لمرجعية أوسع تجمع هؤلاء الثلاثة”(12).
لا يخفي سروش استفادته من نظريات فلسفية وابستمولوجية كما عند جاستون بشلار ونظرته إلى تاريخ العلم بوصفه تاريخاً للأخطاء، وغروفيتش ونظريته حول الأطر الاجتماعية للمعرفة ، ومفهوم الباراديغم عند توماس كوين. ويكفي أن نلاحظ أن التهمة الرئيسة التي يواجهها عبد الكريم سروش و الاتجاه الذي يمثله هي الدعوة إلى الأخذ بالمناهج العلمية الحديثة في تكوين المعرفة الدينية (مما سنبينه في مكانه).
ينطلق سروش من مبدأ بشرية المعرفة الدينية فهي” بناء إنساني يتطور بالضرورة و باستمرار بحسب الفهم المتغير للعالم ،فبينما لا يتغير الدين في حد ذاته ،يتغير الفهم الإنساني له و المعرفة المرتبطة به فالمعرفة الدينية ليست إلهية من منطلق الموضوع الديني الذي تعالجه ولا يسوغ أن نخلطها و الدين في حد ذاته”(13). لأجل ذلك يسعى سروش إلى “كشف أوليات الفهم الديني وكيفيته،وتوضيح أوصاف المعرفة الدينية بالنسبة إلى سائر المعارف البشرية و تحديد العلاقات القائمة بين المعرفة الدينية و المعارف البشرية و أخيرا توضيح سر تحول المعرفة الدينية وثباتها تاريخيا”(14). وهو في ذلك يهدف إلى:
أولاً: محاولة وضع معنى النص الديني في أفق الفهم التاريخي المتحول.
ثانياً: أنسنة الدين(بمعنى جعل الدين من أجل الإنسان لا بمعنى الأنسنة التي طرحها الفكر الأوربي) .
ثالثاً: فرض المعرفة الجديدة بالإنسان و المجتمع و الطبيعة على من يتصدون لصناعة المعرفة الدينية. يصرح سروش قائلاً ” إذا تعرضت المعارف البشرية غير الدينية للقبض و البسط فلابد أن يتعرض فهمنا للشريعة إلى القبض و البسط أيضاً، أحياناً بصورة ضعيفة وخفيفة، وأحياناً بصورة شديدة وقوية”(15).
وللاستدلال إلى ما ذهب إليه سروش سلك مساراً منهجياً عبر خطوات ابتدأها بالتميز بين نمطين أو درجتين من المعرفة: المعرفة القبلية و المعرفة البعدية، مسترشداً في ذلك بتحقيقات الفيلسوف الألماني كانط. وينظر سروش إلى المعرفة الدينية باعتبارها معرفة من الدرجة الثانية أي من موقع بعدي، وهي معرفة جمعية ذات هوية تاريخية ولذلك فهي نسبية وعصرية.
سعى سروش في خطوة ثانية إلى تصنيف العلوم إلى قسمين : علوم منتجة و أخرى مستهلكة، فالطب من العلوم المستهلكة لأنه يحتاج إلى توظيف علوم الأحياء و الكيمياء و الفيزياء، و الفقه و التفسير في نظره من العلوم الشرعية المستهلكة أيضاً.
تأكيد سروش على ترسيخ مبدأ بشرية المعرفة الدينية من شأنه وضع حد للتصادم الموهوم بين هذه المعرفة وباقي المعارف العلمية و الفلسفية، على أن هذه المعارف غير الدينية هي أسئلة مرتبطة بالأفق التاريخي للإنسان و المعرفة الدينية تتضمن إجابات لها، فكلما اختلفت الأسئلة وازدادت عمقاً ازدادت الحاجة إلى أجوبة أكثر عمقاً، من هنا فإنَّ أي تغير في معارف العصر العلمية و الفلسفية يستدعي تغيّراً في المعرفة الدينية.
يسعى سروش في خطوة أخرى إلى التمييز بين الذاتي و العرضي في الشريعة وهو يرى أن الإعدادات اللغوية والثقافية و الحضارية قد ساهمت في تشكيل أعراض الدين الإسلامي كما نفهمه اليوم، و لأنها إعدادات متغيرة من ثقافة إلى أخرى فهي ليست من ذاتيات الدين. يقول: “إنَّ لبوسَ الثقافة القومية من لغة وأذواق وأساليب حياة، ونقاط ضعف، وقوة عقلية، وخيالية، وعادات، وتقاليد، ومألوفات، ومسلّمات فكرية، وخزين لغوي ومفاهيمي، يضيف على جسد العقيدة و الفكر ويخلع عليه نواقصه وكمالاته لا محالة، ليصل بعد ذلك إلى أنَّ ما هو جوهري في الإسلام هو المتجاوز لكل تلكم الإعدادات المستلّة من ثقافة خاصة بلحظة الوحي، وأنّ من شأن التأكيد على ذلك الثابت الجوهري ضمان شمولية الرسالة ومستقبليتها، دون أن يعني ذلك مصادرة الأعراض و إلغائها، لكنه يشترط إخضاعها لمجهر العلوم الإنسانية، بغية فهمها واكتشاف قدرتها على الخروج من دلالتها الضيقة إلى محيط عالمي، ومن ظرفها التأريخي إلى رحابة المستقبل”(16).
لم تكن أطروحة عبد الكريم سروش المبثوثة في القبض و البسط وباقي دراساته وبالخصوص “الذاتي والعرضي في القرآن” و”بسط التجربة النبوية” و”الصراطات المستقيمة” لتمرّ دون أن تخلف جدلاً واسعاً في الوسط الديني والإيراني منه بالخصوص مما دفع العديد من المفكّرين والشيوخ للرد و النقد في أشكال إكتست طابعاً علمياً حيناً وفكرانياً حيناً آخر، وقد ارتأينا أن نورد بعض من هذه الردود فيما كتبه أبرز نقاده و هو الشيخ صادق لاريجاني.
ما ذهب إليه سروش في نظر الشيخ الناقد هو في غالبه “تكرار لطروحات بعض فلاسفة الهرمنيوطيقا مثل غادامير الذين شدّدوا على فكرة أنّ الإنسان موجود تاريخاني و أنّ فهمه للامور يتكون في أفق تاريخي بشري لذلك فهو فهم ناقص وهذه أفكار كان غادامير و إلى حد ما هايدغر من أبرز من روّج لها، بيد أنّ الدكتور سروش في نظر الناقد لا يشير أبداً إلى الذين أخد عنهم هذه الآراء وهل لديه هو ذاته آراء معينة أم لا؟”(17). ويرى لاريجاني أنّ هذه المسلكية التي اتبعها سروش في الاستعانة بالآليات المنهجية التي استقاها من التداول الغربي لا يمكن إسقاطها بشكل عمودي على تداول مغاير كالتداول الإسلامي. يقول: ” بخصوص استخدامه- سروش- للمفاهيم والأدوات التي يستعيرها من العلوم الإنسانية الغربية، الكثير من النسبيين مثل غادامير يرون من المستحيل تحقّق الفهم خارج إطار التقاليد، وحسب هذه الرؤية فإنّ صاحب القبض والبسط شاء أم أبى يتنفّس داخل تقاليد أجنبية على التقاليد المحلّية، مما يجعل استخدام تلك الأدوات والمفاهيم المقتبسة من العلوم الإنسانية الغربية لتوظيفها داخل التقاليد المحلية نوعاً من التسطيح و السذاجة. إنّ تلك المفاهيم والأدوات حين تبتسر من بيئتها تفقد معانيها ولن يكون من الممكن التوفيق بينها وبين التقاليد المحلية.”(18).
والناقد فيما أشار إليه، اقترب من تحقيقات المفكّر المغربي طه عبد الرحمن ، حيث إنّ هذا الأخير نبّه أنه قبل الاستعانة بالآليات النقدية المستقاة من التداول الغربي لا بدّ أولاً من ربطها بالتداول العربي الإسلامي عن طريق النقد المزدوج فتخضع هي أولاً للنقد والفحص فكل مفهوم أو آلية مهما تكن موغلة في التجريد وحاملة للقيم الأكاديمية، فإنّها مع ذلك تستبطن تحيّزاً معرفياً للنموذج الحضاري الذي صدرت في أفقه. ولعلّ أبرز مفهوم ضاق به صدر الناقد –لاريجاني- هو مفهوم النسبية فهو يرى فيه “مثالاً لنزعة تلغي أية محاولة لإسناد أي شيء إلى الدين ومعها لا نستطيع القول إنّ هذه الفكرة دينية، وتلك غير دينية، ولا التصريح بما يشتمل عليه الدين الإسلامي من عقائد و أحكام ، وحينما يكون الأمر كذلك فما الفائدة أساساً من اعتناق الأديان أو بعث الأنبياء وتنزيل الكتب”(19).
وخلاصة القول: إنّه مهما تكن المؤاخذات و النواقص التي يمكن تسجيلها على أطروحة سروش، وهذه خاصية لصيقة بالإنتاج البشري وخصوصاً إذا كان المشروع في بداياته. إلاّ أنّها تبقى ذات أهمية تستحق الدراسة والبحث والتطوير، بالنظر إلى جدتها وعمقها المنهجي وتماسك بنائها الفكري والمعرفي، على أنّ النقد ونقد النقد هو السبيل الأوحد إلى التطوير وانبعاث الفكر الجاد الذي يتهدف إلى النهوض و الإصلاح.

الهوامش
1:- النيفر حميدة”النص الديني والتراث الإسلامي:قراءة نقدية”،دار الهادي الطبعة الأولى 2004 ، ص14.
2:- الرفاعي عبد الجبار،”علم الكلام الجديد وفلسفة الدين” دار الهادي الطبعة الاولى 2002 ص25.
3:- حوار مع محمد عمارة ضمن”الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة” إعداد عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي الطبعة الأولى 2002،ص 126.
4:- علم الكلام الجديد وفلسفة الدين ص 26.
5:- نفسه ص 26.
6:- نفسه صفحات:32،31،30، بتصرف.
7:- الطائي سرمد،” نظرية عبد الكريم سروش القبض و البسط النظري للشريعة بين تهمة السفسطة و هم التأسيس لخطاب إسلامي جديد” مجلة قضايا إسلامية معاصرة العدد 18/2002.
أنظر أيضا : ولاء وكيلي “الحوار حول الدين و السياسة في إيران :الفكر السياسي لعبد الكريم سروش” ترجمة حسن أوريد ،نشر الفنك، ص 27.
8:- عبد الحسين أحمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة الثانية عشر العدد 36/35،ربيع وشتاء 2008.ص 298.
9:- كوثراني وجيه “قراءة في القبض و البسط في الشريعة لعبد الكريم سروش”نقلا عن www.mafhoum.com موقع
10:- أحمد عبد الحسين، مرجع سابق، ص298.
11:- الطائي سرمد”مراجعات في الفكر الإسلامي المعاصر” دار الهادي الطبعة الأولى، ص 138 .
12:- أحمد البنكي،” عبد الكريم سروش في قبضه وبسطه” مجلة آوان العدد الأول نقلا عن موقع المجلة الإلكتروني
13:- ولاء وكيلي” الحوار حول الدين و السياسة في إيران” ص 30.
14:- سروش عبد الكريم ” القبض و البسط في الشريعة” ترجمة دلال عباس، دار الجديد
الطبعة الأولى 2002، ص 21.
15:- أحمد البنكي ، مرجع سابق
16:- أحمد عبد الحسين، مرجع سابق ص 230
17:- حوار مع لاريجاني صادق، ضمن الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، ص 282.
18:- نفسه ص 274.
19:- نفسه ص 268.

المصدر: موقع تواصل أونلاين




نقد الفهم الرسمي للدين – قراءة نقدية لأفكار محمد مجتهد شبستري

نقد القراءة الرسمية للدين
نقد القراءة الرسمية للدين

 

حوارات.نت ـ إعداد: د. عبدالله نصري

يقع كتاب نقد الفهم الرسمي للدين، من تأليف الشيخ محمد مجتهد شبستري، في أربعة أبواب، وهي: 1. أزمة الفهم الرسمي للدين؛ 2. المفاهيم السياسية الحديثة والتراث الإسلامي؛ 3. حقوق الإنسان؛ 4. الفهم الإنساني للدين.

يتألّف كلّ من الأبواب المذكورة من عدّة فصول، عبّر المؤلف خلالها عن آرائه، ولديّ ملاحظات على كثير ممّا ورد في الكتاب، أتطرّق لبعضٍ منها في مراجعة أفكار المؤلّف حول: إمكانية تعدّد القراءات الدينية، لا جدوائية الفقه وعدم فاعليّته (الفصل الأول من الباب الأول)، وحقوق الإنسان (الفصل الثالث).

تعدّد القراءات الدينيّة، الإمكانية والمنطقيّة ـــــــ

أمّا فيما يخصّ بحث القراءات، وإمكانية تعدّدها، فيعتقد شبستري بتنوّعها؛ لكنّه يشرع في نقد مخالفيه، قبل تنقيح أسسه الفكرية؛ كما يتبنّى تفسيراً خاصّاً لنظرية وحدة القراءة؛ إذ يرى عدم تمسّك مؤيديها بقراءة النصوص الدينية، بل يرون ضرورة ترك قراءة النصوص (ص367).

لا علاقة لأسسهم الفكرية والفلسفية، بقراءة النصوص الدينية، إذ يشكّل التحليل المعرفي، الذي يقوم على ميتافيزيقيا أفلاطون وأرسطو ــ وهي معرفة أنطولوجية ــ أساسهم الفكري، ويقولون: إنّ النبي كان يؤكّد على تلك المعرفة العلم وجودية في رسالته. وهذا هو التفكير السائد في الفلسفة الإسلامية، فمثلاً، من المفاهيم المطروحة، أنّ الله علّة العلل، أو واجب الوجود من جميع الجهات والحيثيات، والدين مظهر لله، ويعتبرون الوحي، اتصال النبي بالعقل الفعّال، ولا علاقة لأيّ من هذه المفاهيم بفكرة القراءة المطروحة اليوم (ص367).

وهنا ملاحظات عديدة على هذا الكلام:

أولاً: مصطلح علم وجودية، مصطلح خاطئ، فلم يأت به أيّ مفكّر؛ إذ يحمل معنى المعرفة في طيّاته، ولا تتصف المعرفة بأنّها علم وجودية.

ثانياً: لا علاقة بين بناء الأسس الفلسفية لمفكّرٍ ما على آراء أفلاطون أو أرسطو، وبين تأييده لوحدة القراءة أو تعدّدها.

ثالثاً: لو كان المراد من القراءة، فهم النصوص الدينية، فوصف الله بعلّة العلل، أو واجب الوجود، أو اعتبار الوحي اتصالَ نفس النبي بالعقل الفعّال، هو نوع من قراءة الدين، وليس الأمر كما يقول الكاتب: لا علاقة لأيّ من هذه المفاهيم بفكرة القراءة المطروحة اليومn، وكلّ تفسير يأتي به المفكّرون ــ في الماضي أو الحاضر ــ للمفاهيم الدينية، هو نوع من القراءة، حسب اعتقاد الشيخ شبستري نفسه.

تعارض الميتافيزيقيا وقراءة النصوص ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بوجود تعارض بين الميتافيزيقيا ــ سواء انتسبت إلى أفلاطون، أو أرسطو، أو الملاصدرا ــ وقراءة النصوص؛ فحتى لو اعتبرنا قراءة النصوص أمراً عرفيّاً سائداً، لكنّها اليوم توجّه فلسفي جديد، غير التوجّه الفلسفي الأنطولوجي، كما كان في متافيزيقيا أفلاطون وأرسطو، وقد اتّبع بعد إدخال تعديلات عليه، حيث ظهر في آراء صدر المتألهين باسم الحكمة المتعالية، أي الميتافيزيقيا، بحلّة جديدة (ص367).

وخلافاً لما يراه الشيخ شبستري، لم تتعارض قراءة النصوص والميتافيزيقيا؛ فلو واجه أحد أتباع أفلاطون، أو أرسطو، أو ابن سينا، أو الملا صدرا، نصّاً ما ــ دينياً كان أو غير ديني ــ لحاول فهمه، وقد تؤثر آراؤه الفلسفية في فهمه هذا، ولم يقصد أيّ من المفكّرين الإسلاميين لزوم ترك قراءة النصوصn، حتى من قال منهم بعدم إمكان تعدّد القراءات الدينية، أفهل يمكن ذلك؟! كما لا يمكن تجاوز الأصول الميتافيزيقية في فهم أيّ نص وقراءته، وكما يقول مؤيدو الهرمنوطيقا: ينبغي القبول بمجموعة من المقدّمات الميتافيزيقية؛ لفهم نصٍّ ما.

يعتبر الشيخ شبستري فهم الفلاسفة المسلمين بأنه فهمٌ علم وجودي، ويستعمل تعبير الإسلام العلم وجودي، في الإشارة إليهم: في الحقيقة، الإيمان في الإسلام العلم وجودي، هو المعرفة الفلسفية الأنطولوجية للكون (ص367)، وقد كان استعمال الشيخ شبستري للمصطلحات الفلسفية خاطئاً؛ فمثلاً، من معاني الأنطولوجية، العلم وجودية؛ وعلى هذا، تصبح عبارة الشيخ شبستري على النحو التالي: المعرفة الفلسفية الأنطولوجية العلم وجودية للكون؛ وهو ما يكشف ــ بقليل من التأمل ــ وقوع خطأ في هذا التعبير، ويقول بعد عدّة أسطر: لكنّ الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ ليس أنطولوجيا فلسفية(ص368).

بما أنّكم تعتقدون بتعدّد القراءات، وتعتبرون آراء أشخاص كالملا صدرا أنطولوجيةً، فلم تقولون بأنّ الإسلام ــ بصفته قراءة ــ ليس أنطولوجيا فلسفية؟! لو أمكن تعدّد القراءات الدينية، لم لا يكون للبعض قراءة أنطولوجية وفلسفية؟ نعم يمكن لمن شرح منهج فهم النص وقواعده، ادعاء ذلك، لكن لم يقم الشيخ شبستري بذلك إطلاقاً.

لم يدّع صدر المتألهين، وكثير من فلاسفتنا، تقديم تفسير فلسفي لكلّ أركان الدين، كلّ ما هنالك، أنّهم ادّعوا ــ محقّين ــ أنّ القضايا الدينية التي تمتلك صبغةً فلسفية، يمكن فهمها من خلال الفلسفة؛ فهل يمكننا الوصول إلى فهم عميق من الآية التالية، دون القبول بالأسس الفلسفية؟! قال تعالى: >وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزّله إلا بقدر معلوم< (الحجر: 21).

لم يعارض أمثال الملا صدرا المعاني الظاهرية للآيات، لكنهم اعتبروا تفاسيرهم الفلسفية معاني باطنية لها، كذلك، لم يعارض بعض العرفاء الذين قدّموا تفاسير عرفانية للقرآن الكريم، الفهمَ الظاهري للآيات، فتفاسيرهم ترجع إلى باطن القرآن ليس إلا، ويتطلّب الخوض في هذا الموضوع بحثاً واسعاً؛ لذا نتركه إلى حينه.

لا أدّعي إمكانية تقديم تفسير فلسفي أو عرفاني لجميع الآيات، دون الأخذ بنظر الاعتبار المعنى الظاهري لها، وإن تمتّع بعضها بصبغة فلسفية أو عرفانية، إذ لا يتيسر فهمها العميق إلا من خلال الفلسفة أو العرفان.

علم الهرمنوطيقا وإسقاطات الأحكام المسبقة ـــــــ

كثيراً ما يشير الشيخ شبستري إلى الهرمنوطيقا، ويستعين بها لشرح آرائه، إذ تقول مسلّمات الهرمنوطيقا وعلم التاريخ ــ استحسن السادة ذلك أم استقبحوه ــ أنّ من غير الممكن فهم نصّ ديني وتفسيره، أو إعادة صياغة حدث تأريخي، دون تأثير الأحكام المسبقة، والرغبات، والنوازع (ص247).

ويشكّك شبستري في مسلّمات الإسلام وضروريّاته بحجّة تعدّد القراءات، فيما يعتقد بوجود مسلّمات هرمنوطيقية؛ فكيف يعتقد بوجود مسلّمات للهرمنوطيقا والتاريخ، من يقول: هل يوجد دليل عقلي أو فقهي غير قابل للنقض أو الإبرام، تحت هذه السماء؟n (ص243)، وهل يتعدّى الأمر وجود مناهج مختلفة في الهرمنوطيقا، وعدم وجود وجهة نظر واحدة تحظى بتأييد جميع الفلاسفة في ما يخصّ تفسير النصوص؟

يتحدّث الشيخ شبستري عن الأحكام المسبقة، والرغبات، والنوازع، دون الإجابة عن الأسئلة الأساسية التالية: هل لدينا أحكام مسبقة ثابتة أم لا؟ هل يجيب النص إيجاباً على كافّة رغبات القارئ أو المفسّر ونوازعه أم لا؟ هل لدينا معيار نحتكم إليه في تقييم فهمنا المختلف أم لا؟ ألا يشمل التعدّد نظريّةَ تعدّد القراءات نفسها؟ أيّ قراءة تعدّ منهجية؟ كيف لنا معرفة تمتّع قراءةٍ ما بسمة المنهجية؟ ألا توجد أيّ قراءة ثابتة ونهائية لأيّ من القضايا الدينية؟

يجيب الشيخ شبستري على هذا السؤال بالإيجاب؛ فحيث لا وجود في عالم الإنسان لقراءة قطعية الانطباق، وكل القراءات ظنية و اجتهادية، فعلينا دائماً توقّع ظهور قراءات جديدة، ولا مانع منطقي من ذلك (ص247).

ألا يؤدّي رأي كهذا إلى فوضى في المعرفة، وفي المعرفة الدينية؟ وبناءً عليه، هل نحظى بفرصة للردّ على من يقول: يجب كمّ أفواه من يتكلّمون عن تعدّد القراءاتn؟ فإذا لم يكن لدينا فهم يتصف بالقطعية، فبإمكان هذا الفريق أيضاً أن يدّعي أنّ هذا هو فهمي للدين.

لغة الدين عند شبستري ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بوجوب الاهتمام بلغة الدين في فهمه، ويرى أنّ لغة الدين رمزية، كما يقول: علم الأديان الحديث، هو معرفة رموز الدين؛ إذ لغة الدين في المعرفة الدينية الحديثة لغةٌ رمزية، وتتمّ معرفة كلّ دين عبر معرفة رموزه اللغوية.

يستخدم الإسلام ــ بصفته قراءة ــ الهرمنوطيقا بالدرجة الأولى، والتي تعنى بفهم النصّ وتفسيره؛ وعلى هذا الأساس، تفسّر النصوص الدينية بوصفها وحدات رمزية، كسائر النصوص، سواء كان ذلك النصّ كتاباً، أو فناً إسلامياً، أو أموراً أخرى (ص368).

لغة الدين من المسائل المهمّة المطروحة في فلسفة الدين، وقد تعدّدت النظريات حولها: أحدها رمزية هذه اللغة؛ إلا أنّ هذا التعدّد لا يتيح لنا ادعاء أنّ لغة الدين في المعرفة الدينية الحديثة لغةٌ رمزيةn، للتوصّل إلى أنّ لغة الإسلام رمزية أيضاً، ومن هذه النظريات: 1 ــ شرح القضايا الدينية للحقائق الوجودية الواقعية. 2 ــ لا تعكس القضايا الدينية إلا الأحاسيس. 3 ــ القضايا الدينية رمزية ومثالية. 4 ــ القضايا الدينية طقوس وتقاليد. 5 ــ القضايا الدينية أسطورية.

لكن، كيف لنا القول بأنّ لغة النصوص الدينية في الإسلام لغةٌ رمزية؟ كيف يمكننا اعتبار لغة القرآن كذلك؟ لقد قصد بعض من تحدّث عن رمزية لغة القرآن، أنّ في بعض آياته رموزاً، لا صيرورته نصاً رمزياً علينا تحليله. يمكن لأثر فنّي أن يكون رمزياً، لكن لا يمكن لنصّ ديني ــ كالقرآن، بأركانه الثلاثة: العقائد، والأخلاق، والأحكام، وبما جاء به من هداية البشر ــ أن يكون رمزياً؛ فلا ينبغي اعتباره لوحةً، أو مقطوعةً شعرية، أو قصّة، تتألّف من مجموعة رموز.

