«التأويل» … دائرة الدلالة في القرآن الكريم

بقلم: حسين معلوم — في اتجاه محاولة اكتشاف معناه ودلالته، فإن مقاربة «التأويل»، لا بد من اعتمادها على دائرة المعنى الذي تتخذه اللفظة في اللسان العربي، وعلى دائرة الدلالة التي تؤكدها مواضع الورود في كتاب الله الكريم. فمن حيث دائرة المعنى، فإن مفهوم التأويل يتمحور حول: «حركة ذهنية في إدراك الأشياء والظواهر والوعي بها»؛ حيث الإدراك هو إعطاء الأشياء والظواهر معاني محددة، أما الوعي فهو كيفية التعامل مع معاني الأشياء والظواهر.
ومن حيث مقاربة دائرة الدلالة التي يتخذها المصطلح، وتؤكدها مواضع الورود في التنزيل الحكيم، فإن أول ما يواجهنا في هذا الشأن أن لفظة تأويل وردت في كتاب الله العزيز في سبعة عشر موضعاً، وذلك في سبع سور؛ مرة واحدة في ثلاث: «النساء»، «يونس»، «الإسراء»؛ ومرتان في ثلاث: «آل عمران»، «الأعراف»، «الكهف»؛ ثم ثماني مرات في سورة «يوسف».
ولعل ورود لفظة تأويل في كتاب الله، بمثل هذا العدد من المرات، يشير إلى مدى دوران اللفظة في التنزيل الحكيم خصوصاً، وفي اللغة عموماً؛ إذ، لنا أن نلاحظ أن التأويل كان مفهوماً عند العرب قبل الإسلام. كما أن ورود اللفظة ثماني مرات في سورة واحدة، سورة يوسف، يعود إلى أن بناء السورة قائم على أساس «رؤية» يوسف عليه السلام في بدايتها؛ وهي الرؤية التي «يتحقق تأويلها» في نهايتها. هذا إضافة إلى كل من «حلم الملك» و «حلمي السجينين» التي يقوم يوسف بتأويلها.
وفي إطار محاولتنا مقاربة مصطلح التأويل لأجل التعرف على الدلالة التي يشير إليها، ومن ثم تحديد ملامحه كـ «مفهوم» في القرآن الكريم؛ لنا أن نقارب عدداً من النقاط يختص كل منها بمستوى دلالي ينبني على «اصطلاح» معين، تكون لفظة التأويل إحدى مفرداته.
ولعل أهم هذه النقاط، ارتباط التأويل بكل من الرؤى والأحلام والأحاديث، ما ينتج منه من مستويات دلالية مختلفة، تبعاً للاصطلاح الذي ترتبط فيه لفظة تأويل بأي منها؛ وهو ما يتضح في سورة «يوسف». وهنا، لا بد من تأكيد «خطأ» ما يراه البعض: استبدالاً لكلمة «أحلام» بكلمة «أحاديث» أو بكلمة «رؤيا»، من آية إلى أخرى في هذه السورة. الدليل على ذلك، هو اختلاف السياقات التي وردت فيها الاصطلاحات الثلاثة.
فاصطلاح «تأويل الأحلام» لم يأت إلا مرة واحدة، في هذه السورة – بل، وفي الكتاب كله – وذلك في قوله سبحانه وتعالى: «… يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ٭ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ٭ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي ٭ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا…» [يوسف: 43 – 46]. وكما يبدو، فإن اصطلاح «تأويل الأحلام»، جاء على لسان حاشية الملك وجاء بدلالة «الهاء»، في: «أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ»، على لسان: «الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا». ومن ثم، لنا أن نلاحظ «الاختلاف» بين تأويل الرؤيا والحلم، وذلك قياساً إلى «المتحدث»؛ إذ عندما يكون «أنا» فهي رؤيا، وعندما يكون «آخر» فهو حلم، ويكون «تأويل الأحلام» هو تأويل الآخر لرؤية الأنا، ولعل هذا ما يتأكد، إذا لاحظنا قوله سبحانه: «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ» [يوسف: 36].
