مختارات من ديوان حافظ الشيرازي

شعر: حافظ الشيرازي —
يا نسيم السحر! أين مأوى الحبيب… أين؟
وأين منزل القمر الساحر الذي يقتل عشاقه… أين؟
والليل مظلم، والوادي أمامك آمن…
فأين نار الطور، من موعد الرؤية واللقاء… أين؟
وكل آتٍ الى هذه الدنيا فهو زائل وعليه طابع الخراب…
وأهلٌ للبشارة من يعرف أسرار الإشارة…
فأين نحن؟ وأين المليم اللاهي… أين؟
أين هذا القلب الحزين المأخوذ بالدوار… أين؟
واعتزلنا القلب ولزم الأركان، فأين محراب الحبيب… أين؟
العيش بغير الحبيب لا يكون ميسراً، مهيأ، فأين الحبيب… أين؟
فيا “حافظ” لا تتألم من رياح الخريف اذا عصفت بخميلة الدهر!

هذا هو حافظ، الشاعر الفارسي الملهم الذي مزج العشق والعرفان معاً فصاغ شعراً تغنى به العشاق، كما ترنم به العرفاء، ليس في ايران الماضي، بل على مدى السنوات التي عاصرها بشعره وأحاسيسه ولم يعشها بوجوده وجسده. ذلك العملاق الذي أصبح ديوانه، كما قال الدكتور طه حسين في سنة 1944 “زهرة الشعر الفارسي” على مر العصور. الشاعر الحي الذي أحيا القلوب بشعره وعرفانه وايمانه.
عاش حافظ في مدينة شيراز، جنوب غربي ايران، في القرن الثامن الهجري. وكان اسمه شمس الدين محمد المعروف بـ”خواجه” حافظ الشيرازي، ولُقب بعد ان انتشر شعره في ذلك الزمان بـ”لسان الغيب وترجمان الأسرار” لما كان في شعره من كشف للأسرار العرفانية وقراءة شعرية للمفاهيم الغيبية.
وقد اعتزل – كما يقال – لفترة من الزمن بعد ان فشل في حبه لفتاة لم يوفق في الوصول اليها. وكان لهذا الاعتزال، الذي اقترن بالدعاء والضراعة والسير الى الله، الأثر الكبير في بلورة روح الشاعر وتحليقه في آفاق الملك والملكوت والغيب والشهود. وقد لقن بأبيات صاغها حافظ، وأصبحت مفتاحه الذهبي للولوج الى عالم الأسرار وعالم الشعر وعالم العشق وعالم العرفان. يقول:

ليلة امس، في وقت السحر، أعطوني النجاة
من الألم والويل
وناولوني ماء الحياة، وسط هذه الظلمات من الليل
فأخرجوني عن نفسي، بما انبعث من ضياء ذاته

وناولوني خمراً في جام يتجلى فيها بصفاته
فيا له من سحر مبارك ويا لها من ليلة سعيدة
ليلة القدر هذه التي منحوني فيها البراءة الجديدة.

وفي تلك الليلة المباركة، التي يقول عنها الشاعر انها ليلة القدر لما حصل فيها من خير وسعادة، أُخبر بأنه سيكون شاعراً ذا شأن مؤيداً بعالم الغيب.
وتحققت آثار الغيب واستجيبت الدعوات، ونال الشاعر مرتبة العشق الروحي وأُلهم بنور الأنوار وخرج من اعتزاله ينشد ذلك الشعر الذي سحر القلوب وبهر العقول وزرع العشق والعرفان في كل من قرأه أو سمعه… حتى وان لم يسبح في أعماقه أو يتحسس لطائفه واسراره.
عشق الناس ما قاله حافظ من الشعر وراحوا يرددونه على مرّ العصور، وأصبح ديوانه الكتاب الأدبي الأول الذي دخل بيوت الايرانيين ولم يخرج منها حتى الآن. انه زهرة الشعر التي لم تذبل ولن تذبل.
وشعر حافظ هو قمة الغزل الفارسي، لم يسبق له مثيل ولم يأتِ له شبيه. اخترع ثوبه الذي لم يبل، وكشف عن آفاقه النائية، وتغلغل في اعماقه وصاغ وجوده وابدع كيانه، وأدخل فيه فلسفته التي دار محورها حول “العشق”، العشق الذي لم يخلُ من الحبيب، و”الشباب” الذي لم يتركه الجمال، و”المشيب” الذي لم ينتهِ من الأمل والهدوء، و”القلب” الذي لم يدخله النفاق والرياء، و”العرفان” الذي حلق في سماء العز واليقين، و”الانسان” الذي صار خليفة للرحمن.

هذه هي فلسفة حافظ التي صاغها بأشعاره وأحاسيسه وغزلياته. والذي يفهم في فلسفته ويغور فيها – كما يقول حافظ نفسه – سيكلمه حافظ بنفسه، ويهمس في أذنيه ويقرأ عليه آيات العشق والعرفان ويأخذ بيده الى اعماق السماء بعد ان يخرجه من طيات الأرض والتراب.
ومات حافظ ولم يذهب بعد، مات جسده ولم تمت روحه، صمتت حنجرته ولم يخفت صوته، خرج لكنه دخل القلوب، دخل التراب ولكنه أشرق على العـالم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
والديوان الذي يقرؤه الناس اليوم، وهو الأكثر قبولاً بين المطلعين والأدباء، يرجع أصله الى القرن الخامس عشر أو السادس عشر الميلادي للشارح البوسنوي “سودي” الذي شرح ديوان حافظ باللغة التركية، ونشره في القرن السابع عشر الميلادي. وقد اعتمدت هذه النسخة في الشرق والغرب وطبعت عشرات المرات في ايران، وقد طبعت نسخة “سودي” حتى الآن مرتين في المانيا والنمسا وأربع مرات أو اكثر في تركيا وثلاث مرات في مصر ومرة واحـــدة على الأقل في بلاد الـــهند.
وفي الغرب، أول ما طبع ديوان حافظ كان بين سنتي 1854 – 1856 في مدينة ليبزغ الالمانية. اما في تركيا فقد طلع سنة 1255 هـ، وفي مصر سنة 1250 هـ، وفي الهند سنة 1791، وفي ايران سنة 1257هـ، في مدينة تبريز.
وقد ترجم هذا الديوان الى العربية الدكتور ابراهيم الشواربي معتمداً على النسخة المطبوعة في 1306 هـ في ايران والتي ترجم منها 496 من الغزليات الموجودة في هذا الديوان مستثنياً المثنويات والرباعيات الموجودة لحافظ في هذه النسخة.
والأصل في ترجمة الدكتور الشواربي انها منثورة لا تتقيد بأي من القيود، والحقيقة ان نقل الشعر شعراً الى لغة أخرى أمر عسير وقد يفقد الشعر صورته الجميلة التي كتبت باللغة الأم، وان كان التقارب بين الأدب العربي والأدب الفارسي كبيراً لم يفترق على مدى الدهور. غير ان بعض غزليات حافظ الشيرازي، كما يقول الشواربي، كانت تقع من نفسه موقعاً مهماً وتأثر بها تأثراً خاصاً فكان يرددها في صدره فتخرج موزونة يمكن تسميتها “نظماً” أو “شعراً” وقد أورد هذه القطع المنظومة ضمن هذه المجموعة المترجمة من الغزليات، ولكنه قرنها بترجمة نثرية اعتبرها وحدها العماد في المقابلة بين الترجمة والأصل الفارسي.
طبع هذا الديوان أخيراً في ايران سنة 1999، وقامت بطبعه مؤسسة “مهر انديش للنشر” بالتعاون مع “مؤسسة الرازي” في دبي وظهر بشكل جميل وجذاب في 365 صفحة من القطع الكبير. وتولت “مؤسسة بوك اكسترا العالميــة” للنشر والتوزيع في لندن.

الليلة “ليلة القدر” كما يقول أهل “الخلوة”
يا رب! في أي الكواكب يكون تأثيرها السعيد؟!
– وقد اخذت القلوب في “الحلقة” تردد ذكر “يا رب!؟ يا رب!؟”
لكيلا تصل أيدي “من لا يستحقون” الى خصلة من شعرك
– وأنا الذي قتلتني غمازتك العميقة الجميلة
أجد آلافاً من الأرواح تحت أطواق رقبتك الممتلئة
– وفارسي جميل، يقف القمر حاملاً “مرآته” أمام وجهه
وتاج الشمس العالية موطئ لنعل جواده
– فانظر الى ضياء عارضه، فالشمس المتقدة
يزداد لهيبها كل يوم، شوقاً الى ضياء وجهه
– وإذا لم أترك شفة الحبيب الحمراء ولا كأس الخمر
فمعذرة أيها الزهاد!؟ فهذا مذهبي!!
– وكيف أزامل “سليمان” عندما يُسرجون له جواد “الصبا”
ومركبي ليس إلا نملة بطيئة السير؟!
– وحبيبي، بغمزات عينيه يضرب بسهامه خفية في قلبي
ولكن ابتسامة صغيرة من بين شفتيه فيها القوت لروح “حافظ”
– فيا ربي! أي طائر عالي المشرب، قلمي هذا
وماء الحياة يقطر من “منقار” بلاغته!!

* * *
– لا تبتعد عني… بربك… فأنت النور لعيني
وأنت الراحة لروحي والمؤنس لقلبي الخائف المضطرب!!
– والعاشقون لا يمتنعون عن التمسك بأذيالك
لأنك أنت الذي مزقت أقمصة صبرهم!!
– وإني أدعو الله ألا يصيبك سوء من عين خطك
فإنك قد وصلت الى غاية الحسن في استراق القلوب…!!
– ويا مفتي الزمان لا تمنعني عن عشقه
وإني ألتمس لك العذر اذا فعلت… لأنك لم تره!
– ويا حافظ: إن هذا التأنيب الذي كاله لك الحبيب
ربما كان سببه أنك تجاوزت بقدمك حدّ سجادتك!!

* * *
* الاشعار من ترجمة الدكتور الشواربي. المصدر: الحياة




جلال الدين الرومي.. والعشق الإلهي

جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي، ولد في مدينة بلخ التي تقع اليوم في أفغانستان، وكانت سابقاً ضمن بلاد فارس، في يوم 6 ربيع الأول سنة 604هـ الموافق 30 أيلول سبتمبر 1207م، وانتقل إلى بغداد وبعدها قام برحلة طويلة إلى عدد من البلدان وبعدها استقر في مدينة قونية في تركيا.
كان الرومي من أسرة علمية تربطها مصاهرة بالأسرة الحاكمة في الدولة الخوارزمية؛ وكان والده أحد علماء المذهب الحنفي، وقد لُقب بـ”سلطان العلماء”.
درس جلال الدين الرومي العلوم الدينية على والده ثم على الشيخ برهان الدين المحقق الترمذي وأصبح فقيهاً حنفياً. ثم سافر إلى الشام لطلب العلم في سن الـ24 حيث درس على عدد من العلماء علوم الكلام والفلسفة والتصوف، وبخاصة على شيخ التصوف محيي الدين بن عربي وتلميذه الشيخ صدر الدين القونوي.
طبقا لإحدى الروايات التاريخية؛ فقد كان والد الرومي شديد الإنكار على سلطان بلخ فأجبره على مغادرتها، بينما تفيد رواية أخرى بأن استيلاء المغول على بلخ هو سبب خروجه منها. وعلى كل فقد تركها هو وأسرته سنة 609هـ وتنقلوا من مدينة إلى أخرى حتى وصلوا عاصمة الخلافة بغداد، ومنها واصلوا السير إلى مكة المكرمة.
غادرت أسرة الرومي مكة إلى ملطية في آسيا الصغرى التي كانت تسمى آنذاك “بلاد الروم” (دولة تركيا اليوم) ثم سكنت قرمان، ثم انتقلت سنة 626هـ إلى قونية التي كانت عاصمة “سلاجقـة الروم” فاستقرت هناك وطاب لها المُقام، ومن هنا جاء تلقيب ابنها جلال الدين محمد بـ”الرومي”.
وأصبح الرومي لاحقاً شاعراً صوفياً، وكان لأشعاره ومؤلفاته التي كتبت بلغته الأم الفارسية، تأثير كبير لا يزال مستمراً إلى اليوم، حيث تمت ترجمتها إلى الكثير من اللغات.
ويعد الرومي من أبرز أعلام التصوف الفلسفي في التاريخ الإسلامي وأكثرهم تأثيراً على مر العصور. ويوصف بأنه ذو رؤية إيمانية عالمية تدعو إلى معرفة الله والتسامح الديني.
توفي والد الرومي بقونية 628ه فأخذ هو على عاتقه برغم صغر سنه القيام بمسؤولياته في الفتوى والوعـظ، ثم رأى أن يستزيد من العلوم فرحل 630هـ إلى الشام وقضى أعواما موزعة بين حلب ودمشق حيث تزود فيهما بحظ وافر من العلوم والمعارف. ثم عاد إلى مدينته قونية بعد أن أقر له شيوخه بالنبوغ والاطلاع الواسع بفضل ثقافته العربية والفارسية المتنوعة.
في قونية اشتغل الرومي مجدداً بالفتوى والتدريس، فأقبل عليه التلاميذ واستمال الناس بعلمه وزهده حتى لقبوه “إمام الدين” و”عماد الشريعة”، وبلغ عندهم مرتبة من سعة العلوم والمعارف دعوه بسببها “سلطان العارفين”.

وفجأة تعرف في سنة 642هـ (1244م) إلى شيخ فارسي يدعى شمس الدين التبريزي، فكان لقاؤه به نقطة تحول في مسار حياته ولحظة إعادة ميلاد لفكره وسلوكه، إذ دخل على يديه في زمرة أرباب التصوف فبدأ نظم الشعر الصوفي، وقطع كل صلة له بتلامذته وبالناس “وقلل من مجالسته مع أهل العلوم الظاهرة واتجه إلى العلوم الباطنية”، حسب أحد كُتاب سيرته.
ومن هنا كان التبريزي هو أكثر شيوخ الرومي فضلاً عليه وأقواهم تأثيراً فيه، لأنه الشخصية التي جعلته يسلك طريقه الصوفي الفلسفي ويتمثله مداسة وممارسة، بعد أن كان منقطعاً إلى العلوم الشرعية والعقلية السائدة في عصره آنذاك. ويؤكد الرومي نفسه ذلك بقوله: “إن شمس الدين التبريزي هو الذي أراني طريق الحقيقة، وهو الذي أُدين له بإيماني ويقيني”.
دخل الرومي تاريخ التصوف العالمي من أوسع أبوابه باعتباره أحد أهم المتصوفين العظام في التاريخ الإسلامي، ونشأت عن تراثه في تركيا طريقة صوفية عُرفت بـ”المولوية” واشتهرت بعده بطقوس الرقص الدائري حول النفس، وجاء اسمها اشتقاقاً من اللقب الذي أطلقه الأتراك عليه وهو “مولانا جلال الدين الرومي” أو “مولانا” اختصاراً. وقد انتشرت هذه الطريقة لاحقاً في مختلف أصقاع العالم.
يعتبر منهج الرومي التصوفي من إفرازات بيئة بلاد فارس التي شهدت آنذاك نهضة كبيرة في التصوف الإسلامي، لكنها غلبت عليها النزعة الفلسفية والفكرية ولم تهتم كثيراً بالسلوك والتربية، وانعكس ذلك في فكر الرومي ومسلكه الصوفي الفلسفي الذي غلبت عليه الدعوة للاتجاه إلى الله و”الفناء فيه”.
ويرى الباحث المغربي محمد ناعم أن شخصية الرومي “لم تسلم مـن التحريف والوضع والتحامل، إما من طرف أناس لا يفهمون من التصوف إلا تكايا الانعزال وحرفة أصحاب الأسمال وطقطقة المسابح، وبعض الأعمال والطقوس والعادات التي يبرأ منها دين الإسلام نفسه، أو من أولئك المفتونين بهذه الشخصية والذين يضفون عليها الكثير من القداسة، وينسبون إليها عادات وخوارق، وينسجـون حولها الأساطير التي لا تتفق مع مواقف ومبادئ الرجل، كما لا تجاري الشرع أو العقل والمنطق”.
ويضيف ناعم “وعلى كل حال، فسيرته كسائر سِيَر العظماء، أضيف إليها ما ليس فيها، إما عن حب وهـوى وحسن قصد، وإمـا عن حقد وسوء نية وقصد (…). وأهم ما يميزه عن غيره من متصوفة عصره أنه كان بارعاً في إيصال أفكاره وآرائه الصوفية الفلسفية باستعمال كل الوسائل والأدوات، من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، وحكايات الأولياء والعارفين والمشايخ وأشعار السابقين وحكمهم”.
وأوضح أن “شخصية جلال الدين الرومي… تبدو متشعبة المنحنيات الفكرية والثقافية، لنجدهـا إلى جانب اشتغالها بالعلوم الشرعية متضلعة في العلوم العقلية ومتبحرة في التصوف الفلسفي، إلى جانب قدراتها الأدبية التي توصل عن طريقها أفكارها وآراءها بلغة شعرية رقيقة الألفاظ محكمة المبنى رائعة الأسلوب”.
كما أسس الرومي “المذهب المثنوي” في الشعر الذي كان أبرز تجلّياته ديوانه الشعري المعروف بـ”مثنوي معنوي” والموصوف بأنه أكبر مرجع تصوفي باللغة الفارسية، فقد كتب فيه مئات الآلاف من أبيات الشعر عن العشق الإلهي من منظور صوفي، وعن قضايا عديدة في الفلسفة التي أخذ على أصحابها “المبالغة في تقدير الحواس وتقديس العقل”، حسب تعبير ناعم.
تحظى أشعاره الصوفية برواج كبير في العالم بعد أن لقيت استحساناً وأحياناً انبهاراً من المسلمين وغير المسلمين، الذين عكفـوا على ترجمة مؤلفاته ولا سيما في الولايات المتحدة التي نال الرومي فيها صفة الشاعر ذي الأعمال الأكثر مبيعاً عام 2014.
وظهر إنتاج ضخم يتضمن كتباً ودراسات وأبحاثاً وترجمات عن حياة الرومي وفكره وشعره، وأغلبيتها كانت باللغات الفارسية والعربية والأوردية والإنجليزية والفرنسية والألمانية. كما كانت شخصيته موضوعاً لأعمال سينمائية عدة منها فيلم “مولانا جلال الدين الرومي-حكاية عشق”.
وفي فترة ما بين 7 و17 ديسمبر/كانون الأول من كل عام تنطلق في قونية التركية فعاليات الاحتفال بذكرى ليلة وفاة الرومي التي يطلق عليها بالفارسية “شبِ عروس” (أي “ليلة العرس”)، ويعتقد مريدوه أنه “كان ينتظر هذه الليلة “ليعود إلى الذات الإلهية”.
وفي مايو/أيار 2016 تحدثت تقارير إعلامية إيرانية عن تعاون بين إيران وتركيا على تسجيل ديوان شعر الرومي المسمى “مثنوي معنوي” كتراث ثقافي مشترك بين البلدين لدى منظمة اليونسكو الأممية، وهو ما أثار انتقاداً رسمياً وشعبياً في أفغانستان التي ترى أن الرومي وُلد فيها وكان “شاعراً عالمياً وثروة نفيسة لكل الشعوب المثقفة”.

المؤلفات
ترك الرومي مؤلفات عدة ما بين منظوم ومنثور تناول فيها العديد من المسائل الصوفية والفلسفية والأدبية؛ فمن منظوماته: “ديوان شمس الدين التبريزي” الذي يحتوي ألف بيت سجل فيها ذكرياته مع أستاذه الأثير لديه التبريزي، و”الرباعيات” التي يبلغ عددها 1959 رباعية، وديوان “المثنوي” (يُعرف بـ”مثنوي مولوي”) الذي يتضمن زهاء 26 ألف بيت شعر فارسي، وتظهر فيه شخصيته الفكرية المتصوفة.
استغرق تأليف “المثنوي” هذا -الذي يتوزع على ستة أجزاء- سبع سنوات، ويوصف بأنه من ذخائر التراث الأدبي العالمي، وقد وُضعت عليه شروح كثيرة بالفارسية والتركية والعربية، كما تُرجم كلياً أو جزئياً إلى عدد من اللغات الأوروبية.
ومن مؤلفاته المنثورة: كتاب “فيه ما فيه” المتضمن دروساً ألقاها في مجالسه العلمية وإجابات عن أسئلة وجهت إليه في مناسبات مختلفة، و”مكاتيب” أي رسائله إلى معارفه ومريديه، و”مجالس سبعة” وهو مجموعة مواعظ.
توفي جلال الدين الرومي في قونية بتركيا يوم 5 جمادى الأخيرة سنة 672هـ الموافق 17 ديسمبر/كانون الأول 1273، متأثرا بحمى أصابته.