ولا يقدّم لنا الشيخ شبستري أيّ دليل على قوله: يعطينا الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ بياناً رمزياً للنصوص الدينيةn (ص368)، إضافةً إلى أنّ قراءة النص وفهمه يعودان إلى القارئ والمفسّر، لا إلى الإسلام نفسه؛ فالإسلام هو النصّ، ولا يمكن اعتباره قراءة، وحتى في الهرمنوطيقا أيضاً، القارئ أو المفسّر هو ــ فقط ــ الذي يقدّم قراءته لنصّ ما، سواء طابقت الواقع، أو لم تطابقه.

رسالة الدين والبُعد المعنوي ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ المفسّر الديني يدرك بقراءة النص الديني ــ وهو الكتاب والسنّة ــ أنّ رسالة الدين الأساسية، هي الدعوة إلى الله، وخلق البُعد المعنوي، والأمل، وهدفية الحياة. وقد ظهرت هذه القراءة منذ صدر الإسلام، وبمجيء الإسلام الفلسفي، طرحت قراءة موحّدة وميتافيزيقية للدين.

يعطينا الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ بياناً رمزياً للنصوص الدينية؛ وفي هذه القراءة الإيمانية، يجد المفسّر المؤمن رسالةً في عمق هذا النص (الكتاب والسنّة)، تدعوه إلى الروحانية والأمل والهدفية في الحياة.. (ص368).

لمَ تتمحور رسالة القرآن حول الروحانية والأمل وهدفية الحياة؟ هل يمكننا أخذ هذه الرسالة من خارج الدين، أو علينا الرجوع إلى الدين نفسه؟! في الهرمنوطيقا، تستبان رسالة كلّ نص بالرجوع إليه، وتفسيره، لكن لم يأت الشيخ شبستري بمصادر من النص، إنّ الدعوة إلى الروحانية والمعنويات تقع ضمن نطاق التوحيد، لكن التوحيد الذي يدعو إليه القرآن أوسع بكثير من الدعوة إلى الروحانية، كما أنّ تحقيق العدالة الاجتماعية من أهمّ محاور دعوة هذا النصّ؛ ولهذا النص دعوات أخرى، يجدر تناولها في محلّها، إنّ الشيخ شبستري يذعن في مقالات أخرى ــ على الرغم من قوله هذا ــ أنّ الدعوة الأولى للدين لم تكن عرفانيّةً بحتة.

لم تكن الدعوة الأولى في الكتاب والسنّة دعوةً عرفانية بحتة؛ إذ احتملت الجوانب العرفانية، والسياسية، والاجتماعية معاً، كما تطرّقت إلى العدالة الاجتماعية حين الحديث عن التوحيد، وبالطبع بوصفها نتيجةً له (ص378).

ومع دخول الفلسفة العالمَ الإسلامي، لم يسعَ الفلاسفة المسلمون لتقديم تفسير فلسفي لكلّ ما جاء في الكتاب والسنّة، والخروج بإسلام فلسفي، بل دأبوا على القيام بدفاع عقلاني عن الدين، وذلك حين دخلوا دائرة علم الكلام، وكان رأيهم الصائب، أنّنا لن نحظى بإدراك عميق لبعض مفاهيم الدين دون الاستعانة بالبحوث الفلسفية.

القراءة الإيمانية للدين ـــــــ

يقدم الشيخ شبستري قراءةً إيمانية للدين؛ فيعتبر الإيمان تحوّلاً في أعماق الإنسان، وولادةً جديدة له، وأرضيّةً لظهور علاقات جديدة لديه، وقد خلط شبستري هنا بين آثار الإيمان وتعريفه؛ إذ ما يظهر من أمارات على الإنسان، كأن تدمع عينه حين سماع آيات القرآن، أو الخشوع والتأمل حين النظر إلى السماء، إنّما هو من آثار الإيمان، وليس تعريفاً له، كما أنّها تعود إلى الحالات الروحية للإنسان، وشدّة اعتقاده، لا إلى قبول الفلسفة أو عدم قبولها، وليس من الصحيح القول بأنّ الفلاسفة والمتكلّمين لم يولوا هذه الأمور اهتماماً، فقد تمتّع بعضهم بنصيبٍ كبير منها، كالغزالي، والسهروردي، وصدر المتألهين، لكنّهم لم يدخلوها في تعريف الإيمان؛ إذ كانوا يعتقدون أنّ تعريف الإيمان شيء، والحالات الناتجة عنه شيء آخر، ويشاطر عددٌ من المتكلّمين المسيحيين الشيخَ شبستري رأيه، وهم ممّن تأثروا بالجوهرية، وخاصة بأفكار كيركجارد.

لكن، أليست القراءة الإيمانية إحدى القراءات الممكنة؟ ألا ينبغي قبول القراءات الأخرى، كالفلسفية، والكلامية، والعرفانية؟ وهو ــ أي شبستري ــ ممّن يرى أنّ المتمسّكين بالقراءة الواحدة لا اعتقاد لهم بقراءة النصوص، فكيف يجادلون في وحدة القراءة أو تعدّدها؛ إنّه يقول: لدينا تياران مختلفان تماماً؛ إذ ليس الأمر كما لو اعتقدت جماعة بقراءة واحدة للإسلام، واعتقدت الأخرى بتعدّدها؛ فلو صدق من تمسّك بقراءة واحدة في اعتقاده بأصل القراءة، لما استطاع ادعاء وجود قراءة واحدة فقط.. لأنّ قبول القراءة دخولٌ في مفاهيم خاصة، والالتزام بقواعد الهرمنوطيقا، ومن قبل بهذه الأسس، لا يمكنه ادعاء وجود قراءة واحدة فقط، فتعدّد القراءات أمرٌ واضح في علم الهرمنوطيقا (ص369).

يطرح الشيخ شبستري سلسلة أسس للهرمنوطيقا وهي: 1 ــ الصورة الأولية والفهم المسبق للمفسر؛ 2 ــ توقّعات المفسر ورغباته؛ 3 ــ أسئلة المفسّر للتأريخ؛ 4 ــ استبيان المعنى المحوري للنص؛ 5 ــ ترجمة النصّ في الأفق التأريخي للمفسّر([1]).

هل يعتقد المتمسّكون بالقراءة الواحدة، بعدم وجود أيّ حكم مسبق لفهم الكتاب والسنّة؟ أضف إلى ذلك، أنّ الهرمنوطيقا ــ بوصفها منهجاً للتفسير والتأويل ــ ليست وليدة العصر الحديث؛ فكلّ تفاسيرنا العرفانية هرمنوطيقيةٌ، بشكل أو آخر؛ والجديد اليوم، هو ظهور الهرمنوطيقا بوصفها نظاماً معرفيّاً مستقلاً، له اتجاهاته المختلفة.

ينبغي القبول بالأسس الثابتة التالية؛ لفهم القرآن، وهي: 1 ــ القرآن مصان من التحريف؛ 2 ــ القرآن بيّن ومبيّن؛ 3 ــ القرآن كتاب خالد لهداية البشر؛ 4 ــ القرآن مستقلّ في دلالاته، أي أنّه ليس صامتاً عن بيان مراده؛ 5 ــ يجب ــ لفهم القرآن ــ القبول بحجيّة العقل وحجية الظهور([2]).

التباس الظاهر والباطن ـــــــ

وقع الشيخ شبستري وبعض الباحثين المعاصرين في خطأ كبير؛ إذ سقط أنصار وحدة وتعدّد القراءات على السواء في التباس بين الظاهر والباطن؛ أي أنّهم غفلوا عن أنّ للدين ثلاثة أركان: العقائد، والأخلاق، والأحكام. ويتشعّب كلّ منها إلى قضايا متعدّدة. بعبارة أخرى: الدين مجموعة من آلاف القضايا، ولا يمكن لأحد ادّعاء تعدّد القراءات في جميعها، وعدم تمتّع أي منها بقراءة واحدة فقط؛ فلا تعدّد فيما يخصّ: إنّ الله واحد، وصلاة الصبح ركعتان نعم، هناك اختلاف في بعض القضايا الدينية، خاصّة ما يتعلّق ببعض الأحكام الفقهية، ولنقل: تتعدّد القراءات في شأنها.

من ناحية أخرى، لم يميّز بعض الباحثين في مجال الدين، بين الفهم الطولي والعرضي؛ إذ يختصّ تعدّد القراءات أحياناً بالفهم الطولي، أي هناك فهم طولي لقضية: إنّ الله واحدn؛ فمثلاً، يتصوّرها شخصٌ عادي وحدةً عددية، فيما يفهمها فيلسوفٌ صدرائي بوصفها أصدق الحقائق، ويعود هذان الفهمان ــ أو القراءتان ــ لهذه القضية، إلى مديات قدرة الإدراك.

وتعود المغالطة التي تثار حول الباطن والظاهر إلى هذا الأمر، وهو أن نعمم مواصفات صورة خاصة على الجميع، فإذا تعرّض الدين كلّه إلى تعدّد في القراءات، فلم لا نتوقّع ظهور أديان متعددة؟ لقد أدّت الغفلة عن هذا الأمر إلى خطأ آخر من قبل الشيخ شبستري. فحين يُسأل: كيف يمكن ضمان وحدة المتدينين، إذا ما أذعنّا بالقراءات المختلفة للدين؟ يقول: من المعقول أن يعتبر الجميع أنفسهم منتمين إلى دين واحد، على الرغم من تعدّد قراءاتهم له ما دامت محصورةً في إطار دين واحد، وضمن وحدة النص، فحين يجتمع أصحاب القراءات المتعدّدة في إيران حول الكتاب والسنّة، ويعتقدون بوجوب اتباعهما، فإن ذلك يوحّدهم تحت اسم الإسلام (ص371).

لكن هل يعني رجوع أصحاب القراءات المختلفة إلى الكتاب والسنّة، انتماءهم إلى الإسلام؟ هل التمسّك بمصدر مشترك، هو معيار انتماء الأفراد إلى دين واحد، أو فهمهم المشترك لذلك المصدر؟ إنّنا نرى أنّه لا تقبل جميع أمور الدين تعدّد القراءات، أي لا تتعدّد القراءات في جميع أجزائه.

شرط القراءة المنهجية في تعدّد القراءات الدينية ـــــــ

يفصح الشيخ شبستري عن عدم صحّة بعض القراءات، على الرغم من تماديه في بعض الادعاءات، أي أنّه يعتبر بعض القراءات غير صائب، يقول: لم تدّع نظرية تعدّد القراءة صحّة جميع القراءات، بل ترى قيام كلّ قراءة على أحكام مسبقة وتصوّرات أولية، فعلينا ــ أولاً ــ إمعان النظر فيها، ووضعها على محكّ النقد، ومن ثمّ النظر في الشرح الذي يقدّمه صاحب القراءة؛ أي لا تكفي معرفة التصوّرات الأولية لتقييم صحّة القراءة، بل يجب الاستماع إلى الأدلّة الداخل ــ دينية، والخارج ــ دينية، التي أدّت إلى حصول تلك القراءة، كما يجدر بصاحب القراءة مناقشة النقد المقدّم على قراءته من قبل الباحثين، وإثبات صحّة موقفه؛ حينذاك يمكننا القول: إنّ لديه قراءة، وهي من القراءات الممكنة، لأنّها تتسم بالمنهجية (ص373).

إنّ وجوب تمتّع القراءة بالمنهجية أمر صائب لا اختلاف فيه، لكنّ المشكلة تكمن في تحديد معايير القراءة المنهجية، ومع الأسف، لم يقم الشيخ شبستري بذلك،بل كلّ ما يشير إليه، هو لزوم التوجّه إلى أرضية (Context) النصّ (Text)، كما أنّ التأكيد على نقد افتراضات القارئ وتصوّراته الأولية أمرٌ صائب أيضاً، لكن ذلك لا يحلّ عقدة القراءات؛ إذ لا يعتبر الشيخ شبستري المنهجية معياراً لصحّة القراءة أو سقمها، وكل ما نستفيده من هذه المنهجية، أنّها تجعلها إحدى القراءات ممكنة، لكن هل من الممكن أن تتعدّد القراءات الصحيحة؟ يمكن ذلك في حالة واحدة، وهي أن تكون القراءات طوليةً لا عرضية؛ فمن غير الممكن أن تتمتّع القراءات العرضية المختلفة بالصحّة.

حديث الشيخ شبستري عن منهجية القراءة، والقراءات الصحيحة، واعتباره القراءة المنهجية إحدى القراءات الممكنة، وعدم تمكّنه من الدفاع عن قراءة منهجية صحيحة واحدة، يدلّ على عدم اعتقاده بافتراضات ثابتة، يقول: تتحوّل الأحكام المسبقة، والتصوّرات الأولية مع الأحداث التأريخية، والتحولات التي تشهدها المعرفة الإنسانية والتأريخ الاجتماعي للإنسان، الأمر الذي يستدعي تبنّي نظرية تعدّد القراءات والدفاع عنها (ص373)، ويقول: إذا تعرّضت الأحكام المسبقة والتصوّرات الأولية للتغيير، لم تبق أحكام مسبقة ثابتة لفهم نصّ ما، أي لو تغيّرت الأحكام المسبقة والتصوّرات الأولية مع تحوّلات التأريخ، فلا تبقى قراءة صحيحة وثابتة، وقيمة الهرمنوطيقا منوطة بعدم وجود أيّ معيار مطلق مقبول لدى الجميع (ص432).

ويشير الشيخ شبستري في حديثه عن القراءات إلى أنّ قراءة النصوص الدينية، ليست من شأن الجميع، أي لا يتمكّن الجميع من تفسير النصوص الدينية، ويستوجب ذلك تمتّع المفسّر بصلاحيات علمية وفكرية، ولتفسير النصوص الدينية أهميّة بالغة، ويستلزم شأناً عالياًn(ص375)، وبالطبع، نتجه بالسؤال إليه: ما هي السمات العلمية التي يجب أن يتمتّع بها المفسّر؟

مساءلة النصّ ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ فهم النص متوقّف على الأسئلة التي تُطرح عليه في كلّ زمان؛ فتمام الآراء التي أبداها الفقهاء القدامى تقوم على تصورات أولية، وتوقّعات وأسئلة كانت مطروحةً آنذاك، وقد راجع الفقهاء الكتاب والسنّة على ضوء الأسئلة التي كانت مطروحةً في عصرهم، وقدّموا أجوبةً تلبّي متطلّبات زمانهم؛ فمثلاً، طرح في الماضي هذا السؤال: لمن الحكم؟ وقد جاء الفقهاء بالجواب من الكتاب والسنّة: أن الحكم لله، فقد طرح هذا السؤال في سياق تحديد الحاكم، وكان الفقيه يسأل الكتاب والسنّة: من الذي يجب أن يحكم؟ فيأتيه الجواب: الله هو الذي يجب أن يحكم، فلو اختلف السؤال في زمن آخر حول قضايا الحكم وتدبير أمور المجتمع، وصار: كيف ينبغي أن يكون الحكم؟ في مثل هذه الحالة، سيختلف الجواب دون شك (ص101 ــ 102).

ويمكننا تسجيل الملاحظات التالية على إفادات الشيخ شبستري:

أولاً: لم تقم جميع الآراء الفقهية في الماضي على أحكام مسبقة وافتراضات وأسئلة قائمة في عصرها، فكثيرٌ منها دائمي، لا يختصّ بزمن معيّن.

ثانياً: لا ضير في طرح أسئلة جديدة على النص ــ الكتاب والسنّة ــ في كلّ حقبة زمنية، وبالطبع لا يعني مساءلة النص، إجابته عليه؛ فإن كان للنص ما يقوله، أخذنا الإجابة منه، وإلا سيكون تفسيراً بالرأي، وتطويعاً للنصّ نفسه.

ثالثاً:لمن الحكم؟ وكيف يجب أن يكون؟ سؤالان مستقلان، يتطلّبان إجابتين مستقلّتين، والشيخ شبستري نفسه يقول حول السؤال الثاني: بعد أن جرّب الإنسان أصناف الحكومات، واجتاز أنواع الأسئلة المرتبطة بها، جاء الدور لهذا السؤال؛ أي بعد حدوث تغييرات اجتماعية، ودخول التقنية مجال الحياة، وتقسيم العمل، وتعقيد الحياة، وتحولات أخرى، فتحوّل السؤال من صفات الحاكم، إلى نظام الحكم.. والآن، بعد ما طرح السؤال عن كيفية الحكم، يجب أن نرى أولاً، هل يمكن عرضه على الكتاب والسنّة؟ وإذا كان الجواب إيجابياً، كيف لنا ذلك؟ (ص102).

لا علاقة لظروف طرح السؤال وأسبابه بالنصّ، فمن الطبيعي أن ترد أسئلة جديدة في كلّ عصر، ويمكن الإجابة عنها بالرجوع إلى النصّ، ولا يخلق أيّ سؤال أية مشكلة، فليس صحيحاً أن نسأل: هل يجوز عرض الأسئلة على النصّ؟ بل ما يجدر بنا معرفته، هو إجابة النصّ على السؤال أو عدم إجابته، كما ينبغي لنا الاحتراس عن فرض رأي خاطئ على النصّ، نتيجة افتراضات خاطئة؛ ولعلّنا نستوضح الأمر بمثال؛ فلم يطرح سؤال عن ماهية فلسفة التأريخ على مفكّرينا في الماضي، لكنّه اليوم مطروح، ويحاول المفكّرون تحديد موقف القرآن منه، فمن كانت لديه خلفيات ماركسية، جاء إلى القرآن، بناء على افتراضات المادية التأريخية، وبحث فيه عمّا يدعم آراءه، ولمّا كانت افتراضاته خاطئة، فمن الطبيعي أن تكون استنتاجاته مخالفة للنصّ أيضاً، وبعبارة أخرى: أدّت افتراضاته الخاطئة إلى فرض رأيه على القرآن، وتكشف مراجعة استدلالاته عن ضعف استنتاجاته هذه، وهكذا فهناك أمور كثيرة في الكتاب والسنّة تبيّن الموقف من كيفية الحكم.

يقول الشيخ شبستري حول طرح السؤال على النصّ: يجدر بالسائل أن يكون على وضوح في رؤيته للكتاب والسنّة، وإمكان طرح السؤال عليهما؛ فهل من الممكن طرح أيّ سؤال على أيّ شخص؟ هل يمكننا توجيه أسئلة طبّية إلى مهندس في المكانيك؟ أو أن نسأل طبيباً عن الحاسوب؟ يسأل الإنسان من يظنّ أنّ لديه إجابة، فمن يوجّه أسئلةً كهذه إلى الكتاب والسنّة، يكون قد افترض مسبقاً أنّ لديهما إجابةً عنها (ص103).

كيف يمكن لنا مسبقاً التحقّق من إجابة النصّ على جميع الأسئلة؟ هل لنا تحديد ذلك من خارج الدين، أو من داخله؟ تعود هذه المسألة إلى توقّعات الإنسان من الدين، وتتطلّب بحثاً مبسوطاً تناولناه في مكان آخر([3])، وأساساً لماذا نتصوّر أنّ على النصّ الإجابة فقط؟ فالنصّ بنفسه يثير أسئلةً، ويجيب عنها، كما ينبّهنا إلى أمور لم نلتفت إليها لولاه؛ إذ لا يمكن للنصّ أن يتبع أسئلتنا على الدوام.

ينبغي هنا الالتفات إلى أنّ بوسعنا تحديد أهداف الدين من خارجه، وبما أنّ هدف الدين ونزول القرآن الكريم، هو هداية البشر، إذاً يجب أن تكون توقعاتنا من الدين في هذا الإطار، لكنّ الأمر لم ينته هنا، بل يبقى الحديث عن الأمور التي ترتبط بهداية البشر، وآليات الدين لتحقيقها، وما يتكفّله الوحي، وحدود تدخل العقل البشري.. قائماً، وكلّها أمور لا يمكن الإجابة عنها مسبقاً.

من المهم أن يطرح السائل على النصّ أسئلةً ترتبط بهداية البشر، لكنّه قد لا يعلم بوجود صلة بين الأمور الصحّية والدين مثلاً، يسبب تعقيد مسألة هداية البشر، والعجز عن معرفة جميع العوامل المؤثرة فيها، وعدم معرفة الأسئلة الخاطئة! فالنصّ والأمور المرتبطة به، ليست من قبيل الطب والهندسة، لنقول: كما لا يجوز لنا سؤال مهندس عن الأمور الطبية، كذلك لا يجوز لنا طرح أيّ سؤال على النص! لا أقصد هنا أنّ علينا مراجعة النص للإجابة على أيّ سؤال، بل ما أريد قوله، هو أنّ النص بنفسه يحدّد الأسئلة التي يجيب عنها، لا أنّنا نحن من يحدّدها مسبقاً.

الافتراضات المسبقة وتوقعات البشر من الدين ـــــــ

لا شكّ أنّ للإنسان أحكاماً مسبقة وتصورات أولية، لكنّ المهم، هو الإجابة على الأسئلة التالية: 1 ــ ما هو مصدر الأحكام المسبقة لدى المفسّر؟ 2 ــ هل جميع الأحكام المسبقة مقبولة؟ 3 ــ هل يمكن نقد الأحكام المسبقة أو لا يمكننا ذلك؟ 4 ــ هل لدينا أحكام مسبقة ثابتة أم لا؟ 5 ــ هل جميع الأحكام المسبقة خارج ــ دينية، أم هناك أحكام مسبقة داخل ــ دينية؟

في مجال توقّعات الإنسان من الدين، يرى الشيخ شبستري أنّ لدينا نوعين من الأحكام المسبقة:

النوع الأوّل: بناء الحضارات، والمجتمعات، وحلّ مشاكل الحياة، وتفسير معنى العدالة والأخلاق، وتأسيس المؤسّسات الراعية لهما، والتي ترتبط بمشاكل حياة الإنسان في هذه الدنيا، فهذه جميعها من واجب الإنسان، وليس على الربّ أن يحدّد له كيف يبني حضارته، أو كيف يبني مؤسّساته الاجتماعية، أو أيّ الآليات يتّبعها لحلّ مشاكل حياته؛ فمن لديه أحكام مسبقة كهذه، لا محالة، يرى الكتاب والسنّة مصدرين لإضفاء المعنى على حياة الإنسان، الذي يبني مدنيته بنفسه؛ إذ يمنحان الحياة معناها، دون أن يحلا محلّها، فدور الكتاب والسنّة والمصادر الدينية الأخرى، صون الإنسان من الضياع في المتاهات، والعبثية (ص103 ــ 104).

وبناءً على هذا الافتراض، على الإنسان أن يسلك طرقاً وعرة للوصول إلى الهدف، وإن رافقه الخطأ خلال الطريق، لكن لا مفرّ له من استخدام العلم والفلسفة؛ لاستيعاب أخطائه، وتقويم مسيرته. وعلى الكتاب والسنّة، دفع العبثية عن الحياة، وإضفاء المعنى عليها!

النوع الثاني: يجب أن يحظى الإنسان بإرشادات من عالم الغيب لحلّ مشاكله في هذا العالم وبناء حضارته، فيجب أن يؤسّس الله ــ عبر أنبيائه ــ سنناً دينية، تشمل الأطر العامة للحياة الإنسانية وآليّاتها في هذا العالم؛ أي أنّ ما نعتبره اليوم من مسؤولية الفلسفة، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، وأمثالها، صار مطلوباً من الكتاب والسنّة (ص105).

ويختار شبستري النوع الأول، ويذكر ثلاث أدلّة على رفض الثاني، هي:

1 ــ لا علاقة لكثير من أمور الحياة الدنيوية، كالصناعة، والعلم، والفنّ، والفلسفة، والأدب، بالإرشادات الغيبية، وقد أنشأها الإنسان وطوّرها على مدى التأريخ.

2 ــ المجتمعات الإنسانية بطبيعتها متغيّرة ومتقلبة، ولا يمكن صياغة شكل محدّد للمجتمع، وتبليغه بواسطة النبي.

3 ــ تكشف الفينومينولوجيا عن أنّ ذاتيات الدين غير عرضيّاته، والأمور التي ترتبط بالتطوّر الاجتماعي له خارجة عن ذاتيات الدين.

ويواجه موقف الشيخ شبستري في تبنّيه للنوع الأول ورفضه الثاني عدّة إشكالات، من أهمّها:

1 ــ بناء الحضارات والمجتمعات، وتأسيس المؤسّسات الاجتماعية، وحلّ مشاكل الحياة، من مسؤولية الإنسان، قولٌ لا غبار عليه، لكن، لم لا يجوز للدين تقديم إرشادات حول منهج الحياة ومعايير المجتمع السالم، ومعنى العدالة والأخلاق؟!