أما اصطلاح «تأويل الرؤيا»، فقد ورد مرة واحدة في السورة؛ وفي الكتاب كله، أيضاً، وذلك على لسان يوسف عليه السلام، في قوله تعالى: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا…» [يوسف: 100]. وها هنا، لا يبدو فقط اختلاف دلالة هذا الاصطلاح، عن ذاك الذي سبقه، قياساً إلى المتحدث، ولكن أيضاً يبدو ما تشير إليه الآية من معنيين مهمين: معنى التأويل ومعنى الحق. ففي المعنى الأول: «هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ»، أي: بعد أن رأى يوسف في «المنام» ما رآه، وبعد أن تتالت الأحداث حتى وصل أهله إلى مصر وهو وزير، عندها «تحول» المنام من مجرّد رؤيا في وعي يوسف، إلى حقيقة موضوعية مادية خارج وعيه؛ هذا التحوّل – الجعل – هو «تحقق» التأويل. وفي المعنى الثاني: «قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا»، أي: غيَّر صيرورتها – جعلها – من حال «الرؤيا»، إلى حال «الحقيقة» الملموسة، لذلك وردت كلمة «حقاً».
أما اصطلاح «تأويل الأحاديث»، فقد ورد ثلاث مرات، وفي سياق مختلف عن سابقيه، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: «وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ…» [يوسف: 6]؛ وفي قوله سبحانه: «وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» [يوسف: 21]، وفي قوله تعالى: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: 101]. في هذا السياق، يبدو بوضوح أن تأويل الأحاديث هي مسألة خاصة بيوسف، وأنها مرتبطة بـ «تعلم» يوسف إياها عن ربه «فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض»؛ إذ، نلاحظ ارتباط اصطلاح «تأويل الأحاديث»، في الآيات الثلاث، بـ «َيُعَلِّمُكَ، َلِنُعَلِّمَهُ، عَلَّمْتَنِي». بيد أن يوسف لم «يتعلّم» تأويل الأحاديث كلها، ولكن بعضها، وهو ما يشير إليه تكرار حرف «مِنْ» للتبعيض.
هذا، وإن كان يشير إلى اختلاف الاصطلاحات الثلاثة، من حيث السياق الذي ورد فيه كل منها؛ إذ إن كتاب الله العزيز، أكبر وأكثر عمقاً من أن يتمّ فيه «مجرد استبدال كلمة بأخرى»؛ إلا أنه، في الوقت نفسه، يؤكد أن «تأويل الأحاديث» يشمل تأويل الرؤيا، وتأويل الأحلام: حلم الملك الذي يقوم يوسف بتأويله كما في الآيات 47 – 49، وحلمي السجينين كما في الآية 41؛ ويشمل إضافة إلى هذا وذاك، الإخبار عن «حدوث» أمر قبل وقوعه فعلاً، وهو ما يتبدى على لسان يوسف، في قوله سبحانه وتعالى: «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي» [يوسف: 37]. ولأن الإخبار عن الأشياء قبل حدوثها، هي مسألة خاصة بيوسف، وأنها – بالتالي – من «تأويل الأحاديث»، لذلك اتبع يوسف تأكيده لزملائه في السجن على قدراته التأويلية، التي لا تقتصر على مجرد «تأويل الأحلام»، بـ : «ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي».
وإذا كان «تأويل الأحاديث» يتمحور حول معنى الإخبار عن الأشياء قبل حدوثها، وكان هذا الإخبار ناتجاً مِن «العلم» الذي أوتيه يوسف؛ فإن ثمة تأويلاً آخر، هو «تأويل الأفعال»، يتمحور حول معنى الكشف على الدلالة الخفية للأفعال، وهو الكشف الناتج مِن «العلم» الذي أوتيه العبد الصالح، كما تخبرنا بذلك سورة «الكهف». ففي قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، نبأه الأخير بما تؤول – تنتهي – إليه الأفعال التي قام بها، ولم يستطع موسى الصبر عليها؛ لذا قال: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» [الكهف: 78]. وبعد الانتهاء من التأويل، بالكشف عن دلالة الأفعال، قال: «ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» [الكهف: 82].
وهكذا، تتبدّى دائرة الدلالة لمصطلح تأويل في القرآن الكريم، فهي تشير إلى الكشف عن الأسباب الحقيقية للشيء أو الظاهرة، وتبيان ما تصل إليه حركتها من هدف أو غاية. ومن ثم، يتأكد ما ذكرناه من قبل، من أن التأويل: «حركة ذهنية في إدراك الأشياء والظواهر والوعي بها».