المصدر: الجزيرة نت




الدين ولُعبة الأمم الغالبة

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — يحتل الدين مكانة مهمة في الحياة الإنسانية، ولا نستطيع أن نتخيل مجتمعاً بشرياً خالياً من أي دين، ولا يزال الدين من أهم القضايا التي تشغل البشر؛ سواء كانوا متدينين أم لا دينيين، يشغلهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. يشغلهم في كل المجالات حتى تلك التي تواطأت أفهام وممارسات فئات نافذة على إخراجه من بابها بقوة، وها هو يعود من النافذة، ويصبح أكثر حضوراً في المجال العام وفي العادات والطقوس الروحانية الخاصة والعامة، لكن الجديد في هذه العودة أنه يقاوم وينتشر في شكل جديد وغامض ومتداخل مع مصالح غاية في التعقيد، فإذا كان بعض المفكرين يعتبرون القرن التاسع عشر؛ هو قرن الشك والإلحاد (انظر: كتاب، عقائد المفكرين في القرن العشرين، عباس العقاد، طبعة دار المعارف ص25)، فإن القرن الحادي والعشرين ربما يكون خلاف ذلك، كأن يكون قرن العودة للدين وانبعاث المارد اللاهوتي من جديد. هذا الادعاء المستقبلي ليس علمياً بشكل نستطيع البرهنة عليه بشكل مؤكد، ولكن هناك مؤشرات كثيرة تدل عليه، أبرزها في عصرنا الحاضر؛ تعالي الأصوات الغربية في نقد العلمانية لمصلحة الديّانية، وعودة القوميات باعتباراتها الماضوية، والتي غالباً تنبعث هوياتها وفق سياقات دينية مستقلة، كما أن الحداثة كمشاريع علمية وتنموية أصبحت في يد دول استعمارية ساهمت هيمنتها الاستغلالية في إقناع الشعوب-كرد فعل- بالعودة نحو الديني.

ويمكن أن أعود الى دراسة معهد غالوب حول «توجهات التدين عبر العالم»، والتي صدرت نهاية شهر آب(أغسطس) 2010م، وخلصت الى نتيجة مفادها أن «الدين ما زال يلعب دوراً مهماً في حياة العديد من الناس، الذين يعيشون في العالم. وأن النسبة المتوسطة العالمية للبالغين الذين قالوا إن الدين جزء أساسي في حياتهم اليومية بلغ 84 في المئة، وفي عشر دول ومناطق على الأقل هناك 98 في المئة قالوا إن الدين أساسي في حياتهم اليومية». وقد شملت الدراسة التي أنجزت خلال سنة 2009م، 114 دولة عبر العالم.

هذه المقدمة هي لأجل محاولة فهم عدد من التساؤلات التي يجب أن نطرحها في عالمنا العربي المغيّب عن ذلك الحراك القوي والجدل العميق حول علاقة الدين بالعلمانية ونتائجه التي لن يسلم منها أحد من العالم، ففي الوقت الذي يتنامى فيه الخطاب العلماني؛ خصوصاً بعد ما سمي بالربيع العربي، تشهد العلمانية خريفها في مواطنها الأولى التي تألقت فيها وتسامت كأنموذج عالمي للاقتداء، ومع تنامي المشروع العلماني في دولنا العربية في مقابل تنامي العودة للدين أيضاً، تثور مجموعة من التساؤلات أسوقها في النقاط التالية:

أولاً: كيف لنا أن نلحظ أمرين متغايرين ينموان بازدياد في بيئة واحدة، وأصل البقاء فيهما يعتمد على إلغاء الآخر، وكيف نجمع بين تنامي الدين في العالم ومنه المجتمعات العربية، وبين ازدياد وتيرة العودة للعلمانية في الوقت ذاته؟ ولمحاولة تفسير هذا الأمر أضع احتمالين لهذا الاتساق المتباين: أحدهما: أن في عالمنا العربي يضعف الانسجام بين مكونات الشعب ومؤسسات الدولة، والفاصل بينهما ليس اجتماعياً وسياسياً فحسب؛ بل حتى في مجال التفكير وردود الفعل حيال التحديات والتهديدات، فلا نستغرب أن يكون الشارع العربي يعود للديني كمجال يجد فيه حلولاً لمشكلاته واحتياجاته، بينما تزداد حاجات مؤسسات الدولة لتبني العلمانية وتنزيلها بـ(الباراشوت) داخل دوائرها الرسمية، مُغفلةً بشكل واضح مجالها الديني والاجتماعي. التفسير الثاني: وهو متعلق بشأنٍ فلسفي وسياسي عام؛ فقد بات من المؤكد أن هناك إجماعاً داخل مدارس الفكر المابعد علماني ذي التوجه الفلسفي؛ على أن الدين والعلمانية ينبثق بعضهما من بعض ويعتمد بعضهما على بعض. هكذا، يحاججون على أن هاتين العمليتين متلازمتان، إذ إن الدين كما تطور في الغرب كان دائماً حاضراً في جميع الظواهر العلمانية، حتى عندما يبدو غائباً؛ كانت العلمانية بدورها تكمّل على نحو سري البرنامج الديني. (انظر: كتاب العلمانية وصناعة الدين، تحرير ماركوس درسلر وأرفيند مانداير، طبعة الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2017م، ص 13)، وقد أظهرت بعض الأحداث الماضية سقوط أقنعة بعض السياسيين الغربيين ليظهر خلفها قساوسة متعصبون، (نتائج الانتخابات في ألمانيا وفرنسا العام الماضي، الموقف من أزمة المهاجرين السوريين، العناد في قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، الحجاب… وغيرها من أمثلة)، هذا السقوط لا يعني انهياراً أخلاقياً بقدر ما يُظهر الحقيقة بوضوح، ويفسّر المواقف بشكل جلي، ويعطي شكلاً آخر من التناغم العلماني مع الديني. وأظن أن تشارلز تايلور الفيلسوف الكندي تحدث بوضوح عن هذا النمط التعايشي بين الديني والعلماني في كتابه المثير للجدل «العصر العلماني»، كما سبقه الفيلسوف الألماني هابرماس بأهمية توطين الدين (المعقلن) ليكون فاعلاً في المجال العام من دون سيطرة لاهوتية، وذلك في مداخلته التي نشرت في كتاب «قوة الدين في المجال العام». في المقابل، هناك أطروحة جزئية نسف فيها الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن أي علاقة مصلحية وتعايشية ممكن أن تثمر بين السياسي والديني بعيداً من البُعد الائتماني التزكوي في كتابه «روح الدين». هذه الأطروحات على رغم عمقها التفسيري للعلاقة الجدلية بين الديني والعلماني؛ إلا أن تطورات الواقع المتغير والمشهد الديني والسياسي في العالم بمعطياته التواصلية والتقنية قد تسبق هذه الأطروحات نحو جديد؛ الله أعلم بشكله القادم!

ثانياً: يثور تساؤل في منطقتنا العربية من حين الى آخر؛ عن جدوى الاهتمام بالخلافات الفلسفية والجدل الفكري الذي يحصل في الغرب (أميركا و أوروبا)، ومن ذلك النقاش المثير حول علاقة الديني بالسياسي، فما يعنيهم قد لا يعنينا ومشكلاتهم تختلف جوهراً وشكلاً عن مشكلاتنا، وهذا التساؤل مع جديّته، يحتاج إلى توضيح أمرين: أحدهما أن الغرب منذ نهاية القرن التاسع عشر لم يعد تلك القارة الجغرافية المنكفئة على نفسها؛ بل أصبح بشكل مذهل وبنجاح باهر؛ مركز العالم وما عداه هوامش، وأصبح أيضاً الفاعل المهيمن وما عداه مجرد أدواتٍ تنفّذ؛ أشبه بما يقوم به اللاعبون أمام رقعة الشطرنج، هذه السيطرة لا أقصد بها انتصارات الغرب الاستعمارية وهيمنته على المال والأسواق فحسب؛ بل قصدت ما هو أبعد من ذلك، وهو القدرة على إعادة صناعة الأفكار والمعارف وحتى الدين!، تحققت هذه المرجعية الغربية للعالم من خلال عوامل كثيرة، أهمها من وجهة نظري؛ ما حصل من تفوق فكري قام بالمزاوجة بين مكونات أفرزتها التطورات السياسية والدينية في أوروبا والمتمثلة في المسيحية كدين، والحداثة كنهضة صناعية وعلمية، وقومية متعالية ومتوارثة من زمن الرومان، فانصبت أهم المشاريع الفكرية بدءًا بكانط وهيوم وهيغل، ثم ماكس فيبر، بإيجاد أنموذج معرفي لا يزيح الدين ولا يبتذل العقل، ويحقق طموح السياسيين في التوسع بعدما ظهر عصر الكشوفات الجغرافية، فلو أخذنا على سبيل المثل إسهامات هيغل في محاضراته وكتبه التي قامت بمزج المسيحية والحداثة والقومية بشكل ساعد في خلق منهجية فكرية فلسفية حققت بعد ذلك أنموذج أوروبا للتفوق، جاءت هذه الفلسفة ضمن السياق النقدي للتاريخ، ومن خلال مقارنة المسيحية بالأديان والثقافات الشرقية الأخرى التي تفتقد–بزعمه- للتاريخ، مع محاولة إضفاء معايير معرفية تثبت التفوق المسيحي بين تلك الأديان، كما ظهرت ميزات أخرى لأطروحات هيغل في صياغة نظرية عقلانية دينية تثبت وجود الله وتدمج الدين في الحياة وفق رؤية كونية مقارنة، استكمل مراحلها الأخرى عدد من المستشرقين والمفكرين والمترجمين الذين أدخلوا الثقافات الأخرى المنعدمة وجودياً في الثقافة الغربية، وجعلوا منها درساً قائماً وموجوداً، ولكنه حضور ناقص لا تتعزز جدواه إلا من خلال علاقة بذاك الأوروبي المتفوق برهاناً وحداثة، فتنامت العلمانية الغربية وانتشرت عالمياً عندما أصبحت معياراً للمقارنة بينها وبين ديانات وثقافات أخرى. يفسّر هايدغر هذه الحالة المتفوقة للغرب في مقالته» عصر تصورات العالم» عندما أشار إلى أن هذا الشكل الحديث المميز من التفكير أدى تدريجياً إلى ولادة الغرب باعتباره نظاماً فكرياً ذا مرجعية ذاتية، ومن ثمّ يعمم على الكون موقفه وخطابه ويدّعي أن له معرفة موضوعية بالمجتمعات والثقافات البشرية على غرار العلوم الطبيعية. (انظر: النقل من كتاب العلمانية وصناعة الدين ص18 وما بعدها)، ومن هنا نفهم السبب الذي جعل العالم يعتمد على الغرب في مقارناته معرفياً وقيمياً، صحةً وخطأ، ويشعر باحتياجه وتقازمه الدائم تجاه هذا الأنموذج المتعالي، والفكر الغربي لا يظهر أنه مستفزٌ بشكل علني لغيره من الثقافات والمجتمعات؛ بقدر ما لديه الإغراء اللازم للركض خلفه، فتجدده وقيامه بالتطوير والإصلاح وتقديم الحلول ومعالجة المشكلات المتنوعة تمنحه هذه المركزية الطوعية، ولو احتاج الى تثبيت هذا التفوق بالتصنّع والتزييف فعل ذلك من دون أدنى تردد.

ثالثاً: بناء على ما سبق؛ فإن المخيال الغربي الذي تنامت هيمنته منذ قرون واعتاد على هذا التفوق المعنوي والمادي، ماذا سيفعل وهو عرّاب العلمانية أمام نزعة العالم نحو الدين؛ خصوصاً في مجتمعاتنا العربية، وما هي خططه الجديدة لإبقاء هذا التفوق؟ هذا الفعل المتوقع من الغرب لحلّ هذا الإشكال؛ هو الذي أنتج سيلاً من الدراسات والأطروحات التي تتناول الموقف الغربي العلماني من الدين، وأوجد أطروحة أخرى مثيرة للنقاش؛ تقتضي تمييع صلابة الدين إلى ما بعد الدين، وتمييع مفاهيم العلمانية إلى ما بعد العلمانية، وذلك من خلال «صناعة الدين» وعدم انتظار المجتمعات لتختار عودتها للدين كيفما تشاء.

هذا الخيار الخطير ليس صعباً على مؤسسات متنفذة؛ أكاديمية وإعلامية متمرسة جداً للقيام بذلك، ولكن تكمن الخطورة في التأخر عن إيجاد البدائل المناسبة لاحتياجات المجتمعات، ما يسمح بخروج بدائل فاتنة ومريعة في آنٍ واحد، مثل حالات التطرف التي خرجت مع القاعدة بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001م، وتنامي الإسلام السياسي بعد الربيع العربي 2011م، والحل الذي غالباً ما نرى بواعثه ومقدماته في عالمنا العربي هو صناعة دين يحقق الحاجات الروحانية ويحافظ على المتطلبات العلمانية. يضع الباحثان درسلر ومانداير تصوراً حول أهم المستويات أو الخطابات التي تسعى الى بناء صناعة للدين، تحقق هذا التزاوج بين ما بعد الدين وما بعد العلمانية، من خلال التصورات التالية:

أولاً: صناعة الدين من أعلى، أي بوصفها استراتيجية من موقع السلطة، بحيث تحدد السلطة نمط التدين، وما يقبل ويُرد من رمزيات وخطابات وممارسات تمثل الدين، مع سيطرة على نوع الخطاب الديني الإعلامي الذي يوجّه للجمهور، وغالباً ما يُحمى هذا النمط الديني الجديد بأنظمة وتشريعات تضمن له البقاء بقوة القانون والسلطة. ثانياً: صناعة الدين من أسفل، وذلك بإيجاد مؤسسات مجتمعية أو خطابات فردية غير مؤطرة على السلطة، بتقديم خطاب تديني يعيد تشكيل هوية الدين في ضمن قوالب علمانية مختارة. وحاول عدد من الدراسات تهميش فكرة الدولة المتدينة بوصفها بالمستحيلة والتي يتكئ على دعواها الإسلام السياسي (كتاب وائل حلاق «الدولة المستحيلة» على سبيل المثل؛ مع أنه هدم فكرة الدولة بنموذجها التاريخي وتطبيقاته الواقعية من دون إغلاق الباب للبديل)، كما برزت أفكار التسامح التي تحذر من عودة الحروب الدينية وترى أن خيار البقاء في ظل السلم المدني يكمن في اختيار العلمانية ضرورة للأمن والاستقرار.

ثالثاً: صناعة الدين من الخارج، وقد تظهر في أشكال متعددة، كالدراسات العلمية المترجمة، التي ساهم بعضها وبشكل كبير منذ أكثر من قرن في صياغة ديانات معلمنة كثيرة، في بعضها تجني أكاديمي مقصود ومسيّس، ودراسة راند في 2003م حول الإسلام المعتدل أنموذج لهذه الصناعة، ما حمل أحد عرّابي هذا التوجه وهو دانيال بايبس على القول بأن: «هذه المرحلة الرهيبة من تاريخ المسلمين ستنتهي فقط عندما يتحولون إلى العلمانية»، متناسين الأسباب الكثيرة التي انتجت تطرف ما بعد 11 سبتمبر و «داعش» وغيرهما، وغالباً ما تكون هذه الصناعة الخارجية للدين متوافقة مع أرباب صناعة الدين من أعلى. (انظر: العلمانية وصناعة الدين، ص 40-47) هذه الفكرة الصناعية للدين توافرت لها اليوم أسباب أخرى فاعلة؛ لا تنتجها من العدم؛ لكنها تقوم بذكاء عظيم في نشرها ودعمها بشكل ذاتي، من خلال ثورة الشبكية وتحطم الحدود والحوارات المرنة في مواقع التواصل الاجتماعي بالذات.

ختاماً، لن أفعل كما اعتدت في نهاية مقالاتي بوضع الفكرة والخلاصة لنتيجة ما سبق عرضه من أفكار؛ بل سيبقى المقال مفتوحاً وأفكاره غير منتهية أمام هذه الظاهرة العالمية حيث يقوم الغرب العلماني بصناعة أديان جديدة، تلبي احتياجاته التوسعية أولاً، وتفصّل مقاسات مناسبة لما يجب أن يرتديه العالم من أثواب؛ على رغم حرصه على أن نبقى أمامه عُراة!

المصدر: الحياة




الحياة الروحية في مصر العثمانية

بقلم: محمَّد حلمي عبدالوهَّاب — مثَّل التصوُّف في العصر العثماني حقيقةَ الإسلام الكُبرَى، بصفته تعبيراً أسْمى عن مقام «الإحْسَان» في الإسلام، كما ورد في الحديث النَّبوي الشَّريف: «الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وقد اشتُهر بالصُّوفية كثيرٌ من أئمة الإسلام وأعيان العلماء والسَّلاطين والملوك والوزراء والأمراء.

فعُرِف من الصُّوفية من أهل العلم والفضل شيوخُ الإسلام: العزُّ بن عبدالسَّلام (ت 600هـ)، وابن دقيق العيد (ت 702هـ) وبدر الدِّين بن جَماعة (ت 733هـ)، وزكريا الأنصاري (ت 926هـ)، وابن حجر الهيتمي (ت 973هـ)، وغيرهم. ومن الأئمة: بهاء الدِّين بن شدَّاد (ت 632هـ)، شيخُ صلاح الدِّين الأيوبي الذي جعل داره خانقاه للصُّوفية من بعده، وابن الصَّلاح (ت 643هـ)، وابن الحاجب (ت 646هـ)، والحافظ المنذري (ت 656هـ)، والفيروز آبادي (ت 817هـ)، صاحب القاموس المحيط، وغيرهم.

ومن مشايخ الأزهر الشريف: الشَّيخ الحِفْني الخلْوتي (ت 1181هـ)، والشيخ عبدالله الشَّرقاوي (ت 1227هـ)، والشيخ الباجوري (ت 1276هـ)، والشيخ مصطفى العروسي (ت 1293هـ)، والشيخ المهدي العباسي (ت 1315هـ)، وغيرهم.

ومن الملوك والسلاطين: النَّاصر صلاح الدِّين (ت 589هـ)، والظَّاهر بيبرس (ت 676هـ)، والظَّاهر برقوق (ت 801هـ)، والأشرف قايتباي (ت 901هـ)، وغيرهم.

ومن المعلوم تاريخياً، أنَّ مصر انضوت تحت لواء الحكم العثماني لمدة تقارب ثلاثة قرون (1517- 1805م). فقد كان قدرُ مصر- منذ عهد الطُّولونيين (254- 292هـ) وحتَّى عام 1952م- أن يتعاقب على حُكمها دائما أناسٌ- فيما عدا الفاطميين- من أصولٍ تُركية، أو تربَّوا على تقاليد الدَّولة التُّركية. وخلال تلك الحقبة الطَّويلة كان للعهد الذي دخلت فيه مصر تحت الحكم العثمانيِّ مكانة متميزة، إذ كان للثقافة التُّركية آثارُها التي تركتها في مصر، ولا تزال بعضُ مظاهرها ماثلة حتَّى اليوم.

ضمن هذا السِّياق، يعدُّ التصوّف واحداً من أبرز السِّمات والقواسم المشتركة في تاريخ البلدين، فقد كانت مصر على الدَّوام محجّاً للعديد من المتصوّفة الأتراك الذين شدُّوا الرِّحال إليها، وتتلمذوا على يد شيوخها، وتأثَّروا بالتَّيارات الفكرية والرُّوحية السَّائدة فيها. ويكفي أن نذكر منهم، على سبيل المثال: أوحد الدِّين كَرْماني (ت 635هـ) الذي استقر مدَّة من الزَّمان في مصر، وكان هو والشيخ الأكبر محيي الدِّين بن العربي (ت 638هـ) يلتقيان ويزور أحدهما الآخر باستمرار. وكذلك الأمر بالنسبة لصدر الدين القُونَوي (607-673هـ)، أَجَلُّ تلامذة الشيخ الأكبر، والذي كان بمثابة حلقة وصل في ما بينه وبين صاحب المثنوي، مولانا جلال الدِّين الرُّومي (ت 672هـ). وأيضاً شيخ الإسلام شمس الدِّين محمَّد بن حمزة الفنَاري (751-834هـ)، الذي تتلمذ على يد كلٍّ من: علاء الدِّين الأسود، شارح الـمُغْنِي في الأصول وشارح الوقاية، وجمال الدِّين أقصرائي (ت 776هـ)، ثم رحل إلى الدِّيار المصرية وتوفِّي فيها عام 834هـ.