2 ــ ما هو الدليل على أنّ دور الكتاب والسنّة هو إعطاء معنى للحياة؟ هل الدين نفسه حدّد هذا الدور أم نحن الذين حدّدناه له؟ فلا يؤيّد مضمون الكتاب والسنّة، تحديده بهذا الدور، بل يرى الدين لنفسه دوراً اجتماعياً أيضاً، أي أنّ الدين جاء بمخطّطات للقضايا الاجتماعية، ولم يترك الناس على حالهم.

يقول شبستري: لا ترشد يد الغيب الإنسان إلى بناء هذه الحياة، لا نظرياً ولا عملياً، ولا تتعلّق الهداية بالطرق العلمية، والفلسفية، والصناعية، لبناء هذه الدنيا، بل تعني الهداية الغيبية بالشجاعة وإضفاء المعنى على حياة الناس الذين يسعون ــ بحكم إنسانيّتهم ــ لبناء حياتهم (ص483).

لو قلنا بأنّ لدى الدين تشريعات لإدارة المجتمع، هل يدلّ ذلك على حضور الغيب في هداية البشر؟ وما المانع من أن يقدّم لنا الغيب توجيهات نظرية، وإن كان لا يتدخل عملياً؟

3 ــ كون الصناعة، والعلم، والفنّ، والفلسفة، والأدب من مسؤوليات الإنسان، ولا تتنزّل عليه بالوحي، أمرٌ مقبول، لكن لا يمكن اعتباره دليلاً لقبول النوع الأول.

4 ــ مسألة الشجاعة من تعاليم اللاهوتي المسيحي ، ولا معنى لها إلا في إطار التعاليم المسيحية، ذلك أنّها تفتقد التعاليم المرتبطة بالحياة الاجتماعية للإنسان، فيما يتمتّع الإسلام بمضمون اجتماعي غني، ولا تقتصر رسالته على إعطاء الشجاعة والمعنى للحياة.

5 ــ ما الدليل على أنّ جميع مقتضيات الحياة الاجتماعية متغيّرة، وليس فيها عنصر ثابت؟ فقطعاً لا تتغيّر بعض مقتضيات حياة البشر، ولا نذعن لكلّ تغيير يحدث عبر الزمن؛ إذ تنجم بعض التغييرات عن تطوّر البشر، وأخرى عن سقوطه.

6 ــ لو لم تشتمل الحياة الاجتماعية على بعض العناصر الثابتة، لما طرح الدين تشريعات للحياة الفردية والاجتماعية؛ ولكي ينفي أبدية الأحكام الإسلامية، تحدّث شبستري عن الأمور الذاتية والعرضية للدين، دون أن يقدّم معياراً دقيقاً للتمييز بينهما، معتبراً الأحكام الدينية الأبدية من الأمور العرضية (ص106).

الفهم التأريخي للدين ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ المنهج الصحيح في تفسير الكتاب والسنّة، هو أن نفهمهما فهماً تأريخياً؛ لكنّ الفقهاء لم يلتفتوا إلى هذه المسألة، فكان فهمهم للنصوص الدينية غير تأريخي، والمراد بالفهم غير التأريخي، أن لا ندخل الظروف التأريخية ــ الاجتماعية لنزول الوحي وصدور الروايات في فهمهما والاعتبار الشرعي لهما، ونتصوّر أنّ الآيات والروايات تبيّن أحكاماً مطلقة، دون أن تكون ناظرةً إلى ظروف تأريخية واجتماعية خاصّة؛ لهذا ينبغي العمل بها في أيّ ظرف كان؛ فهي ما فوق التأريخ.

وخلافاً لما يدّعيه الشيخ شبستري، التفت أغلب المفسّرين والفقهاء إلى الظروف التأريخية والاجتماعية لنزول الوحي، فهدف مباحث شأن النزول في علوم القرآن هو فهمه بشكل دقيق، وقد عُقدت أبواب حول آيات كثيرة، وبُحثت عموميّتها أو اختصاصها بمورد معين؛ إذ لا يدلّ نزول الآيات في ظرف معيّن على عدم وجود أحكام خارج حدود التأريخ، وقد استنبط فقهاؤنا ومفسّرونا الأحكام التأريخية والخارجة عن حدود التأريخ، على ضوء نظريّاتهم اللسانيّة، واللاهوتية، والفلسفية؛ فما يُبحث في مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه من مسائل علم اللسانيات، لا نتوصّل إلى فهم صحيح للكتاب والسنّة دون اعتمادها، وقد جاء الفقهاء والمفسّرون بأحكام كلية وخارجة عن حدود التأريخ، على أساس الإطلاق والعموم.

أضف إلى ذلك، القاعدة الكلامية القائلة بأنّ الإسلام دين خالد، والدين الخالد يجب أن يتضمّن أحكاماً خالدة، هي التي ساقت الفقهاء والمفسّرين للأخذ بالأحكام التي تتعدّى حدود التأريخ.

إنّ علم المعرفة، وفلسفة اللغة، والأسس الكلامية، والأنثروبولوجيا كلّها من خلفيات فهم أيّ نص ديني. وينشأ اختلافنا مع الشيخ شبستري من هذه الافتراضات، لكنّه مع الأسف، لا يعطي صورةً دقيقة عنها، ناهيك عن الدفاع العقلاني.

يدلّ ما يدور اليوم من حديث عن تأثير بُعدي الزمان والمكان في عملية الاستنباط، على الالتفات إلى الظروف وتأثيرها على عملية استنباط الأحكام الإلهية، كما أنّ النظرة التأريخية للنصوص لا تستلزم نفي الأحكام الأبدية، أمّا الذين أرادوا نفي الأحكام الأبدية، كالشيخ شبستري، فقد كانت لديهم افتراضات أخرى، غير المنهج التأريخي، منها:

القيم الذاتية والعرضية في الدين ـــــــ

طرح الشيخ شبستري افتراضاً يقضي بالتمييز بين القيم الذاتية والقيم العرضية؛ بهدف إثبات تاريخانية الأحكام الإلهية، أو بعبارة أخرى: لا أبدية الأحكام الإسلامية، ويرى شبستري أنّ في الدين أموراً ذاتية وأخرى عرضية، وما يشكّل القيم النهائية هو ذاتيات الرسالة الإسلامية، أمّا القيم الفرعية فهي تمثل الأمور العرضية فيها، والعرضيات وسائل تحقّق الذاتيات والقيم النهائية للدين، فيما تعدّ بنفسها هامشيةً، وتكسب قيمتها من كونها وسيلةً للذاتيات، وقد تطلّبت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصر الرسالة قيماً فرعية خاصّة بها.

الهدف الأساس للرسول هو التوحيد وإصلاح علاقة الإنسان بربه؛ لهذا كان الرسول مضطراً لاتباع الواقع الاجتماعي في عصره، وصياغة أحكام تنسجم والسلوك التوحيدي، وأن يقصي بعض القيم التي تتعارض مع هدفه الأساس، كالرهبانية.

ويعود كثير من الأحكام في العهد النبوي، سواءً ما ورد في القرآن أو في الأحاديث، إلى الأهداف والقيم الثانوية، والعرضية، والمقطعية. هذه الثنائية في الأهداف والقيم، والأحكام التي تتمخض عنها، لم تكن واضحةً لدى مخاطبي الرسول آنذاك، ولم يلاحظوا هذا التمايز بينهما (ص268).

لو سألنا الشيخ شبستري: ما هو معيار التمييز بين الذاتي والعرضي؟ أو بعبارة أخرى: كيف لنا معرفة أنّ كثيراً من الأحكام كانت مقطعية، وتختصّ بالعهد النبوي فقط؟ ستكون إجابته: لا يمكننا تحديد هذا الأمر بمراجعة الكتاب والسنّة؛ إذ لا يمكن تمييز المقاصد والقيم الأولية عن الثانوية من خلال دراسات داخل ــ دينية، بل ينبغي التفكيك بين الذاتيات والعرضيات بدراسة ظاهراتية تأريخية، مع ملاحظة أنّ القيم الأولية من مقوّمات التوحيد، وأينما ظهر اصطحبها معه، في حين لم تكن القيم الثانوية إلا وسائل لتحقيق القيم الأولية، والمعيار الذي يحدد كيفية تحقق السلوك التوحيدي في كل عصر، هو نفسه معيار اعتبار الحكم الشرعي في ذلك العصر (ص271).

وعلى الرغم من كلّ الجهود التي بذلها الشيخ شبستري لإثبات رأيه، ما استطاع أن يقدّم معياراً محدّداً للتمييز بين الأمور الذاتية والعرضية؛ حتى أنّه ادّعى أنّ الوحي تجربةٌ باطنية للنبي، أخذت طابع واقعيات مجتمعه في الحجاز، كما لا يخفف من حجم المشكلة أخذُ مقوّمات التوحيد، على أنّها القيم الأولية وذاتيات الدين؛ إذ سيعترضنا السؤال التالي: ما هي مقوّمات التوحيد؟ وكيف يمكن تمييزها؟ ثمّ إذا أقررنا بوجود ذاتيات وعرضيات للدين، لم لا يحدّد الدين هذه الذاتيات، أو على الأقل، لو وضع معياراً لتحديدها وتمييزها عن غيرها؟

يقول شبستري: لعلّ الحوادث التأريخية كانت تسير بشكل آخر، وتنزل أحكام أخرى، ويصبح تأريخ الإسلام والإيمان غير ما هو عليه، لو لم يعارض المشركون دعوة الرسول، ولم يضطرّ إلى الهجرة، ولم يتصدّ للشأن السياسي، وهذا ما أقصده بقولي: إنّ كثيراً من الأحكام جاء من باب الصدفة؛ لأنّ الأحكام ناظرة إلى حوادث تأريخية، وجدت نتيجة صدفة (ص278).

هل تختصّ جميع الأحكام بحوادث تأريخية خاصّة؟ وهل جاءت آيات في ما يخصّ جميع الحوادث في عهد الرسول؟ يوصلنا الإذعان بعدم نزول آيات في كثير من الحوادث، إلى عدم اتباع الأحكام النازلة بالضرورة لمسار الأحداث؛ ألم يكن الله ليشير إلى اختصاص الأحكام بظروف معينة، لو كان جميعها مرحلي، ومتوقّف على الظروف، وأنّ على الناس الإتيان بأحكام جديدة، إذا ما تغيّرت الظروف، على أساس سلوكهم التوحيدي؟!

الخطأ الأساس الذي وقع فيه الشيخ شبستري، هو تصوّره عدم جواز صدور أحكام أبدية، ليتسنّى تطبيق السلوك التوحيدي والحفاظ على الأرضية الإيمانية، التي تشكّل المحتوى الرئيس لرسالة الرسول.

شبستري وعقم الفقه الإسلامي ـــــــ

بحث الشيخ شبستري بعض القضايا الفقهية في فصول من الكتاب، لا سيما في الباب الأول، تحت عنوان: أزمة الفهم الرسمي للدينn، وقد تحدّث في الفصل الأول منه عن التغيّرات الأساسية في المجتمعات الإسلامية إثر التنميةn، إذ يقول حول أسباب أزمة الفهم الرسمي للدين في إيران المعاصرة: السبب الأول: الإصرار على المدّعى الخاطئ والفاقد للدليل، وهو أنّ الإسلام بصفته ديناً، يضمّ أنظمة سياسية، واقتصادية، وحقوقية نابعة من علم الفقه، وعلى الناس الخضوع لها في كلّ زمان، وذلك بأمر من الله، والسبب الآخر: الإصرار على التصوّر الخاطئ حول مسؤولية الحكومة عن تنفيذ الأحكام الإسلامية بين المسلمين (ص11).

تحدّث الشيخ شبستري عن مسألتين أساسيتين، هما: دائرة الدين ومسؤولية الحكومة الإسلامية، إنّه يرى أنّه من غير الممكن بناء أنظمة سياسية، واقتصادية، وحقوقية، بعلم الفقه، وللأسف لم يذكر أدلّته على مدّعاه، وكالمعتاد يكتفي بطرح العموميات، بينما هناك مسائل كثيرة، لا يمكن مناقشة ما ادعاه، دون تبيينها، ومن أهمّ هذه المسائل: 1 ــ ما المراد بالنظام؟ 2 ــ هل يتكوّن النظام الاجتماعي ــ الحقوقي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي ــ من عناصر ثابتة فقط، أم يحتوي عناصر متغيّرة أيضاً؟ 3 ــ هل النظام الاجتماعي الإسلامي مغلق أم منفتح ومرن؟ 4 ــ ما هي مقتضيات العصر؟ وهل جميعها متغيّر أم بعضها ثابت؟ 5 ــ هل مقتضيات العصر إلزاميّة أم تتدخل إرادة الإنسان فيها أيضاً؟ 6 ــ أمِنَ المفروض أن يكون الدين على شاكلة العصر أم على الناس تطبيق حياتهم مع الدين؟ 7 ــ هل يتكفّل الفقه حلّ جميع عقد الحياة البشرية أم لديه حلّ لبعضها؟

لا يسع المقام تناول هذه الأسئلة المهمّة هنا، وقد أشبعناها بحثاً في كتاب توقعات البشر من الدين، ونكتفي هنا بالقول: إنّ النصوص الإسلامية بيّنت الأصول العامّة، وثوابت الأنظمة الحقوقية، والسياسية، والاقتصادية، وتركت بيان المتغيّرات للعقل البشري ــ وهو من مصادر الشريعة ــ وقد طرحت آليات لضمان حضور الدين في شتّى مجالات الحياة الاجتماعية، والتي تضمن انسجامه مع العصر، كما لا يضع الإسلام حلّ جميع عقد الحياة على عاتق الفقه، بل اهتمّ بالنتاجات العلمية والفنية أيضاً؛ لحلّ المسائل الاجتماعية.

مسؤوليات الحكومة الإسلامية ـــــــ

الموضوع الثاني الذي طرحه الشيخ شبستري، هو أنّ تطبيق الأحكام الإسلامية مسؤوليةُ الحكومة الإسلامية، وواضح أنّ تنفيذ الأحكام ليس هدف الحكومة الوحيد، لكن من البديهي أن يكون من أهدافها، أي هناك مسؤوليات عديدة على عاتق الحكومة، أحدها تطبيق الأحكام، وتنفيذ الحدود الإلهية، كما ذكرت الأمور التالية أهدافاً للحكومة في القرآن الكريم ونهج البلاغة: 1 ــ إقامة الفرائض الإلهية، كالصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. 2 ــ إعمار البلاد، وتحقيق الأمن. 3 ــ تنفيذ الحدود الإلهية. 4 ــ إحياء السنن الإلهية، والقضاء على البدع. 5 ــ الاهتمام بالتعليم والتربية. 6 ــ ضمان حقوق الناس. 7 ــ تحقيق العدل الاجتماعي([4]).

من الواضح أنّ هذه الأهداف جميعها مرحليّة وتمهيدية، والهدف النهائي هو إحقاق التوحيد؛ أي على الحكومة الإسلامية اتّباع هذه الأهداف؛ لتحقّق المجتمع التوحيدي والإنسان الكامل.

الدليل الوحيد الذي يقدّمه شبستري، هو أنّ الادّعائين المطروحين لا يتلائمان مع واقع الإسلام، وواقع حياة المسلمين في العصر الحاضرn، لكن، لا تنفي الأدلة الدينية ــ أو على حدّ تعبيره: الواقع الإسلامي ــ مقدرة الدين على بناء أنظمة اجتماعية، ومسؤولية الحكومة في تنفيذ الأحكام، ويستدلّ بأنّ الحضارة الجديدة والتنمية، كانتا السبب في تغيير نمط حياة المسلمين، فحين كانت الحياة زراعيةً، ورعوية، وتجارية شبه إقطاعية، كان علم الفقه يحدّد أحكام معاملات الناس، ويؤمّن الحاكم النظام الاجتماعي على أساس العمل بهذه الأحكام، فكلّما أراد إدخال عرف، أو منهج جديد على حياة المسلمين الاجتماعية، قيّمه بمعايير الحرمة والحلية الفقهية، كي لا يكون معارضاً لحكم الله، وقد ألّفت كتب من قبيل الأحكام السلطانيةn، المختصّة بالفقه السياسي، على هذا النهج (ص12).

ليته ذكر لنا أنموذجاً من الحكّام العادلين، الذين تصرّفوا وفق الأحكام الإسلامية، فلا يدلّ تأليف كتب تحت عنوان الأحكام السلطانيةn على تدوين أنظمة اجتماعية من قبل علماء المسلمين، فلم يتطوّر فقهنا السياسي، لعدم قيام حكومة عادلة في العالم الإسلامي؛ إذ لا تنشأ ولا تتطوّر بعض مسائل الفقه السياسي، إلا من خلال تأسيس مجتمع إسلامي، ولم تتولّ يوماً حكومة إسلامية عادلة مقاليد الحكم في العالم الإسلامي، لا سيما الشيعي؛ لذلك، لم يطبّق الفقه يوماً في حياة الأمة؛ فإذا حكم بنو أمية، أو العباسيون، أو الصفويون باسم الإسلام، فلا يدلّ ذلك على وجود حكم ديني أو إدارة اجتماعية على ضوء الدين.

الفقه وتعقيدات الحياة ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ فاعلية الفقه تقتصر على فترة ما قبل العصر الصناعي، ولا دور له في الحياة الجديدة؛ إذ يبحث الإنسان المعاصر عن آفاق جديدة في الحياة، فعلى المسلمين اليوم، تدبير أمورهم على أساس المقتضيات الجديدة، كي لا يتخلّفوا عن ركب الحضارة، وهم مجبرون على قبول ما يحدث في النصف الآخر من الكرة الأرضية، والظروف الجديدة، والواقع القائم المسمى بالتنميةn.

وأهمّ ما يميز هذا النمط الجديد من الحياة، هو: 1 ــ الحياة الجديدة تنبثق عن إرادة التطوّر والحياة الأفضل لدى الإنسانn. 2 ــ الحياة الجديدة متوقفة على تطوّر العلوم التجريبية والاجتماعية الجديدةn. 3 ــ حياة الإنسان المعاصر صناعية مائة بالمائةn. 4 ــ الحياة الحديثة لا تتحقّق إلا بخطط طويلة الأمدn. 5 ــ المشاركة السياسية والحكومة الديمقراطية من مستلزمات الحياة الحديثة. 6 ــ تهيئ الحقوق والقوانين الحديثة، الأرضيةَ المطلوبة للتطوّر والتنمية، ولا يقتصر دورها على حلّ الخلافات بين الأفراد، وإحلال النظم في المجتمع. 7 ــ أهمّ واجب يقع على عاتق الحكومة اليوم هو إعمار البلاد وتطويرها. 8 ــ لا علاقة للنمط الجديد من الحياة بالتنمية والتطوّر الدينيّينn، وإن لم يستلزم هذا النمط نفي التدين. 9 ــ لا يمكن التنبؤ بمستقبل الحياة الحديثة؛ إذ تستبطن التنمية تغييرات ثقافية كثيرة، لا يمكن التنبؤ بها. 10 ــ مفهوم العدالة في هذه الحياة الاجتماعية، مفهومٌ فلسفي في غاية التعقيدn.

لا تواجه الحكومات ومراكز القرار في إدارة المجتمعات الحديثة، تعقيدات التنمية المادية والمعنوية وتبعاتها فحسب، بل لقد استعصى عليها تحديد مفهوم العدالة نفسه، وهي القيمة الأساسية في جميع المخطّطات والخطوات. هذه حقيقة تواجههم في السلوك السياسي، وقد أدّت إلى إبعاد عالم السياسة عن الجزميات ومقولات الدوغمة (ص17).

يسعى الشيخ شبستري إلى إثبات عدم فاعلية الفقه في حلّ عقد الحياة الجديدة، من خلال بيان ميزات العصر الحديث، وبالطبع لا مفرّ من قبول الحياة الجديدة؛ فالحياة الاجتماعية الحديثة، التي تشكّل التنمية الإنسانية الشاملةn محورها الأساس، واتّبعها المسلمون مضطرّين منذ بداية القرن العشرين، لا يمكن إدارتها بالحلال والحرام الفقهيين؛ إذ لا تسير أمورها إلا بإدارة علمية، وخطط طويلة الأمد، كما اتّضح من بيان ميزاتها، كما أنّ الديمقراطية من مستلزمات هذه الحياة، ومن نتاجاتها أيضاً، ولا يسع الحلال والحرام الفقهيين سوى موافاة حيّز ضئيل من هذه الحياة (ص18).

ويمكننا عدّ أمور أدقّ وأعمق، من خصائص الحياة الحديثة، لكن نكتفي بذكر بعض ما يرد على رأي الشيخ شبستري:

أولاً: لم الاضطرار لقبول جميع ما يرشح عن الحياة الجديدة؟ وهل علينا اتّباع كل ما في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ممّا يسمّى تنميةً وتطوّراًn؟ لو كان بعض من ذلك مرفوضاً، فلم لا يشير الشيخ إليه؟ كيف يمكننا تمييز الأبعاد الإيجابية عن السلبية في حياة الإنسان الغربي؟ ألا يستطيع المسلمون تأسيس منهج جديد للحياة على ضوء قيمهم الدينية، وحلّ مشاكلهم من خلاله؟

ثانياً: ما هو تعريف الشيخ للتنمية؟ ولم اعتبر التنمية الغربية أنموذجاً للمسلمين؟ بما أنّ كلّ نمط من التنمية يبتني على قيم محددة، لم لا يسعى لتقديم نمط يعتمد على القيم الدينية؟

ثالثاً: لا تختصّ أصول مهمة: كالمشاركة السياسية، والمنافسة السياسية السليمة، ونفي العنف في المجتمع، بالديمقراطية الغربية، ولا تتعارض مع الفقه السياسي.

رابعاً: أيّ من الخصائص العشر التي ذكرها الشيخ تتعارض مع الفقه الإسلامي؟ ومن قال بأنّ جميعها مرتبط بالفقه، ويجب حلّها من خلاله؟ هل يتعارض قبول الأحكام الفقهية مع تحسّن حياة الناس، أو صياغة مخطّطات طويلة الأمد، أو استخدام نتائج العلوم التجريبية والاجتماعية، أو حركة المجتمع نحو التقنية والصناعة؟

خامساً: متى عارض الفقه الإسلامي القوانين التي تنظّم التطوّر الوطنيn؟ فكثير من قوانين التنمية قوانين مرحلية ومتغيرة، ولا يعارضها الإسلام، ما دامت لا تتعارض مع ثوابت الدين، وقد سنّ الإسلام قوانين تخصّ العلاقة بين أفراد المجتمع، وتنتج نظاماً اجتماعياً، فهل يتعارض ذلك مع التنمية؟ ألا يخلق ذلك مناخاً مناسباً للتنمية والتطوّر؟

لقد طرحت تعقيدات مسألة العدالة منذ القدم، فهي لا تعود إلى الحياة الحديثة، وقد كان شبستري محقّاً في قوله: إنّ كلاً من المدارس الليبرالية والاشتراكية، طرح رؤيته الخاصة. وقد دعى إعلان حقوق الإنسان العالمي إلى احترام العدالة الاجتماعية أيضاً، كما اقترحت الديمقراطية ــ التي ادّعى شبستري أنّها أقرب للعدالة من أيّ نهج حكومي آخر ــ بعض السبل لنيل العدالة، لكنّ اختلاف الآراء بين العلماء حول هذا الموضوع مازال قائماً، وبغضّ النظر عن ذلك كلّه، كيف يعرّف الشيخ العدالة؟ ما هي خطّته لتحقيقها؟

للأسف، هنا أيضاً يتجاوز شبستري الموضوع دون تحديد موقفه، والأنكى من ذلك، أنّه يقرّر الموضوع بصورة، وكأنّ الفقه الإسلامي لا صلة له بالعدالة، ويتناسى الأفكار الإسلامية حول العدالة، بذريعة أنّ كلّ ما في الإسلام والفقه الإسلامي لا يصلح لما بعد الحداثة.

الفقه الإسلامي والتنمية ـــــــ

يقول الشيخ شبستري دفاعاً عن الحياة الحديثة ــ التي تعرّضت للانتقادات من قبل أكبر مفكّري الغرب ــ : في ظروف كهذه، على مؤيدي أيّ نظام للحكم وأيّ برنامج سياسي وأي قانون، أن يبرهنوا على عدالته (ص17 ــ 18).