المصدر: الحياة




الوحدة والتعددية وما بينهما

بقلم: عمر مسقاوي — ينطلق العلم والتعريف العلمي من بدهيات أفرزها تاريخ طويل من تجربة الحضارة الغربية المعاصرة ترسم معالم الثقافة الغربية في هيكلها الماثل. لكنها لا تمنح مجتمعنا الشرقي حقيقة جاهزة للتطبيق لسبب جوهري أشرنا إليه سابقاً، ويتجلى في أننا قد نعلم من دقائق الحضارة المعاصرة الكثير لكنها أبعد ما تكون عن إسهامنا الاجتماعي والتراثي في التاريخ.فالأوروبي ينظر إلى إطاره المادي والإنتاجي نظرة تترامى في أعماق أصوله الإجتماعية حين غرست المسيحية قواعد الإيمان فبدلت مرتكزات الفكر وأطلقت للعبقرية الإنسانية المتعاونة مع قوة الإبداع ثم أمطرت عالمنا الإنساني هذا بمظاهرها وبهارجها.
وهذا ما دفع المؤرخ الأميركي جون نيف في كتابه «الأسس الثقافية للحضارة الصناعية» إلى القول:
«إن اقتصاد الوفرة الذي يقاس بالكميات والذي بدأ يسود خلال القرن التاسع عشر، في أجزاء من أوروبا الإمبراطورية البريطانية وأميركا، لم يكن كما جرى عليه العلماء أهل العصر الحديث على الإعتقاد بوجه عام السبب الأساسي للتقدم الروحي والأدبي الذي حصل في الأزمنة الحديثة، إذ يبدو أن التقدم الروحي والأدبي الذي بدأ أثناء احتدام الحروب الدينية كان عاملاً رئيسياً في نشوء اقتصاد الوفرة، إذ كان يتعذر حصول مثل هذا التقدم لولا المساعدة الإلهية التي منحت للروح، لكن كان لا بد لإدارة الإنسان هذه الإرادة الحرة، من أن تطلب المساعدة، وأن تجندها طوعاً لمواجهة المسائل في تلك الميادين من التجربة».
إن هذه الملاحظة المعمقة لأصول التقدم الأوروبي تمنحنا رؤية أعمق في بناء وحدتنا الثقافية، إذ لا بد لها من أن ترقب مصادرها الروحية أولاً وأن تستمد من هذه المصادر زاداً يدفع بها في استخدام الحداثة طبق اتجاه الثقافة ونمطها لروحي والتراثي.
وهكذا فاتنا قطار الإسهام الفاعل في خطى العصر الحديث حين غرقت رؤانا في مصطلحات مستوردة لا تعكس واقعنا الإجتماعي.
يقول الفيلسوف سبينوزا: «نرى الأشياء مليحة برغبتنا لا ببصيرتنا». هذه الحقيقة التاريخية التي أشار إليها غوستاف لوبون في كتابه «الآراء والمعتقدات» تفسر لنا مشكلة التقدم كحاجة ورغبة معاً منذ أيقظنا من سباتنا سوط الحضارة الحديثة ووقع أقدامها.
وبدلاً من أن يطرح الرواد الحاجة هذه في طريقها المنهجي موظفين الطاقة الفاعلة لقيم المجتمع ووسائله فقد انغمسوا في البحث في بطون التاريخ عن المصادر الثقافية التي تقربهم من حل جاهز مائل في النموذج الأوروبي تبسيطاً للمشكلة وتعويضاً عن هزيمتهم حيالها.
إن تنوع المصادر الثقافية التي صبت في ساحتنا عبر التاريخ أمر لا جدال فيه.
لكن المجتمع باعتباره ذاكرة مشتركة فإنه من فعل الإنسان واكتسابه الثقافي. والذاكرة الشعبية، كما تذكر جيداً ما يعتمل في حياتها، فإنها تنسى كذلك ما تباعد عنها من أحداث، فنحن ننظر إلى قلعة بعلبك بكثير من الإعجاب لكننا نجهل مواقع القوم فيها حين نصبوها لوثنيتهم، لأن الأديان التي لحقت بدلت واقعنا الاجتماعي والثقافي، وتثيرنا أهرامات الجيزة، لكن أسرارها بقيت في مكنون حجراتها، أما شعب مصر فإنه يجهل هذه الأسرار وقد انتظرت النخبة المصرية شامبليون الأوروبي حتى استطاعت أن تفك رموزها.