ومع أنَّ التصوّف في الأصل هو عبارة عن ظاهرة وجدانية فردية، إلا أنَّ تصوف العصر العثماني كان ظاهرة اجتماعية تتطوَّر مع الزَّمان وتتغيَّر باختلاف المكان، كغيرها من ظواهر الحياة الاجتماعية الأخرى. فقد اتَّسم العصر العثماني بانتشار الطرق الصوفية، وسيطرتها على مناحي الحياة الدِّينية والرُّوحية، السِّياسية والاجتماعية. وذلك بفضل أن العثمانيين لم يكتفوا فقط بتشجيع التصوُّف، وإنَّما انخرطوا فيه فعلياً، فشاركوا في بناء الأضرحة والمزارات والقباب، كما شاركوا في الموالِد والاحتفالات الصوفية.

وليس أدل على ذلك من سيرة المؤسَّس الأول، السُّلطان عثمان الغازي (656-726هـ)، الذي أحاط نفسه برجال «الطريقة الآخية»، وداوم على زيارة الشَّيخ المولى إده بالي (ت 726هـ) الذي ارتحل إلى البلاد الشَّامية، وتفقَّه فيها على مشايخ الشَّام، وقرأ التَّفسير والحديث والأصول، ثم ارتحل إلى بلاده واتَّصل بخدمة السُّلطان، ونال عنده القبول التَّام، وبَنى في الدَّولة العثمانية زاوية كان ينْزل فيها السُّلطان عثمان الغازي، الذي بشَّره الشَّيخ بالسلطنة، وزوّجه من ابنته.

أيضاً أولى العثمانيون عناية خاصة بتصوف الشَّيخ الأكبر محيي الدِّين بن العربي، فالسُّلطان محمَّد الفاتح كان من أتباع مدرسته، حيث اتَّخذ شيخَه آق شمس الدِّين (ت 863هـ)، الفاتح الرُّوحي للقسطنطينية، مُستشاراً له. كما كلَّف ثلاثة علماء، على الأقل، بشرح كتُب صدر الدين القُونَوي؛ وهم: قطب الدِّين الإزنيقي والقرْمي والإلهي. ويتضمن شرح الأخير على «مفتاح الغيب» إشارات شتَّى تتعلَّق بالسُّلطان محمَّد الفاتح الذي احتفظ بنسخة من شرح الفصوص للجندي، تلميذ القُونَوي المباشر، في مكتبته الخاصة. وكان السُّلطان برهان الدِّين (ت 800هـ-1398م) من قبلُ قد كتب شرحاً لمصنّفات صدر الدِّين القُونَوي بعنوان: «إكسير السَّعادات في أسرار العبادات»، وخاض نقاشاً في شأن بعض المسائل التي وردت في كتاب «مفتاح الغيب» للقُونَوي مع الشَّيخ علاء الدِّين يار علي شيرازي.

وقد نتج عن ذلك التجاوب ما بين ممثلي التَّصوف من جهة، وممثلي السُّلطة العثمانية من جهة أخرى حركة فكرية ضخمة اتَّسمت بغلبة الرُّوح الصُّوفي، والمنزع الأخلاقي الدَّاعي إلى المجاهدة وتصفية النَّفس والتحلِّي بقيم التَّزكية الرُّوحية.

ولا يجانبنا الصواب إذا قلنا: إنه قلَّما نُصادف نتاجاً فكرياً يعود إلى تلك الحقبة – على اتِّساع طولها الزَّمني وامتدادها الجعرافي – قد نجا من حُمَّى التَّصوف، إذ كان الشُّيوخ المتصدِّرون للتدريس والإفتاء يجمعون في العادة ما بين الشَّريعة والحقيقة، وكانت الزَّوايا الصُّوفية مدارس علمية مُشْبَعة بروح الحِكَم والآداب الصُّوفية.

فقد ورث العثمانيون السلاجقة المسلمين في الأناضول، وقامت دولتهم على مبدأ الجهاد ورفع راية الإسلام والدفاع عنها في كل مكان. واعتماداً على ذلك المفهوم أو المبدأ، قام العثمانيون بالتوسُّع في نشر الإسلام في أوروبا، وإقامة وحدة إسلامية شملت أغلب الممالك الإسلامية، باستثناء الدولة الصفوية في إيران، ودولة المغول في الهند. وكان السلاجقة قد أوجدوا في شرق إيران حركة صوفية منظمة ومدارس للشريعة، وفرضت دولتهم نظامها الخاص على النشاطات الدِّينية بعد غزو بغداد، فأنشأوا «الربط» في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، التي أصبحت فيما بعد قواعد للحركة الصوفية، حيث عيَّن الخليفةُ الناصر الشيخَ عمر السهروردي شيخاً على الرِّباط للمرة الأولى عام 1234م، وبذلك تأسست الطريقة السهروردية في بغداد، وأصبح الرباط مركزاً لها، وأصبحت له فروع أخرى تضمُّ أتباع هذه الطريقة، وقد كان ذلك أول تنظيم مؤسساتي للطرق الصوفية.

وبحسب خليل اينالجيك؛ فإنه يمكن فرز الطرق الدِّينية في الامبراطورية العثمانية إلى قسمين رئيسين: القسم الأول يتضمن الطرق المعروفة التي لها تكايا تدعمها مداخيل الأوقاف المؤسَّسة من قِبَل السلطان وكبار رجال الدولة، والتي لها تنظيم واضح وشعائر محدَّدة، كالنقشبندية والمولوية والخلوتية وفروعها المختلفة. القسم الثاني يضم الطرق الباطنية التي تُعرف عادة بإسم الملامية أو الملامتية، والتي كانت تتخندق بشكل ما في موقع المعارضة للدولة، وضمن هذا القسم يتموقع الدراويش المتجولون الذين عُرفوا بالقلندرية والحيدرية والأبدال والبابائية، وأتباع الطريقة الحمزوية.

وبامتداد دور الصوفيين إلى وسط آسيا، استطاعوا نشر دعوتهم الروحية بين الأتراك، حيث تم تأسيس أول التكايا في أنطاليا. وبحلول القرن السادس عشر كانت الصوفية قد تحولت إلى عمود مهم من أعمدة المجتمع العثماني بحيث أصبحت تمثل التراث والامتداد المباشر للإسلام، الى درجة بات التصوف يشكل جزءاً أساسياً في التقاليد العثمانية، بما فيها اعتلاء العرش، والانخراط ضمن التشكيلات العسكرية.

والواقع أن التيار الصوفي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة المسلمين الأتراك؛ خاصة بعد الغزو المغولي للبلاد الإسلامية في وسط آسيا وإيران عام 1220م. فبحلول القرن الثاني عشر عكست الثقافة الإسلامية في أنطاليا، التي نزح إليها الكثير من التجَّار والجنود والعلماء والفنانين والحرفيين والدراويش، فضلاً عن اليهود والمسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام، صورةً مثالية لأسلمة المجتمع وتنظيمه الديني والاجتماعي. وقد أسهم هذا التحول في إعطاء الدراويش دوراً جديداً معقَّداً، ومتناقضاً أحياناً، دام حتى نهاية الامبراطورية العثمانية، إذ كان سلاطين العثمانيين يعتمدون على دعم الدراويش عسكرياً في أثناء محاولاتهم بسط هيمنتهم وتوسيع سيطرتهم على أنطاليا.

وهكذا تأسست فكرة رعاية التكايا وحمايتها تحت لواء السلطان شخصياً، وتبعاً لذلك ازدهرت الصوفية وتعدَّدت طرقُها تحت حكم العثمانيين حتى وصل عدد الطرق الصوفية إلى سبع وثلاثين طريقة، يتمركز حوالي عشرون منها في اسطنبول، وقد كان عدد سكانها في ذلك الوقت (1453م) حوالى ثلاثة أرباع المليون نسمة، وغالبية هؤلاء لهم علاقة بالتكايا، فهم: إما دراويش أو محبِّين لهم.

كما ارتبط التصوف في تركيا ارتباطاً كبيراً بالشيخ أحمد اليسوي المتوفَّي سنة 562هـ، مؤسِّس الطَّريقة اليسوية، وثالث خلفاء الشيخ خواجه قدِّس سرُّه. واليسوي لم يكن صوفياً عادياً مثل مئات الصوفيين في التاريخ التركي، بل عندما يُذكر أحمد اليسوي يُذكر اعتناق الشعب التركي للإسلام! فقد اكتسب اليسوي شهرة عظيمة وانتشاراً واسعاً، لأنه أسهم في نشر الإسلام وتوطيد أركانه وأحكامه بين جموع الأتراك، كما يعدُّ أول من أسَّس قواعد التصوف ورسَّخ أصوله بين ظهرانيهم، وظلت روح التصوف مبثوثة في حيواتهم الدينية والسلوكية على مدى أجيال متعاقبة. ولم يكن أحد قبل اليسوي تمكن من تأسيس قواعد للتصوف وآدابه التربوية والأخلاقية، ولكنه استطاع أن يؤسس أول طريقة صوفية تركية ذات طابع شعبي بين الأتراك، وتمكن من نشرها بين الناس وتقريبها إلى نفوسهم.

يتحصل مما سبق أن المنحى العملي غلب على أتباع التصوف المصري والتركي منذ نشأته بهما. وليس أدل على ذلك مما يذكره الرحالة العثماني أوْليا جلبي في القسم الخاص بالرحلة إلى مصر والسودان وبلاد الحبش من قوله: «وفي القاهرة فقراء، أي دراويش، ألف وسبع عشرة طريقة، ولهم مئة وأربعون شيخاً كبيراً، وأما دراويش الثلاث مئة والستين تكية التابعة لمئة وأربعين شيخاً، فمنهم أتباع السيد أحمد البدوي الذين لا عدد لهم ولا حساب، ويكثر في مصر دراويش الطريقة الأحمدية البدوية، فدراويش الطريقة البرهانية وعددهم الحالي لا يعلمه إلا الله».

المصدر: صحيفة الحياة




المرأة في النموذج الحضاري الإسلامي بين التقليد والحداثة

بقلم: إيمان شمس الدين* —

مقدمة

إن المحنة التي تعيشها أمتنا المعاصرة هي من أشد المحن التي تمر عليها , فبالإضافة إلى ضعفها وبعدها الشديد عن الإسلام وأصالته , جاء الفساد على كل مستوياته كنتيجة طبيعية لهذا البعد لينخر فيما تبقى من جسدها , وللأسف كان العضو الأبرز في هذا الإفساد هو المرأة , حيث استطاعت ما يسمى بالحضارة الغربية من خلال المرأة أن تخترق الأمة الإسلامية لتنشر الفساد وتعم الفوضى على كل مستوياتها الفكرية والإنسانية وغيرها حيث ركز الآخر على بعدها الأنثوي وأهمل البعد الإنساني الذي يشكل أصالتها ويشترك بأرضيته وأبعاده مع البعد الإنساني عند الرجال . ولكن لا نريد هنا أن نلقي باللوم على الحضارة الغربية في عملية الفساد والإفساد, فالمسؤولية موزعة على الجميع , فلماذا تمكن أعداؤنا منا؟ ولماذا لم نحصن نساءنا ضد هذا الوباء الخطير؟ وهل تم تجاهل المرأة أو إهمالها لتصل إلى هذا الوضع الخطير؟ أو هل تم قراءة المرأة دينيا بشكل متشدد مما أدى إلى نفورها؟ وما هو الدور الملقى على عاتقنا جميعا في ظل هذا الانحراف الخطير ؟ هل نقف متفرجين أم ننهض بأنفسنا وفكرنا ونعيد النظر في كثير من مفاهيمنا الدينية التي قد يكون فهمنا لها تأثر بظروف بيئية واجتماعية معينة؟
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لنستقرئ تاريخ المرأة الإنساني في عصور مختلفة.

المرأة في عصر الجاهلية(ما قبل الإسلام):

ينقل لنا التاريخ وقائع كثيرة تحدثت عن الجو العام في عصر الجاهلية ونظرة رجالات ذلك العصر للمرأة وكيفية التعامل معها.ولقد ذكر العلامة السيد الطباطبائي في جملة من أحوال المرأة في المجتمع الإنساني من أدوار مختلفة قبل الإسلام وزمن ظهوره ويستنتج من جميع ذلك ما يلي:

أولا : أنهم كانوا يرونها إنسانا في أفق الحيوان العجم, أو إنسانا ضعيف الإنسانية منحطا لا يؤمن شره وفساده لو أطلق من قيد التبعية , واكتسب الحرية في حياته.

ثانيا: أنهم كانوا يرون وزنها الاجتماعي أنها خارجة من هيكل المجتمع المركب غير داخلة فيه , وإنما كالأسير المسترق الذي هي من توابع المجتمع الغالب , ينتفع من عمله ولا يؤمن كيده على اختلاف المسلكين.

ثالثا: أنهم كانوا يرون حرمانها في عامة الحقوق التي أمكن انتفاعها منها إلا بمقدار يرجع انتفاعها إلى انتفاع الرجال القيمين بأمرها.

رابعا: أن أساس معاملتهم معها فيما عاملوا هو غلبة القوي على الضعيف وبعبارة أخرى قريحة الاستخدام.

هذه نبذة مختصرة عن حياة المرأة في العصر الجاهلي , هذا بالإضافة إلى ظاهرة وأد البنات التي تعتبر انتهاكا صارخا لحق الإنسان الطبيعي في الحياة التي وهبها له الله.
وفي غضون ذلك العصر المظلم وفي ظل هذه العقليات التي لا تحمل في فكرها سوى البطش والظلم والإغارة ظهر نور أضاء ظلمة عاكفة تبدد معها الظلام وانقشع مع صباح قدومه الأبصار وهدمت كل أركان الضلال وهو نور السلامة المحمدية التي جاء بها خير البشر محمد (ص) الذي بعث رحمة للعالمين فكيف كان وضع المرأة في هذه الشريعة الجديدة.

المرأة في الإسلام:

جاء الإسلام ليخاطب إنسانية الإنسان لا جنسه ونوعه وتجلى ذلك واضحا في قول الله تعالى ” إني جاعل في الأرض خليفة” فكان الاستخلاف له دلالات عديدة من ضمنها أن هذه الوظيفة الإلهية أنيطت بالإنسان كإنسان وليس كرجل أو امرأة كما أن الأمانة الإلهية التي عرضت على الجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان بإنسانيته دون النظر لجنسه.
فنرى الإسلام جاء ليخاطب المرأة كخطابه للرجل بل قال أكثر من ذلك,بعد أن كانت ليس لها ملكية ولا حكم على نفسها فقال تعالى : ” للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن” , رفع الإسلام هذا المخلوق المضطهد على مر العصور مكانتها وجعلها عزيزة كريمة ساوى بينها وبين الرجال في الأبعاد الإنسانية ولكن حينما تلبست هذه الإنسانية في أجساد مختلفة في البعد المادي والتركيب الظاهري استدعى ذلك الاختلاف في القوالب اختلافا في الأحكام والوظائف والواجبات تتناسب وأبعاد كل جنس المادية وبما يتلاءم مع هذا القالب.
وهكذا أخذت المرأة تحتل مكانتها الطبيعية في المجتمع الإسلامي ولقد قال العلامة الطباطبائي في ذلك بتصرف : أما الإسلام فلقد أبدع في حقها أمرا ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطنها قاطنوها, وخالفهم جميعا في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها, وألغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملا .
ولقد قال تعالى في مقياس التفاضل بين الناس جميعا ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. فجعل ميزان التفاضل التقوى لا الجنس, ولقد روي الإمام الصادق (ع) أنه قال : ” المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح” (وبذلك أشار الإمام أن الإنسانية في نظر الإسلام لها قيمة وميزان واحد للكرامة بغض النظر عن الجنس والصفات الطبيعية وهذا الميزان هو التقوى وأفضلية العمل الصالح . فمتى ما توفرت التقوى والصلاح كانت الإنسانية أفضل وأكمل فلا المرأة بما هي امرأة تفصل الرجل ولا الرجل بما هو رجل يفضل المرأة.)
” ولقد ساوى الإسلام بينها وبين الرجل من حيث تدبير شئون الحياة بالإرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما يحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لازم البقاء , فلها أن تستقل بالإرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجها كما للرجل ذلك من غير فرق {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } أما التمايز في بعض الأحكام أو الوظائف بينها وبين الرجل فهي ليست من باب الأفضلية فلقد قال تعالى { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم من بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما} يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به الفضل وأن هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها , فلا ينبغي أن يتمناه متمن ومنه ما لم يتعين إلا بعمل عامل كائنا من كان كفضل الإيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنا الدين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”
فالإسلام جعل للمرأة مكانة لم تكن لها من قبل في العصور السابقة له وكما تشير إلى ذلك الشهيدة بنت الهدى” أنه جعلها مهد الحضارات والثقافات فهي المدرسة الأولى في الحياة وهي أحد العنصرين الأساسيين في تكوين المجموعة البشرية فهي مربية الأجيال وهي نقطة انطلاقة المجموعة البشرية وهي المهد الفطري للوليد وصدرها واهب الحياة للجيل لذلك أولاها الإسلام أهمية في شريعته وأحكامه” .

المرأة في الحضارة الغربية:

في العصر الحديث عندما قامت الثورة الفرنسية التي ينظر إليها الأوروبيون على أنها أم الثورات، وأم الحريات؛ حتى أصبحت محل فخر الدول الأوروبية المسيحية، فإنها اعتبرت المرأة إنسانًا قاصرًا لا تستغل بشؤونها إلى أن عدلت تلك القوانين لصالح المرأة وأخذت بعض الحقوق. عقد في فرنسا اجتماع سنة 1586 م ليبحث شأن المرأة، وما إذا كانت تُعدُّ إنساناً أو لا تُعدُّ إنساناً. وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وفي شباط عام 1938 م، صدر قانون يلغي القوانين التي كانت تمنع المرأة الفرنسية من بعض التصرفات المالية، وجاز لها ولأول مرة – في تاريخ المرأة الفرنسية – أن تفتح حساباً جارياً باسمها في المصارف. وفي إنكلترا بقيت النساء حتى السنة 1850م غير معدودات من المواطنين، وظلت المرأة حتى سنة 1882م وليس لها حقوق شخصية، فلا حق لها بالتملك. ولم تُسَوِّ جامعة أكسفورد بين الطالبات والطلاب في الحقوق (في الأندية واتحاد الطلبة) إلا بقرار صدر في 26 تموز 1964م.
“إن قضية المساواة بين الرجل والمرأة لم تأت عقب الثورة الصناعية وحاجة المصانع إلي أيدي عاملة من الجنسين وإنما ترجع بجذورها إلي الثورة الفرنسية 1789 في ظل أجواء تبنتها الثورة عن الحرية والمساواة والإخاء.. حيث شعرت المرأة أنها تعيش في ظلم حقيقي رسمت ملامحه الثقافة السائدة وطبيعة القوانين الجائرة، فطالبت بحقها في توسيع فرص التعليم للمرأة وتحسينها والمساواة في ذلك، والمساواة القانونية في العمل وتولى الوظائف الحكومية ورفعت عدة شعارات منها” إذا كان يحق للمرأة أن ترتقي منصة الإعدام فمن حقها أيضا أن ترتقي المنبر”
وبمثل هذه الشعارات التي اجتاحت دول أوروبا وأمريكا في القرن الثامن عشر، انطلقت الحركة النسائية في أوروبا تطالب بعد أن نزلت إلي ميدان العمل وما صاحبه من تغيرات بتوفير دور للحضانة ورعاية الأطفال والحق في الأجر المتساوي وفي تشريعات تحمي النساء العاملات، وحق الملكية، الطلاق، وحق التعليم العالي وممارسة المهن الطبية وحق الانتخاب والترشيح.
وفي أمريكا عام 1848 عقد في “سينيكا فولز” أول مؤتمر للنساء أعلنت فيه النساء المشاركات عن رغبتهن في تنظيم جهودهن كحركة مجتمعية تسعى للإصلاح الاجتماعي .
وشكلت المطالب الاجتماعية للمرأة أهم ملامح هذه المرحلة ومع هذا استمرت أوضاع المرأة على ما هي عليه وتعنتت الأنظمة الحكومية في الرد علي المطالب الأنثوية حتى ولو كانت عادلة وحقه، حتى بدايات القرن العشرين خاصة مع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى زيادة حجم التواجد النسائي وبدأت كفة الحركات النسائية في الرجحان لصالحها .ومن هنا نجد أن المرأة الأوروبية أظهرت حراكا سياسيا واضحا وكان لها وجودا مؤثرا تجلى في الحربين الكونيتين الأولى والثانية ومارست مصداقا واضحا للمشاركة السياسية من خلال الضغط الشعبي لتحصيل حقوقها وبالتالي أحدثت تغييرا في مسيرتها وإن كانت هذا التغيير سار بشكل بطيء إلا أنها استطاعت أن تحقق لها مكاسب ما كانت لتحلم بها بعد الظلم الذي مورس عليها في ظل الحكم الكنسي ولكن أين وصلت المرأة الأوروبية بعد إعلائها شعار التحرر ومطالبتها بحقوقها والمساواة بين الجنسين ؟
ويقول الكاتب والمفكر مروة أحمد إبراهيم عن وضع المرأة في الغرب الحديث “ويكفي أن نشير إلى أن إحدى السيدات الأمريكيات في 1986 م قد ألفت كتابا أسمته (حياة مهانة: أسطورة تحرير المرأة) واعتمدت في كتابها على إحصائيات دقيقة، حيث أكدت أن الأجر ( الراتب الشهري ) للمرأة في أمريكا لا يزيد على نسبة 64% من أجر الرجل عن العمل المؤدى نفسه، وفي السويد لا تبلغ النسبة إلا 81% فقط، أما عن حوادث الاغتصاب التي نتجت عن حرية المرأة المزعومة، فقد سجلت التقارير أن نسبة إمكان اغتصاب الأنثى في أمريكا من 1: 5، والتقديرات المحافظة من 1: 7، أي أنه على أفضل تقدير فإن واحدة من كل سبع نساء يتعرضن للاغتصاب في أمريكا.
وفي إحصائيات أخرى كان عدد المغتصبات اللاتي سجلن حوادث اغتصاب في الشرطة في عام 1996 م هو 90430 حالة، أما اللاتي لم يسجلن فيقدرن بحوالي 310000 حالة، وسبب عدم الشكوى هو اليأس من إمكان الشرطة أن تساعد أو تعرف، وعدم جدوى التقرير. وفي كندا سجلت 20530 حالة اغتصاب، وليس هناك إحصاء لغير المسجلين، ويوجد في كندا 150 مركزا لمساعدة المغتصبات، وفي استراليا 75 مركزا، وفي نيوزلندا 66 مركزا، وفي إسرائيل سبعة مراكز.
أما عن قتل النساء في الولايات المتحدة؛ فإنه يقتل كل يوم عشر نساء من قبل الزوج أو الصديق، من هذه الحالات 75% يتم القتل بعد أن تترك المرأة صديقها، فينتقم منها بالقتل، أو تطلب الطلاق من زوجها أو تعصيه، وفي روسيا عام 1995 م كانت نصف حالات القتل ضد النساء من قبل أزواجهن أو أصدقائهن، وفي 1993م كان عدد القتلى (14000)، وجرح(54000) جراحات شديدة.
أما عن الملاجئ التي خصصت للنساء المضروبات أو الهاربات من أزواجهن، وهن اللاتي لا يجدن ملجأً عند أهل أو أقارب؛ فيوجد في الولايات المتحدة ( 1400) ملجأ، وفي كندا (400)، وفي ألمانيا (325)، وفي بريطانيا (300)، وفي استراليا (270)، وفي نيوزيلندا (53)، وفي هولندا (40)، وفي أيرلندا (10)، وفي اليابان (5). كما أن دعارة النساء تمثل جانبا كبير الأهمية في اقتصاد بعض الدول ودخلها القومي مثل روسيا، وكوبا… وغيرهما.