ألم يؤكّد الإسلام على نقد المتصدّين للشأن السياسي؟ أليس من واجب المتصدين للحكم الإسلامي، تبيين طابع العدل في برامجهم؟ لمَ يتمكّن المتدينون من نقد التنمية على أساس المفاهيم الدينية، لكن لا يمكنهم تقديم خطّة للتنمية والتطوّر الديني، إن اشتمال عملية التنمية على بعض البرامج الدينية، لا يجعلها دينية برمّتها، أو منقادةً للأغراض الدينية، فليس في مقدور التديّن هضم التنمية وإعطائها صبغةً دينيةn (ص18).

لم يحدّد شبستري مرادَه من التنمية، ولم يبيّن المواصفات التي تجعل ظاهرةً ما دينية، فلو استخرجنا جميع قضايا التنمية من الفقه الإسلامي، هل تكون التنمية دينية؟ وهل ادّعى الدين هذا الأمر؟ أليس بإمكان الدين تقديم أسس ثابتة وأهداف مثالية للتنمية؟ ألا ينبغي استخدام نتاجات العلوم فيها؟ وإذا ما أقررنا بوجوب ذلك، هل يمكننا اعتبارها غير دينية، بمجرّد استخدام العلوم التجريبية والإنسانية فيها؟ لم لا نستخدم التنمية لتلبية أغراض الدين؟ وبعبارة أدق: لمَ لا يكون أحد أهداف التنمية بناء مجتمع ديني؟ أين تتعارض الإدارة العلمية مع الحلال والحرام الفقهيين؟ ومن قال بأنّ من الممكن حلّ جميع العقد بالفقه وحلاله وحرامه؟ أيّ حكم ديني يتعارض مع الإدارة العلمية والخطط بعيدة الأمد؟

يرى الشيخ شبستري أن ليس في استطاعة علم الفقه تحليل واقع المجتمع، ولا يمكنه التخطيط لتفسير ذلك الواقع لنيل أهداف معيّنة، ولا يمتلك القيم السياسية والإنسانية الحديثة. إذ لم يؤسس لهذه الأهداف أصلاً، بل يتكفّل بإدارة الحياة الاجتماعية الحديثة، في الدرجة الأولى، علم الفلسفة، والسياسة، والإدارة، والاقتصاد، والقانون. من ناحية أخرى يلعب الاعتراف بالقيم السياسية والإنسانية الحديثة، كالحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية ــ بمعناها الحديث، أي حقوق الإنسان ــ دوراً مهمّاً في ذلك (ص18 ــ 19).

من حصر تحليل الواقع الاجتماعي بالفقه؟ لا نتطرّق هنا إلى إمكان الاستفادة من الفقه في تحليل الواقع الاجتماعي أو عدمه، لكن نريد التأكيد على أنّ لا وجود لمفكر يدّعي إمكان تحليل الواقع الاجتماعي بالفقه وحده، فإنّ هذه العملية من قبيل تشخيص الموضوعات الخارجية، فلا علاقة للفقه بهذا الأمر، كما لم يدّع أيّ فقيه ممارسة التخطيط الاجتماعي بالفقه وحده، ولا يتنافى اعتماد الفقه مع الاستعانة بالفلسفة والسياسة وعلوم الإدارة، والاقتصاد، والقانون. كما تقوم هذه العلوم بمعرفة الموضوعات، وبإمكانها خدمة الفقه لتبيين حكم تلك الأمور في الظروف المختلفة، شريطة أن لا نلغي ثوابت الدين تحت ذريعة الاستفادة من هذه العلوم.

أمّا فيما يخصّ قبول قيم، كالحرية، والمساواة، والعدالة، فلا داعي لتبنّي المعنى الحديث لها؛ إذ تقدّم كلّ مدرسة تفسيراً لهذه المفاهيم على أساس مبانيها الكلامية والفلسفية، وقد يختلف معناها من مدرسة إلى أخرى، وللإسلام أيضاً، موقفه الخاص من هذه القضية، على ضوء أسسه المعرفية، ونظرته للإنسان، وعلى المفكّرين المسلمين التزام هذا الموقف.

لا يعني هذا الكلام أنّ نظرة الإسلام لهذه الأمور تختلف تماماً عن نظرة المدارس الأخرى، فللإسلام مشتركات مع المدارس الحديثة، كما أنّ هناك نقاط افتراق، تُباعد ما بينهما، ولا يمكن الغضّ عنها بحجّة حقوق الإنسان.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها الشيخ شبستري، هي توقّعاته من الدين؛ إذ يتصوّر أنّ من غير الممكن إدارة المجتمع على أساس القيم والأحكام الدينية، وهذا ادّعاء لا دليل عليه، وهو يتوقع أن يضفي الدين روحانيةً على الحياة فقط؛ لهذا نراه يقول: بثّ الروحانية في الحياة الاجتماعية الحديثة، مهمّة لا يقوم بها سوى الدين، وعليه القيام بهذا الدور (ص19).

حقوق الإنسان الإسلامية والغربية ـــــــ

سعى المؤلف المحترم للدفاع عن حقوق الإنسان الغربية، والردّ على آراء المفكّرين المسلمين في نقد الموقف الغربي، من خلال الفصول السبعة للباب الثالث. وقد سمّى أفكار عظماء، كالعلامة الجعفري، وآية الله جوادي الآملي بـحقوق الإنسان الميتافيزيقيةn، منتقداً آراءهم بقوله: بنى عبد الله جوادي الآملي جميع أبحاثه حول حقوق الإنسان في كتاب فلسفة حقوق الإنسان، على أسس ميتافيزيقية، وقد كتب هذا الكتاب لرفض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتأسيس حقوق ميتافيزيقية له، وانتهج الشيخ محمد تقي الجعفري الراحل المنهج عينه في كتاب حقوق الإنسان العالميةn.. وأقدّم هنا نقداً لآراءهم ومن يؤيّدهم فيها (ص230).

ينعت الشيخ شبستري رأي آية الله جوادي الآملي، بالحقوق الميتافيزيقية للإنسان؛ لأنّ الأخير يرى أنّ حقوق الإنسان يجب أن تصدر عن ماهيّته المشتركة، وهي فطرته، وبما أنّ الله هو الذي يعرف هذه الماهية المشتركة بين البشر، فهو الوحيد الذي يمكنه تحديد حقوق الإنسان، وقد ذكرها في الكتاب والسنّة.

وخلافاً لما يدّعيه الشيخ شبستري، لم يؤلّف الشيخ الجعفري كتابه للردّ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل لكي يؤيّد طرح الحقوق الإسلامية للإنسان، وقد قام بمقارنتهما في كتابه، وحدّد نقاط الاشتراك والافتراق بينهما؛ ولمزيد من الإيضاح، نستعرض أفكار الشيخ الجعفري بإيجاز.

يفكك الشيخ الجعفري في بادئ الأمر بين مسألتين، هما: 1 ــ ضرورة تدوين حقوق الإنسان، والهدف منها. 2 ــ تطبيق حقوق الإنسان.

ويرى في مجال تدوين حقوق الإنسان، وجوب مراجعة افتراضات الموضوع، وبعبارة أدق: الأسس الأنثروبولوجية التي ابتنت عليها، أمّا في مجال التطبيق، فعلينا تناول جميع الآليات الفكرية والعملية التي تساعد على تطبيقها، ويعتقد جعفري أنّ من الضروري في تدوين حقوق الإنسان، ملاحظة الأمور التالية:

1 ــ يتحدّث إعلان حقوق الإنسان العالمي عن الإنسان وقيمه؛ فأيّ تفسير للإنسان نتبنّى حتى نعدّ له حقوقاً ثابتة؟ هل نعتبر الإنسان وجوداً ذا كرامة ذاتية أو نعتبره ذئباً؟ هل يمكننا الحديث عن حقوق الإنسان في ظلّ أفكار بعض الفلاسفة الغربيين الذين يدافعون عن أصالة القدرة، ويعتبرون التنازع من أجل البقاء محور الحياة؟

2 ــ المعاشرة السليمة، في جوّ مفعم بالصفاء، والحرية، والعدالة، أساس حقوق الإنسان، وهو في غاية الأهمية، لكن ما زال السؤال قائماً: كيف تكون نظرة الإنسان لحياته، ليرى الناس أعضاء أسرةٍ واحدة؟

3 ــ من وجهة نظر الإسلام، تعادل حياة إنسان واحد حياةَ جميع الناس، أي يطرح الإسلام الإنسان على مستوى الكيفية، لا الكمية.

4 ــ أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للآخرين؛ إذاً، تقوم علاقة الإنسان مع الله على ضوء علاقته بسائر الناس.

5 ــ يحدّد الإسلام هدفاً سامياً لحياة الإنسان، وهو القرب الإلهي، وهو ما يوفّر مناخاً للوحدة بين الناس، الخلق كلّهم عيال الله.

أسس تطبيق حقوق الإنسان ـــــــ

لا يستلزم تدوين حقوق الإنسان بالضرورة تطبيقها، فليست مشكلة الإنسان اليوم في عدم وجود قوانين جيّدة، بل مشكلته في عدم تطبيق هذه القوانين، وهنا يعتقد الشيخ جعفري بوجود نوعين من الآليات لتطبيق النظام القانوني: 1 ــ الآليات الخارجية التي تتكفّلها المؤسّسات الاجتماعية. 2 ــ الآليات الداخلية التي يتكفّلها عقل الإنسان ونوازعه.

يجب توفّر أرضية ثقافية مناسبة لتطبيق حقوق الإنسان، إضافة إلى المؤسّسات المدنية والتنفيذية اللازمة، كما على الناس تأمين هذه الحقوق بالضرورة، وينبغي أن يتمتعوا بتربية، تنمّي فيهم الحالة النفسية والأخلاقية اللازمة لتطبيق هذه الحقوق.

وقد قارن الشيخ جعفري بين نظامي حقوق الإنسان الغربي والإسلامي في أسسهما، وسبل تنفيذهما، وذكر الميزات التالية للنظام الإسلامي على الغربي:

1 ــ تعتمد حقوق الإنسان في الإسلام على الإرادة الإلهية، وقد اعتبر الله سبحانه وتعالى، الالتزام بهذه الحقوق من تكاليف عباده؛ فيكون التزام الناس بها لوجه الله، لا على أساس مصالح ذاتية.

2 ــ حوافز الإنسان في طلب الكمال هي الضمان الأكيد في تطبيق هذه الحقوق، حيث يرى تكامله وسموّه في ذلك.

3 ــ الإسلام دين إبراهيمي، تمتدّ جذوره في فطرة الإنسان، وكذلك هي جميع الأديان الإلهية، وهذا ما يسهّل إثبات عالمية حقوق الإنسان، أو على الأقل، هذا ما يدفع لتمسّك متديّني العالم جميعهم بها.

4 ــ يهتمّ الدين بكمال البشر، ولا تقتصر تعاليمه على الحياة الطبيعية للناس، بل تشمل حقوق أرواحهم أيضاً، وهذا ما يضمن حياةً طبيعية رغيدة لهم.

5 ــ استخدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصطلح أعضاء الأسرة البشرية، وهو مصطلح في غاية الأهمية، وقد وثق الإسلام من قَبل العلاقة بين الناس بتأكيده على أنّ الجميع عيال اللهn، معطياً بذلك أكبر ضمان لتطبيق حقوق الإنسان.

6 ــ من أهمّ سبل تطبيق حقوق الإنسان العالمية، ضبط أنانية الإنسان نفسه، وقد صرّح الفكر الإسلامي بذلك، فما دامت أنانية البشر مطلقة العنان، لا يمكن الحدّ من احتقار حقوق الناس، الذي يؤدّي إلى الأعمال العدائية والوحشية.

7 ــ عُدّت حرية العقيدة، والخلاص من الفقر والخوف، من أهمّ أمنيات البشر في تحليل دوافع حقوقهم، بينما هي ــ في الحقيقة ــ وسائل وآليات، لا أهدافاً وغايات، وقد اعتبرها الإسلام أهدافاً مرحلية وجزئية، لا أهدافاً نهائية، وبصياغته أهدافاً عليا للحياة، سبق غيره في تمهيد الأرضية المعرفية لتطبيق حقوق الإنسان.

دراسة المبادئ الفلسفية لحقوق الإنسان ـــــــ

درس الشيخ جعفري مفاد إعلان حقوق الإنسان بشكل مفصّل، وقارنها بالنظام الفكري والحقوقي الإسلامي، محدّداً نقاط الاشتراك والافتراق بينهما، وقد تطرّق للأسس المعرفية والانثروبولوجية في كلا النظامين، وبيّن نقاط الضعف الأساسية في حقوق الإنسان الغربية، ونأتي هنا بأهمّ ما ذكره فيما يخصّ الاختلاف بين هذين النظامين؛ لتتضح نقاط الضعف في أفكار الشيخ شبستري في دفاعه عن إعلان حقوق الإنسان الغربي:

1 ــ لا نقرّ بكرامة الإنسان دون معيار أفضلية التقوى، وتشجيع الناس على اكتسابها، وللأسف لم يلتفت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لهذا الأمر.

2 ــ أكّد الإعلان على الحريات الطبيعية، لكنّه لم يول حرية الإنسان الروحية اهتماماً.

3 ــ لم يتطرّق الإعلان لبعض الحقوق الجماعية للإنسان، كحقّ دفع الاستضعاف.

4 ــ لا يشير الإعلان إلى منطلق العدالة، كما أغفل استحالة تحقّقها دون التخلّق بالأخلاق الإنسانية المتعالية.

5 ــ عدّت حرية العقيدة، ودفع الخوف والفقر، أسمى أهداف الإنسان، لكنّها لا تصلح أن تكون الهدف النهائي له، وإن حازت قدراً كبيراً من الأهمية.

6 ــ يعتبر الإسلام الحياةَ منحةً إلهية، فيما لم يذكر الإعلان ذلك.

7 ــ صرّحت حقوق الإنسان الإسلامية بعدم جواز استخدام أي وسيلة تؤدي إلى القضاء على حياة الناس، وهو ما لم يصرّح به الإعلان الغربي([5]).

8 ــ لم يميّز نظام حقوق الإنسان الغربي بين الكرامة الذاتية والكرامة القيمية للإنسان، فيما صرّح الإسلام بذلك.

9 ــ تعتبر الكرامة الذاتية في الفكر الإسلامي من ألطاف الله على العباد، فيما لا يوجد في الفكر الغربي تفسير منطقي لذلك.

10 ــ حقّ الحياة في بيئة سليمة، وبعيدة عن المفاسد الأخلاقية، من الأصول المؤكّدة في حقوق الإنسان الإسلامية، لكنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يتطرّق له.

11 ــ لم يهتمّ الإعلان العالمي بالجوانب الروحية للإنسان، خلافاً لحقوق الإنسان الإسلامية.

12 ــ يعدّ الإسلام الدعوة إلى الكمال والخير من حقوق الإنسان المهمّة، لكننا لا نرى أيّ التفات لذلك في الإعلان العالمي.

13 ــ يرى الإسلام وجوب تحديد الإعلام وأجهزته، في إطار ما يخدم تطوّر البشرية، فيما لا يشير الإعلان العالمي إلى ذلك، بل لا يرى إشاعة الانحراف الأخلاقي منافياً لحقوق الإنسان.

14 ــ تقول الحقوق الإسلامية: لا سلطة لأحد على الآخر، وقد غفلت الحقوق الغربية عن هذا الأصل.

15 ــ لا يرى الإسلام حدود الحرية في عدم الإضرار بالآخرين، بل لا يريد للإنسان أن يضرّ نفسه بالابتعاد عن سبل الكمال والهداية.

حقوق الإنسان الميتافيزيقية ـــــــ

ما ذكرناه من الأسس الكلامية والفلسفية، أو على حدّ تعبير الشيخ شبستري: الميتافيزيقية، لحقوق الإنسان، هو ما أدّت الغفلة عنه إلى مشاكل نظرية عديدة في القبول المنطقي لحقوق الإنسان، فيجدر بكلّ من يريد خوض النقاش النظري في هذا المجال، تحديد موقفه من هذه الأسس أولاً، ومناقشتها إذا ما كانت لديه ملاحظات على حقوق الإنسان الإسلامية ثانياً، وليس له إنكار آراء بعض علماء الدين في حقوق الإنسان، لمجرّد أنّها تبتني على أصول ميتافيزيقيّة.

ومع شديد الأسف، لم يبحث الشيخ شبستري أيّاً من هذه الأصول، وكلّ ما قام به هو إنكار المدّعيات الثلاثة التي طرحها آية الله جوادي الآملي، بذريعة أنّها ميتافيزيقية (ص237)، وفي الوقت عينه طرح آراءه في الدفاع عن حقوق الإنسان الغربية، ونقد حقوق الإنسان الإسلامية.

نتناول هنا بعضاً من هذه الآراء بالدراسة والتمحيص، حيث يقول الشيخ شبستري: لا يمكن اليوم لكثير من الناس، وحتى الفلاسفة ــ اتفقنا معهم، أو اختلفنا ــ التفكير بطريقة ميتافيزيقيّة.. بمقدورنا أن نجزم بعدم خوض نصف العالم في مجال الأخلاق والحقوق والسياسة، على أساس الميتافيزيقيا، وإنّما تبتني آراؤهم على قيم المذهب الإنساني (ص241).

من لوازم البحث العلمي، تحديد المراد من المصطلحات أولاً؛ فلمَ يعتبر الذين خاضوا في حقوق الإنسان الإسلامية أبداً الإسلامَ معادلاً للميتافيزيقيا، وإذا كان شبستري يقصد أنّ الميتافيزيقيا هي الاعتقاد بماوراء الطبيعة، فهذا خطأ تماماً؛ لأنّ معناها ما بعد الطبيعة، وهي نهج فكري خاص، بينما ماوراء الطبيعة، عالم أسمى من المادة، أماّ استخدامه مصطلح المذهب الإنساني، فهو قرينة على أنّه يقصد بالميتافيزيقي، الإلهي، أو محورية الله في الأمر، أي لم يعد الناس اليوم يفهمون الأخلاق والحقوق والسياسة على أساس نظام محوره الله، بل يريدون ما محوره الإنسان نفسه.

هذا تمايز مقبول، لكن لا يعني مصطلح الميتافيزيقيا أبداً، محوريةَ الله، ولم تكن الميتافيزيقيا يوماً نقيضاً للمذهب الإنساني؛ إذ للمذهب الإنساني أسس ميتافيزيقيّة أيضاً، ولهذا لا يرفض الميتافيزيقيا من الأساس.

يتساءل الشيخ شبستري عن السبيل الذي يريد أنصار حقوق الإنسان الإسلامية اتّباعه، لدعوة الفلاسفة والمثقفين والسياسيين في العالم، للالتزام بحقوق الإنسان الميتافيزيقية، ثمّ يجيب نيابةً عنهم: إنّنا ندعو الناس إلى هذه الحقوق وإن رفضوها، لو كانت لنا القدرة، لأرغمناهم على قبولها، ولجعلناها أساساً في المعاملات والعلاقات، في جميع أرجاء العالم، لا شكّ في أنّ معنى هذا الكلام في العالم المعاصر، هو أنّ جماعة تريد إشعال حروب جديدة، وإراقة دماء، بذريعة حقوق الإنسانn (ص242).

لا أعرف مفكّراً قال ذلك، ثمّ أين أشار العلامة جعفري، والأستاذ جوادي الآملي إليه، حتى ينتقدهم الشيخ شبستري، وينسبه إليهم؟ متى قال هذان الحكيمان بوجوب إجبار الناس على قبول حقوق الإنسان الإسلامية؟ لمَ يتكلّم الشيخ شبستري دون سند، وينسب تصوّراته وافتراضاته إلى الآخرين؟ أليس منع الحروب، وإراقة الدماء، أحد أهداف دعاة حقوق الإنسان الإسلامية؟! فكيف لهم إشاعة الفساد في الأرض تحت غطاء تطبيق حقوق الإنسان؟ يستخدم دعاة حقوق الإنسان الغربية شتى الطرق والوسائل لفرض آرائهم على الناس، واللطيف في الأمر، أنّ الشيخ شبستري لا ينتقد سوء تصرّف الغربيين في هذا المجال.

يقول بعض العلماء، منهم الشيخ جوادي الآملي: إنّ تحديد حقوق الإنسان لله وحدهn، وذلك استناداً إلى أسسهم المعرفية، وتعريفهم للإنسان.

وأسس هذه النظرية ــ بإيجاز ــ هي: 1 ــ تبتني حقوق الإنسان على فطرته. 2 ــ لا يمكن تدوين حقوق الإنسان على أساس التوافق فقط. 3 ــ لا يمكن للإنسان تحديد حقوقه. 4 ــ التقنين حقّ لله وحده([6]).

يقول الشيخ شبستري في ردّ هذه النظرية: أكرّر سؤالي الدائم حول هذا الادعاء: إذا كنتم تستنبطون حقوق الإنسان من الكتاب والسنّة، فأيّ قراءة للنصوص الدينية كانت مرجعكم في ذلك؟

في الواقع، هناك آراء متعدّدة حول حقوق الإنسان لدى العلماء والمفكّرين الإسلاميين؛ فبعضهم يعتبرها خارج ــ دينيّة، على المسلمين الالتزام بها، فيما يسعى آخرون لاستخراج منظومة يسمّيها: حقوق الإنسان الإسلامية، يختلفون في ما بينهم في تحديد أركانها ومواصفاتها.

ما طرح في القاهرة وأماكن أخرى تحت عنوان حقوق الإنسان الإسلامية، لا يمثّل سوى رأي جماعة خاصة، والمسلمون غير ملزمين باتّباعه؛ فليس هناك رأي محدّد، يكون الفصل والحكم؛ إذ لا دليل فلسفي أو ديني يقضي بأنّ قراءة من تقمّصوا السلطة معتبرة، وواجبة الاتّباع (ص242 ــ 243).

كان لزاماً على الشيخ شبستري أن يردّ ــ أولاً ــ الأسس المعرفية للأستاذ جوادي الآملي وتصوّراته عن الإنسان، ومن ثم يتناول القراءات المختلفة للأسس والقواعد المذكورة، ليتّضح الاختلاف بينها، وكان حرياً به أن يشير إلى القراءات المختلفة لحقوق الإنسان الإسلامية؛ فلا ينكر أحد اختلاف الرأي بين الفقهاء والعلماء في المسائل الجزئية، لكن حين نريد تدوين نظام حقوقي، من الضروري أن يجتمع العلماء، ويصادقوا على النظام الحقوقي الذي يجمعون عليه، ويلتزموا به، وحتى لو اختلفوا في بعض أصوله، لكنهم ملتزمون به قهراً ــ عمليّاً ــ انطلاقاً من مصادقتهم عليه، كما حدث في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو إعلان القاهرة لحقوق الإنسان.

ولا يقتصر الأمر على حقوق الإنسان؛ فأغلب أصوله ثابتة ومحلّ اتفاق علماء الإسلام، بل في تدوين أيّ نظام حقوقي، لا يمكن تلبية جميع وجهات النظر، ولأن يصبح نظام ما مؤهلاً لإدارة المجتمع والعلاقات بين الأفراد والشعوب، يجب أن يحظى بتأييد الأغلبية من أهل الخبرة، وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمد عام 1948م، صادقت عليه ثمان وأربعون دولة من مجموع دول العالم آنذاك؛ فهل اختلاف القراءات والأفهام يخصّ النصوص الدينية فقط؟ ألا يوجد اختلاف في الأحكام العقلية أيضاً؟ لو رضينا باتفاق المختصّين ملاكاً لقبول حقوق الإنسان الغربية، فما المانع من أن يكون اتفاق آراء علماء المسلمين ملاكاً لقبول حقوق الإنسان الإسلامية؟

لقد أكّد مفكّرون كالعلامة جعفري، الذي قام بدراسة مقارنة بين حقوق الإنسان الإسلامية والغربية، على أنّ أغلب مفاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، محلّ قبول الإسلام، وقلّما تناقش نقاط الاختلاف من قبل علماء الإسلام؛ وحتى لو حصل خلاف بينهم، فإنّ ما يحصل على إجماع نسبي سيكون نافذاً ولازم الاتّباع.