وسيلة للضغط السياسي:

وقد كان للحديث عن حقوق المرأة أبعاداً في غاية الخطورة؛ حيث جرى التعامل مع هذه الحقوق على أنها مادة خام يمكن تصنيعها وتحويلها إلى أدوات تتجاوز وظيفتها التقليدية (الدفاع عن المرأة وحريتها) إلى أدوات شديدة الفاعلية في ممارسة الدول الكبرى للإكراه السياسي والاقتصادي على الدول الأخرى؛ وذلك لحمل هذه الدول على قبول شروطها في إدارة سياساتها الخارجية والداخلية، أو في الدعاية الرخيصة ضد ثقافة المجتمعات التي لا تروق للدول أو المنظمات والأحزاب المحتضنة لثقافات مغايرة، ومن تحول جسد المرأة من الاستثمار الاقتصادي إلى الاستثمار السياسي”.
وحول تجاوز المهام المركزية للمرأة, ودورها الحقيقي في البناء الحضاري السليم, وما وقعت فيه أوروبا الحديثة من أخطاء بسبب مبالغتها في تجاوز وظيفة المرأة في الحياة الإنسانية يقول غورباتشوف في البيريسترويكا ما يلي: “لقد قضت الدولة السوفييتية بحزم وبلا هوادة على كل تمييز بحق المرأة مما كان يميز روسيا القيصرية.وهي قد ساوت بينها وبين الرجل من الناحية الاجتماعية وضمنت هذه المساواة بالقانون. نحن نعتز بما قدمته السلطة السوفييتية للنساء: الحق المتساوي مع الرجل في العمل ولا وجود لأية فوارق في الأجور والحماية الاجتماعية. وحصلت المرأة على كل الإمكانيات للحصول على التعليم والترقية والمشاركة في النشاط الاجتماعي والسياسي.ولولا المساهمة النشيطة للمرأة وتفانيها ما كان بإمكانها بناء المجتمع الجديد ولا الصمود في الحرب ضد الفاشية. وببساطة لم يعد للمرأة العاملة في البناء والإنتاج ومجال الخدمات وفي العلوم ولدى تلك الغارقة في العمل الإبداعي,الوقت الكافي للشؤون الأكثر حيوية وهي شؤون الأسرة, وتبين أن مصائب كثيرة ,سواء في مجال تصرف الأطفال والشبيبة أو في مسائل الأخلاق الاجتماعية والتهذيب حتى في الإنتاج مرتبطة بضعف الأواصر العائلية وهبوط مستوى الواجب الأسري.هذه هي المفارقة التي حدثت رغما عن أنه كان لدينا طموح مخلص تم التأكيد على صحته سياسيا بتساوي المرأة مع الرجل في كل شيء.ولكن بدأنا تصحيح هذا التقصير الذي كما لو كان قد أصبح من أفضليات المجتمع, في مسار البيريسترويكا. ولذا تناقش عندنا الآن بحدة ونشاط في الصحافة والمنظمات الاجتماعية بل حتى في كل مكان,في العمل والمنزل,مسألة كيفية استعادة المرأة لوضعها الحقيقي كامرأة”.
وهنا يتضح لنا أن التقدم الذي أنجزته المرأة الغربية في أوروبا الحديثة هو تقدم موهوم في كثير من نواحيه خاصة الإنسانية منها والتي أبعدت المرأة عن دورها الحقيقي وأدخلتها في عالم المساواة مع الرجل والذي تختلف عنه في تركيبتها السيكولوجية والبيولوجية كما أثبتت الدراسات الحديثة حيث أن الأساس في العلاقة بين الرجل والمرأة هو العدالة. ولكن لماذا فشلت المرأة الغربية رغم أنها تحررت من الحكم الأبوي والتسلطي وأصبحت شريكة حقيقية في الدخل القومي الذي يؤثر بشكل إيجابي وكبير على السياسة العامة للدولة.
وبإطلالة على الإيديولوجية الغربية والرؤية الكونية التي تعتمدها في نظرية المعرفة والتي هي الأساس في الفروقات والجدل الفكري العام في العالم ككل.
فنظرية المعرفة التي تعبر عن منظومة الفكر الغربي تعتمد على النظرية الحسية والتجربة والتي تعتبر فيها الحس هو المصدر الرئيسي للمعرفة الإنسانية على مستوى التصور والتجربة على مستوى التصديق,وانطلقت نحو رسم مشروعها الفكري والسياسي ورؤيتها الكونية لتنتهي إلى إيديولوجيا اعتمدتها في منظومتها السياسية ضمن ثالوت (الديمقراطية-الليبرالية-الرأسمالية) مثل الأول نظام الحكم والثاني اعتمد الفرد كأساس للمجتمع أي آمن بأصالة الفرد والثالث النظام الاقتصادي.ولعل ما حرك المجتمع الإنساني نحو التفكير في وضع نظام معرفي ينطلق منه ليحدد إيديولوجيته في هذه الحياة المترامية الأطراف هو السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟
وتصدى الغرب للإجابة عن هذا السؤال بعد مروره في تجربة الحكم الكنسي الذي حكم باسم الدين فقمع الحريات وأنشأ محاكم التفتيش التي تعتبر وصمة عار في جبين العصور الوسطى, لذلك كانت هناك ثورة غربية على كل ما هو ديني وكانت الثورة نتاج ردة فعل لما مارسته الكنيسة على المجتمع الغربي فانطلقت الثورة وتبنت إيديولوجية “أطاح بلون من الظلم في الحياة الاقتصادية وبالحكم الديكتاتوري في الحياة السياسية وبجمود الكنيسة وما إليها في الحياة الفكرية وهيأ مقاليد الحكم والنفوذ لفئة حاكمة جديدة حلت محل السابقين وقامت بنفس دورهم الاجتماعي في أسلوب جديد”
وكان النظام الجديد هو النظام الديمقراطي الرأسمالي والذي قام- كما يقول الشهيد محمد باقر الصدر- على الإيمان بالفرد إيمانا لا حد له, وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل-بصورة طبيعية- مصلحة المجتمع في مختلف الميادين.. وأن فكرة الدولة إنما تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصة,فلا يجوز لها أن تتعدى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها.
ويتلخص النظام الديمقراطي الرأسمالي: في إعلان الحريات الأربع: السياسية, والاقتصادية, والفكرية والشخصية.
ومن وجهة نظرنا نرى أن العالم اتجه نحو الرأسمالية الاقتصادية والتي نعتبرها البوابة التي من خلالها سيطرت القوى الكبرى على العالم وأصبحت الحريات الأخرى فروع لا أصالة لها في المنظومة الغربية الجديدة. لذلك قامت هذه القوى بتسخير كل الطاقات البشرية من الرجال والنساء في عملية الإنتاج.
ولعل الاطلاع على ما يحدث حاليا في الغرب من حراك سياسي- حقوقي- اجتماعي نسائي يدلل على مدى معاناة المرأة الغربية وعدم وصولها إلى الكمال الذي حلمت به بعد الثورة الغربية على الكنيسة وبعد عزل كل ما هو ديني عن الحياة العامة للإنسان الغربي, “فالروائية الإنجليزية فرجينيا وولف (1941) والأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (1986), عالجتا قضايا المرأة وهمومها, وعاشتا مع آلامها وتطلعاتها, وتحدثتا عن إيجاد الطرق الكفيلة بمعالجة الضمير الإنساني ومشكلات الزواج, والسعي نحو الحط من الآخر, والدعوة بشكل صريح إلى المساواة بين المرأة والرجل, فضلا عن إتاحة الخيارات المناسبة والرئيسة للمرأة والتي يجب أن تتصف – حسب دعوتهما- بالخيارات نفسها المتاحة للرجل, وبشكل مستقل عن التحيز الجنسي أو العرقي, وقد أكدت دي بوفوار- في إطار دعوتها إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل- على إلغاء الدعوة إلى (الأنوثة السرمدية Eternal Feminine) التي تشير إلى المعنى المتوارث عن المرأة .
والحقيقة العلمية تؤكد على موضوعية أطروحات وولف ودي بوفوار القاضية بمنح الفرصة للمرأة كي تثبت وجودها وإتاحة المجال لبناء الحضارة بوساطة المشاركة الفاعلة بين الرجل والمرأة, من دون الجنوح إلى فنتازيا تقر بوجود مجتمع رجولي بلا أنثى, أو وجود مجتمع أنثوي بلا رجل, لذلك فالعلاقة الضرورية الواجب توفرها هي علاقة تفاعلية تكاملية وليست علاقة هيمنة أو اتحاد مفتعل”
وقد أشار برنادشو إلى أن وطأة النظام الرأسمالي كانت أشد وأقسى على المرأة منها على الرجل في بعض النواحي, لا سيما الاجتماعية والسياسية.
وقد ذكر الرويلي أن المتتبع للفكر الغربي يدرك أنه فكر استعبد الأنثى وبنى على ذلك مسيرة المعرفة القائمة على الذكور, المؤهلة للقيام بالمسالك المعرفية من دون تأثير عاطفي غير موضوعي, وقد تسنى لتلك المسيرة الكبيرة الخلط بين مفهوم الجنوسة وبين مفهوم التكوين الجنسي للإنسان فالمفهوم الأول يقابل (Gender) وهو مفهوم اجتماعي نفسي, والمفهوم الثاني يقابل (Sex) وهو مفهوم وجودي بيولوجي, وأدى هذا الخلط إلى الاشتباك مع القضايا السياسية وقضايا البناء الاجتماعي, ومفاهيم اجتماعية أخرى وقد قصدت مباحث الجنوسة لإزاحة الأسباب الكامنة وراء الخلط السابق”
ورغم قيام ثورة المثقف الغربي وما ادعاه الرجل المثقف الغربي عن إيمانه بضرورة تحرير المرأة الغربية من استبداد الكنيسة وإعطائها حقوقها ومساواتها بالرجل إلا أن كلمات بعض المفكرين الغربيين بعد الثورة لا تدل أبدا على حقيقة هذا الإيمان أو حتى العمل بهذا الشعار وأن تحرير المرأة ظل شعارا ومازال شعارا لم ينزل إلى الآن إلى مستوى التطبيق الفعلي والعملي.
فعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر “رامان سلدن” أن الرجل هو الأحق في تمثيل الإنسان وليس المرأة وحدد خمسة بؤر للاختلاف الجنسي: (علم الحياة, البيولوجي, الخبرة, الخطاب اللاوعي, الظروف الاجتماعية والاقتصادية) وقد حققت الرجولة هيمنة كاملة على خط سير هذه البؤر على حد قول سلدن.”
لذلك نجد أن الحضارة الغربية رغم تقدمها المادي إلا أنها لم تقدم شيئا جديدا للمرأة على المستوى الإنساني بل بالعكس فالممارسات التعسفية الناتجة عن التمييز الجنسي وعدم الأخذ بمقياس الكفاءة والإبداع كمعايير أولية للتعامل مع الإنسان لا لكونه ذكرا أو أنثى بل لكونه إنسانا يتميز بإبداعات وكفاءة عالية أهلته للتميز فإن ذلك أدى إلى ظهور حركات نسائية ذات فاعلية كبيرة تحت عنوان النقد النسوي (Feminism (Criticism وهو من وجهة نظرنا رد فعل منعكس للممارسات العنصرية ضد المرأة في المجتمع الغربي, وكان الإفراط سمة واضحة في هذا الحراك والذي أدى أيضا إلى ترسيخ فكرة النظر إلى المرأة كجسد وإعطاء هذا الجسد كل الصلاحيات في الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها وبالتالي سقوط المرأة الغربية من جديد في فخ أغرقت فيه نفسها ولم تستطع إيجاد الحل المناسب لتخرج بذاتها الإنسانية وترتقي بها كإنسانة وليس كوجود جسدي.

ولكن ما هو سبب انجذاب البعض لهذه الشعارات هل لأن الإسلام كما يعتقد البعض منهن ظلمهن أو أن العادات والتقاليد التي مورست عليهن باسم الإسلام هي السبب في بعدهن عن الإسلام وهل أن فهم الدين وما نتج عن بعض الفقهاء نتيجة هذا الفهم من أحكام قد تعتبر شديدة في حق المرأة ؟

المرأة في نظر الفقهاء:

لعل السبب في سياق العنوان بهذا الشكل هو غيبة الإمام المعصوم عليه السلام والذي يعتبر لسان الشريعة الناطق بحقائقها الواقعية كما يريدها الله وتصدي فقهاؤنا لهذه العملية التي تعتمد على استنباط الفقيه للأحكام وفق أسس علمية ومنهجية وأصولية ووفق فهمه للنص وقبل الخوض في هذا الموضوع لا بد من مقدمة صغيرة:
” فالشريعة الإسلامية عبارة عن مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزلة على النبي (ص) إضافة إلى سير الأولياء وسننهم , أما المعرفة الدينية فهي فهم الناس المنهجي والمضبوط للشريعة , ولها كما لغيرها من المعارف في مقام التحقق هوية جمعية وجارية. فالمعفرة الدينية كالمعارف الأخرى يمكن ملاحظتها في مقامين:
مقام يجب أو مقام التعريف ومقام يوجد أي مقام التحقق.
في مقام التعريف : المعرفة كاملة وخاصة وصادقة , أي ما يجب أن تكون عليه, أما في مقام التحقق فهي ما أنتجه العلماء وأعلنوا عنه , وهي موضوع التعلم والتعليم وهي ناقصة حتما وكثيرة الأخطاء. فالمعرفة الدينية هي جهد إنساني لفهم الشريعة , مضبوط ومنهجي وجمعي ومتحرك….. فالمعرفة الدينية على الرغم من أنها مبنية على الدين ومرآة له , ولكنها ليست الدين نفسه , فالدين بنظر المؤمنين به, لا تناقض فيه ولا اختلاف أما المعرفة الدينية فتتضمن تناقضا واختلافا , أي أن آراء علماء الدين وفهم المفكرين للنصوص الدينية الكثير من التناقض والاختلاف : في الفقه أو في علم الكلام أ, التفسير أو علم الأخلاق وغير ذلك و فالدين في نظر المؤمنين به حق كله أما المعرفة الدينية فمزيج من الحق والباطل”
.إلا أننا نختلف مع هذه النظرية في إطلاقها للمعرفة الدينية وعدم تخصيصها بمعنى أن فهم الفقهاء في الاحكام الشرعية الفقهية والاصولية وخاصة في الأدلة الظنية هو المعني بقضية فهم الدين وفق خلفية الفقيه البيئية والفكرية.أي أن فهم النص الشرعي يعتمد على عاملي الزمان والمكان وهما الوعاءان اللذان يحتويان المجتمعات الإنسانية وهما عبارة عن مجموع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبيعية ومجموع العادات والتقاليد والأعراف البيئية المحيطة بالنص.إذا ففهم أهل الدين الذي هو محل بحثنا ليس كما أطلقه سروش وإنما محدد في علوم الفقه وأبحاثها.
ومن يقرأ الأحكام الخاصة بالنساء قد يخرج بتصور يشعره بنوع من الغبن في بعض الأحكام إذا ما قارن وضع المرأة في العصر الحالي وقد يثير ذلك تساؤل مفاده هل الإسلام واقعا صرح بذلك أم أن بعض هذه الأحكام هي خلاصة جهد الفقيه لفهمه واستنباطه؟ وهل تأثر فهم الفقيه بالظروف الاجتماعية المحيطة به ؟
“إن الفقهاء لا يزعمون أبدا أن الفقه هو نفس الكتاب والسنة والحقيقة أن هناك إفراطا وتفريطا في كل واحدة من هاتين الرؤيتين , سواء القائلة بأن الفقه هو نفس الكتاب والسنة أو القائلة بالفصل التام بينهما . وهاتان الرؤيتان كلتاهما خاطئتان , وإنما نحن نقول بأن الفقه يستند للكتاب والسنة وهو ليس عينهما والفقيه يؤدي عمله في هذا الإطار… وصحيح أن الظروف الاجتماعية تؤثر في طريقة فهم الفقيه للأمور هذا فيما إذا كان المرء ينظر إلى الفقه من الخارج ولكننا لو سألنا الفقيه ماذا تفعل لقال إنني أبين أحكام كتاب الله وسنة الرسول أي أنه لا يرى لنفسه هوية غير الهوية التي رسمها له الدين ” ويضيف ” إن صور العادات والتقاليد قد تسربت إلى الفقه بالإضافة إلى أن المعرفة الفقهية المنتجة في قضايا المرأة لا تساهم في إنتاجها الأنثى في الغالب,وإنما تصدر عادة عن الرجل , والرجل بطبيعته لا يستطيع أن يتحسس بعمق آلام وآمال النساء وعواطف المرأة مثلما تعيشها المرأة نفسها , كذلك لا يمكن الجزم بعدم انحياز الرجل إلى قضاياه وهمومه سواء كان واعيا لذلك أم لا”
ويذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين بهذا الصدد قائلا ” فقد جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص, من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة,ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة, وقد اعتبروا العرف مرجعا في فهم كثير من النصوص وهو عرف لم يثبت أنه بجميع تفاصيله سائدا في عهد النبي(ص) والأئمة المعصومين (ع) ليصلح مرجعا في فهم النصوص, بل من المعلوم إجمالا في بعض الحالات وتفصيلا في بعض الحالات,أن بعض عناصر هذا العرف تكون من العادات والأعراف الدخيلة المستحدثة التي لم يضعها الشرع وإنما أنتجها الإرث الثقافي الذي تأثرت به المجتمعات الإسلامية نتيجة لتفاعلها مع أهل الأديان والثقافات الأخرى وهذا النوع من الأعراف لا يصلح مرجعا لفهم النص الشرعي” انتهى
ومثالا على ما قاله الشيخ شمس الدين نذكر ما ذكره الشهيد مطهري في كتابه الحجاب ” إن ستر الوجه واليدين إلى الرسغ غير واجب على المرأة, وأضاف أن ظاهرة ستر الوجه التي انتشرت في العهود الأخيرة استحدثت في الفقه , ولم تكن موجودة من قبل وهي من التقاليد الإيرانية التي تسربت إلى الفقه”.
ولكننا لا نستطيع أن نعزي انفصال المرأة عن المجتمع وعزلتها إلى الآراء الفقهية,فالعزلة هي نتاج موروث ثقافي وعادات وتقاليد فرضت في المجتمعات باسم الدين ولا يوجد ما يثبت أن السبب الرئيسي في عزلة المرأة هو أحكام المرأة الفقهية , قد تكون سببا غير مباشر في ذلك ,” لأن بعض المسائل لها حيثيات زمانية ومكانية فبحث الزمان والمكان الذي طرحه الإمام الخميني يحمل بعدين : بعد يتعلق بمن يريد استنباط الحكم وآخر يتعلق بزمن صدور الحديث وأكد بعض الفقهاء كالمرحوم آية الله بروجردي على أننا يجب أن نعرف زمن صدور الحديث لنفقهه بشكل أفضل”.
وللأسف استسلمت المرأة المسلمة لهذا الوضع دون محاولة منها للتغيير والنهوض بمستواها الفكري والديني لتفرض ما يريده الله لا ما تريده العادات والتقاليد التي يرفضها الدين.
بمعنى أن هناك آراء فقهية تخص المرأة يجب إعادة النظر فيها وما يقصد من إعادة النظر كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو أحد أمور ثلاثة :
1. أن يقدم الفقيه لقوله تبريرا معقولا يمكن الدفاع عنه فيكون كلامه مبنيا على قاعدة رصينة فبالأمس كان إصدار الحكم وحده يكفي أما اليوم فلا بد من بيان فلسفته.
2. أن يتمكن الفقيه من تفنيد الشبهات التي تثار بخصوص المسألة
3. أن تتغير نتيجة الاستنباط كليا فمثلا إلى الأمس كانوا يقولون أن بلوغ الفتاة بتمام السنة التاسعة واليوم قد يقولون لا, الملاك هو الحيض أو سن الثالثة عشر, أو أن المرأة يمكن أن تصبح قاضية بعدما كان يقال بأن المرأة لا يمكن أن تصبح قاضية.

وبهذا نرى أن الرأي الفقهي ليس هو عين الكتاب والسنة بل هو رأي مستند إلى الكتاب والسنة وبذلك اشتهر الفقه الشيعي بالاجتهاد وأثبت هذا الفقه أن الدين صالح لكل زمان ومكان.
وما الهجمة الشرسة على الدين ووجود صدى لهذه الهجمة بين صفوف المسلمات باسم المساواة ورفض الاضطهاد الديني كما يقولون هو نتاج بعدنا عن الدين وعن أحكام فقهائنا وعدم معرفتنا لواقع الفقه وعدم اعتناء النساء بفقههن وأحكامهن وبعدهن عن الساحة الفقهية التي قد تكون نتاج التزمت والتشدد باسم الدين.
وما نحتاج له في أحكام المرأة كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو :
1. أن يقوم الفقهاء بعملية نقد لمضمون الحديث أي يعرض الحديث على القرآن والسنة القطعية والواقع الخارجي والعقل القطعي .
2. أن تدرس الأحاديث والسيرة بمجموعها
3. بالإضافة إلى وجوب ملاحظة زمان ومكان صدور الأحاديث والأفعال عن الأئمة عليهم السلام.

ما هو النموذج الحضاري في الإسلام وخاصة حول شخصية المرأة:

هناك عنصران يعتبران من لوازم الاعتقاد بخاتمية الإسلام وخلوده هما الأصالة والخلود.فالأول يؤكد على الحفاظ على الثوابت والقيم وأصالة التشريع والثاني يؤكد على ضرورة طرح الإسلام طرحا آخذا في الحسبان عنصري الزمان والمكان ليحافظ على خلود الإسلام بتشريعاته الأصيلة لكل أمة وجيل وزمن.
ومن الموضوعات التي أحدثت جدليات واسعة في القرون الاخيرة وخاصة القرون الوسطى بعد ثورة التنويريين الغربيين ضد اللاهوت المسيحي المتمثل بالكنيسة ورجالاتها بعد أن مارسوا كل أنواع التعسف والاضطهاد والديكتاتورية باسم الدين هي موضوعة المرأة لأنها العنصر الاكثر فعالية في واقع الحياة والأكثر تضررا واضطهادا وظلما.
وقد نكون إلى الآن في معزل عن تلك الجدليات في مجتمعنا لأننا مازلنا تحت تأثير الرؤية التقليدية الدينية الممتزجة بمجوعة كبيرة من العادات والتقاليد من جهة وبسطوة الرؤية التقليية للمرأة من جهة أخرى.
ولعل المفارقة هنا أن ثقافة التحضر والتمدن ارتبطت قهرا نتيجة العولمة السلبية بتحرر المرأة بطريقة سلبية أيضا ونظر إلى مسألة التحرر والحرية بالنسبة للمرأة من جانبه المادي البحت مركزا في ذلك على تحرر الجسد من كل معوقاته المادية,وأصبحت الحضارة والمدنية في ذهنية الكثيرين ومنهم مثقفين وعلماء مرتبطة بالتحلل من القيم والأخلاق والعفة.
إلا أننا في هذه الإطلالة السريعة نود أن نسلط الضوء على موضوع غاية في الأهمية وهو محور بحث جدي في الحوزة العلمية في قم بين العلماء والمثقفين فيما يتعلق بموضوعة المرأة وهو الرؤية الحضارية الإسلامية للمرأة وشخصيتها وهي رؤية معتدلة نزعت عنها ثوب التقليديين والتجديديين,لأن النظرة التقليدية ضحت بخلود الإسلام في سبيل الحفاظ على الأصالة فيه,بينما يقوم الاتجاه التجديدي بالتخلي عن أصالة التشريع واستمرارها حفاظا على خلود الإسلام.
ولكن كيف ينظر التقليديون لشخصية المرأة وكيف ينظر لها النجديديون وما هي الاسس القائمة عليها رؤية كل جهة؟

1.الاتجاه التقليدي الإسلامي:

وهم مجموعة من العلماء والمتدينين المسلمين الذين عاشوا في القرنين الأخيرين,وحصروا اهتمامهم فقط برفض الثقافة والحضارة الغربية ومحاربتها,وذلك بدافع من غيرتهم على الدين وتمسكهم بالمعارف والأحكام الدينية.
وهم ينظرون لموضوعة المرأة بنظرة جزئية فردية فاقدة لرؤية جامعة ونظرة شمولية منفصلة عن المنظومة الاجتماعية,بل ينظرون للمرأة من وجهة نظر حقوقية تكليفية فردية.

2.الاتجاه التجديدي الإسلامي:

وهم التنويريون الدينيون المطلعون على الحضارة الغربية,فلم يجدوا في ثقافتنا الإسلامية الشائعة في مجتمعاتنا والمختلطة بالعادات والتقاليد ما يستحق القياس والمقارنة مع ذلك الانتاج الغربي العلمي والفني والاجتماعي.والمرأة وفق نظرتهم مشبهة للرجل وأنها في مجال الحياة الأسرية والاجتماعية مفعمة بالرغبات الشخصية,ويستجيب للميول الطبيعية,وتعرف بأنها ذات غاية تنتهي إلى الرفاهية وحقوق المواطنة المتساوية.
ومن الاتجاهين السابقين نلحظ النهج الإفراطي والتفريطي بينهما في رؤية الإسلام للمرأة.

3.الاتجاه الحضاري الإسلامي:

هذا الاتجاه يستطيع الحفاظ على عنصري الاعتقاد بخاتمية الإسلام وهما الخلود والاصالة.فهم يعتقدون بأن الطريق الوحيد للخروج من الاشكالية الحالية في المجتمعات الإسلامية ,يكمن في التحرك في سبيل إيجاد حضارة حديثة ,بحيث تعتمد برامج التنمية والتطوير فيها تعتمد على القيم الإسلامية وتهتدي بهداها.
ومن خلال هذا العرض السريع للأفكار الأساسية لكل مدرسة نستطيع أن نشخص بذور وجذور الفكر المنتج لشخصية المرأة في مجتمعنا,وهي بذور عائدة غلى المدرسة التقليدية التي تنظر للمرأة في إطار الاحكام التكليفية والحقوقية الصرفة والمنحصرة في ازمنة سابقة لا تتناسب وزماننا ومكاننا,بل نستطيع القول أن كثير من الرؤية المرسومة للمرأة هنا تختلط بالعادات والتقاليد البعيدة عن روح الشريعة.
ولعل أبرز الأسئلة التي شكلت جدلية واسعة في الدائرة الاجتماعية في الآونة الأخيرة هي قضية خروج المرأة والعمل,وإلى أي مدى تكون هناك مقبولية اجتماعية لتواجد المرأة خارج منزلها؟ وهل الأساس هو خروج المراة أم جلوسها في المنزل؟
ولو نظرنا إلى واقع المرأة المسلمة وجدنا أن الأسئلة المطروحة تعكس المدى الفكري الضيق الذي تعيش فيه المرأة في مجتمعنا إذا ما قارناها بوضع المرأة في دول أخرى مجاورة تخطت فيه المرأة عتبة هذه الأسئلة وجعلت لها بصمة قوية على واقع الحياة أثبتت فيه جدارتها في تادية دورها الاستخلافي على الأرض.
فالمرأة وجود إنساني أي لها كينونة إنسانية وهذه الكينونة لها دور استخلافي هادف على الأرض,وهذا الدور يهدف إلى بناء صرح اجتماعي قائم على العدالة والقيم والمبادئ الأخلاقية التي تحفظ مسيرة المجتمع التكاملية.
إذا هي إنسانة لها وظيفة استخلافية هادفة وتشخصت هذه الوظيفة أكثر حينما تمايزت في نوعها الجنسي إلى إمرأة فحددت لها الشريعة مجموعة من الوظائف الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان,وتركت تشخيص الوظائف الاخرى لظروف المكان والزمان لها كمكلفة قادرة على تشخيص دورها في مجتعمها والنهوض به وفق قابلياتها واستعداداتها.
فلا نستطيع القول أن المرأة يقتصر دورها فقط على الاسرة ولا نستطيع أيضا أن نقول أن المرأة يجب أن تخرج للعمل الاجتماعي والسياسي.
فالواجب العيني المؤكد هو دورها الأسري الذي إن نهضت به بشكل متكامل بنت مجتمعها بشكل سليم وقدمت له جيلا مؤهلا من الناحية النفسية والاجتماعية والقيمية وهنا يجب عليها أن تمتلك من الادوات ما يؤهلها لهذه الوظيفة الشرعية العظيمة كالعلم والثقافة والمعرفة والخلق والاطلاع الواسع على آخر النظريات التربوية والاجتماعية من اجل أن تعكس ذلك على سلوكها التربوي مع عائلتها لأنها المدرسة التي يتخرج من أحضانها الاجيال,أي أن دورها البيتي لا يسقط عنها ضرورة العلم والتعلم والمعرفة بل هو واجب في هذا العصر من أجل ان تقوم بشكل سليم بواجبها العيني الذي ستسال عنه يوم القيامة.
أما الخروج من المنزل والنهوض بمتطلبات المجتمع وسد الثغرات التي يعاني منها مجتمعها فهي واجب كفائي,فليس كل إمرأة مؤهلة للخروج وممارسة انشطة سياسية واجتماعية واقتصادية,بل الخروج هنا يكون للمؤهلات اللواتي يمتلكن القابلية العلمية والثقافية والدينية من أجل ممارسة دور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مؤهلات تكون كافية لها لكي تشخص حاجة المجتمع وضرورة تواجدها فيه.ولكن هذا لا يعني أبدا أن تجلس المرأة في البيت وتقول أنا غير مؤهلة هروبا منها من تأدية واجبها في الخلافة الإلهية,كما أنه ليس كل إمرأة تستطيع أن تقول أنني مؤهلة للخروج فتخرج ويكون ذلك على حساب بيتها واسرتها. إن المرأة القادرة على الخروج هي المرأة التي تستطيع أن تناغم وتوائم بين عملها وواجبها الاسري وبين واجبها الاجتماعي,وأعتقد أن شخصية الزهراء عليها السلام نموذج يحتذى فيه إذ أنها عاشت التوازن في شخصيتها فكانت الام والزوجة الصالحة وكانت في علاقتها مع الله كاملة وكانت نعم المعين في نصرة الاسلام ومواجهتها للفساد وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.فكل إمرأة قادرة على أن تعيش هذا التوازن وقادرة على أن تنظم وقتها لتنهض بكل مسؤولياتها على أكمل وجه خاصة
في عصرنا هذا الذي بتنا فيه أحوج ما يكون لكل جهد بشري إنساني مخلص لمواجهة رياح العولمة السلبية التي بدات تفتك بأجيالنا ومجتمعاتنا.
والملاحظ في مجتمعنا أن المرأة تحت ذريعة الجلوس في المنزل لا تقبل على العلم والتعلم وإن أقبلت أصبحت في خانة التفريط أو الإفراط وابتعدت عن الروح المعتدلة,أو أنها اهتمت بالماديات والمظاهر تحت ذريعة حسن التبعل للهروب من مسؤولياتها الاستخلافية في مجتمع بدأ يئن تحت سياط الثقافة الغربية والانحلال القيمي والاخلاقي.
وأعتقد جازمة أن المرأة هي محور الإصلاح في الأسرة وفي المجتمع معا فإن هي صلحت وعفت صلح وعف مجتمعها وأسرتها والعكس بالعكس.
ومن هنا علينا أن نقدم نموذج حضاري لشخصية المرأة ودورها في المجتمع من أجل النهوض بمشروع حضاري قادر على أن يواجه الثقافة الانثوية الغربية التي تريد أن تذهب بالمرأة إلى دور وهمي يفسد مجتمعها واسرتها وأعتقد أن المرأة اليوم معنية في مواجهة التقليديين والتجديديين من خلال مثابرتها في إثبات دورها الحضاري الإسلامي في النهوض بالمجتمع وعدم رضاها بوضعها الحالي الذي اختلطت به العادات والتقاليد بالدين اختلاطا وامتزاجا شوها حقيقة شخصية المرأة في الإسلام.

النموذج الحضاري لشخصية المرأة في الإسلام ” رؤية مقترحة “

من واقع الميدان هناك اختراق حقيقي للمرأة وتمييع لهويتها وشخصيتها انعكس كثيرا على البناء الأسري القائم، أو على كيفية تشكيل الأسرة وحدود دور المرأة فيها، هذا فضلا عن الارتفاع الملحوظ لنسب الطلاق في الوطن العربي والإسلامي، وما فعلته العولمة والحداثة من فعلها في العقول وأنماط التفكير خاصة عند المرأة، وماروجت له النسوية العالمية من مفهوم للحرية مغلوط، ومن حقوق للمرأة خرجت عن جادة العدالة تحت ضربات وصرخات المساواة بين المرأة والرجل.

وكان التأثير الثقافي كبيرا جدا، بسبب حالة الإفراط التي تعيشها كثير من المجتمعات وخاصة الخليجية منها، حيث هناك فهم مغلوط لشخصية المرأة ودورها، وهناك طرح فقهي تجزيئي فردي بات اليوم بعيدا إلى حد كبير عن الواقع، بل لا يغطي المرحلة الزمنية ومتطلباتها، وباتت الشبهات كثيرة عجز أمام ضرباتها كثير من العلماء عن تغطيتها نتيجة القراءات القديمة لفقه المرأة وشخصيتها. وهو ما يجعل الساحة مفتوحة أمام كل نظريات الحداثة والنسوية والعولمة وأمام أساليبها التي اخترقت كل البيوت.

لذلك ارتأينا وضع تصور أولي يحاول تصحيح المسار والنهوض بنموذج حضاري إسلامي حول شخصية المرأة، يواكب العصر ولا يتخلى عن الثوابت، وهو ما يتطلب تضافر جهود العلماء حول هذا المشروع والنهوض به.

الرؤية المقترحة:

* المرحلة الاولى:
١. تفكيك البني التحتية في حياة الأئمة وكيفية تعاملهم مع محيطهم النسوي وانتزاع المنهج واعادة بنائه، وجمع الروايات الخاصة بالمرأة ودراسة السند والمتن وعرضها على القرآن، كون كثير من متون الروايات وإن صح سندها فمتنها مخالف لصريح القرآن وقواعده.
٢.استقراء الجزئيات الفقهية الخاصة بالمرأة كموضوع مستقل واستخراج النظرية الفقهية الخاصة بها ليصبح لدينا نظرية فقهية حول المرأة، وليس فقط مجموعة أحكام تنظر للبعد الفردي، هذه النظرية تأخد بالحسبان الزمان والمكان ومقاصد الشريعة. ثم استقراء المنهج القرآني في موضوع المرأة ، بعد ذلك يمكننا الخروج بهيكل عام يوضح شخصية المرأة والنظر للتعارض في هذا الهيكل يساعدنا استكشاف الخلل. لذلك نحن نحتاج متخصصين في الفقه والقرآن والاستقراء ومفكرين.
– ـ اي نتيجة علمية مكينة نخرج بها نحتاج العمل عليها على مستوى الفتوى في كل من النجف وقم.
* المرحلة الثانية:
ـ رسم الهيكل العام بعد انتهاء الاستقراءات والخروج بشكل الهيكل الأخير للنموذج الاسلامي الحضاري لشخصية المرأة في الاسلام.
* المرحلة الثالثة:
-ـ دراسة الهيكل وبناه وتعارضاته واكتشاف الخلل والنقص.
* المرحلة الرابعة:
– ـ تشكيل الرؤية الكاملة لشخصية المرأة في النظرية الاسلامية من نواحي عدة اهمها:

١. هي كذات وكشخصية حقيقية : حقوقها وواجباتها وعلاقتها مع الله ووظيفتها المناطة بها من الله
٢. شخصية حقوقية
ـ كزوجة
-كأم
-كأسرة
– وظيفتها في المجتمع:
١. سياسيا
٢. اقتصاديا
٣. اجتماعيا

٣. حدود ولاية الرجل عليها كفرد وكزوجة وكأم وكناشطة في المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.أي الولاية وفق منظور فقهي اجتماعي وأسري وليس فردي، يحاكي الزمان والمكان.
٤. القيمومة حدودها ،ملابساتها ،فق نفس الشرط السابق في رقم (٣)
٥. الضرب حقيقته وحدوده ضمن منظومة الأسرة الكاملة حقوقيا وليس كمفردة من المفردات.

* المرحلة الخامسة:
– تشكيل غرف فكرية في الخليج والدول العربية لمعرفة خصوصيات كل مجتمع على حدة واشكالياته، وهذا يمكن من خلال مجموعة العلماء المنتشرين والمثقفين والمفكرين النخب.

* المرحلة السادسة:
ـ الخروج بالنظرية كاملة.
* المرحلة السابعة:
ـ عرضها على المرجعيات الدينية والفكرية لتنضيجها.

ـ المرحلة الثامنة:
ورش عمل متنقلة للتعريف والتوعية أو نشرها كمرجعية مستقلة حول المرأة.

قد تتطلب الخطة للتنفيذ من ٥-١٠ سنوات

وهذه الأمور بالطبع بدأت تطرح بين الفقهاء وستكون محور بحث في السنين المقبلة للنهوض بالفقه نهوضا يتناسب مع ما أراده الله في كتابه وسنة نبيه (ص).وكل ما نأمله أن نرى في المستقبل مجتهدات في أحكام النساء في كل مكان ولا يقتصر الأمر على وجودهن في إيران .

نداء وخاتمة:

وسأختم بنداء وجهته الشهيدة بنت الهدى منذ عقدين من الزمن قائلة: وإلى المتزمتين أوجه خطابي: لماذا فرضوا على المرأة قيودا وحدودا لم ينزل الله بها من قرآن؟فالضغط يولد الانفجار والتزمت يدعو إلى النقمة على جميع الأمور حتى الشرعية الضرورية,وقد ينأى بالمرأة عن تعاليم الإسلام الحقيقية لا سيما إذا كانت ناشئة فتية, وفي هذا ما فيه من أخطار تواجه فتياتنا المسلمات.فاسمع يا أخي المسلم ولا تتحكم مع ميولك ولا تندفع وراء أهواءك تحت ستار من الدعوة إلى تطبيق الإسلام فالإسلام سمح وسهل لا يرد للمرأة إلا العزة والكرامة والمكانة اللائقة.
وأوجه ندائي تأكيدا على نداء الشهيدة : إن انحراف فتياتنا وأخواتنا وانبهارهن بالحضارة الغربية وشعاراتها البراقة الكاذبة ما هو إلا نتاج فكر متشدد قامت أسسه على الموروثات والعادات والتقاليد وظهر باسم الدين فانظروا أخوتي ما يريده الله والدين لا ما يريده الناس والعادات والتقاليد البعيدة عن روح الإسلام فرضا الله هو الغاية فإن رضي الناس والله عليك ساخط فهي خسارة الدارين الدنيا والآخرة فإن الله يغضب لاثنين للمرأة والأطفال والمرأة أسيرة الرجل فأحسنوا لأسراكم وكما قال تعالى” وعاشروهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان” , وقال ” ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب”.