شبستري ونقد حقوق الإنسان الإسلامية ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بعدم إمكان دعوة العالم للالتزام بحقوق الإنسان الإسلامية، حتى لو كانت مستنبطةً من الكتاب والسنّة، وبما أنّ غير المسلمين لا يعتقدون بالمصادر الإسلامية، فلا يمكن صياغة نظام حقوقي مشترك للجميع!

إذا أقررنا بتفوّق حقوق الإنسان الإسلامية على حقوق الإنسان القائمة، ولا ريب في ذلك، فمن واجبنا الدفاع عنها بشتّى السبل العلمية، وتبيين نقاط ضعف النظام القائم، كما بإمكان الدول الإسلامية إنهاء بعض ملفات العداء، على أساس حقوق الإنسان الإسلامية. فعدم إيمان أغلب الناس في العالم بالمصادر الإسلامية، لا يمنع من طرح حقوق الإنسان الإسلامية، والدفاع عنها.

يقول شبستري: لا ريب أنّ حقوق الإنسان الميتافيزيقية المطروحة في كتب مثل فلسفة حقوق الإنسان، أو الحقوق العالمية للإنسانn، لا يمكن تنفيذها في العالم المعاصر، ولا يمكننا أبداً طرحها على المفكّرين والسياسيين وشعوب العالم، بديلاً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (ص257).

وللأسف لم يلتفت الشيخ شبستري إلى أنّ هذين الكتابين قد تناولا فلسفة حقوق الإنسان والأسس المعرفية والأنثروبولوجية لها، ولم يتطرّقا لسبل تنفيذها وتطبيقها، ثمّ هل جميع من وقّعوا على الإعلان ملزمون بتطبيق تمام بنوده؟ يدلّ عدم التزام أعضاء الأمم المتحدة ببعض البنود، على جواز مخالفة ما يتعارض مع معتقدات دولةٍ ما وثقافتها؛ فلابد من مخرج لحلّ التعارض بين الإعلان وثقافة الشعوب المختلفة، فمن نقاط ضعف الإعلان وجود تعارض بين بنوده، حيث لا يمكن الالتزام بجميعها، وينبغي إصلاح ذلك.

من الإشكالات التي يوردها الشيخ شبستري على حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة، أنّها تجرّنا إلى الحروب وإراقة الدماء؛ لأنّها لا تبالي بواقع المجتمع؛ فعملياً، سوف تؤدي هذه الحقوق الميتافيزيقية إلى آلاف الحروب، لأنّها بعيدة كلّ البعد عن واقع الحياة الاجتماعية والتأريخية؛ فلا علاقة لها بالمجتمعات والناس الذين يعيشون على هذه الكرة الأرضية، متأثرين بالعناصر الاجتماعية والتأريخية، وتتعامل هذه الحقوق مع الروح المجرّدة للبشر، فكما أنّ العلوم الطبيعية الميتافيزيقيّة عجزت عن حلّ مشاكل الأرض، كالصحّة، والسكن، والطعام، كذلك حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة عاجزة عن حلّ مشاكل الإنسان السياسية على هذه الكرة الأرضية؛ بسبب النزعة التجريدية الانتزاعية فيها (ص245).

من قال بأنّ حقوق الإنسان الإسلامية لا علاقة لها بالناس والمجتمعات التي يعيشون فيها؟ هل يمكن صياغة نظام حقوقي لا علاقة له بالناس؟ ما المقصود من أنّ حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة تتفاعل مع الروح المجرّدة؟ أي خطأ فكري اقترفه آية الله جوادي الآملي بتناوله الروح المجرّدة، في حديثه عن الانثروبولوجية؟ تبحث الحقوق عن العلاقة المقنّنة بين الناس، فما الضرر الذي تلحقه الروح المجرّدة بهذه العلاقة؟ لا يدلّ قيام حقوق الإنسان الإسلامية على فطرة الإنسان، وانطلاقها من حاجاته الروحية الواقعية، وأبعادها المختلفة، على انقطاعها عن واقع المجتمع والتأريخ، أو على تجريديّتها وانتزاعيّتها.

ليته طرح حقوق الإنسان الإسلامية، التي صودق عليها في القاهرة، وحدّد موادها الانتزاعية؛ فهل نتوصّل من الرأي القاضي بوجوب خضوع علاقات الناس والمجتمعات لقوانين نابعة من الفطرة الإنسانية، إلى النتيجة التالية: يجب الإقدام بحزم لصياغة نظام اجتماعي وسياسي ودولي على أساس هذه الحقوق، ورفع أيّ مانع في طريق هذا العمل، ولو بالعنف، وبما أنّ الحقوق الميتافيزيقيّة النابعة من نظام الكون، والمنسوبة للكتاب والسنّة، لا تتفق مع القراءات المختلفة للنصوص الدينية، يجب كمّ أفواه الذين يتكلّمون عن القراءات المختلفة! (ص246).

ومع شديد الأسف، يصل الشيخ شبستري أحياناً إلى أمثال هذه النتائج غير المنطقية، ويسوم جميع معارضيه بحكم واحد، ويعتبرهم عنيفين.

حقّ الحرية المطلقة ـــــــ

ينقل الشيخ شبستري رأياً عن العلامة الطباطبائي حول الحرية، وينتقده؛ إذ يرى العلامة الطباطبائي أنّ الإسلام قائم على التوحيد من ناحية تشريعية، فلم يسمح الله بالشرك؛ فالتوحيد هو أساس جميع القوانين والأحكام الإسلامية؛ فكيف يمكن أن يشرّع الإسلام حريّة العقيدة؟([7])، كيف يمكن للإسلام أن يسمح للناس بمخالفة أصل التوحيد، فيما كلّ بنائه قائمٌ على أساس التوحيد ونفي الشرك؟ إنّ هذا تناقض صريح، كذلك القول بحريّة الناس في مخالفة القوانين، فهو مناف لعملية التقنين نفسها (ص254).

يقول شبستري في ردّه على ذلك: إنّ الله يبلّغ الناس قوانينه بواسطة الأنبياء، وفي الوقت نفسه لا يسمح لأحد أن يُرغم الناس على إطاعة قوانينه؛ فالإنسان مخير بين اختيار التوحيد وعدم اختياره، لِمَ لا يمكن لله أن يهب الإنسان حقاً كهذا حتى مع سنّه قوانين معينة، لأنّه حقّ أخلاقي، ويختلف عن الحرية التكوينية للإنسان في اختيار الخير أو الشر، أين التناقض في الأمر؟ أي خلل يسبب ذلك لربوبية الربّ، أو عبودية العبد؟ ونستنتج من ذلك أنّ فرض التوحيد، بصفته فرضاً أساسياً على الإنسان، وسنّ التشريعات من قبل الله، لا ينافي ــ منطقياً ــ حقّ حرية الإنسانn، في اختيار أو عدم اختيار التوحيد، والالتزام أو عدم الالتزام بتلك التشريعات، ولا تناقض في الأمر؛ فلا يمكن اعتبار أصل التوحيدn منافياً للحرية الدينية، التي تشكّل حقاً سياسياً ــ اجتماعياً (ص255).

للأسف، لم يفهم شبستري رأي العلامة الطباطبائي بشكل صحيح؛ حيث يعتقد العلامة أنّ الإنسان ــ من ناحية تكوينية ــ حرّ في اختيار التوحيد أو عدم اختياره، وليس لأحد إرغام الناس على قبوله، لكن من ناحية تشريعية، بما أنّ الله قرّر التوحيد، فلا يمكن أن يقرّر نقيضه، وهو عدم التوحيد؛ اختيار الخير أو الشر يعود إلى الإنسان، وهو عمل تكويني، وليس بتشريعي.

إذا كان التوحيد حقّاً، والشرك باطلاً، فعلى الله إثبات التوحيد، ونفي الشرك، ولو لم يميّز الله بين هذين الاثنين، لانتفت الحكمة منه؛ فكيف يشرّع الربّ الحكيم أمراً باطلاً؟ تتحقق إنسانية الإنسان وعبوديته بالتزامه بالتوحيد، لا بعدم التوحيد، إنّ الإنسان من ناحية تكوينية حرّ في اختيار التوحيد، أو عدم اختياره، لكن بما أنّهما متناقضان، فلا يمكن أن يشرّع الله كليهما.

كذلك يعتقد العلامة الطباطبائي ــ طبقاً لأسسه المعرفية والانثروبولوجية ــ أنّ الله لم يعط حقّ حرية الشرك للناس، وإن كان باستطاعتهم ــ من الناحية التكوينية ــ اختياره، وهذه الأسس هي: 1 ــ إنّ الله حكيم، ولا يقوم الحكيم بعمل عبثي، ولا يأمر به. 2 ــ خلق الله الإنسان لنيل الكمال. 3 ــ جعل الله للإنسان حقوقاً تنتهي به إلى الكمال، ولا تسلبه الكمال إطلاقاً. 4 ــ خلق الله الإنسان حراً، وله اختيار ما يشاء في مقام العمل. 5 ــ لكلّ عمل تبعاته التكوينية، فكلّ ما أمر به الله ينتهي إلى الكمال، وكل ما نهى عنه ينتهي بالإنسان إلى السقوط. 6 ــ مَنحُ الله الإنسان حقاً ينتهي به إلى السقوط، في مقام التشريع، أمرٌ ينافي حكمته.

ويمكننا إثارة الموضوع بشكل آخر: هل من اللائق أن يعطي الله الإنسان حقّين متناقضين: حق بلوغ الكمال، وحق الحرية المطلقةn؟

إذا كان نفي الحرية المطلقة من مستلزمات الكمال، فينبغي أن يكون أحد الحقّين تابعاً للآخر، ومن غير المنطقي أن يجعل الله للإنسان حقّ بلوغ الكمال من جهة، فيما يجعل له ــ من جهة أخرى ــ حقوقاً مناقضة له، فذلك هو التناقض بعينه.

بما أنّ التوحيد من لوازم بلوغ الكمال، والشرك نقيض له، فمن غير المنطقي أن يشرّع الله كلا الحقين، لكن في مقام التشريع والعمل ــ كما أشرت ــ الإنسان حرّ في اختيار طريق الكمال، أو طريق السقوط، ويتحمّل العواقب الخارجية والتكوينية لاختياره، هذا هو أحد الفوارق المهمّة بين حقوق الإنسان الإسلامية، وحقوق الإنسان الغربية، وهو ناشئ عن أسسهما المعرفية والانثروبولوجية.

يطرح الشيخ شبستري احتمالاً آخر لتفسير عدم حرية الإنسان من الناحية التشريعية، وهو أيضاً موضع تأمّل، وهو <أنّ المراد من عدم حرية الإنسان من الناحية التشريعية، أن يكون لشخص، أو جماعة، أو دولة، الحقّ في فرض دين معيّن على الناس، أو منعهم من تغيير دينهم، فإذا كان الأمر كذلك ــ كما يظهر من مفهوم الجهاد الابتدائي ــ فهو مناف لحقوق الإنسان، لا محالة. وهنا تتقابل النظريتان المتناقضتانn (ص455).

يتطلّب المنهج العلمي نقل الكلام نصّاً، إذا ما أردنا تفسيره، ومن ثمّ تناوله بالنقد والتحليل، فلم تتّضح لنا القرينة التي أدّت بالشيخ شبستري إلى تصوّر أنّ أمثال آية الله جوادي الآملي يعتقدون بصلاحية شخص، أو جماعة، أو دولة، في فرض دين ما على الناس، ومن أيّة مادة من مواد حقوق الإنسان الإسلامية، استنتج أنّ رسالة هذه الدعوة، هي وجود دين حقّ واحد في العالم، وعلى الجميع اتّباعه، وإذا لم يؤمنوا به، فإنّ لأتباع ذلك الدين إرغامهم على ذلك بالقوّةn (ص255 ــ 256).

منطلق حقوق الإنسان ـــــــ

يعتقد المفكّرون الإسلاميون أنّ من الممكن تبيين حقوق الإنسان على أساس الفطرة الإنسانية، وهم لا يتجاهلون دور العقائد والأفكار والأحاسيس وتأريخ البشر، لكن للأسف، في هذا المجال أيضاً، نسب الشيخ شبستري أموراً غير لائقة لأشخاص، كالأستاذ جعفري وآية الله جوادي الآملي، حيث قال: يدور الحديث في كتب السادة عن أناس لا يعيشون على هذه الكرة الأرضية، وليس لهم أيّ تأريخ أو تجربة، وكأنّهم الملائكة، لا ينظرون إلا لفطرتهم وطبيعتهم، ويمكنهم الغضّ عن جميع عقائدهم وأفكارهم وأحاسيسهم وعواطفهم وتأريخهم، وأخذ قاسم مشترك بينهم، هو الفطرة والطبيعة الإنسانية، ثمّ تقديم حقوق لهذه الفطرة أو الطبيعة المشتركة، وبطبيعة الحال، على الجميع الرضا بهذه النتيجة! (ص257).

كلّ من يتحدّث عن الإنسان وحقوقه، يواجه هذا السؤال الأساس: هل يعتقد بالفطرة أو لا يعتقد بها؟ فالذين تحدّثوا عن الفطرة أيضاً، لا يتصوّرون الناس كالملائكة، أو يحسبون أن لا تأريخ لهم، بل يقولون: يمكن تأويل حقوق الإنسان بشكل منطقي، على أساس الاعتراف بالفطرة، ولو لم نعترف بوجود طبيعة وفطرة مشتركة بين الناس، لأصبح الحديث عن حقوقهم فاقداً لأيّ أساس عقلاني، بل تصبح حقوق الإنسان مجموعة من المواضعات، يقبلها بعض، ويرفضها آخرون، ولا داعي لقبول الجميع لها، أو بقائها معتبرةً إلى الأبد.

ويشير الشيخ شبستري في دفاعه عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى أنّ هذه الحقوق تنظر للإنسان بما هو إنسان.

يقول: بما أنّ هذه الفلسفة وهذه الحقوق أرضية، وتنظر إلى الإنسان بما هو إنسان، إذاً يمكنها أن تصبح ــ عملاً ــ موضع إجماع جميع الناس على الكرة الأرضية، لبناء حياة سلميّة.. (ص259).

هل يسعنا الحديث عن الإنسان بما هو إنسان، دون أخذ فطرته بنظر الاعتبار؟ ألا تنظر حقوق الإنسان الإسلامية للإنسان بما هو إنسان؟ وأساساً، على ضوء أيّة أسس أنثروبولوجية يمكن الحديث عن الإنسان بما هو إنسان؟ أليست حقوق البشر الإسلامية أرضية مناسبة؟ ما الدليل على ذلك؟

*   *     *

الهوامش

(*) عضو الهيئة العلمية لجامعة العلامة الطباطبائي، قسم الفلسفة، له مؤلفات عدّة حول نقد رجال الإصلاح في إيران.

[1] ــــ مجتهد شبستري، محمد، هرمنوتيك، كتاب وسنت (هرمنوطيقا الكتاب والسنّة): 15.

[2] ــــ للتوسع في الموضوع، راجع: نصري، عبدالله، mانتظار بشر از دينn (توقعات البشر من الدين): 198 ـ 202، [الكتاب نشرته دار الغدير ـ مترجماً إلى العربية من جانب أحمد العبيدي ــ تحت عنوان: <الدِّين بين الحدود والتوقّع>؛ وذلك في طبعته الأولى الصادرة في بيروت عام 2004م. <التحرير>].

[3] ــــ انتظار بشر از دين: 27 ـ 36.

[4] ــــ لملاحظة المصادر القرآنية والروائية لأهداف الحكومة، راجع: انتظار بشر از دين: 312 ـ 314.

[5] ــــ جعفري، محمد تقي، تحقيق در دو نظام جهانى حقوق بشر (دراسة في نظامي حقوق الإنسان العالميين): 97 ـ 163.

[6] ــــ جوادي آملي، عبدالله، فلسفه حقوق بشر (فلسفة حقوق الإنسان): 89 ـ 93.

[7] ــــ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان 4: 184.

 

المصدر: نصوص معاصرة




خصائص الخطاب النبوي*

خصائص الخطاب النبوي
خصائص الخطاب النبوي

حوارات.نت ـ محمد مجتهد شبستري

إحدى الآفات المتفشية في العالم الإسلامي، وفي بلدنا أيضا، ما يتعرض له خطاب الدين من تشويه، هذا الخطاب الذي ورثنا منه في العصر الحاضر مجموعة من الأحاديث نطق بها الأنبياء طيلة التاريخ. وإذا تصفحنا أوراق التاريخ سوف نشاهد أحاديث مماثلة عديدة تشبه أحاديث الأنبياء، فمثلا هناك مجموعة من الأقوال تخص الفلاسفة وأخرى تخص علماء الطبيعة ومجموعة من الأقوال تخص أهل السياسة وهكذا..

ولكن هناك مجموعة من الأحاديث والأقوال تخص الأنبياء، وقد ورثنا نحن اليوم خطبا دينية تخص خاتم الأنبياء محمد (ص) تتميز بخصائص إذا لم نلتفت إليها فإنها ستتعرض للتشويه بفعل التغييرات الاجتماعية المختلفة، أي إن ثقافة الدين ورسالته الموجهة إلى قلوب مستمعيه لا تتعرّضان للتشويه فقط بل إن أقوالاً وأحاديث أخرى بدأت تتعرض للتشويه والانحراف أيضاً.

ففي مجتمع له طابع ديني فإنه يخيّم على ثقافته القيم والمعتقدات الدينية أكثر من أي شيء آخر. في مثل هذا المجتمع لو كان خطاب الدين مشوه فإن الثقافة كلها بما فيها السياسية والفلسفية والعلمية ستصبح مشوهة. وبالتالي ستشكل تلك الثقافة مجموعة من الأمور الغامضة والرسائل غير الواضحة والخطوط المتشابكة فيما بينها.

إن تنقية الثقافة السياسية وغير السياسية في مجتمعنا يجب أن تنطلق من تنقية خطاب الدين أولاً. ففي المجتمعات الغربية غيرالدينية لا توجد مثل هذه المشاكل، ذلك لأن القيم التي تشكل الثقافة أو معظم هذه القيم تستند إلى منطق العقل. فرغم أن الدين موجود في تلك المجتمعات، لكنه لا يُعد من أبرز مظاهر الثقافة فيها بل يأتي على هامش الثقافة غير الدينية التي تتعرض إلى النقد الذاتي رغم استنادها إلى منطق العقل.

نسمع كثيراً عن مصطلح “نقد العقل المتطور” أو “نقد العقل ذاتي التأسيس”.. إن هذا النقد الموجود في المجتمعات الغربية يعتبر الجانب البارز في ثقافة تلك المجتمعات. فالمفكرون فيها يعتقدون بأن السبيل لإزالة الغموض الموجود في الفكر والحياة وتشخيص الأخطاء يأتي من خلال نقد العقل ذاتي التأسيس.

إن هذا التشخيص صائب تماماً، إنهم يسيرون في هذا الطريق ويقتحمون أعماق وأجواف كل شيء ويجرّدون الأصنام المختلفة من قداستها.. هذه الأصنام قد تكون العلوم أو الفلسفة أو الصناعة أو فنوناً أو أي شيء آخر، إنهم يُزيلون الحُجب الموجودة بينهم وبين الحقائق بقدر ما يستطيعون.

ولكن في مجتمعنا فإن نقطة الانطلاق تبدأ من تحديث الثقافة الدينية أولاً. فعندما نريد أن نقوم بتحديث تلك الثقافة فعلينا أن نبدأ بتحديث الخطاب الديني وأن نشخص الخصائص الصحيحة لهذا الخطاب، كي يتبين أي خطاب، وبأي خصائص يمكن أن يسمى خطاباً دينياً، وأي خطاب بإمكانه أن يكون خطاباً سياسياً، وأي خطاب بإمكانه أن يكون فلسفة وإلى آخره..

إن الذين يسعون لتنصيب كل الخطب والأقوال بمجاميعها المختلفة في خانة الأقوال الدينية لا يقدمون أي دعم للثقافة، بل هم يزيدون الثقافة غموضاً وشوائب.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى اقتحام أسس ثقافتنا الدينية الموجودة لتفكيكها إلى عناصرها المختلفة لكي نجدا رداً على السؤال القائل: ما هي النواة والعناصر الأصلية لخطاب الدين؟
العقــل
إن البحث في خصائص وميزات خطاب الدين يحتم البحث في خطاب نبي الإسلام. فأول ميزة من ميزات خطاب الرسول هي استناده إلى منطق العقل، أي إن أهم دعوة من دعوات الرسول هي دعوته إلى التوحيد ورفض الشرك بالله. فالتوحيد الذي كان يشكل أساس الدعوة النبوية يعتبر بحثاً منطقياً. فالشرك كان منتشراً في الحجاز قبل الدعوة، وكان التوحيد بحثاً تتقبله عقول الناس في تلك الفترة، أي من خلال “عقل الزمان” نود أن نؤكد بأننا نواجه عقولاً وأفكاراً منطقية مختلفة تتناسب مع كل زمان من الأزمنة وكل عصر من العصور المختلفة. فالعقل السائد في زمن الرسول كان يتقبل التوحيد ويرفض الشرك. إن ذلك لا يعني تثبيت مبدأ التوحيد بواسطة الأدلة العقلية رغم أن دعوة نبي الإسلام إلى التوحيد كانت دعوة إلى التوجه نحو أمر منطقي، مثلما أن الدعوة إلى التوحيد في هذا اليوم أيضاً تعتبر موضوعاً منطقياً.

إن رسول الإسلام دعا إلى التوحيد وإلى عبادة رب الكون كله والتخلي عن بقية الآلهة، فتقبّله عقلاء ذلك الزمان ولم يشعروا بوجود أي تعارض بين عقل الزمان أوالمنطق السائد في ذلك الزمان وبين دعوة الرسول. بمعنى أن النبي كان يدعو إلى الإعراض عن جهل الزمان والتوجه إلى عقل الزمان. فلهذا نستنتج أن كلام الدين في عصرنا وفي مجتمعنا يجب أن لا يتعارض مع عقل زماننا وإلا فسوف تتشوه إحدى الخصائص الهامة لخطاب الدين.

لايمكن أن نقول بأننا يجب أن نطرح خطاب الدين سواء تماشى مع عقل الزمان أو لم يتماش فهذا خطأ كبير. علينا أن نفكر كيف نتحدث وماذا نتحدث وهل حديثنا يتناسب مع منطق الزمان والعصر، وهل أن كل ما يُطلب باسم الدين ويُعلن بأنه من أوامر ونواهي رب العالمين يتطابق مع المنطق والعقل السائدين في المجتمع الذي نعيش فيه أم لا يتطابق؟

هل يمكن أن نطرح كلاماً باسم الدين دون التفكير بأن هذا الكلام المطروح يتناسب مع المنطق والعقل السائد في المجتمع؟

فإذا كان هناك تعارض فإن الطرح يجب أن يتوقف ويُستبدل بطرح آخر حر يستند إلى المنطق، وأن ننتظر نتائج ذلك الطرح. إن التعامل بطريقة الجزم والاتجاه الواحد يُفقد خطاب الدين صفته العقلانية، إذ يجب أن نطوّر كلام الدين إلى الأفضل بوسائل العقل والمنطق كي تبقى روح الرسالة الدينية محفوظة. كما يجب الحفاظ على جسر الحوار القائم مع الفلسفة والعلوم سالماً، فإذا انهدم هذا الجسر فلربما تنقطع علاقة الدين مع ثقافة العقل والمنطق السائدة في المجتمعات، ففي هذه الحالة كيف يمكن التحدث مع جيل لم نبنِ معه علاقة وفق المنطق الذي يتبناه؟ وهل من الممكن أن يتحدث شخص مع مخاطبه دون أن يكون هناك جسر بينهما فيوجه حديثه له؟..

بأي دليل وبأي منطق يلخص البعض جميع أبعاد حياة الإنسان في البعد الديني فقط ويشطب جميع أبعاد الإنسان الأخرى ويقول: يجب أن تكون جميع الأمور تحت راية الدين وتابعة له ويجب ألا نعترف بأي أطراف الحوار الأخرى؟!