هيثم مزاحم يناقش أفكار أحمد القبانجي

حوار: محمد يسري* — في هذا الحوار مع المفكر والأكاديمي اللبناني الدكتور هيثم مزاحم، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، يناقش أفكار المفكر العراقي المعروف أحمد القبانجي:

*ما هو السبب الذي استدعى قبض السلطات الايرانية للقبانجي في 2013

لعل سبب القبض عليه هو أفكاره المخالفة لأصول المذهب الشيعي الاثني عشري والتي تعتبر في نظر علماء الدين الشيعة ارتداداً عن المذهب وتشكيكاً بثوابته الكلامية والعقيدية وشعائره الدينية إضافة إلى معارضته لمبدأ ولاية الفقيه الذي ينظم الحكم الإسلامي في إيران.

*هل يمكن ان نعتبر افكار القبانجي في الفلسفة والعقيدة، افكارا متوافقة مع الفكر الشيعي الإثناعشري، ام انها تمثل تناقضا صارخا معه.

لا تعتبر آراؤه متوافقة البتة مع الفكر الشيعي الاثني عشري كما يعتقد به المسلمون الشيعة اليوم في العقائد الكلامية والأحاديث والفقه والشعائر، بل هي تسعى لنسف هذه الأصول والتشكيك في هذه الثوابت والمسلمات.

*هل يمكن ان نعتبر ان جميع الأحاديث الواردة في كتب الحديث الشيعية المعتبرة صحيحة، ام انها تحتمل النقد والمراجعة وفق اصول منهجية

فقهاء وعلماء الشيعة الاثني عشرية أنفسهم لا يعتبرون أن جميع الأحاديث الواردة في كتبهم هي أحاديث صحيحة ومسندة بل إنهم يضعفون ويرفضون الكثير منها، حتى أنهم يعودون إلى كلام للإمام الصادق أن أنظروا إلى الأحاديث فما توافق منها مع القرآن فخذوه وما تعارض منها فارفضوه.

وهناك اليوم عمل ضخم في إيران لتهذيب كتب الحديث وخصوصاً بحار الأنوار للعلامة المجلسي الذي جمع جميع الروايات بغثها وسمينها من دون تدقيق فيها وفقاً لعلمي الحديث والرجال.

*هل توافق على ما ذهب اليه القبانجي في كتابه المعنون ب خلافة علي بالنص أم بالنصب، من كون امر الخلافة امر دنيوي ولا يتعلق بالدين بتاتا

موضوع خلافة الإمام علي هو موضوع سياسي دنيوي بمعنى أنه انتخب من قبل الناس بعد مقتل الخليفة عثمان وهو رفض تولي الخلافة إلا بعد مطالبة الناس له ومبايعتهم. أما الكلام عن النص على الإمام علي من قبل الله وتعيينه من قبل النبي محمد(ص) في غدير خم كما يعتقد الشيعة فهو موضع خلاف بين السنة والشيعة، حيث يعتقد الشيعة بذلك بحسب أحاديثهم التي تقول بذلك وتفسيرهم لبعض الآيات التي تتحدث عن ولاية علي وذريته ومكانتهم السامية لدى الله، من آية الولاية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) سورة المائدة 55، وآية التطهير – ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ سورة الأحزاب الآية 33، وآية المباهلة وآية القربى وآية إطعام اليتيم والمسكين والأسير الخ إضافة إلى تفسيرهم لكلام النبي في غدير خم واعتباره تولية للإمام علي كخليفة له من بعده. بينما فسر أهل السنة كلام النبي (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه) بأنه يقصد محبة علي وعدم إيذائه.

أما بشأن زعم القبانجي بأن الخلافة دنيوية وليست دينية فهو محل نقاش، فالخلافة هي خلافة للنبي(ص) الذي أقام دولة دينية إسلامية في الجزيرة العربية، والخليفة يقوم مقامه في إدارة هذه الدولة ذات المهمات الدينية من تطبيق الشريعة ونشر الإسلام الخ. طبعاً بالنسبة للسنة فإن مهمة الخليفة هي حراسة الدّين وسياسة الدُّنْيَا كما يقول أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه “الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة”. بينما هي بالنسبة للشيعة الاثني عشرية التي يسمونها إمامة وليس خلافة، مهمة دينية استمراراً للنبوة في تفسير الدين وتأويل القرآن وشرح العقيدة وأحكام الشريعة كون الإمام المعصوم عند الاثني عشرية ملهماً من الله وعنده العلم اللدني، بمعنى استمرار النص برغم انقطاع الوحي. وهذا أساس الخلاف بين السنة والشيعة.

*هل توافق مع ما ذهب اليه القبانجي، من كون دفع الاخماس، ليس له أصل ديني، وانه محض افتراء من المراجع وآيات الله

يستند الشيعة في موضوع الخمس من أرباح المكاسب، وكل ما حصلوا عليه من أموال طيلة سنتهم، إلى الآية 41 من سورة الأنفال ( واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله … )) ولقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (أمركم بأربع : الإيمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدّوا لله خمس ما غنمتم ) (صحيح البخاري : 4/44) . ومعلوم أن الرسول قد خصه الله بالخمس وخص بني هاشم بالخمس تعويضاً لهم على حصارهم الاقتصادي في شعاب مكة لنحو ثلاث سنوات من قبل قريش. لكن هل تنطبق الآية اليوم على جميع المتحدرين من بني هاشم من المستحقين؟ لا شك أن ذلك موضع جدل بخاصة أن بعض مثقفي الشيعة المتنورين يرفضون هذا التمييز بين السادة أي الهاشميين المتحدرين من نسل النبي، مع صعوبة تحديد جميع هؤلاء اليوم خاصة أن من يزعمون ذلك عددهم بالملايين، وبين ما يسمونه بالعامة أي عامة المسلمين. فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

*هل توافق القبانجي فيما ذهب إليه من كون معظم الشعائر الحسينية الجسدية، مثل التطبير، ما هي الا عادات اجتماعية لا علاقة لها بالدين

طبعاً موضوع التطبير دخيل على المذهب الشيعي وهو دخل خلال عهد الصفويين تاثراً ببعض العادات الهندية غير الإسلامية، والكثير من فقهاء الشيعة سابقاً واليوم يحرمون التطبير وينهون عنه لما يحتويه من احتمال إيذاء النفس أو هتك حرمة المذهب.

*ما رأيك فيما ذهب إليه القبانجي، من نفي صفة الشرعية التي وقعت في عهد الدولة الراشدة، وان تلك الفتوحات ما هي الا محض عدوان وغزو

موضوع الفتوحات الإسلامية موضوع إشكالي يحتاج إلى بحث تاريخي وفقهي ودراسة لموضوع الجهاد في الإسلام هل هو جهاد دفاعي أو ابتدائي. فالشيعة يذهبون إلى أنه فقط الإمام المعصوم يحق له بإعلان الجهاد الابتدائي بمعنى غزو قوم أو دولة أخرى من دون أن تكون هذه الدولة قد اعتدت على المسلمين. لكن الكثير من الفتوحات اللتي سميت اسلامية كانت بغرض التوسع والغنائم وجمع الثروات إلى حد أن بعض ولاة المسلمين رفضوا دخول بعض سكان هذه الأراضي المفتوحة الإسلام حتى لا يعفوهم من دفع الجزية، ففضلوا بقاءهم على ديانتهم بدل إسلامهم لاسباب نفعية اقتصادية.

*ما رأيك في التفسيرات والتأويلات الرمزية التي يتناول بها القبانجي القصص القرآني، واعتباره ان تلك القصص ما هي الا رموز واشارات غير حقيقية

القبانجي يشكك في أصل القرآن ومصدره وكونه وحياً أوحي إلى النبي محمد وبالتالي يشكك في إعجازه اللغوي، وهو ما يطرح سؤالاً ملحاً إن كان لا يؤمن بالقرآن والوحي والتشيع فلماذا لا يزال يصر على ارتداء اللباس الديني وبخاصة لباس رجال الدين السادة الهاشميين لدى الشيعة. فهل يعتبر أن ذلك يعطيه حصانة ومصداقية لدى مستمعيه؟

أما موضوع التأويلات الرمزية للقصص القرآني فهو دينياً مرفوض وهو مخالف لتفسير القرآن والروايات المنقولة عن الرسول والأئمة والصحابة. لكن من الناحية الفلسفية والفكرية قد يذهب بعض الفلاسفة والمفكرين إلى بعض هذه التأويلات والتفسيرات، وليس لدي اعتراض على إعمال العقل في أي موضوع بناء على مناهج علمية موضوعية سليمة.




التصوف الأكبري: ابن عربي– التاريخ- النص

يأتي كتاب المسبار «التصوف الأكبري: ابن عربي– التاريخ- النص» (الكتاب الحادي والثلاثون بعد المئة، نوفمبر (تشرين الثاني) 2017) استكمالاً لاهتمام المركز بدراسات التصوف والإسلام الشعبي والتدين التقليدي والموازي، وللبحث داخل تراث المجتمعات والجمعيات المسلمة، وتاريخ أفكارها الشعبية والرسمية. ولا يمكن إكمال دراسة الإسلام الموازي والتدين التقليدي والتصوف في نسخته البكتاشية أو المولوية، دون المرور على تأثير ابن عربي ومدرسته السلوكية والفلسفية، وتأثيره على الصعد الفكرية والثقافية.

يعاد تسويق محيي الدين بن العربي ضمن جهود محاولة إعادة الإنسان إلى إنسانيته في ظل عصر بات يُسجل «انهيارات مفاجئة» في العلاقات الإنسانية، القائم بعضها على التآخي والتعاضد وملاقاة الآخر والمحبة والغيرية واحتضان الغريب؛ وهذه علاقات بتنا نفتقدها في عصرنا الراهن، ويراهن البعض على أن مثل هذا التراث الموجود والمستعاد يعيدنا إليها، مما يساعدنا على اكتساب «هويتنا» بالانفتاح الداخلي والخارجي معاً. وتعتمد هذه الطروحات على مفاهيم التسامح والغيرية. ولكن ما يلفت إليه الكتاب، هو تعزيز «الخيال» وتوظيفه لابتداع نصوص ومعانٍ «تصالحية» تعتمد على تسوية وتنازل، لتشكل عالم البرزخ الذي يتوسّط المثال والواقع. تفتح هذه المعاني البلاغية باباً لتغذية الخيال الاجتماعي والسياسي والديني، ليصبح أقوى من أن تعتقله المعاني الجامدة للنصوص. فابن عربي بكل باطنية أفكاره، يعتمد على ظاهر النص لإثبات أن النص الظاهر قادر، إذا أجيد استخدامه، على فتح أبواب غائبة، وبذلك هو يتجاوز المعالجة التقليدية للنصوص، وتتعزز أهمية الإضاءة على أبعادها وتطبيقاتها في الزمان الحديث.

تأثير ابن عربي على التصوف الطرقي يبدو في أوراده التي تمتلئ بها كتب المتصوفة، وتأثيره على التصوف الفلسفي وتأثره به، قطبا رحى يحركان بوصلة الدراسات عن ابن عربي وطريقته. ولكن قدرته على تفجير معانٍ متباينة للحب، والتسامح، والمعرفة، واللغة هي ما أعادت الأهمية لاكتشاف تراثه وفتوحاته المتنقلة بين الدين والأدب والعرفان والفلسفة.

حينما قام الإخوان المسلمون في مصر، بالدعوة لحرق كتاب الفتوحات المكية، في القرن الماضي، لم يكن ضيقهم من علم الشيخ الأكبر ينبع إلا من إدراكهم أنّ تعزيز مفهوم «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق»، وأن «تحرير الروح» من سطوة «الهوى»، يصقلان صفحة القلب من الصدأ. وهو يلغي احتكار الحقيقة والخلاص والتمثيل المطلق عن أي حزب أو جماعة. ولدواعي الإنصاف فإنّ تتبع هجوم ابن تيمية وتاج الدين البقاعي، وغيرهما ينبغي ربطهما بالسياق ذاته. فدرس الكتاب الاستشكالات المتصلة بابن عربي فكراً وتاريخًا في ثنايا الدراسات.

توخى الكتاب الإضاءة على المعاني العامة في تصوف محيي الدين بن عربي، وممارساته اللغوية والبيانية، ومن بينها قوله في «أرض الحقيقة» أو الأرض الواسعة التي هي مما تبقى من طينة آدم. لقد تأثر النص الصوفي المنثور والمقفى؛ العربي والفارسي بابن عربي، كما يتبدى في مثنوي جلال الدين الرومي وأشعار الجامي، الذي وصفته إحدى دراسات الكتاب بأنه «خاتم الشعراء». وعالج الكتاب موضوعات أخرى على اتساق بابن عربي من بينها: إشكاليات لغته ومضمون نصوصه والرموز المحيطة بها؛ ابن عربي والطريقة الشاذلية، وابن عربي في دراسات أبي العلا عفيفي، وعثمان يحيى. إن الاهتمام البحثي بالشيخ الأكبر لم يقتصر على الباحثين العرب، فقد اكتسب حضوراً معرفياً عالمياً حظي به بسبب فرادة أفكاره وإنتاجه وانفتاحه على العالم وروحيته المكثفة، وقدراته الإبداعية ومواهبه الخلاقة.

إن نظرية المعرفة (العقلية والذوقية) عند ابن عربي تقوم على خصائص وآليات محددة، و«أهم ما يميزها هو كونها تعتمد على الإدراك المباشر للحقيقة في جوهرها، وإذا كانت الحقيقة هي موضوعها الأول والأخير، فهي متماهية معه ومتطابقة تطابقاً ذاتياً مع موضوعها. فالعارف يتحقق عبر هذه المعرفة من طبيعة الحقيقة في ذاتها. فالذوق موضوعه الحقيقة ذاتها، ولذلك يعرف ابن عربي الذوق بأنه «الشهود المباشر للحقائق». وتستند آليات نظرية المعرفة إلى جملة من الوظائف: وظيفة القلب، وظيفة الخيال والتي تتضمن بدورها: عين البصيرة، العقل الجزئي، عين اليقين، نور اليقين؛ يضاف إليها المعاريج الثلاثة يفضي بعضها إلى بعض.

تناولت إحدى الدراسات حديث الشيخ الأكبر عن الفلسفة حيث «يميز بين حكمة «الفلاسفة» وحكمة «أهل الذوق» وذلك من خلال كيفيات إدراك «المفصل مجملاً» و«المجمل مفصلاً»: فأهل الحكمة الفلسفية يقفون عند معرفة «المجمل مفصلاً» وأما أهل الذوق فيتخطون ذلك إلى معرفة «المفصل مجملاً». يقول ابن عربي: «وأما الحكماء -أعني الفلاسفة- فإن الحكمة عندهم عارية، فإنهم لا يعلمون التفصيل في الإجمال، وصورة ذلك -كما يراه صاحب هذا المقام الذي أعطاه الله الحكمة التي هي عنده عناية إلهية، وهي عند الحق تعيين الأرواح الجزئية المنفوخة في الأجسام المسوّاة المعدلة من الطبيعة العنصرية، من الروح الكل المضاف إليه. ولذلك ذكر أنه خلقها قبل الأجسام، أي قدرها وعينها، لكل جسم وصورة روحها المدبر لها، الموجود بالقوة في هذا الروح الكل المضاف إليه، فيظهر ذلك في التفصيل بالفعل عند النفخ، وذلك هو النفس الرحماني لصاحب الكشف».

المصدر: موقع المسبار




محو العصبيّة قبل محو الأمّية

د. رفيف رضا صيداوي* — إنّ محو العصبيّة في مجتمعاتنا العربيّة يأتي كضرورة قبل محو الأمّيّة، إذ ماذا ينفع أن يكون المجتمع متعلّماً في حين أنّ سلوكه الحياتيّ متخلّف ورجعيّ؟ سؤال طرحه الباحث اللّبنانيّ فردريك معتوق في كتابه “صدام العصبيّات العربيّة”، الصادر حديثاً عن منتدى المعارف في بيروت، من ضمن سلسلة اجتماعيّات عربيّة.

حاز مفهوم العصبيّة – ولا يزال– على اهتمام المفكّرين والباحثين العرب والأجانب، ذلك أنّ العصبيّة شكّلت الرابطة الأولى التي عاضدت الكائن البشريّ منذ ظهوره على الأرض، بوصفها رابطة دمّ تَجمع أهل العَصَبَة الواحدة، وتشكِّل ظاهرة إنسانية كَونيّة، تدخل في صُلْبِ اهتمام العلوم الإنسانيّة المُعاصرة. وإذ اشتهر ابن خلدون بمُقارَبة مسألة العصبيّة في المجتمع القبليّ الإسلاميّ مقاربةً ديالكتيكيّة جدليّة بعبارات اليوم، مُحدِثاً بذلك ثورة منهجيّة في النّظرة إلى التاريخ، وممثِّلاً أيضاً على حدّ تعبير المفكّر علي أومليل، “أكثر من غيره العنصر العصريّ في الثقافة التقليدية”(الخطاب التاريخي دراسة لمنهجية ابن خلدون، 2008)، فذلك أنّه جعل التاريخ “خبراً عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالَم”- أي تاريخ هذا العمران نفسه– والذي يقضي من جهة، بوجود وازع يدفع البشر بعضَهم عن بعض، “فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهِم الغَلَبةُ والسلطانُ واليدُ القاهرةُ؛ حتى لا يصلَ أحدٌ إلى غيره بعدوانٍ؛ وهذا هو معنى المُلك” (“في العمران البشري على الجملة”، الباب الأوّل من الكِتاب الأوّل من المقدّمة)؛ كما يقضي هذا العمران أو اجتماع البشر من جهة ثانية، بوجود العصبيّة، لأنّ الوجودَ وحياةَ البشر قد تَتِمُّ “بما يَفرِضُهُ الحاكِمُ لنفسه، أو بالعصبيّةِ التي يقتدرُ بها على قَهْرِهِم وحَمْلِهِم على جادَّته” (المرجع السابق نفسه). فالمُلك والعصبيّة، والتغلّب والدولة، “مفاهيم” مترابطة من ضمن نظريّة ابن خلدون في العمران وقوانينه، بحيث يحصل المُلك بالتغلّب، ولا يقوم هذا المُلك والدولة إلّا “بالقَبيل والعصبيّة” و”التعصّب للنسب” (لأنّ العصبيّة إنّما تكون بالالتحام بالنسب) و”الشرف” و”الدّين”( راجع مقدّمة ابن خلدون، الفصل 13 من الباب الثاني من الكتاب الأوّل: “في أنّ البيت والشرف بالأصالة والحقيقة لأهل العصبيّة ويكون لغيرهم بالمجاز والشبه”).

ما يعني أنّ ثورة ابن خلدون المعرفيّة والمنهجيّة في دراسة التاريخ أفضت إلى أن يصبح العمران البشريّ هو الموضوع الجديد لعِلم التاريخ، على “أساس واقعة اجتماعية، كانت طاغية ملموسة في عصره، واقعة الرابطة العصبيّة” (محمّد عابد الجابري، العصبيّة والدولة).

هكذا، استند فردريك معتوق في كِتابه الجديد إلى مفهوم العصبيّة الخلدوني، ليس من منطلق إعادة قراءة هذا الفيلسوف بعَين الحاضر، وما يستتبع ذلك من إسقاطٍ للماضي على الحاضر، بل للتأسيس على جدليّة الصراع العصبيّ الخلدونيّة كقوّة محرّكة للأحداث والتاريخ، من دون أن تكون العصبيّة تلك عند معتوق ذات بُعد قبليّ أو بدويّ، لكونها من منظوره السوسيو– معرفي “بنية من آليّات التفكير والتخطيط والسلوك، لا مجرّد حالة تاريخيّة مضى عليها الزمن فتخطّاها المدلول”، ولكون العصبيّة أيضاً مفهوماً “تركيبيّاً” و”ذهنيّاً” قابلاً “لإخضاع نفسه لعمليّات إعادة هيكلة بحسب الحاجة الموضوعيّة للجماعة التي تعتمده”، فضلاً عن تمتّعه “بمرونةResilience بنيويّة، بقائيّة(…) تسمح له، بل تفرض عليه، التآلف الدائم مع كلّ جديد”. فلو كان معتوق قد ماثل أو طابق مُماثَلةً أو مُطابقةً ميكانيكيةً بين الماضي والحاضر بالاستناد إلى جدليّة العصبيّة عند ابن خلدون فحسب، لما كان التقط التواصل القائم بين البنية المعرفية في القرن الرابع عشر الميلادي وتلك القائمة اليوم. حيث إنّ العصبيّة ببُعدها القبلي لدى ابن خلدون مُعزَّزة بالبداوة، ووجود البدو” متقدّم على وجود المُدن والأمصار وأصلٌ لها، بما أنّ وجود المُدن والأمصار من عوائدِ الترفِ والدَعَةِ، وحيث إنّ عمر الدولة مشروط بقوّة العصبيّة: لا يعدو عمر الدول في الغالب الأجيال الثلاثة على حدّ تعبير ابن خلدون، يكون الجيل الأوّل فيها على خلق البداوة وخشونتها وتوحّشها… فيما يتحوّل الجيل الثاني من البداوة إلى الحضارة ومن الشَظف إلى الترف… فتتكسر سَورة العصبيّة بعض الشيء.. أمّا الجيل الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة ويفقد حلاوة العزّ والعصبيّة… ويبلغ الترف غاياته… وتسقط العصبيّة بالجملة (المقدّمة، الفصل 14 من الباب الثالث من الكتاب الأوّل: “في أنّ الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص”). في حين أنّ مجتمعاتنا اليوم بلغت شوطاً في الحضارة تبطل معه نظريّة العصبيّة الخلدونيّة المحرّكة للتاريخ. لكنّ مقاربة العصبيّة كمنظومة فكريّة حيّة ومتحرّكة، سمحت لمعتوق باختبارها سوسيولوجيّاً، والنفاذ إلى جوهرها مُماثِلاً بين رجال العصبيّة في البنى القبليّة التقليدية ورجالات اليوم وهُم: أصحاب الشوكة في العشائر، أصحاب الكلمة في العائلات السياسية، رؤساء الأحزاب الطائفية، أرباب الطوائف الدينية ورموزها، لكونهم كلّهم أصحاب قرار في بيئاتهم.