إن الدين يحتل موقعه المرموق ولكن الأدب غيرالديني، مثلاً، هو جزء لا يمكن تجاهله من حياة الإنسان طيلة التاريخ كله. فالفن غيرالديني كان جزءاً من حياة الإنسان، والفلسفة غير الدينية كذلك، والعلوم غير الدينية أيضاً. كل هذه الأشياء لا يمكن تجاهلها، كما لا يمكن أن نُظهر الفنون والآداب غير الدينية على أنها ضد الدين ونشطبها شطباً لا رجعة فيه ونقول ليس لدينا أي ارتباط مع أصحاب هذه الفنون والآداب. إن رسالة الدين يجب أن تكون منطقية وعقلانية، بمعنى أن هذه الرسالة يجب أن تتمكن من بناء العلاقات مع جميع أبعاد الأنشطة الإنسانية المحسوبة على الإنسان طيلة التاريخ بحيث لا تجعل الإنسان أحادي البُعد ولا تحذف الجزء الأعظم من تاريخ البشرية.

إن خطاب الرب موجه للإنسان.. ذلك الإنسان الذي طرح نفسه طيلة التاريخ وليس الإنسان الذي يتصوره الفلاسفة في مخيلتهم. فنحن لدينا نوعين من الإنسان: الإنسان الذي يعيش في أدمغة الفلاسفة، والإنسان الآخر الذي عاش بصورة واقعية وحقيقية طيلة آلاف السنين الماضية. هذا الإنسان (الأخير) بإمكاننا أن نراه في التاريخ وفي المجتمع. هذا الإنسان الحقيقي له أبعاد مختلفة، له صفات حسنة وقبيحة، له تصرفات صائبة وضعيفة. هذا الإنسان لا يمكن أن يكون له تعريفاً نهائياً، ولهذا يقول البعض إن الإنسان يتقدم على طبيعته.

إن السؤال المهم هنا هو أن خطاب الدين موجه إلى أي إنسان؟ هل إلى الإنسان الذي عرّفه الفلاسفة أم إلى الإنسان الذي يعيش في التاريخ والمجتمع؟.. بالتأكيد أن خطاب رب العالمين موجه إلى الإنسان الذي يعيش في المجتمع والتاريخ، فرسول الإسلام كان يدعو الإنسان إلى التوجه نحو الله، ولكن هذه الدعوة كانت تطبق في إطار الواقع الاجتماعي والسياسي للإنسان.. كان يدعو إلى الروحانية والمعنوية ولكن ليس في الأديرة والصوامع بل في عمق المجتمع.

إذا قال أحد أن الرسول كان رجلاً سياسياً فقد أخطأ، وإذا قال إنه كان رسولاً لم يعمل من أجل تغيير واقع حياة المجتمع نحو العدالة فقد أخطأ أيضاً. إن الآيات القرآنية التي تبدأ بـ ﴿ يا أيها الناس ﴾ موجهة إلى الإنسان الذي يعيش في التاريخ والمجتمع، هذا الإنسان هو نفسه الذي يمتلك الآداب الدينية وغيرالدينية والفنون الدينية وغير الدينية وكذلك الإيمان والفلسفة والعلم والصناعة وأشياء أخرى.

إن رسالة الدين لو أرادت أن تكون منطقية وعقلانية، لا يمكن أن تقوم بحذف وشطب أبعاد معينة من حياة الإنسان. فشمولية الدين لا تعني أن الدين يغطي جميع الجوانب والأبعاد ويرفض كثرة الأبعاد الثقافية، بل الشمولية (طبعاً لو كنا نتوقع ذلك) تعني أن الدين له رسالة في مختلف جوانب حياة الإنسان وله خطاب موجه إلى جميع الناس، سواء كان الإنسان فيلسوفا أم عالماً أم فناناً غير ديني أم مخترعاً، ويعترف ويقرّ بوجودهم أيضاً.
العدالــة
الميزة الثانية لخطاب رسول الإسلام هي العدالة. ولقد كان للعدالة تعريف خاص في ذلك العصر، حيث كانت تتجسد في بعض الأمور على أرض الواقع. فعندما كان الظلم يظهر كان نبي الإسلام يأمر بالنهي عن أمور يتجسد فيها الظلم في المجتمع، كما أنه لم يطرح أبداً أموراً للناس غير قابلة للفهم. فكانت دعوته تتسم بالعدول عن ظلم ذلك العصر والتوجه نحو عدله، وكان الناس يفهمون معنى الظلم والعدل في ظل ذلك الزمان. فمثلاًعندما نهى الرسول الناس عن إلحاق الظلم بالعبيد وأسرى الحرب، فهم الناس جيداً معنى هذا النهي. كذلك حدّد الرسول واجبات للناس تجاه أزواجهم وفق ما كان يفهم الناس ويستوعبون معنى العدل في ذلك العصر والزمان. وقد حدد نبي الإسلام هذه الواجبات بما يتناسب وتجسيد العدل في ذلك العصر والزمان. فالناس فهموا جميع هذه الأمور وعرفوا بأن النبي يدعو إلى العدالة. وقد نقل عن نبي الإسلام قوله: “خياركم خياركم في الجاهلية وشراركم شراركم في الجاهلية”، بمعنى أنني أدعوكم إلى نفس الأمور الحسنة التي لا يفهمها الناس العقلاء قبل أن اظهر بينكم وكانت متروكة لا يبحث عنها عامة الناس ولم تكن من القيم المفضلة لديكم، أما الآن وبعد أن بعثت أُعلن بأنها قيم مفضلة، وفي الواقع إنني رفعت من مستوى أخلاق الزمان وعملت نفس الشيء بالنسبة للعدالة.

كما قال رسول الإسلام: “بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” أي لم أُبعث حتى أمنحكم البدع بل مكارم الأخلاق التي يعرفها الناس فأُكمّلها. أي أنه يدعو إلى نفس تلك العدالة التي كانت موجودة قبله وإلى إتمام وإكمال تلك العدالة.

هذا البحث لا يمكن فهمه إلا بالانتباه لأسلوب التحري والتحقيق من خلال دراسة ومتابعة العمل والجهد الذي كان يبذله نبي الإسلام في الظروف التاريخية والإجتماعية للعصر الذي كان يعيش فيه. إن هذه المواضيع لا تتعرض لمثل هذا الأسلوب من البحث والدراسة. فالكلام يطرح غالباً بطريقة توحي بأن رسول الإسلام كان “إنساناً غير عادي”، وأنه عمل في ظروف اجتماعية وتاريخية غير عادية، وتحدث بلغة غير عادية. هذه التصورات باطلة، إذ أن النبي كان في الواقع إنساناً وعمل في ظروف تاريخية واجتماعية معينة وذات إمكانيات محدودة، وأن الأعمال الحسنة التي كان يدعو الناس إليها كانت ذات إمكانيات محدودة، فكان يعمل وفق متطلبات الظروف. فإذا كانت الإمكانيات اللغوية محدودة، فإنه لا يمكن لأي أحد كان حتى لشخص الرسول أن يطرح كل ما هو ممكن طرحه في جميع العصور خلال عصر واحد فقط. أي لا يمكن أن يكون لدينا مصلحاً لجميع العصور وللتاريخ كله. لذلك يجب دراسة حياة رسول الإسلام ورسالته ضمن إطار ظروفه التاريخية والاجتماعية.

إذاً، إحدى خصائص خطاب النبي هي دعوته إلى العدالة. فأحاديثه التي كان يطرحها، وسلوكه في مجتمعه، كلها كانت تدعو إلى العدالة. فهو قد سعى لمحو ظلم الزمان والدعوة إلى عدل الزمان بشكله الأكثر تكاملاً. لكن في عصرنا الراهن فإنه يجب أن نفهم العدالة بمعنى آخر ونتساءل حول كيفية تفسيرها. فتفسير الإنسان الحالي للعدالة تفسير متعدد ومختلف، لذلك يجب أن يتم اختيار تفسير واحد من هذه التفاسير ومن ثم ربط هذا التفسير برسالة الدين. فخطاب الدين ورسالته لا يمكن أن يكونا غير عادلين. فمثلاً لو كانت مسألة حقوق الإنسان في عالم اليوم تعرف على أنها مظهر للعدالة فإن رسالة الدين لا يمكن أن تكون بعيدة عنها. إننا كمسلمين نستطيع بل ويجب علينا أن نقبل بحقوق الإنسان كأساس لتنظيماتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فعندما نقوم بدراسة السنة والسيرة النبوية في ظروفها الاجتماعية سوف نرى كيف تزول أمام أعيننا تلك الموانع التي يُعتقد على أنها تحول دون قبولنا لحقوق الإنسان، وعندها سوف تعبر أذهاننا السنن والسير النبوية فتتوجه نحو طبيعة الكرامة الإنسانية في الرسالة النبوية، وسوف نرى الرابطة التي تقام بين كرامة الإنسان وحقوق إنسان هذا العصر.

إن البعض يريد أن يستخرج جميع بنود المفهوم الراهن لحقوق الإنسان من كتب السنة. إننا لا نعتقد بصواب هذا الأسلوب. فالنظريات اللغوية لا تسمح بزج المعاني والتعابير المعينة والمختصة بعصرنا الحاضر في الترتيب اللغوي الذي كان سائداً في العصر الماضي، ولهذا السبب فإننا يجب أن نتحدث عن رسالة الخطاب والسلوك النبويين لهذا العصر وليس من منطلق ما يستند إليه هؤلاء.

نقول، لو نزيل الموانع فإن الرسالة ستظهر نفسها. لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: ماذا لو كان رسول الرحمة، الذي كان يحذر من ظلم الزمان وهو في تلك الظروف التاريخية والاجتماعية وكان يدعو إلى عدل الزمان، ماذا لو كان يعيش في هذا العصر.. هل كان يوافق على المفهوم الراهن لحقوق الإنسان أو يعارضه؟!

إن السؤال الفائت ليس له إلا جواب واحد وهو أن الرسول كان يوافق على ذلك. إن الجواب يكون بالإيجاب عندما تكون معالم حقوق الإنسان واضحة تماماً وإذا عرفنا إن مفهوم حقوق الإنسان ينظّم علاقات الناس فيما بينهم وليس علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

إن الحريات المطروحة في مبادئ حقوق الإنسان الراهنة تعكس حرية الإنسان أمام الإنسان الآخر، ولا تعني أن إقرار الرب أو تخليه عن إنسانية الإنسان له عند الله نتيجة متساوية.

إن شكل أي عصر من العصور سيذهب إلى مزبلة التاريخ! ولكن الخطب الخالدة لا ترمي في مزبلة التاريخ أبداً. فالرسائل تتشعشع من على أفق التاريخ دوماً، ورسائل الأنبياء والأولياء هي كذلك أيضاً.
الواقعية
الميزة الثالثة لخطاب رسول الإسلام (والأنبياء) هي الواقعية، فخطبهم عادة ما تتصف بالواقعية. بمعنى أنها غير خيالية. فتلك الخطب كانت تنظر للوقائع الموجودة في ذلك العصر. وما قام به رسول الإسلام طيلة 22 عاماً كان عملاً يستند إلى الواقعية، ولهذا السبب فإنه كان موفقا في عمله. ففي اليوم الأول لدعوته وافق عليها عدد بسيط من الناس مثل زوجته خديجة وابن عمه علي، ولكن في اليوم الآخر الذي ارتحل خلاله عن الدنيا كان قد نشأ واقعاً اجتماعياً عظيماً ومغايرا. كانت الجزيرة العربية قد اعتنقت الوحدانية، وتشكلت حكومة مركزية. ونحن إذ نمر بكل بساطة من أمام هذا الموضوع لكن هذا الموضوع يعد مهماً، فكيف يتمكن مغيّرو التاريخ من إنجاز مثل هذا العمل؟. إن مما لا شك فيه أن الشخصيات المتميزة التي تبني السنن تستفيد من سلوك معيّن من أجل أن تقوم بإنجاز مثل هذا العمل الجبّار.

فرسول الإسلام قاوم لفترة 13 عاماً في مكة أنواع الاعتراضات والإيذاءات وصبر على ذلك ومن ثم هاجر إلى المدينة، وعندما كانت الظروف هناك مناسبة شكّل الحكومة وقادها بكل دراية. في ذلك العصر لم يكن الدين والدولة منفصلان عن بعضهما.

إن العمل الذي يتسم بالواقعية هو أن النبي ومن أجل تعزيز دعوته الدينية وافق على اقتراح لتشكيل هذه الحكومة، وقام في إطار ذلك بترسيخ دينه وتثبيته. إن انفصال الدين عن الدولة قد تحقق عقب ظهور التطورات الثقافية والاجتماعية الهائلة وظهور المجتمعات والدول الجديدة، أي أن واقع الحال اليوم يتطلب فصل هذين عن بعضهما، ولكن في عصر نبي الإسلام كان واقع الحال يدعو إلى قيام النبي بتشكيل الحكومة. كما أن نظرة الرسول الواقعية كانت تدعو إلى النظر للإنسان باعتباره كائناً شمولياً من خلال تشريعاته المختلفة بحيث يكون لهذا الإنسان أبعاداً مادية وروحانية، بمعنى أن الإنسان من شأنه أن يكون “فرداً ” وفي الوقت نفسه يكون “كائناً اجتماعياً”. فقد تم الاعتراف بتشريعات الرسول بغرائز ورغبات الإنسان في ظل منع الرهبانية والاعتزال عن الدنيا. كما أن الحروب واستخدام العنف قد أجيز بصورة استثنائية مع رفض أي نوع من الإفراط والإسراف. ويمكن الإشارة إلى أمثلة كثيرة حول نظرة الرسول الواقعية للأمور.
الرحمـــة
الميزة الرابعة لخطاب النبي هي دعوته إلى الرحمة بدلاً من اللجوء إلى العنف والانتقاء. وبإمكاننا الإشارة هنا إلى قانون القصاص كمثال يُنظر إليه البعض على أنه دلالة على وجود العنف في الإسلام، في الوقت الذي يتعارض هذا مع الواقع، ذلك لأن هذا القانون كان مظهراً للرأفة والرحمة في عصر رسول الإسلام وليس مظهراً للعنف. لقد طرح القرآن الكريم القصاص من أجل السيطرة على موجة الانتقام التي كانت منتشرة في تلك المجتمعات بصورة مكثفة. فعندما كان يقتل شخص في ذلك العصر من قبل قبيلة ما كان يقتل مكانه أعداداً من البشر. وقد أشار القرآن إلى ذلك بالقول إذا أردتم أن تنفذوا القصاص فلكم الحق في إنزال القصاص بحق شخص واحد فقط وهوالقاتل ولا أكثر. ثم قال في الآية ﴿ وإن عُفي له من أخيه شيء ﴾ أي إذا لم تقتلوا القاتل وعفوتم عنه، فإنه أفضل كثيراً. بمعنى أن هناك شيء أرفع من العدل وهو العفو والرحمة. فإذا لم تقتلوا وعفوتم فإن الله سيرضى أكثر. إن منطق الخطاب والكلام النبوي لم يكن منطق الانتقام والعنف فحسب بل بالإضافة إلى التزامه بتنفيذ العدالة، كان يدعو إلى الرحمة أيضاً. إن خطاب الدين اليوم يجب أن لا يقتصر على الدعوة نحو تحقيق عدالة العصر، بل يجب أن يكون داعياً إلى الرحمة ورأفة العصر الحاضر كذلك، أي أن يأخذ بنظر الاعتبار عواطف البشر المتحولة.

هذه الخصائص والميزات الأربع التي جرى ذكرها، وهي منطق العقل والعدل والواقعية والرحمة، تعتبر ساحة حياة الإنسان في هذا العالم. فالإنسان مثل ما يطرح نفسه في التاريخ والمجتمع يمتلك ساحات العقل والعدل والواقعية والرحمة.

ولكن خطاب النبي عندما يهتم بجميع هذه الساحات في نفس الوقت، لا يحصر نفسه في أي من الساحات الأربع المذكورة. ومع اهتمامه بهذه الساحات يطرح النبي خطاباً يعد أوسع وأشمل، وهذا الخطاب هو رسالة الرب للإنسان ورسالة السماء للأرض، وهدفه هو فتح آفاق الطبيعة والتوجه نحو متطلبات الإنسان اليومية.

ومن الطبيعي أن يتسم خطاب الرسول بالعقلانية والعدالة والرحمة والواقعية كي يتمكن الإنسان من سماع رسالة الرسول بشكلها الصحيح. ولكن إذا ما بذلت هذه الرسالة كل توجهاتها نحو الساحات الأربع فإنها ستنتهي. وإذا لم تبق هذه الرسالة ضمن طبيعتها الذاتية الداعية إلى تعامل الإنسان ضمن الأطر الأربعة الضيقة، وهي التاريخ والمجتمع واللغة والجسم، فإنها لن تكون عندئذ رسالة رب العالمين. فمن الممكن أن تفقد تلك الرسالة صلاحيتها إذا ما نصبت الفلسفة والعلم والسياسة والقانون وغيرها من العلوم مكانها ولونتها بلون الدين.

إن رسالة الرب يجب أن تتسم بالشفافية دوماً كي تُسمع. وبقاء هذه الشفافية مرتبط بعدم زج أي فيلسوف أو عالم أو سياسي خطابه بخطاب رب العالمين، وعدم ربط أوامره بأوامر الله سبحانه وتعالى، وأن لا يعلن أي مفسر عن أن تفسيراً ما يُعد التفسير النهائي لخطاب رب العالمين، وأن يكون باب نقد التفاسير الدينية وقراءة النصوص الدينية بمختلف التوجهات مفتوحاً على مصراعيه دائماً، وأن يقتنع الجميع بأن علمنا محدود، وكَشْفنا للحقائق ما هو إلاّ عمل نسبي، وأن طرق الوصول إلى الله سبحانه وتعالى هي بعدد أنفس الخلق، وأن رسالة الرب هي رسالة الأمل، ورسالة التشجيع لاستمرار حياة الإنسان، ورسالة الإبتعاد عن اليأس والفراغ وإنشاء صرح راسخ لحياة الإنسان الداخلية والخارجية كي يتمكن من تحمل العذاب.

إن الله سبحانه وتعالى يُظهر ذاته المقدسة من خلال رسالته إذ يقول: أنا موجود وأنت أيها الإنسان لست وحيداً في هذه الحياة، فإذا توصل الإنسان إلى هذه النقطة واعتقد أنه وحيد فعلاً في هذه الحياة لربما يتعرض إلى وحشة ليست بعدها وحشة. إن مسلسل الانتحار الذي تشهده الطبقة المثقفة في المجتمعات ما هو إلا حالة من العزلة التي يصل إليها بعض الناس رغم أن نوعاً من هذا الانتحار الذي تدعو إليه بعض المذاهب يُعَدّ السلوك الديني الأرقى لدى الإنسان.

فالرسالة النبوية تريد أن تعالج هذا المرض كي يكون مع الإنسان في عالم الوجود صاحباً يتحدث معه. فإذا أرادت هذه الرسالة أن تبقى بمستوى الرسالة السماوية فعليها أن لا تهبط إلى حد انشغالات الإنسان اليومية.

وحسب تعبير قس القرن العشرين المسيحي المعروف (كارل بارث) فإن الرسالة السماوية يجب أن يتلقاها الناس بوصفها تختلف تماماً عن أية رسالة أخرى. إن تعبير “شيء مختلف” الذي يستخدمه مولوي (مولانا جلال الدين الرومي الشاعر الفارسي المعروف) في أشعاره هو نفس التعبير الذي استخدمه كارل بارث. مولوي يقول: “لقد أتاني شيء آخر”. ويقصد في هذا أن كلام الله سبحانه وتعالى هو “الشيء الآخر” وليس الخبز والماء والسياسة والفلسفة والعلم ونظائرها.

يقول كارل بارث إن كلام الله يختلف عن أي كلام نحن نعرفه، بل إن هذا الكلام يختلف تماماً عن أي كلام آخر. هذا العالم الألماني يعتبر إنساناً مهماً.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى غطت سحب اليأس جميع أنحاء أوروبا. إن هذه الحرب أوردت صدمة عنيفة بالإنسان الغربي الذي كان يتصور حتى أوائل القرن العشرين، وهو يعتمد على مبادئ راسيوناليسم(Rationalism) المستوحاة من حركة التثقيف التي انتشرت آنذاك، بأنه ومن خلال سيره في جادة العقلانية يستطيع أن يحل جميع مشاكل حياة الإنسان.. كان يتصور بأن الإنسان بإمكانه وله القدرة على حل مشاكل البشر التاريخية، وكان يقول بأن الإنسان يتمكن من تغيير تاريخه ويستطيع حل مشاكله وأن يصل في هذه الدنيا إلى المدينة الفاضلة. ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى وقُتل عشرات الملايين من البشر، كان فلاسفة الغرب يجلسون في مكاتب عملهم داخل الجامعات المرموقة وكان العلماء منشغلين في المختبرات وهم منهمكون في التجارب العلمية الدقيقة، وقد انهارت على رؤوسهم القنابل فاندفعوا إلى انتشال جثث زملائهم وأقربائهم وقاموا بأيديهم بدفن الجثث. هذه الأحداث ألحقت صدمة رهيبة بالإنسان الغربي، إذ قال الغربيون: إننا إذاً لم نحقق أي تقدم وأن الإنسان ما زال كائناً وحشياً، وهو ما كان سبباً في أن يخيّم يأس ديني شديد على الإنسان الغربي.

في القرن التاسع عشر عندما كان الفلاسفة يتوقعون بأن عقل الإنسان سيواصل تطوره ونموه، استفاد القساوسة المسيحيون من هذا بشكل جيد فأعلنوا بأن رب العالمين أسس تاريخ الإنسان بصورة تكاملية، وكانوا قد احتسبوا هذه الظاهرة على أنها إحدى علائم الحكمة وعلم الله سبحانه. فقد ظهرت فلسفة متفائلة للتاريخ استفاد منها القساوسة، ومفاد هذه الفلسفة أن الله تعالى أوجد تاريخ الإنسان بالنحو الذي يتقدم باتجاه الأمام وقادر على أن يحل مشاكله.

عندما وقعت الحرب العالمية الأولى لحقت صدمة عقائدية أيضاً بالناس، فراودتهم الشكوك في تكامل التاريخ، وقالوا إن التاريخ كله ليس له أي معنى. في هذا الظرف دخل كارل بارث الساحة وطرح رأيه الديني بهذا الخصوص والذي بُني على أساس أن فضل الله على الإنسان ووصول رسالته إلى الإنسان لا ينحصر في أية ساحة من ساحات الإنسان بما فيها ساحة التاريخ. إن تلك الرسالة تختلف تماماً عن سائر الرسائل الأخرى. فقد قاوم كارل بارث من خلال طرحه لمثل هذه النظرية الدينية تلك الأمواج العاتية المتمثلة باليأس وفقدان الأمل، واستعادت الديانة المسيحية حياة جديدة.

إن خطاب نبي الإسلام ينطلق من الوحي، والوحي يعني الإشارة الإلهية. أي إنه يتلقى الوحي، وأن الله كان يتحدث معه (بالإشارة). فالنبي وحتى آخر حياته كان يتلقى الوحي، وكان يصف “النبوة” بأنها من أهم أبعاد شخصيته الإنسانية، وخلال كلماته وأحاديثه لم ينزل إلى مستوى الحكام والفلاسفة والحكماء والساسة أبداً. إن القرآن لم يستشهد بالأدلة الفلسفية لإثبات ادعاءات النبي. فعندما كان الحديث يتمحور حول الوحي فإن الكلام كان يستند فقط إلى سلطة الوحي نفسه، وكان الوحي لا يتنزل إلى مستوى الفلسفة، ولهذا السبب فإن النبي بقي نبياً إلى آخر عمره، رغم أن الجزيرة العربية كلها تقريباً كانت تحت سلطته السياسية، ولكن معالم حياته كانت في أغلب الأحيان وإلى آخر عمره هي معالم الأنبياء.

إننا نستطيع أن نصف هذه الميزة الخامسة لخطاب النبي بأنها الميزة “النبوية”. إن هذه الميزة كانت تخاطب قلوب المؤمنين وأعتبرت الأرضية اللازمة لظهور الإيمان. وفي وقتنا الحاضر أيضاً يجب أن يتمكن الخطاب الديني من خلق الإيمان لدى الإنسان. إن هذا الشيء يتحقق عندما يتمكن هذا الخطاب من الاستيلاء على أفئدة مستمعيه ومخاطبيه، وهذا الاستيلاء يتحقق عندما يبتعد علماء الدين في خطاباتهم وسلوكياتهم عن نزاعات عالم السياسة، كي يتمكنوا من نقل الخطاب الرباني الذي يختلف تماماً عن سائر الخطابات الأخرى.

إذا استُعمل الدين كأداة للسياسة، وإذا وصف حاملو رسالة الدين حديثهم للناس بأنه حديث نهائي لا نقاش حوله ولم يسمحوا لأي أحد بتوجيه النقد إليهم، وإذا وصفوا أوامرهم ووصاياهم التي قد تتضمن أخطاء ونواقص بأي حال من الأحوال على أنها أوامر ونواهي صادرة من رب العالمين، وإذا أوجدوا لأنفسهم قدسية، فإنهم لن يتمكنوا أبداً من طرح خطابهم الديني. إن خطاب الدين في عصرنا الحاضر يجب أن يستند إلى منطق العقل والعدل والرحمة والواقعية وأن يتمكن من إيصال رسالته.

يمكن لأشخاص أن يوجدوا خطاباً دينياً إذا استطاعوا أن يفهموا عقلية وعدالة ورحمة وواقعية عصرنا الحاضر، وأن يتمتعوا بنزاهة الكلام والسلوك كي يتمكن الخطاب الرباني، الذي يختلف تماماً عن الخطابات الأخرى، من الانتقال إلى الآخرين.

 

*محاضرة ألقيت في جامعة أصفهان في ايران عام 1999م وتم اختيارها كأحد موضوعات كتاب المفكر الايراني محمد مجتهد شبستري “نقد الخطاب الرسمي للدين” الصادر عام 2000م عن دار “طرح نو” للنشر في إيران. وقد قام مركز “الحوار” للثقافة والنشر بترجمة المحاضرة من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية.

 




الدولة والدين … إشكالية العلمانية كما يراها المغربي عبدالسلام ياسين

art2

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط — بقلم: خالد عزب — صدر عن «وحدة الدراسات المستقبلية» في مكتبة الإسكندرية العدد الثامن عشر من سلسلة «مراصد» تحت عنوان «الدولة والدين: إشكالية العلمانية في الفكر الإسلامي المعاصر – عبد السلام ياسين نموذجاً»، من إعداد عبد السلام طويل.
وتكمن أهمية الدراسة في الوعي بوجود تباينات نوعية داخل الفكر السياسي الإسلامي المعاصر نفسه، بخصوص الموقف من العلمانية وتعدد التصورات حولها، وإبراز موقف عبد السلام ياسين، وهو مرشد لواحدة من أكبر الجماعات الإسلامية في المغرب «جماعة العدل والإحسان»، وذلك في سياق نقدي مقارن.
كما تنطلق الدراسة من الوعي بتعدد أعمال ومجالات اشتغال الشيخ عبد السلام ياسين الذي وافته المنية عام 2012؛ فهو من جهة، يمثل شكلاً من أشكال الزعامة الروحية داخل جماعته بفضل تجربته الصوفية. ومن جهة أخرى، يمثل شكلاً من أشكال الزعامة السياسية كمؤسس لواحدة من أكبر الحركات الإسلامية في المغرب، وهي حركة بقدر ما تتميز بحدية وتشدد خطابها وخطها السياسي، إلا أنها تنبذ العنف المادي وإن كانت تجيد استعمال العنف الرمزي، كما ظل ياسين واحداً من أبرز الوجوه المعارضة للنظام السياسي في المغرب.
تبدأ الدراسة بمفهوم العلمانية لدى ياسين الذي يميز بين علمانيتين؛ «علمــانية كاشـــفة عن أنيابها»، و«علمانية رقطاء»، محذراً من الثانية: «الخطر العلماني الذي ينبغي لأهل الإيمان أن يترقبوه ويحترسوا منه أشد الاحتراس ليس العلمانية الكاشفة عن أنيابها، لكن العلمانية الرقطاء المتسربة إلى المسلمين، وهي لابسة ثوب زور. إنها علمانية «جغرافية الكلام» المستقبلية التراثية المتجددة. تلك التي تمجد الإسلام وتنتقد الماركسية والإمبريالية وتتزلف للمخزون النفسي الجماهيري».
وفي إطار جدل الدعوة والدولة: لمن الأولوية؟ يعبر عن تخوفين: الأول «من ذوبان الدعوة في الدولة، وانتهاكها، وتسربها في مساربها كما تتسرب قطرات الماء في الرمال العطشى. والثاني أن «تخطئ الدعوة فتحتكر السلطان وتقمع كل معارضة وتسلك سبيل الحزب الوحيد…، لتتحمل، بذلك، أثقال ميراث الماضي وحدها، (حينما) تزعم لنفسها وللناس أنها تتقمص آمال الشعب وتعكس إرادته وتنطق باسمه من دون الناس جميعاً».
ورغم تأكيده أن «الإسلام دولة ونظام حكم»، وأنه «لا يستقيم أمر المسلمين بلا نظام حكم»، فإنه يؤكد أن الله إنما بعث رسله «عليهم السلام» لشأن عظيم؛ بعثهم لهداية الخلق إلى طريق مستقيم؛ طريق السعادة الأبدية. فمقصد الهداية والرحمة والتبشير بحقائق الآخرة إذن له الأولوية على أي اعتبار وقبل كل نظام.
وتتناول النقطة الثانية في الدراسة «الاجتماع السياسي الإسلامي»، كما يعكسه الفقه السياسي لعبد السلام ياسين الذي لا يخفي – من البداية – أنه يسعى إلى «إقامة حكم إسلامي؛ حكم يؤسس نظاماً اقتصادياً سياسياً أخلاقياً إنسانياً متجدداً بتجدد إيمان المسلمين، فاعلاً ناجحاً في إقامة صرح الإسلام من ركام الخراب الديني والمادي والنفسي الذي يعانيه المسلمون نتيجة هزيمتهم التاريخية: «أمام ما ينعته بـ «الغزو الجاهلي الشامل الذي تتمثل صيغته الحالية في حقائق العولمة».
وهو ما لن يتحقق – من وجهة نظره – إلا من خلال إعادة التركيبة النفسية والاجتماعية التكافلية، السياسية والفكرية للمجتمعات العربية الإسلامية التي ما زالت تعيش في أتون أزمة حضارية عميقة لا يمكن تجاوزها بـ «حداثة رثة وديموقراطية هجينة»، وإنما بتصالح بين فئات المسلمين على توبة جماعية إلى حقائق الإسلام وعدل الإسلام وشورى الإسلام.
كما لا يجد، عبد السلام ياسين، أي تناقض في الجزم أنه «ليس من شأننا قبل وصولنا للحكم وبعده أن نصنف الناس في حزب الشيطان إن خالفونا، ما داموا لا يجهرون بعدائهم للدين، ولا يسخرون من شرع الله، ولا يتطاولون إلى المشاركة في حملة الكافرين على الإسلام وشريعته». كما تعرض الدراسة موقف ياسين من الحاكمية والجاهلية، والتصوّف والعرفان، وموقفه من الثقافة والحضارة، وموقفه من الديموقراطية. وفي الخاتمة يقول الكاتب: «نقف على مدى الطبيعة العقائدية المنغلقة والإقصائية للمشروع السياسي لعبد السلام ياسين، الذي لا تنفك السياسة فيه عن الدين ولا الدعوة عن الدولة بحال، وهو ما يتضح بجلاء من خلال تصوره بنود ميثاق جماعة المسلمين التي سنكتفي بالإحالة على أهمها كما جاءت في كتاب (العدل) من دون أي تحوير. وما أضفى على هذا المشروع المزيد من التشوش والتناقض، تداخل مستويات الخطاب في بنيته؛ ما بين نزوع صوفي عرفاني، ونزوع سلفي من خلال التشديد على الانتساب إلى أهل السنة والجماعة، ونزوع سياسي حركي عبر تبني مشروع سياسي لا يخفي سعيه إلى الهيمنة على الدولة والمجتمع».
كما لم يكتف ياسين بتجاهل القراءات المنفتحة من داخل منظومة الفكر السياسي الإسلامي كما رأينا مع كلٍّ من محمد مهدي شمس الدين، وراشد الغنوشي وعبد الوهاب المسيري ومالك بن نبي… وغيرهم كثير، وإنما عمد إلى التبخيس من قيمة وأهمية بعض الاجتهادات الأكثر توازناً وموضوعية واستقلالية. ويتعلق الأمر تحديداً بموقفه غير المسؤول علمياً من تصور محمد عابد الجابري من إشكالية العلمانية؛ نظراً للاعتبارات التالية: أولاً؛ تجاهله لإيراد اسمه وهو من هو في مجال المعرفة والفكر. ثانياً؛ عدم إيراد موقفه كاملاً وموثقاً حتى يكون القارئ على بينة من أمره.
وفي النهاية يعترف الكاتب بأنه على رغم أن الخطاب السياسي لعبد السلام ياسين قابل لقراءة انتقائية من شأنها أن تجتزئ نصوصاً تبرزه مناصراً للديموقراطية، وما يتصل بها من تعددية، ومعارضة، وتداول على السلطة، وإقرار بحقوق الإنسان؛ فإنه بشيء من التمحيص يتضح أن كل ذلك محكوم ببنية عقائدية أيديولوجية أرثوذوكسية لا تطيق تعددية ولا اختلافاً ولا معارضة، ولا تداولاً للسلطة، بل ولا حقوقاً للإنسان خارج مرجعيتها الصارمة القائمة على مفهوم «الحاكمية»، و»الولاية»، و»المواطنة القلبية»، و»الوطن الإيماني المشترك»، بعيداً من روح صحيفة المدينة التي أسست لتعاقد سياسي مدني اعترف باليهود والمسلمين باعتبارهم أمة من دون الناس.

المصدر: صحيفة الحياة




علم الكلام الجديد ووهم التأسيس

د. عبد الجبار الرفاعي
د. عبد الجبار الرفاعي

في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حدث أول لقاء مباشر بين المسلمين في الشرق والاوروبيين لما غزا نابليون مصر سنة 1798م، وجلب معه المطبعة وبعض مقتنيات الحضارة الاوروبية الحديثة، فضلا عن مجموعة من الخبراء والاكاديميين، ثم تلا ذلك بعثُ محمد علي باشا لجماعة من الطلاب المصريين إلى فرنسا سنة 1826م، وكانت البعثة تضم في البداية اثنين وأربعين دارساً، ثم تكامل عددها فبلغ 114، بعد ان التحق بهم آخرون، فكانت أكبر بعثة دراسية توفدها مصر إلى أوروبا حينذاك. وقد لعب افرادها بعد تأهيلهم العلمي دوراً رائداً في بناء الدولة المصرية، غير ان الدور الاهم، هو الذي لعبه احد الافراد، والذي لم يكن اول الامر طالبا في البعثة.

وانما كان مرشداً أو إماماً دينياً للبعثة، وهو الشيخ رفاعة الطهطاوي، لكنه شرع بالدراسة فور وسوله، وتعلم اللغة الفرنسية، وكان يهدف إلى ترجمة العلوم إلى العربية، وبعد عودته إلى مصر سنة 1831م بادر رفاعة لترجمة الكثير من الكتب، وبموازاتها كتب رحلته وانطباعاته ووعيه للحضارة الغربية في كتابه الذائع الصيت «تخليص الابريز في تلخيص باريز» ومؤلفات غيرها.

لقد كان لترجمات الطهطاوي ومؤلفاته اثر حاسم في تدشين عهدج ديدللفكر في مصر وما حولها من البلاد العربية، وهو العهد الذي تعرف فيه المسلمون على شيء من معارف اوروبا وعلومها الجديدة. ومثلما حدث في مصر فقد سبق ذلك لقاء المسلمين الاتراك بالفكر الاوروبي، وقارنه في النصف الاول من القرن التاسع عشر تعرف المسلمين في شبه القارة الهندية على اوروبا وبعض معارفها. وتلاه اتصال الدولة القاجارية في إيران بأوروبا.

لقد اتسم تعرف النخبة من العالم الاسلامي على اوروبا انذاك بالإنبهار والذهول. فمثلاً كان سيد أحمد خان يدعو المسلمين في الهند للإنخراط في الحضارة الغربية، وبغية تحقيق ذلك اصدر مجلة «تهذيب الأخلاق» وهي مجلة تهتم بالتبشير بدعوته، كما انشأ مجمعاً علميا للترجمة والتأليف والنشر ومؤسسة تعليمية مهمة سنة 1875م هي «جامعة عليكره الإسلامية»، كذلك ألف عدة كتب، من اشهرها تفسيره للقرآن، الذي نحى فيه منحى تأويلياً واهتم فيه يالتلفيق بين مداليل القرآن والعلوم الغربية، فقدم في هدي هذا المنهج فهماً بديلاً لبعض العقائد، واقترح في كتابه «تبيان الكلام» نظرية جديدة اصطلح عليها بإنسانية الاديان، ورأى ان التوارة والانجيل غير محرفين.

لقد اشاعت أراءأحمد خان، ونظراته التأويلية للمفاهيم العقائدية، ودعوته للمذهب الطبيعي، عاصفة من الجدل والمناظرات، ايقظت التكفير الكلامي الساكن، واقحمت العقل الكلامي في فضاء مضطرب يموج بإشكالات واسئلة مختلفة، لم يألفها هذا العقل في متون الكلام الكلاسيكية، فانبرى للرد على آرائه السيد أكبر حسين الإله آبادي، والسيد حمال الدين الحسيني المعروف بالافغاني وغيرهما.

إن آراء أحمد خان وآراء مفكرين آخرين ظهروا في تركيا وإيران ومصر والمشرق العربي، عملت على تأجيج قلق عقائدي، مهد السبيل لبعث روح الكلام وإحياء هذا العلم فدبت الحياة من جديد في التفكير الكلامي، وبدأ وعي المتكلم يتحرر من الحواشي والشروح.

مفهوم تجديد علم الكلام

ماذا يعني مصطلح علم الكلام الجديد؟ ومن هو مجدد علم الكلام في هذا العصر؟ حتى هذه اللحظة مازال هناك نقاش بين المهتمين عن هاتين المسألتين، فقد ذهب البعض إلى ان تجديد علم الكلام لا يعني سوى إلحاق المسائل الجديدة واستيعابها في اطار المنظومة الموروثة لعلم الكلام، فمتى ما انضمت مسائل اخرى لعلم الكلام تجدد هذا العلم، فيما ذهب غيرهم إلى ان مفهوم تجديد علم الكلام لا يقتصر على ضم مسائل جديدة فحسب، وانما يتسع ليشمل التجديد في المسائل والهدف، والمناهج، والموضوع، واللغة والمباني والهندسة المعرفية، فالتجديد في المسائل يعني توالد مسائل جديدة، نتيجة للشبهات المستحدثة، نتيجة لنمو وتطور علم الكلام نفسه، اما التجديد في الهدف فيعني تجاوز الغايات المعروفة لهذا العلم، التي تتلخص في الدفاع عن المعتقدات، إلى تحليل حقيقة الايمان ومجمل التجربة الدينية. كما ان التجديد في المناهج التحرر من المنهج الاحادي والانفتاح على مناهج كثيرة في البحث الكلامي، تشمل المناهج الهرمنوطيقية «علم تفسير النصوص»، والسيميائية «علم الدلالة» والتجريبية والبرهانية، مضافاً إلى ظواهر النصوص والحقائق التاريخية. بينما يعني التحول في الموضوع الخروج من الاهتمام بقضايا وجود الباري وصفاته والنبوة، والمعاد، إلى نطاق واسع يستوعب كافة القضايا الموجودة في النصوص المقدسة، سواء منها الناظرة إلى الواقع أو الناظرة إلى الاخلاق والقيم. أما التجديد في اللغة، فيتحقق بالانتقال من لغة المتكلمين القديمة، ومعمياتها وألغازها، إلى لغة حديثة تعبر بيسر وسهولة عن المداليل، ويفهمها المخاطب من دون عناء، لانها لغة معاملاته وحياته اليومية. وبموازاة ذلك لابد من التجديد في المباني، فإن المتكلم اهتم سابقا بترسيم مبانٍ خاصة في المعرفة، تستند إلى المنطق الارسطي، وشيء من ميراث الفلسفة اليونانية، وجعلها ممهدة للمباحث الكلامية بينما انهارت بعض تلك المباني حين افتتحت الفلسفة الاوروبية الحديثة ثغرات اخترقت جدار الواقعية الارسطية، وتزايد الحديث عن واقعيات معقدة، كالواقعية التخمينية، وتعرض المفهوم التقلدي للعقل إلى عاصفة نقدية، استهلها الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت واكتسبت من بعده صياغات متنوعة، بالاستناد إلى معطيات فلسفة العلم والفيزياء الأخيرة، كل ذلك يدعو إلى استئناف النظر في المباني الماضية لعلم الكلام، لأن التجديد في المسائل والموضوع والهدف والمناهج واللغة يتطلب تجديداً في المباني.

فإذا طال التجديد جميع الابعاد السابقة، فإن الهندسة المعرفية لعلم الكلام ستشهد تحديثاً، لان أبعاد كل علم تشكل نسيجاً متكاملاً فيما بينها، ويوحدها التأثير المتبادل، أي أن أي تحول في أحدها يستتبعه تحول في سائر الابعاد الاخرى، وهذا يعني تخلخل المنظومة السابقة للعلم، وحدوث منظومة بديلة، يأخذ فيها كل بعد من أبعاد العلم موقعه الملائم، ويعاد نظم المسائل في إطار يتسق مع التحولات الجديدة في المسائل ، والغايات والموضوع والمناهج واللغة والمباني ، ومعنى ذلك تجديد الهندسة المعرفية لعلم الكلام.

غير أن هذا التصور لتجديد علم الكلام لا يتضمن رسم حدود دقيقة بين الكلام وفلسفة الدين ، مضافا إلى أنه يخلط بين الكلام الجديد والإلهيات المسيحية الحديثة. علاوة على انه لم يزل في طور البناء، ولذا تنوعت الإجتهادات، في بيان هويته، والكشف عن أسسه ومرتكزاته. ومع كل ذلك يبدو هذا التصور أجلى من تصورات أخرى تسعى إلى إيضاح مفهوم تجديد علم الكلام، لكنها تختصر التجديد في بعد واحد، أو تتخبط فلا نكاد نستخلص منها مفهوما متميزا للتجديد.

وهم التأسيس

من هو مؤسس علم الكلام؟ في ضوء المعطيات المذكورة آنفا لمفهوم التجديد، يغدو القول بوجود فرد واحد مؤسس لهذا العلم، قولاً يقفز على حقائق التاريخ، ويجهل المدلول الحقيقي لتجديد الكلام. ذلك أن حركة التجديد مخاض عسير، وولادة شاقة، لم تبلغ غاياتها بقرار تصدره مؤسسة أو فرد، أو خطبة حماسية، تهدر من مرجع علمي، أو مقال، بل كتاب ينشر ، وإنما هي مجموعة جهود فكرية وعملية جريئة تنطلق في بيئة تتوفر على العناصر والمقومات الضرورية لاستنبات الفكرة ونموها.

وليس تجديد علم الكلام بدعاً من ذلك. وإنما هو مشروع تضافرت في احتضانه وتطويره مبادرات وجهود فكرية وعملية، أسهم فيها رجال كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم.

أما نشأة مصطلح علم الكلام الجديد، فيبدو أن هذا المصطلح ظهر للمرة الأولى في كتاب ألفه العالم الهندي المسلم شبلي النعماني المتوفى سنة 1332هـ ، ثم نقله الى الفارسية محمد تقي فخر داعي كيلاني. وطبعه في طهران سنة 1329هـ بنفس العنوان.

إلا أننا لا نستطيع ان نجزم بأن شبلي النعماني هو اول من نحت هذا المصطلح، الذي اضحى عنواناً للإتجاه الحديث في إعادة بناء علم اصول الدين. لكنه كان من أوائل الداعين إلى تجديد علم الكلام، بغية الرد على الشبهات الحديثة، والدفاع عن الشريعة المقدسة، فقد ذكر شبلي النعماني في مطلع كتابه هذا، «إن علم الكلام القديم يعنى ببحث العقائد الاسلامية، لأن شبهات الخصوم كانت ترتكز على العقائد فقط، بينما يجري التأكيد هذا اليوم على الابعاد الاخلاقية والتاريخية في الدين، وتتمحور الشبهات حول المسائل الاخلاقية والقانونية من الدين، وليس حول العقائد. فإن الباحثين الاوروبيين يعتبرون الدليل الاقوى على بطلان الدين هي مسائل تعدد الزوجات، والطلاق، والأسرى، والجهاء. وبناء على ذلك سيدور البحث في علم الكلام الجديد حول مسائل من هذا القبيل، إذ تعتبر هذه المسائل من اختصاص علم الكلام الجديد». ولذا ادرج النعماني في هذا الكتاب مسائل جديدة مثل: حقوق الانسان، وحقوق المرأة والإرث، والحقوق العامة للشعب، بجوار مباحث وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا.

ثم صدر في طهران العام 1956م كتاب بعنوان «جهار مقاله: فلسفة يا كلام جديد» «اربع مقالات: الفلسفة أو الكلام الجديد» تأليف جواد تارا، غير ان مباحث هذا الكتاب لا علاقة لها بعلم الكلام الجديد، إنما يحتوي الكتاب على اربع مقالات، بحث المؤلف في الاولى منها مفهوم الوجود، فيما تحدث في الثانية عن وحدة الوجود وعلاقة الوجود بالماهية، وفي الثالثة يدور بحثه حول الحق والحكم وفي الأخيرة ذكر الأدلة على عودة الارواح.

وفي العام 1964م أوضح العالم الهندي المسلم وحيد الدين خان في مقدمة كتابه «الإسلام يتحدى» المبررات التي دعته لتأليف كتابه هذا، فشدد على ضرورة التحرر من منهج علم الكلام القديم، لان «طريقة الكلام واسلوبه قد تغيرا بتغير الزمن، ولذلك علينا أن نأتي بعلم كلام جديد لمواجهة تحدي العصر الحديث».

وقد استطاع وحيد الدين خان وصل ما بدأه المفكر المسلم محمد إقبال من قبل في «تجديد الفكر الديني في الاسلام» فكان كتاب «الإسلام يتحدى» إنجازاً رائداً في تشييد الكلام الجديد، إلا أنه ظل مهملاً في المشرق الاسلامي، فلم يهتم به الباحثون، مع أنه ترجم إلى العربية ونشر قبل ثلاثين عاماً.

وبعد ذلك بسبعة أعوام أصدر وحيد الدين خان كتابه الكلامي الثاني «الدين في مواجهة العلم» وأردفه بدراسة أعدها بعنوان «نحو علم كلام جديد» وألقاها في ندوة «تجديد الفكر الاسلامي»، التي عقدتها الجامعة الملية الاسلامية بدلهي في 27 ديسمبر/كانون الأول 1976م.

أما لدى الباحثين العرب فقد ذكر مصطلح «علم كلام جديد» فهمي جدعان سنة 1976، في كتابه «أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث» في الفصل الرابع الذي عقده للحديث عن «التوحيد المتحرر»، وبواعث التفكير الكلامي الجديد لدى بعض المفكرين المسلمين المحدثين، الذين «راحوا يبحثون عن (علم كلام جديد) – إن أمكن القول – علم للكلام يكون للتوحيد فيه وظائف جديدة، ويكون علماً «محرراً» للإنسان، وعلماً صافياً من الشوائب والأكدار».

ويعود استخدام مصطلح «التوحيد المتحرر» إلى المستشرق البريطاني جيب، الذي ذكر مصطلح «اللاهوت المتحرر» ونسبه إلى أحد اللاهوتيين الكبار في سياق حديثه عن الاتجاهات الحديثة في الاسلام، في المحاضرات التي ألقاها في «مؤسسة هاسكل لدراسة الإديان المقارنة» في مطلع هذا القرن. ونشرها فيما بعد في كتاب «الاتجاهات الحديثة في الاسلام».

وفي إيران ظهر مصطلح «علم الكلام الجديد» مع ترجمة كتاب شبلي النعماني المذكور ونشره سنة 1950م، لكن تبلور اتجاه جديد في التفكير الكلامي تجلى بوضوح في آثار العلامة الطباطبائي وتلميذه الشيخ مرتضى المطهري، فقد سعى الأخير سعياً حثيثاً لارساء أسس منهجية لتجديد علم الكلام، وكتب تصوراته بشأن تلك الأسس، كما اهتم بترسيم مفهوم علم الكلام الجديد، ولذا تعاطى هذا المصطلح في آثاره، ففي سياق بحثه لوظيفة علم الكلام، يحدد المطهرى وظيفتين له، تتمثل الأولى في دحض الشبهات الواردة على أصول وفروع الدين، والثانية في بيان الأدلة على أصول وفروع الدين. ثم يشير إلى أن اقتصار الكلام القديم على هاتين الوظيفتين يعني غيابه عن الشبهات المستجدة في عصرنا، فضلاً عن أن الشبهات الماضية أمست بلا موضوع في هذا العصر. كذلك وفر التقدم العلمي الكثير من الأدلة والبراهين الجديدة التي لم يعهدها العقل سابقاً. مضافاً إلى أن الكثير من الإدلة المتداولة بالأمس فقدت قيمتها، من هنا يشدد المطهري على لزوم «تأسيس علم كلام جديد».