لبنان كحقل اختبارٍ سوسيولوجيّ

بعد قيامه بتأصيل مفهوم العصبيّة إبيستمولوجياً والكشف عن موقعه في تاريخ البنية المعرفية البشرية، درس معتوق العصبيّة سوسيولوجيّاً، كاشفاً وموضِحاً أبعادها في الثقافة العربية الماضية والحاضرة، فضلاً عن ديمومتها في الواقع الاجتماعي اللّبناني والعربي العامّ ومقاومتها للتغيير الفكري والثقافي، مرتكزاً بذلك على تجلّياتها الميدانية في الفضاء العربيّ بعامّة واللّبناني بخاصّة الذي شكّل حقل اختبار عبر بحثَين سوسيولوجيَّين قاما في مدينة طرابلس، أحدهما للباحث الفرنسي ميشال سورا، وُضع في منصف ثمانينيّات القرن الماضي، والثاني للمؤلّف نفسه أي فردريك معتوق، أُنجز سنة 2016. وما نجاحه في الذهاب هذا المذهب إلّا لكونه درس العصبيّة كتعبيرٍ عن حالة اجتماعيّة زمنية متحوّلة وليس انطلاقاً من كونها مفهوماً ساكناً. وهو ما أتاح له رصد تغيّر العصبيّة زمنيّاً بفعل التطوّر الاجتماعي الذي طاول مرتكزاتها، وما نتج عن ذلك من إخفاقٍ في التغلّب على “الهابيتوس” العصبي الكامن في المجتمعات العربية كافّة، وفي مختلف نخبها المُفترض أنّها نخبٌ غير تقليدية، مثل القوى والأحزاب الاشتراكية والشيوعية والقومية والتقدّمية…إلخ.

يستند معتوق إلى ما بيّنه ابن خلدون في “أنّ استدراج العقيدة الدينية إلى حلبة الصراع السياسي جاء نفعيّاً وعصبيّاً على حدّ سواء، حيث كانت تتعامل القبائل مع المسألة الدينيّة كمتغيّرٍ تابعٍ لقرارها لا كمتغيّرٍ مستقلّ”. أمّا في مجتمعاتنا المُعاصرة، فقد “تحضَّرت العَصَبَةُ وتَعصْرَنت، وبات مظهرها العصبيّ الحالي يكاد لا يوحي بوجودها. غير أنّ تمويه العصبيّات جعلها أكثر استبطاناً لجوهرها وأكثر مكراً في تعاملها مع الآخر، حيث تحاول أن تخفي انتماءها العضوي الدفين؛ خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالأحزاب السياسية الطائفية التي يحاول قادتها ومسؤولوها رفع سقف الكلام “الديمقراطي” و”التقدّمي، تمويهاً لخيارهم العصبي الجوهري.

ولئن كان دَور العصبيّة يتمحور “حول بناء هويّتها الخاصّة والمستقلّة كما في المحافظة عليها نقيّة وصافية وسرمديّة”، فإنّ وظيفتها الأولى هي صناعة العدوّ لأنّ هذه الصناعة هي التي تعزّز هذا الدَّور بشكلٍ رئيس. وقد بيّنت المقابلات الميدانيّة في بحث فردريك معتوق، السابق ذكره والعائد إلى العام 2016، كيف نجحت العصبيّة في لبنان في إنجاز دَورِها هذا عبر: تعزيز انطواء الجماعة على نفسها، منع تبلّر المُعارضات الداخلية، تشييد جنّة العصبيّة، عسْكَرة تفكير أهل العصبة. ولئن برزت تجلّيات هذا الدور من خلال البحثَين السوسيولوجيَّين الميدانيّين، فلأنّ هذه التجلّيات أظهرتها طرائق تفكير الجماعات الطائفيّة في لبنان، التي تدعمها أو تغذّيها العصبيّة الخلدونيّة المستندة إلى ثلاثيّة الوظيفة الخلدونيّة، أي “النعرة، والتذامر، والاستماتة”؛ فداعش مثلاً في الحالة العربيّة هي أقصى ما يمكن أن تبلغه عصبيّة لكونها صاحبة مشروع سياسي يقوم على نظرية دينية ومذهبية، وقد استولت على السلطة بالغُلب، و بالاستناد إلى النعرة (المذهبيّة) والتّذامر (الدينيّ) والاستماتة (العسكريّة).

ففي مُعادلة الغُلب المتحرّكة لابن خلدون، بإمكان العصبيّة، كرابطة رحم ودم، “أن تحوِّل هذه الرابطة إلى رابطة دم ودين عندما ترى مصلحة سياسية لها في الأمر. كما بإمكانها خلع هذه الصيغة عنها عندما تشاء” لأنّ العصبيّة لا تتوقّف عن اعتبار نفسها هي الأصل وهي صاحبة القرار. هذا مع ضرورة الإشارة إلى أنّ النسب عند ابن خلدون– على حدّ تعبير الجابري في كتابه المذكور آنفاً (أي كِتاب العصبيّة والدولة) “لا يعني ضرورةً القرابةَ الدمويّة، بل إنّه فقط العلامة المميّزة للجماعة (…) أمّا العصبيّة، التي يقول عنها إنّها ثمرة النسب، فهي في الحقيقة ثمرة الانتساب إلى عصبة معيّنة تتميّز عن غيرها من العصبات، بتلك العلامة المميّزة: النسب، ومن هنا كان تعصّب الفرد لعَصَبَتِهِ إنّما يرجع إلى الأُلْفَة وطول المعاشرة وما ينتج عن ذلك من تشبّعه بعاداتها وتقاليدها، وبالروح الجمعيّة السائدة فيها، ومن ارتباط مصلحته بمصلحتها ووجوده بوجودها”.

العصبيّة في لبنان تقوم في الوقت الراهن على انتماء ديني ومذهبي، والعصبيّة المذهبيّة هذه أشدّ قوّة وتجذّراً من العصبيّة الدينية لكونها تستفيد من روابط الدمّ والدّين والمذهب، فيما تستفيد العصبيّة الدينيّة من الرابطَين الأوّلَين فقط (أي الدمّ والدّين). وبموازاة دولة المُلك الخلدونيّة الناتجة عن تغلّب عصبيّة على أخرى وبلوغها السلطة، “فيما تلك التي هي خارج الحُكم تنتظر اللّحظة المُناسبة للحلول مكانها”، فإنّ دولة العصبيّة المُعاصرة والرّاهنة في الشرق الأوسط والعالَم العربيّ تقوم على مكوّنات عصبيّة يكون العقد الاجتماعي فيها محكوماً بقانون الغُلب العصبيّ، أو بمُعادَلة اللّاغالب والّلامغلوب، ما يشكّل تهديداً دائماً للدولة.

خلاصة الأمر إنّ العصبيّة لا زالت حيّةً وكامنةً في مجتمعاتِنا، لا بل إنّها تعيق كلّ عمليّة تغيير فكري وثقافي حقيقيّ، وإنّ دراسة فردريك معتوق لم تعمل على تقصّي تلك العصبيّة ومعالِمها وطبيعتِها فحسب، بل أشارت إلى “تمدُّدِها الجذموريّ” Rhizomatic في مناحي الحياة السياسية والاجتماعية كلّها، من تقليديّة أو مُستحدَثة؛ حيث يحيل مصطلح “جذموريّ” إلى نموذجٍ وصفيّ وإبستيمولوجيّ في الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة، لا يخضع تنظيم العناصر فيه لأيّ تراتبيّة أو لتبعيّة أيّ عنصر للآخر، بل تتمدّد العناصر جذموريّاً مثل الأعشاب وباتّجاهات متعدّدة وتنبت بنفسها من دون حاجة إلى يد تنقلها. ومن هنا دعوة المؤلّف إلى محو العصبيّة قبل محو الأمّية كبنْدٍ أساس من بنود تشكيل “أنموذج إرشاديّ جديد”.

المصدر: مؤسّسة الفكر العربيّ




تطوّر التصوّف الإسلامي من الزهد إلى وحدة الوجود

بقلم: د. هيثم مزاحم — إختلف الباحثون في أصل كلمة “تصوّف”. فذهب البعض إلى أنها مشتقة من مصدر الفعل “تصوّف” للدلالة على لبس الصوف، في محاولة لعيش حياة زهد وتنسك فأطلق عليهم الصوفية. وذهب البعض الآخر إلى أن الصوفية نسبة إلى أهل الصفة”، وهم فرق من النساك كانوا يجلسون فوق دكة المسجد في المدينة في عهد النبي، أو أنهم كانوا في الصف الأول من صفوف المسلمين في الصلاة. أما البعض فقد نسب الصوفية إلى الكلمة اليونانية “سوفوس” أو ثيوسوفياTheosophia وهي تعني حكمة الله وتتضمن العلوم، والفلسفة والدين. لكن المستشرق الألماني نولدكه رفض هذا القول مبيناً أن السين اليونانية تكتب باطراد في العربية سيناً لا صاداً، وأن ليس في اللغة الآرامية كلمة متوسطة للانتقال من “سوفوس” اليونانية إلى “صوفي” العربية.
يقول المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون إن لفظ “الصوفي” ورد لأول مرة في التاريخالإسلامي في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، إذ نعت به جابر بن حيّان، وهو عالم الكيمياء المعروف من الكوفة، وكان تلميذ الإمام جعفر الصادق، وكان له في الزهد مذهب خاص. أما صيغة الجمع “الصوفية” فقد ظهرت عام 199ه(814م) في خبر الفتنة التي قامت في الإسطندرية، وكانت تدل على مذهب من مذاهب التصوّف الإسلامي، نشأ في الكوفة، وكان ذا اتجاه شيعي، وكان “عبدك الصوفي” آخر أئمته، وكان لا يأكل اللحم، وتوفي في بغداد عام 210ه(825م).
والعلاقة بين التصوّف والتشيّع قديمة كتب عنها دراسات عدة أبرزها كتاب “الصلة بين التصوّف والتشيّع” للباحث المصري الدكتور كامل مصطفى الشيبي، التي نشرت في الستينات من القرن الماضي. ولعل منشأ هذه الصلة هو ما عرف عنه الإمام علي بن أبي طالب من زهد وعرفان وانقطاع إلى الله تعالى، فأصبح قدوة للسالكين من الزهاد والأتقياء والمتصوفة، من أصحاب الرسول محمد(ص) والتابعين إلى يومنا هذا، من أئمة التصوّف سنّة وشيعة.
وبرغم كون رسول الله(ص) هو العارف الأول والأكبر، قد عرف عنه الزهد والتحنث في غار حراء والانقطاع إلى الله تعالى، قبل نزول الوحي وبعده وخلاله، إلا أنه رفض التصوّف على طريقة الرهبنة البوذية أو الهندوسية أو المسيحية، ونقل عنه قوله “لا رهبانية في الإسلام”. ويذهب المستشرق النمسوي ألويس شبرنغرsprenger إلى أن هذا الحديث موضوع في القرن الثالث الهجري لتدعيم تفسير جديد للآية 27 من سورة الحديد التي ورد فيها ذكر الرهبانية. تقول الآية: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
لكن الآية واضحة في وصف الرهبانية بأنها من ابتداع النصارى، وأنهم انحرفوا فيها. ولعل الآية(28) التي تليها من سورة الحديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، تظهر أن تقوى الله والإيمان بالإسلام والرسول محمد(ص) هي السبيل العرفاني الصحيح للحصول على رضوان الله وأجره وهدايته وغفرانه.
كان التصوّف في أول عهده يدور حول أمرين: الأول هو أن العكوف على العبادة يولّد في النفس حقاق روحية، والثاني أن علم القلوب يفيض على النفس معرفة تقرّب من الله، فالمعرفة تولّد الحب والقرب.
لم يكن المتصوّفة الأوائل يتوقعون الاصطدام بعامة المسلمين، وهم جنحوا إلى العزلة والزهد تقرباً إلى الله تعالى، في رغبة منهم في الكشف عن الله بأي وسيلة، وخاصة بتصفية القلب من كل شاغل. وهذا ما نلمسه في سيرة الحسن البصري( 21- 110ه) وعظاته وعبره، وفي كتابي المتصوفين الكبيرين الحارث المحاسبي(170 – 243ه)، “الوصايا”، والإمام أبي حامد الغزالي(450 – 505ه)، “المنقذ من الضلال”.
يرى المستشرق ماسينيون أن الخوارج كانت أولى الفرق التي أظهرت عدوانها للصوفية، وذلك بادٍ في ما وقع للحسن البصري. كما عارضت فئات كبرى من المذاهب الأخرى السنة والإمامية والزيدية التصوّف لأنه يستحدث بين المؤمنين ضرباً من الشذوذ، خصوصاً نزوعهم نحو بعض الاعتقادات التي تقول بالحلول ووحدة الوجود، أو انصرافهم عن بعض مظاهر العبادة وإهمالهم للفرائض. وقد ذهب المعتزلة والظاهرية إلى استنكار قول المتصوّفة بعشق الله، لأنه يقوم نظرياً على التشبيه، وعملياً على الملامسة والحلول.
ولا شك أن بعض المقاربات للتصوّف أنذاك كانت تبسيطية وظالمة ومجحفة، فأخرج بعض المتصوّفين من الإيمان، وتم تكفير بعضهم وأعدموا كالحسين بن منصور الحلاج(244 – 309 هـ). والتصوّف عند الحلاج جهاد في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكاً فردياً بين المتصوّف والخالق فقط. لقد طوّر الحلاج النظرة العامة إلى التصوّف، فجعله جهاداً ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع، ولا يخفى ما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه.
ونقل عن الحلاج قوله: “ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه”، وقوله أيضاً:
وحِّد واحدي بتوحيد صدقٍ ما إليه من السالك طُرقُ
فأنا الحقّ حقَّ للحق حقُ لابس ذاته فما ثَّم فرقُ
ويقال إن سبب إعدام الحلاج يكمن في اجابته على سؤال أحد الاعراب له عما في جبته، فرد عليه الحلاج “ما في جبتي إلا الله” فاتهم بالزندقة وأقيم عليه الحد.
وقد فسّر ابن تيمية سبب إعدام الحلاج بقوله: “مَنْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنْ الْمَقَالاتِ الَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ: أَنَا اللَّهُ.. وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ.. فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ”.
وقد دافع عدد من المتصوّفة والباحثين والمستشرقين عن الحلاج واعتبروه شهيداً وبطلاً ثورياً وأن لكلامه معاني باطنية، وأن قوله بالحلول والاتحاد هو نفس القول بوحدة الوجود، أي وجود الله في كل مكان، على غرار محيي الدين ابن عربي(558 – 638ه). كما أن الإمام الخميني قد إعتبر الحلاج شهيداً وأنه لم تفهم كلماته بمعناها الباطني.
يقول الشيخ الأكبر إبن عربي: “‏نحن قوم يحرم النظر في كتبنا، وذلك أن الصوفية تواطئوا على ألفاظ اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها. فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفَر وكفَّرهم”.
وللمتصوّفة طرق وأساليب في سلوكهم إلى الله، ومقامات وأحوال، ويستخدمون مصطلحات خاصة، واستعاروا مصطلحات قرآنية وفقهية وحوّروا معاني بعضها. ولا شك أن الفلسفات اليونانية والهندية قد تسرّبت إلى العالم الإسلامي واستعان فيها المسلمون في علم الكلام والفلسفة والتصوّف، فظهرت مصطلحات جديدة واختلطت بعض الأفكار الفلسفية اليونانية بالتوجّهات الصوفية والعرفانية، مما كان له أكبر أثر على تطوّر التصوّف، من حالته البسيطة من زهد وتنسك وتقوى وانقطاع إلى الله، إلى الحالة الفلسفية من القول بوحدة الوجود والفيض الإلهي والإشراق.
ولعل من أروع الأبيات التي تعبّر عن أحوال العارفين ما عبّرت عنه رابعة العدوية في قولها لله عزّ وجلّ:
أحبّك حبين حب الهوى وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمّن سواكا
وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا




دور المرأة المسلمة في التنمية الثقافية للمجتمعات المسلمة

بقلم: إيمان شمس الدين* —

ـ مقدمة:

طالما كان دور المرأة في هذه الحياة محل نقاش في كثير من المجتمعات خاصة البدائية والتقليدية منها، فصاغ النقاس إشكاليات قلقة شكلت غالبا عائقا اجتماعيا في تطور وعي المرأة، واختلاطها بالأفكار والثقافات المحيطة، واطلاعها على آخر معطياتها وإنجازاتها.

تأخر المرأة عن هذا الركب شكل لها حاجزا عن المواكبة والمعاصرة لكثير من إشكاليات عصرها الثقافية والفكرية، وجعل هذه الساحة حكرا ـ في كثير من الدول والمجتمعات – على الرجل.

ولا ننكر في هذه العجالة وجود مناضلات في هذا المجال، يحاولن الالتحاق بركب الفكر والثقافة، والنضال في ساحاته في سبيل مواجهة محاولات طمس الهوية الإسلامية، وتغيير ديموغرافيا الثقافة الاسلامية وطمس معالمها.

ـ المرأة بين القابلية والفاعلية:

عند ممارسة أي نشاط إنساني في أي مجال وخاصة الثقافي والفكري منه، يلحظ أمورا عديدة لوضع خطة العمل ومراحل إنجازها وتحقيق الأهداف، ومن أهم ما يمكن ملاحظته كأعمدة أساسية لبنيان الحراك الثقافي والفكري هو التالي:
١. مؤهلات الفاعل في الحراك الثقافي وقدرته على مواكبة الساحات الثقافية وتشخيص أهم الإشكاليات التي يعاني منها مجتمعه ثقافيا، ومن ثم أهليته في رصدها ووضع البرنامج المناسب لمواجهة هذه الإشكاليات.”فاعلية الفاعل”
٢. تشخيص قابلية المجتمع ورصدها بأدوات علمية، ومعرفة الآليات والوسائل التي من خلالها يمكن طرح هذه الإشكاليات بما يتناسب مع لغة المجتمع وتقبله، وإدراكه لهذه الإشكاليات الثقافية، بل التفاته لكونها بذاتها تشكل إشكالية في ذهنيته وقناعته.
٣. قابلية المجتمع في التلقي من الفاعل في المجال الثقافي، أي أهم المواصفات التي يجب أن تتوفر في الشخص المتصدي للشأن الثقافي والفكري، ومدى قبول المجتمع لهذا الشخص.”قابلية القابل”.

وكون الحديث عن دور المرأة في التنمية الثقافية، فنحن أمام معضلات عديدة تقف في طريق المرأة للقيام بهذا الدور الريادي في التنمية الثقافية في مجتمعاتها.
ومن أهم هذه المعضلات :
١.عدم مواكبة المرأة للشأن الثقافي والفكري، وتأخرها في ذلك عن الرجل بمراحل عديدة، وذلك لأسباب عديدة أهمها:
* ميلها للجمال والعاطفة مما يجعلها تهتم بكل ما يتعلق بهذا الميل.
* ابتعادها عن العلوم العقلية كالفلسفة والمنطق والفكر لأسباب إما اجتماعية تقليدية،أو أولويات أسرية تدفعها للاهتمام بما يتناسب وحاجة أسرتها ومجتمعها.
* منعها من العلوم العقلية بحجة مساس هذه العلوم بأنوثتها، كما يحدث في بعض الحوزات العلمية والمراكز الأكاديمية.
* تفاوت القابلية الاجتماعية لها لاهتمامها ودراساتها في مجالات العلوم العقلية.
* السلطة الذكورية المعيقة لتعلمها، وهو ما يحدث في كثير من المجتمعات ذات الأعراف المغلقة.