في ضوء ذلك لا ينبغي أن نمنح براءة تحديث علم الكلام لرجل واحد، لأن رواد الاصلاح أسهموا جميعاً في إعادة بناء هذا العلم، فمنهم من عمل على تحديث المسائل، وغيره عمل على تحديث المباني، وثالث عمل على تحديث اللغة، ورابع أسهم في كل منها بنصيب?

الكاتب: د.عبد الجبار الرفاعي

المصدر: الوسط البحرينية




القرآن كلام الله

بقلم: د. عطاء الله مهاجراني (*) ترجمة: السيد حسن مطر – عن موقع نصوص معاصرة —
هل يصحّ اختزال نظرية خطيرة في حوار صحفي موجز؟!
عرض المفكر القدير الدكتور عبد الكريم سروش رأيه حول مقولة الوحي وانتسابها إلى النبي الأكرم، الأمر الذي خلق مناخاً لبحث هذه المسألة المهمة من جديد. وإن الانتقادات التي كُتبت وستكتب على كلامه لاشك في عدم خلوها من بعض العبارات غير اللائقة والناشزة، إلا أن هذا النشاز سرعان ما يزول، قال تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}، وهي عبارات من قبيل: (عدو القرآن)، و(الخروج عن ربقة الإسلام والمسلمين)، وما هذه العبارات إلا بمنزلة سيوف مجردة أمسك بها حاملوها من شفارها، وانهالوا بقبضاتها ضرباً على سروش، فلم تُدْمِ إلا أكفّ حامليها!…ولكن هل ما يقوله سروش مقنع وصحيح؟

قبل الخوض في أصل كلامه يجدر بنا القول بأن طرح موضوع بمثل هذه الأهمية والحساسية في مقابلة قصيرة مع صحفي له غايات سياسية لم يتورَّع عن إظهارها في مقدمته تستدعي بالضرورة مثل هذه الانتقادات والآراء. إن مسائل من هذا النوع يجب بحثها وكتابتها بعد تفكير ورويّة واستشارة ذوي الاختصاص من أهل الفن، وقراءة النصّ مراراً، ومراجعة مفرداته تكراراً، كما حصل قبل سنوات بالنسبة لكتاب (نهاد نا آرام جهان)، حيث اطلع عليه الشيخ حائري يزدي والشيخ المطهري قبل نشره. وقد صرح الدكتور سروش بأن هذا الكتاب مدين في نجاحه لهذين العلمين. وهذا الإقرار والتصريح يرفع من قيمة الكتاب، ويشجع الأفراد على قراءته بثقة كاملة. وأرى أن الحديث حول القرآن المجيد تحت عنوان «كلام محمد‘»، و«الدور المحوري للنبي في خلق القرآن»، و«عدم مصونية القسم التاريخي والطبيعي من القرآن»، يحظى بأهمية وحساسية أكبر من أهمية وحساسية نظرية (نهاد نا آرام جهان). وبعيداً عن الضوضاء التي تثار عادة بعد طرح رأي جديد علينا أن نشكر سروش الذي أثار الأذهان ونشّطها من خلال طرح هذه المسألة؛ إذ لو لم يعمد الدكتور سروش إلى إثارة هذا الموضوع لما شهدنا هذه الحركة النقدية في بلادنا، ولما برز الناقدون ليدلوا ببضاعتهم. أما أنا فأتعرض لنظرية سروش بالنقد من زاوية أُخرى، فلا أعتبره معادياً للقرآن، ولا خارجاً عن ربقة الإسلام والمسلمين، فإن الذين يعرفون سروش لا يمكنهم حرمان أنفسهم من بريق معنويته وشغفه بالإسلام والقرآن. فقبل حوالي أربعين سنة كنت يافعاً، وقد ذهبت حينها في الصباح الباكر إلى دارة الحاج (إبراهيم حسين خاني) لحضور دعاء الندبة، وقد تحول منزله حالياً إلى مدرسة نموذجية، وقد تحدث سروش بعد الدعاء عن قوله تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ…}، وردد بيتاً لحافظ الشيرازي الذي يقول فيه: (عجزت السماء عن حمل الأمانة)، ولا زلت أشعر الأثر العميق الذي تركه عليَّ ذلك الحديث…، وبعد عقد من الزمن حصلت على نسخة من كتاب (نهاد نا آرام جهان)، وكنت حينها طالباً في جامعة شيرازي، وذلك في عام 1356، أي قبل ثلاثين سنة بالتحديد، وقد ترك عليّ نفس الأثر والانطباع…. وعندما رأيت سروش توقعت أن أتناول شراباً قرآنياً صافياً بعد انقضاء الأربعين، حيث يحلو الشراب بعد تعتيقه أربعين يوماً.

ولكن خاب ظني فقد وجدت هذا الكلام وهذا الشراب كدراً ومكدَّراً، وإنْ كان سروش قد بادر في الوقت المناسب إلى توضيح كلامه وتبريره، وسمعت أنه ينوي كتابة مقال تفصيلي بهذا الصدد، ولكنني لم أستطع كبح نفسي من كتابة رأيي ونقدي بوصفي محباً له، قد أكون مخطئاً في فهمي، ولكنني؛ لما يشدني ويربطني بالقرآن الكريم، أجد نفسي مضطراً إلى إبداء رأيي.

ولست أشك في أن سروش لا يرى أفكاره فوق النقد، وأنها مصونة من الخطأ. إن لصدر المتألهين في بداية الجزء السابع ـ الجزء الثاني من السفر الثالث ـ من كتاب الأسفار بحثاً مفصّلاً بشأن القرآن الكريم. ومن العجيب أنّه لم يتطرق أيٌّ من الناقدين لآراء سروش في الحوزة والجامعة إلى ما كتبه صدر المتألهين. إن صدر المتألهين ذكر مسألة في غاية القوّة والرصانة، حيث قال: «ربّ أديب عاقل فصيح عارف بعلم اللغة والنحو والبلاغة، متكلم قادر على فن المناظرة مع الخصام والإلزام في علم الكلام، لم يسمع حرفاً من حروف القرآن، ولا فهم كلمة واحدة من كتاب الله النازل على عبده».

فلماذا نجد مثل هذا العالم الأديب العارف بعلم اللغة، والمتكلم الذي يفحم خصومه، لم يسمع من القرآن حرفاً، ولم يفهم منه كلمة؟ لماذا احتقر صدر المتألهين مثل هذا العالم المفترض، واعتبر القرآن عظيماً لا يبلغ شأوه؟ كيف كان صدر المتألهين ينظر إلى كلام الله؟ بأية عين كان ينظر إلى القرآن حيث قال: «وفي كلّ حرفٍ من حروفه ألفُ رمز وإشارة وغنج ودلال وجلب للعشاق المشتاقين إلى روح الوصال»([1]).

«هيهات، نحن وأمثالنا لا نشاهد من القرآن إلا سواداً؛ لكوننا في عالم الظلمة والسواد وما حدث فيه من مدّ هذا المداد»([2]).

هل الوحي إلهام؟! ــــــ
(الوحي إلهام)، هذه هي عبارة سروش التي أثارت حفيظة الناقدين، هل يدل هذا التعبير على وجود تشابه في المعنى بين مفردة (الوحي) و(الإلهام)؟ وبعد هذه العبارة القصيرة والأساسية في الوقت نفسه ذهب سروش إلى أن التجربة النبوية شبيهة بالتجربة الشعرية، وان كانت بدرجة أسمى وأرقى، وقد روى عن فيلسوف مسلم لم يُسَمِّه قوله: «إن الوحي أعلى درجات الشعر». وعليه يمكننا تلخيص كلام سروش بالقول: إن الوحي إلهام، وإن النبيّ شاعر، وإن آيات القرآن الكريم شعر.

ولإثبات ذلك لم يقدم أي برهان، بل ولم يُشِرْ إلى اسم ذلك الفيلسوف المسلم لنتمكن من البحث عن أصل الكلام، لنجد ما إذا كان ذلك الفيلسوف قد أقام دليلاً على مدَّعاه!

ومن جهة أخرى لم يتم بيان معنى (الإلهام) و(الوحي) و(الشاعرية) بشكل صحيح؛ ليكون أمامنا أفق واضح. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: لو فرضنا أن القرآن الكريم كلام رسول الله! فهل هناك إشارة أو دليل عليه؟ فمتى قال النبي: إن كلامه شعر، وإن حصيلة الإلهام شعرية؟ وأساساً هل يمكن الاستناد إلى القرآن في مثل هذا البحث والاستشهاد به؟ وهذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر: من هو المخاطب بهذا الكلام؟ وما هي مباني وأساليب الكلام؟ إلى من وجّه سروش كلامه في هذا اللقاء؟ هل أراد سروش أن يفسر القرآن ومفهوم الوحي باللغة الإنگليزية في إطار المفاهيم التي يمكن استيعابها للناطقين باللغة الإنگليزية؟ وبعبارة أخرى: إنما يبدو لنا كلامه مكدراً؛ لأنه أراد له أن يكون مفهوماً للآخرين الذين يحملون ثقافة تختلف عن ثقافتنا، ولكن ميزة عالمنا المعاصر هي أن الكلام إذا انتشر لم يعد بالإمكان وضع القيود عليه، حيث يغدو مثل طائر يحلق فوق سماء جميع السطوح، ويصل الأمر حتى بالفنان السينمائي الشهير أن يجرد سيف التكفير من غمد الفن المتخصص فيه، وعندها سيجد المتكلم نفسه مضطراً إلى تبرير كلامه تباعاً.

وفي ما يلي نستعرض الأمور التالية:

أولاً: إن الوحي يختلف عن الإلهام، ومرادي من الوحي تلك الظاهرة التي نشأ عنها القرآن. إن منشأ الوحي خارجي، في حين أن منشأ الإلهام داخلي وباطني. فالإلهام نتاج ثورة في نفس الشاعر، فالشاعر هو الذي ينتقي المفردة، أما في الوحي فلا دخل للنبي في اختيار مضامين الكلمات، وإنما تستعد مرآة نفسه الصافية لتقبل كلام الله، وكما يقول ابن عربي: «يغدو قلب النبي منزلاً لكلام الله»، حيث قال: «اعلم أن الله أنزل هذا القرآن حروفاً، وجعله كلمات، وآيات، وسوراً، ونوراً، وهدىً، وضياءً، وشفاءً، ورحمةً، وذكراً، عربياً، ومبيناً، وحقاً، وكتاباً، ومحكماً، ومتشابهاً، ومفصلاً، ولكل اسمٍ ونعتٍ من هذه الأسماء معنىً ليس للآخر، وكله كلام الله، ولما كان جامعاً لهذه الحقائق وأمثالها استحق اسم القرآن»([3]).

إذا أردنا أن نتحدث عن القرآن بأسلوب عرفاني فمن هو الأجدر في ذلك من ابن عربي وصدر المتألهين والعلامة الطباطبائي؟ يقول ابن عربي: إن القرآن قد أوحيَ إلى النبي بهذه الحروف والمفردات واللغة العربية. وبعبارة أخرى: إن النبي وعاء للقرآن، وليس منتجاً له. وفي الإلهام يكون الشعر نتاجاً للشاعر، مهما كانت درجة هذا الإلهام عالية، كما هو الأمر بالنسبة لأشعار حافظ أو المولوي. كان السيد إمامي خوانساري يقول: «أنا أقدّر وأجلّ ديوان المولوي؛ لما يحتويه من قصص إباحية في ظاهرها»، كنت أقرأ هذه القصص بمذاق الفضول الصبياني، وكنت أحياناً أحمرّ خجلاً مخافة أن يمسك بي شخص متلبساً بقراءة تلك الصفحة المتضمنة لتلك القصص…. سألته: بسبب قصص من قبيل جحا والجارية؟ فقال: إنه إنما ذكر هذه القصص في أشعاره بهذا الأسلوب المكشوف كي لا يشك أحد في أن هذا الكتاب قد كتبه إنسان مثل المولوي على ما يتمتع به من الكمال، فلولا هذه القصص ربما زالت الحدود بين الوحي والإلهام، فقد سحق المولوي على كرامته، وأنشد هذه القصص على هذا النحو المكشوف.

[ونكتفي بهذا القدر من التعليق، ونترك التفصيل إلى موضعه].

الهوامش:
(*) أحد وجوه الثقافة، ورئيس مركز حوار الحضارات في إيران.

([1]) صدر المتألهين، الحكمة المتعالية 7: 44، الفصل 13.

([2]) المصدر السابق: 33، الفصل 9.

([3]) ابن عربي، الفتوحات المكية: 2059، الباب: 325، في معرفة منـزل القرآن من الحضرة المحمدية، الوراق.




مفهوم التعددية الدينية لدى الشيخ المصباح اليزدي

yazdiفي صياغة مدرسية يقدّم موقع الشيخ المصباح اليزدي شيئاً من أفكاره المتعلقة بالتعددية الدينية، يُخالف فيها تيار التعددية السائد الذي يرى في المذاهب المختلفة والأديان شيئاً من الحق، إذا لم يقل بحقانيتها بالنسبة إلى معتنقيها. نورد أفكار الشيخ اليزدي على أمل أن تكون صورة من صور المفهوم المهم في عالم الفكر الديني.

سؤال: ماذا تعني التعددية الدينية؟
جوابه: تُطرح التعددية الدينية تارة في البعد النظري والفكري، واخرى في البعد العملي.
والمراد من التعددية الدينية في البعد العملي هو احترام عقيدة الطرف المقابل وما يؤمن به من دين ومذهب، والتعايش السلمي مع الآخرين. والتعددي هو الذي يؤمن بالتعايش السلمي بين نوعين أو أكثر من الأفكار ـ بغض النظر عن إثباتها أو نفيها نظرياً ـ وأن لا تفتعل المشاحنات فيما بينها على الصعيد الإجتماعي. وأمّا مَنْ قال بإلغاء أحد الطرفين من المجتمع والسماح بالعمل لأحدهما فهو ضد التعددية، ففيما يتعلق بالمذهب الكاثوليكي أو المذهب البروتستانتي ـ مثلاً ـ يقول البعض: يجب أن يحكم أحدهما لذلك يتعين مقارعة الآخر حتى يخرج من الساحة.

ولكن في ضوء التعددية الدينية ينبغي لهذين المذهبين التعايش باخوة من الناحية العملية بالرغم من أن كلاً منهما يرى الآخر باطلاً من الناحية النظرية.
وأما التعددية الدينية في البعد النظري فهي تعني أحقية الأديان والمذاهب برمتها، وسيأتي المزيد من التوضيح والتفصيل لهذا الموضوع في إطار الأسئلة اللاحقة.

تقييم للتعددية الدينية في البعد النظري

سؤال: ماذا تعني التعددية الدينية في البعد النظري؟ وهل يمكن القبول بها؟

جوابه: إن التعددية الدينية تعني على نحو الاجمال والايجاز حقانية الأديان على تعددها، بيد أن بيان وتفسير هذا الكلام في إطار مفرداته يأتي على ثلاثة أنماط هي:

أولاً: ليس هنالك دين باطلٌ محض أو حقٌ مطلق، وإنما في كل دين تعاليم صائبة واخرى خاطئة.

ثانياً: ان الحق واحد وكل دين من الأديان يمثل صراطاً نحو ذلك الحق.

ثالثاً: ان المسائل الدينية تعد من القضايا التي لا تقبل الإثبات، وهذه القضايا إما ان تكون لا معنى لها وإما انه مما يتعذر إثباتها ان كان لها معنىً. بناءً على هذا فهي على مستوىً واحد، ولكل انسان أن يختار أيَّ دين يرتضيه.

 

توضيح التفسير الأول

يرى القائلون بهذا الرأي أن الحقيقة تتكون من مجموعة من الاجزاء والعناصر وإن كل جزء من أجزائها يتبلور في دين معين. لا ان الدين الواحد يكون خاطئاً وباطلاً بأكمله ولا وجود فيه لأي مرسوم أو حكم صحيح وصالح، كما أننا لا نمتلك ديناً يخلو من أي حكم خاطئ ومناف للواقع، فالكثير من أحكام المسيحية وردت في الإسلام بنحو من الأنحاء، لذلك لا يصح القول ببطلان المسيحية كلياً، كما أن الإسلام يتفق مع اليهودية في الكثير من الموارد. إذن لا يمكن القول برفض اليهودية أو الإسلام كلياً.

ا ما توزعت المحاسن والحقائق فيما بين الأديان إذ ذاك لا يمكن القول بصحة دين بشكل تام وخطأ آخر بشكل تام، بل يتعين إحترام كافة الأديان والمذاهب على حدٍّ سواء. بل ويمكن القيام بعملية تفكيك في الأديان، بمعنى إلتقاط التعاليم الصحيحة من كل دين من الأديان والإعتراف بمزيج منها، فنأخذ جانباً من اليهودية وجانباً من الإسلام وجانباً من دين آخر.

 

نقد التفسير الأول

إن أساس القول بأن الكثير من الأديان بل جميعها تتضمن نوعاً ما من عناصر الحق هو موضع قبولنا. ولا يوجد في هذا العالم باطل مائة بالمائة. ومثل هذا الكلام لا يحظى بالقبول من لدن أي إنسان. ولكن إذا كان المراد ـ من ناحية أخرى ـ ان كافة الأديان في العالم تتضمن أحكاماً ومعتقدات باطلة وليس هنالك دين كامل وجامع، فإن هذا الكلام مما لا نقبله، فالإسلام يصرح: ان دين الله وشريعة محمد(صلى الله عليه وآله)كامل وصحيح وقد اكتمل الدين وتمت النعمة بظهور الإسلام. وإن ما ورد في سائر الاديان فهو صحيح إن كان منسجماً مع الإسلام وإلا فهو باطل. فعبادة الأصنام والحيوانات… الخ لا تنسجم مع الإسلام ودين التوحيد المصون من التحريف. وإن وجدان كل منصف يرى تناقضاً واضحاً بين هذه الأديان وتعاليمها مع بعضها.

بالاضافة إلى أن الإسلام دينٌ يرفض بكل وضوح الإيمان ببعض الآيات والكفر ببعضها الآخر، ويصرح بأن التمييز بين تعاليم الدين وأحكامه يوازي الرفض لكل الدين والكفر به، وخلاصة القول ان الإسلام وما ورد عن الثقلين حقٌ كله ولا سبيل للباطل فيه.

 

توضيح التفسير الثاني

ويرتكز هذا الرأي على أن الدين الحق بمثابة قمة وإن كافة الأديان السائدة في العالم تمثل سبلاً تؤدي إلى تلك القمة، فاي دين فهو يريد الأخذ بأيدينا إلى ذلك الحق الواحد ويوصلنا الغاية على أية حال، سواء كان سبيله طويلاً أم قصيراً أم مساوياً للسبل الاخرى; فالّذي يتوجه إلى المسجد أو الذي يتوجه إلى الكنيسة أو إلى معبد الأوثان أو الدير بأجمعهم يتوجهون إلى معبود واحد هو الحق.

 

نقد التفسير الثاني

 

هذا الكلام يمكن تصوّرة في مقام التمثيل والتشبيه، لكن العلاقة بين الأديان على اختلافها لا تُرسم بهذه الصورة، فعندما يكون نداء «الله واحد» أول قضية وأول حديث في الإسلام وأن سبيل الفلاح هو الاقرار بالتوحيد فكيف يتلاءم هذا السبيل مع طريق المسيحية التي تنادي بالتثليث؟! وكيف يوصلان إلى نقطة واحدة يا ترى؟ وهل يلتقي في نقطة واحدة خطان يمتدان باتجاهين متعاكسين؟ وهل يشترك القرآن ـ الذي يقول في تعاطيه مع عقيدة التثليث ـ: «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَْرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً»1 بالخط والهدف مع القائلين بالتثليث؟! وهل يصل الدين الذي ينهى عن أكل لحم الخنزير وعن تناول المشروبات الكحولية مع الدين الذي يجوزهما إلى نتيجة واحدة ونهاية واحدة؟

 

توضيح التفسير الثالث

 

وهنا يعتبر بعض الوضعيين وبشكل إفراطي ان هذه القضايا تخلو من المعنى. ويقول البعض: ربما تنطوي على المعنى لكنها ليست قابله للإثبات; ولعلها تكون صالحة وصائبة بالنسبة لبعض وخاطئة بالنسبة لآخرين; أو انها تكون صالحة في عصر وسيئة ومخطئة في آخر. إننا لا يمكننا الحصول على معرفة قطعية وتامة بالواقع، وان تحقق اليقين التام بأي قضية دليل على عدم الدقة والتأمل فيها، وما شابه هذه النظريات.

 

وخلاصة القول، ان هذه الأمور ضربٌ من التلاعب بالألفاظ وتابع

للتوجهات الإجتماعية والفردية. وان أهمَّ دواعي وجذور الدعوة للتسامح والتساهل المنطلقة في عالم اليوم انما يعود إلى هذا الأمر.

 

واستناداً إلى هذا المنطلق الفلسفي قال البعض بالتعددية الدينية وصرحوا بانه ليس لدينا دين صحيح ودين خاطئ أو دين حق ودين باطل، فاستخدام الصواب والخطأ في هذه الامور خطأ بحد ذاته، وهذه القضايا إمّا انها بلا معنى واما انها لا يمكن اثباتها أو نفيها. وبتعبير آخر يمكن القول ـ مع شيء من التسامح ـ أن كافة الأديان والسبل حقّة ومستقيمة.

 

ولقد فرّق البعض هنا بين القضايا الدينية قائلين: ان ما يتحدّث عن الحقائق والوجودات فهو ذو معنىً، وفيه مجال للصدق والكذب من قبيل مسألة «الله واحد» وامّا ما كان من قبيل الواجبات والمحرمات فانه لا سبيل للصدق والكذب اليه من قبيل قضية «لابد من اجراء العدالة» و«لا ينبغي القيام بالظلم».

 

نقد التفسير الثالث

 

ان الحديث عن الفلسفة الوضعية وكون القضايا غير الحسيّة ذات معنى والحديث عن الاتجاه الحسي أو الاتجاه العقلي في مجال المعرفة يرتبط بموضع آخر وقد جاء بالتفصيل في البحوث الفلسفية والمعرفية.2 ونحن هنا نكتفي بالإشارة إلى أنه نظراً لرفضنا الإعتماد

التام على الحس وعدم الإعتماد على العقل في مضمار المعارف والعلوم الانسانية ونظراً لان الحس والتجربة لا تمثل الطريق الوحيد لبحث صحة أو سقم كلام ما ـ بل يمكن إثبات بعض القضايا أو نفيها عن طريق العقل ايضاً كما في الأبحاث الرياضية والفلسفية ـ فان هذه النظرية مرفوضة بشكل تام من قبلنا، بالإضافة إلى ما نراه بالوجدان من فارق بين قضايا من قبيل «الله موجود» و«لا ينبغي القيام بالظلم» و«لابد من أداء الصلاة» وبين قضية «نور المصباح مرّ الطعم»، فلو كانت المسائل الثلاث الاولى تفتقد المعنى فينبغي ان لا تختلف عن المسألة الرابعة من حيث المعنى.

 

فاذا كانت المفاهيم الدينية معقولة وقابلة للبحث وممكنة الإثبات والنفي ففي مثل هذه الحالة ينقدح الإشكال السابق وهو انه كيف يمكن الجمع بين هذه القضايا الثلاث «الله غير موجود» و«الله واحد» و«الله ثالث ثلاثة» وان تكون صحيحة بأجمعها؟ فهل يمكن الاعتقاد بصحة هذه القضايا الثلاث حقاً في ضوء نظرية التعددية؟

 

* * * * *

  1. مريم: 90 و91.

 

  1. راجع كتاب المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، محمدتقي مصباح اليزدي، ج 1، الدرس الثالث عشر حتى التاسع عشر.