٢.اهتمامات المجتمع وأولوياته التي قد تبتعد في كثير من المجتمعات عن الاهتمام الثقافي والفكري، وتتركز على الشأن المعيشي في المجتمعات الفقيرة، أو على شؤون الترف المعيشي والأولويات المادية في المجتمعات المترفة، ومن النادر ما نرى في العالم العربي مجتمعات تتركز أولوياتها على الفكر والثقافة.فبالتالي عدم شعور المجتمع بوجود إشكالية ثقافية فكرية، يعتبر مانع للتنمية الثقافية والفكرية، ويتطلب رصد منهجي لآليات النهوض بوعي هذا المجتمع وأولوياته.

٣. قد تكون أولويات المجتمع ثقافية وفكرية، ويمتلك قابلية للتنمية الثقافية لكنه لا يمتلك القابلية لقبول انخراط المرأة في المجال الثقافي أو في العمل الاجتماعي بشكل عام، مما يشكل عائقا لحراك المرأة في التنمية الثقافية.

ـ المرأة والهدر الخاص والعام:

هناك هدر لإنسانية المرأة وقهر لأنوثتها. التخلص من القهر يتم بمقاومته ورفضه، لكن هدر قيمتها الإنسانية لا يمكن التخلص منه إلا بتضافر الجهود من قبل كل الجهات لإعادة موضعة قيمتها الإنسانية بالتساوي مع إنسانية الرجل، والاعتراف بوظيفة الخلافة الالهية الموكلة لها على أساس النوع. ومن أنواع الهدر انتقاص إنسانيتها وتحويلها لمتاع ورعية لا تملك حتى تقرير مصيرها في بعض الدول العربية والخليجية خاصة.وهنا نتكلم عن الهدر الخاص الذي تكون المرأة من أهم ضحاياه، حيث يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه “الإنسان المهدور” حول الهدر الخاص :
“يختزل دور كيان المرأة كملكية عصبية وأداة إنجاب ومصاهرة، كما يُهدر كيانها من خلال جعلها ملكية العشيرة والأسرة(من خلال ملكية الأب والأخ للبنت ومن بعده الزوج لزوجته) كما يهدر كيانها من خلال تحويلها إلى أسطورة الضعف والعار، حيث يستخدم كموضوع لإسقاط ضعف الرجل وهدره عليها، كي يعود فيكتسب شيئاً من التوازن والقيمة التعويضية من خلال هذا الإسقاط.

ونجد هذا النوع من الهدر ما زال قائما في الوطن العربي والعالم الإسلامي وإن بنسب متفاوته، وهو ما يتطلب حملة ترشيد لوعي المجتمع من جهة، ولنضال النساء الفاعلات ثقافيا في مواجهة هذا الهدر والرفض من جهة أخرى، وعدم استسلام المرأة وقبولها له من جهة ثالثة، من خلال تحديها لهذا الواقع والسعي لتغييره للأفضل.

ـ خطوات نحو الترشيد والتنمية:

أي عملية تنموية نهضوية في المجال الثقافي والفكري تتطلب إعداد تدريجي من قبل متمكنين في هذا المجال، واسمحوا لي الحديث من واقع اجتماعي في المجتمع الخليجي وخاصة الكويتي.
وهنا أتكلم في المجال الثقافي والفكري، وهو المجال الذي يفتقر كثيرا لوجود المرأة في العالم العربي والإسلامي والخليجي خاصة.

ومن واقع تجربة ميدانية أجد أن الأنظمة في منطقتنا لا تهتم بالثقافة والفكر، وإن وجد اهتمام فهو اهتمام موجه يكون لها الإشراف عليه من خلال الدعم المالي المشروط.

وحينما أذكر افتقار الساحة الثقافية والفكرية للوجود النسوي، فهذا لا يعني انعدام وجود المرأة، بل يعني وجودها بأعداد تكاد تكون معدومة، وكوننا دوما نركز على النوع وليس الكم، لكن هذا التركيز نسبي، بمعنى أن النوع فاعل في المجتمعات التي لها قابلية في التجاوب مع نشاط المرأة الفكري والثقافي، لكن النوع شبه معطل تماما في المجتمعات التقليدية الرافضة لتصدي المرأة في التنمية الثقافية، وقد يكون رفضها في اللاوعي الاجتماعي والفردي، نتيجة التنميط الاجتماعي والعقل الجمعي الذي تشكل وفق قاعدة أساسها ارتكز على العرف والعادات والتقاليد البدائية والبدوية، أو على الفهم البدوي للإسلام.

وعلى ضوء ذلك يمكننا القول أن الخطوة الأولى نحو الدفع بالمرأة لأداء دور ريادي في التنمية الثقافية، هي تأهيل المرأة أولا في هذا المجال بما يتناسب وحاجتها الاجتماعية، فما يعتبر إشكاليات ثقافية فكرية في مجتمع قد لا يعتبر كذلك في مجتمع آخر، وهو تفاوت راجع لعدة عوامل أهمها المستوى التعليمي للمجتمعات، والمستوى الاقتصادي، ومعالم الهوية لكل مجتمع ومدى تمييعها وتأثرها بالعولمة والحداثة بشكلها السلبي، ودور القيم في سلوك الأفراد والمجتمعات في كل مجتمع، والمرجعية في فهم الدين وتجسداتها في القانون ومؤسسات الدولة والمجتمع.

ويمكن تحقيق التنمية الذاتية للمرأة وتفعيل دورها في التنمية الاجتماعية ثقافيا وفكريا من خلال التالي:

١. عقد ورشات عمل تطرح أهم التحديات الثقافية العالمية بعد العولمة والحداثة، وتشرح المفاهيم العامة وتطبيقاتها الاجتماعية، وأثر الرياح الثقافية الناعمة على الفرد والمجتمع فكرا وسلوكا وانعكاس ذلك على الهوية.ويكون ذلك بتقسيم المعنيات إلى مجموعات وفق أهم الإشكاليات التي تعاني منها مجتمعات كل فئة. فهناك إشكاليات عامة في المجتمعات الخليجية يمكن تصنيفها كفئة، وهناك إشكاليات خاصة في كل مجتمع في الخليج يعتمد تشخيصها بعد ذلك على التأهيل الذي حصدته المتدربة، وقدرتها على تشخيص إشكاليات مجتمعها الخاصة استنادا على الإشكاليات العامة الكلية.

٢. بعد ذلك تعمل المتدربات على تشكيل مجموعات عمل في أوطانهن، لتدريبهن ومن ثم الانطلاق بنواة متخصصة بالتنمية الثقافية والفكرية لترشيد الوعي الاجتماعي،ومواجهة التحديات الثقافية المهددة للهوية، ومحاولة فك عقد الإشكاليات الثقافية والفكرية، من خلال ورش عمل حوارية تتعاون مع المجتمع الأهلي.وهو ما دعى إليه القرآن من التنافس والتدافع .

٣. التعاون بين هذه المجموعات والمشرعين في الدولة من برلمانيين وحقوقيين، للتركيز على مناهج التربية والتعليم، ومحاولة سن قوانين وتشريعات تدفع باتجاه التنمية الثقافية، وتواجه التحديات الثقافية والفكرية.

٤. إنشاء مراكز دراسات أهلية غير تابعة للحكومات، تعمل على دراسة الإشكاليات الثقافية والفكرية الخاصة بالمجتمع والهوية، وتعمل على تقديم دراسات نافعة حولها، وتمد الجهات الرقابية والتعليمية بها.

٥. عقد لقاءات دورية مع المعنيات في التنمية الثقافية، ومحاولة مواكبة أهم التحديات والإشكاليات المتعلقة بالهوية الإسلامية العامة والهوية الخاصة لكل دولة على حدة. وتكون هذه اللقاءات كل مرة في دولة.

ـ العناوين المهمة في ترشيد الوعي:

* التأسيس لمبدأ الكرامة الإنسانية والنهوض بمفهوم المساواة المتفرع من مبدأ العدالة.
فالأصل هو العدالة ، فالمطلوب وفق مبدأ العدالة المساواة بين الرجل والمرأة من حيث النوع الإنساني، والعدالة من حيث الجنس كونهما ذكر وأنثى.وهو ما يتطلب تشريع فقهي وقانوني، كل وفق مذهبه ودولته.
* جدولة الأولويات التي يجب أن تصب فيها اهتمامات المرأة، وأهمية برمجة الوقت وفي الأولويات وتقديم الأهم علي المهم، ومعرفة الواجبات والتكاليف على ضوء فهم معاصر لدور المرأة لا يميع الثوابت ولكنه يواكبها ويوائمها وفق المتغيرات.،رسم حدود العلاقة بين أنوثة المرأة وإنسانيتها، وعلاقة كل منهما بالآخر من جهة، وبالمجتمع والأسرة من جهة أخرى.
* التأسيس لمفهوم ولاية الرجل وحدودها والتمييز بين ولايته الاسرية وشراكته مع المرأة اجتماعيا على أساس الكفاءة، حيث لا ولاية اجتماعية للرجل على المرأة، إنما هي ولاية متبادلة قائمة على أساس التكافؤ والكفاءة.بمعنى آخرهي شراكة تنافسية تكاملية اجتماعيا، لكنها توزيع أدوار ومهام أسريا، تكون فيها ولاية الرجل وقيمومته نظمية ضبطية وليست تسلطية قهرية.
• تحديد هذه الحدود ومعالمها ورسم دلالات المفاهيم، وترشيد الوعي بها هي خطوة قبلية للتنمية الثقافية وإن عدت هذه جزء من التنمية.فالمجتمع هو ساحة العمل، والفرد المتصدي هو أداة العمل الفاعلة، وكلاهما يحتاجان عناية واهتمام وترشيد ومتابعة.

• تحديد معالم الطريق نحو تحقيق تنمية ثقافية مستدامة وتراكمية.

* خاتمة:
التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية بعد العولمة وما سمي بالربيع العربي هي تحديات كبرى، تمس الهوية بما تحمله من بعد وجودي للإنسان، وبما تمثله في بعده الثقافي والفكري، والتصدي لها يتطلب إعدادا يبدأ من الذات إلى المجتمع والدولة، وهذا يتطلب اطلاع عميق على كل المستجدات على الساحة الثقافية والفكرية.

وهذا لا يعني الرفض المطلق ولا يعني القبول المطلق، بل يعني مبدأ التعارف القائم على أساس الاستفادة من التجارب البشرية النافعة ذات البعد الإنساني، وهو تعارف يرتكز على احترام الآخر، ومقومات الإحترام إحراز المكنة والقدرة والقوة في جانبها الثقافي والفكري بما يمكننا من تقديم مشروع متكامل يرتكز على القيم الثابته ويتحرك بتلك المتغيرة في فضاءات المجتمعات ذات الثقافات المتعددة، لكنه حراك مبني علي أساس حفظ كرامة الإنسان، وتحقيق العدالة، وتحريرالإنسان من عبودية الآخر له بالاستبداد.

إننا أحوج ما يكون إلى تصدي النساء المتمكنات ثقافيا وفكريا اليوم، تصدي تكاملي مع الرجل يستطيع مواجهة كافة التحديات الثقافية والفكرية.
فصناعة هذه الفجوة الثقافية والفكرية بين الرجل والمرأة واستسلام كثير من النساء لهذه الصناعة المفتعلة باسم الدين والأعراف والضغط أو الجبر الاجتماعي، هي صناعة شتتت الجهود الإنسانية وقسمتها إلى أقسام ذكورية وأنثوية، وأشغلت أطراف النزاع بمطالبات كانت بديهية، ومع التقادم تحولت لصراعات شغلت المرأة والرجل عن القضايا الكبرى المستحقة بقضايا صغرى.فالاستخلاف على الأرض جاء للنوع الإنساني، وتجسيده على الأرض قسم الوظائف والأدوار وفق خصوصيات الجنس في كثير من الأحوال.

لكن اليوم باتت الحاجة ضرورية لتوحيد الجهود ووعي المرحلة وخطورتها، فالاستعمار اليوم ليس للأرض بل للعقل وهو الاستعمار الأكثر فتكا بإنسانية الإنسان.

وأي تنمية لا تبدأ من الذات وتنطلق للآخر، ،تملك مشروعا نهضويا قيميا، فهي تنمية لن تحقق أهدافها في النهوض الحضاري.

فلسنا مع رفض الآخر كليا أو قبوله كليا، لكننا مع التعقل والتلاقي القيمي الإنساني القائم على الاعتراف بالآخر وبخصوصيته الهويانية، فعالمية الرسالة تعني أصالتها وخلودها بالتالي قدرتها على الحلول في كل زمان ومكان وبحلة ولغة كل زمان ومكان، بل قدرتها على أن تكون البديل الحضاري العقلاني الذي يقبله الإنسان بما هو إنسان.

رؤية مقدمة للملتقى كاقتراحات على هامش اللقاء ويمكن مناقشتها وتطويرها:

١. إنشاء مركز دراسات مشترك بين المثقفات والمفكرات الناشطات العربيات والإيرانيات.

الهدف الرئيسي :
١. إنتاج معرفة إسلامية قادرة على تقديم مشروع حضاري إسلامي بديل كفعل ناجز بذاته.
٢. إنتاج معرفة نسوية وفق الرؤية الاسلامية كبديل حضاري فاعل قادر على إعادة بناء الوعي وفق مقتضيات الراهن ومعالجة إشكالياته وفق رؤية استراتيجية مرحلية.

المرحلة الأولى :
– تأسيس نواة من الأخوات المتميزات والمهتمات بالشأن المعرفي والفكري. ـ التركيز لمدة عام على أرشفة كل الانجازات الفكرية والاشكاليات المطروحة من قبل الغرب والمسلمين خاصة فيما يتعلق بمصادر المعرفة وعلاقة هذه المصادر بعضها ببعض والمدارس المختلفة التي تفرعت منها والمواضيع التي طرحت بخصوص المرأة وإشكاليات الحداثة وما بعد الحداثة وأنظمة السلطة وكل المواضيع المتعلقة بماهية الإنسان ورؤية الاسلام والغرب له.
ـ بعد الأرشفة والاطلاع يتم تشخيص أهم الاشكاليات التي يعاني منها المجتمعات بشكل عام والنساء بشكل خاص ويتم على أساس هذا التشخيص رسم خطة معالجة مرحلية تعمد لمعالجة هذه الأمراض بشكل جذري من خلال ورش عمل تستهدف فئات عمرية كالشباب والأطفال ويستخدم الحس كأحد المؤثرات في المعرفة العقلية في هذه الورش.

المرحلة الثانية :
د- عمل دراسات علمية يمكنها أن تشكل مراجع بحثية للجامعات والمؤتمرات والطلبة ومؤسسات المجتمع المدني ، بحيث تصبح الحوزويات مشاركات في رسم الاستراتيجيات الفكرية والمعرفية وفق منطلقات اسلامية حضارية تتناسب والوضع العربي والإيراني خاصة فيما يتعلق بالحقوق والمرأة.

– عمل بنك معلومات يقدم خدمات علمية ومعلوماتية للمجتمع بأسعار يحددها القائمين

المرحلة الثالثة :

– تحويل النواة تدريجيا لمركز دراسات استراتيجي يقدم رؤى فكرية ومعرفية على مستوى الحوزات ومؤسسات المجتمع المدني والدولة.

ـ تقديم استراتيجيات حول شخصية المرأة في المنظومة الاسلامية تعالج أهم القضايا والاشكاليات المطروحة في الساحة العربية والاسلامية بما يتعلق بالمرأة وعقد مؤتمرات تختص في الفكر والاطروحات الفكرية لادارة حوارات حول وجهات النظر المختلفة والمشاركة في تقديم الرؤية الاسلامية الحضارية في هذه المؤتمرات بحيث يكون من خلالها القدرة على اختراق الساحات الغربية بهذه الدراسات .

– تجسير العلاقة الفكرية والمعرفية بين الغرب وايران والعالمين العربي والاسلامي من خلال الترجمات التي سيقوم بها المركز لاخر الاطروحات الفكرية والدعوة للتحاور حولها وتقديم مقاربة خاصة بالمركز لها.

وكل مرحلة لابد أن تحدد لها فترة زمنية للانتقال للمرحلة التالية، فاليوم غير مقبول أن تبقى المرأة منكفأة على الدور التقليدي في تدريس الفقه والعقيدة واقامة بعض الدورات وورش العمل والتي لا ننكر اهميتها ولكننا نستنكر الاقتصار في ممارسة الدور عليها.
فكما كانت المقاومة اليوم هي التي تقود العالم وترسم مستقبل لهذه الأمة فالمرأة اليوم من مجتمع المقاومة ومن رحم مؤسسات الحوزات الدينية هي الأولى في قيادة الفكر والمعرفة في الوطن العربي في ظل عولمة ارادت أن تكون أداتها الرئيسية في تحقيق مآربها في أوساطنا هي المرأة.
خاصة مع فوضى المصطلحات والخلط المعرفي الذي بدأ ينتج لنا شبهات في حرب ناعمة هدفعا رسم خارطة الوعي العربي والاسلامي وفق إرادة القوى الكبرى بمفاهيم ظاهرها متفق عليها كالحريات والحقوق والعدالة والمساواة وتحرير المرأة لكن واقعها والهدف منها يراد منه الانحلال الاخلاقي والتميع وضرب القيم والمعايير والحقائق وهو ما يستلزم التصدي لرسم خارطة الوعي في العقل العربي والاسلامي خاصة بعد الثورات وفق أسس المعرفة الاسلامية بما يقدم رؤية حضارية اسلامية بديلة وأصيلة تحافظ على عنصري الاسلام الأصالة والخلود.
فالمقاومة اليوم غير مقتصرة على السلاح بل المقاومة الفكرية هي الأجدر على حماية السلاح بالوعي والمعرفة.

٢. فكرة منتدى قدمت للعتبة العباسية ولم أجد لها أصداء:

ـ منتدى نسوي يهتم بشؤون المرأة ويعالج التحديات المعيقة في الساحتين الخليحية والعربية والاسلامية.

– يضم المنتدى شخصيات فكرية نسوية من الخليج والعالم العربي والاسلامي.

– يهدف إلى :

ـ مواجهة عملية التغريب التي تتعرض لها المرأة ونزعها من منظومتها القيمية التي تضرب قيم العفة والعفاف والستر وما لهذا من تأثيراته السلبية على المجتمعات وسلامتها واستقرارها وعلى عملية التربية برمتها .

– طرح مشاريع بديلة تشكل رافعة إسلامية ناهضة مواكبة لتطورات الفقه الشيعي الخاص بالمرأة ، وقادرة على طرح بديل حضاري يرتقي بوعي المرأة ويجلي دورها الحقيقي والوظائف المناطة بها في كلا بعديها الإنساني الاستخلافي والأنثوي ويضع ضوابط كل منهما وفق رؤية إسلامية حضارية .

ـ يعمل استقراءات ميدانية لمجتمعات الخليج لتلمس أهم الاشكاليات التي تواجهها المرأة على أسس علمية ومن ثم يشخص مكامن الخلل ويضع الحلول المناسبة .

– يكون شبكة علاقات نسوية يكون مركزها العراق – كربلاء ، ويربط بذلك المرأة بقيم البذل والتضحية والفداء.

– المنتدى يشكل بيئة حاضنة للطاقات النسوية للتباحث والتفاكر في كافة المجالات الخاصة بالمرأة ويحاول مواكبة التطورات الفكرية الخاصة بها ، وأهم التحديات التي تشكل خطورة على شخصيتها في المنظومة الاسلامية ، ويكون قادرا على تلمس مكامن الخطر وطرح محصنات منها وبدائل لها.

– يمكن للمنتدى على المدى البعيد يقدم مشاريع قوانين كل وفق دولته تكون حافظة للمرأة من الانتهاك مستلهما ذلك من روح الاسلام ودستوره .

– يحاول المنتدى دراسة مؤشرات التنمية والتعليم في الدول لرصد نسبة النساء المتعلمات ليدعم عملية الاستقلال الذاتي للمرأة وفق منهج قرآني تحافظ به من جهة على كيانها من الانتهاك تحت ضغط الحاجة وتحافظ على أسرتها من الاختراق ، ويركز على دعم عمليات التعليم والصحة كمؤشرات مهمة لاستقرارالاسرة . وذلك من خلال الاستعانة بمتخصصين يعملون دورات وورش عمل متنقلة في قرى العراق مثلا ونواحيه تدعم عملية تعليم المرأة والنهوض بوعيها الصحي ، الفقهي ، العلمي ، وفق المقومات المتاحة .

*باحثة لبنانية.