على أن عصر الإنبهار الذي أفاق عليه رواد الإصلاح والحركة الحديثة أوقع الفكر العربي في سراب الرغبة، فانجرفت الرؤى متباعدة في ظاهرها الفكري فقط من دون أن تعكس في تعارضها حقيقة من حقائق الواقع الاجتماعي. ذلك أن تلاميذ الحضارة الغربية أثقلهم عبء تراث توقف عن الإنجاز والإسهام في خطى العصر الحديث.
فالفراغ استولى على شعوبنا منذ الانهيار الكبير بفعل الحروب الصليبية، وهو قد أقفل أسوارنا عن كل تفاعل وتطور مع مسيرة العالم.
وهكذا بدت الثقافة الغربية التي حملها رواد الإصلاح من جامعات أوروبا هياكل ونماذج إدارية ومادية وفكرية ومصطلحات تثير الجدل أكثر مما تحل مشكلات التخلف.

لا تعددية ثقافية
ولعل فداحة التخلف العربي والشتات البادي في منعطفاتنا المصيرية حيال الخطر الصهيوني زكت هذا الاتجاه في المسوغات النفسية التي استفاق وعيها على أخطار الشركة في تراث للإسلام فيه نصيب بارز عبر التاريخ.
إن حركة إحياء كتب التراث أعادت لأذهان المسيحيين مخاوف الصيغ والتعابير الفقهية التي وضعت قواعد التعامل مع أهل الكتاب من غير المسلمين.
وتولت هذه المهمة مراكز متخصصة في التنقيب في بطون التاريخ، وفي رصد انتقائي لأحداث تاريخ حضارتنا، بغية تحريك الوعي المسيحي لحقيقة الأخطار التي ستصيب المسيحيين، نتيجة إعلان شراكة تراثية تؤدي إلى شراكة في نمط وأسس تحديد المواقف المصيرية. ولقد تلاقت هذه الحركة مع موقف إسلامي غائب عن طبيعة المهمة التاريخية التي انتدب لها المسلمون، إذ كان على المسلمين أن يحددوا استراتيجيتهم السياسية بطريقة ترصد أخطار القسمة الطائفية لمسيرة الوطن في مداها البعيد، فهذه القسمة إذا أدركنا عميق أهدافها لا تقدم للمسيحية حلاً لأية أزمة، بينما هي تضع المسلمين ودورهم في أزمة جديدة في معترك الأخطار التي كان قد هيئ لها منذ مؤتمر بال عام 1897م.
إن ما نراه اليوم لا يعني غير الفراغ، فالنخبة المثقفة المسيحية تقود جماهيرها إلى رفض استمرار حضاري لعب فيه الإسلام والمسلمون دوراً تاريخياً، وهي في حقيقتها عودة إلى الوراء لأنها تعود بنا إلى قانون الملل الذي فرضته الاميتازات الأجنبية لأسباب تتعلق باستراتيجيتها في ظل الحكم العثماني إنما بغير تغطية عثمانية.

حضارة الإسلام واقع تاريخي
حقاً، فحين يتحدث المسلمون والمسيحيون عن تاريخ هذه المنطقة، تاريخ ثقافتها أو ثقافتهم فيها، أدبها أو أدبهم فيها، تاريخ سياستها أو تاريخ أديانها، فإنما يتحدثون بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن تراث صاغه الإسلام أو حاوره أو مرّ به أو جاوره.
لكن المجاورة هي التي تهمنا اليوم. إنها اتصال امتازت به حضارة الشرق الهجرية ورفضته حضارة الغرب المتأثرة بالثقافة الرومانية.
لست هنا في موقع الدفاع عن الواقع السياسي الذي أملته ظروف تلك القرون الخوالي، ولا يحسن بي أن أنتقي نصوصاً فيبادرني آخر بنصوص منتقاة للردّ عليها، ولكن العلاقة بين الإسلام والمسيحية علاقة تتصل بوحدة الدين الذي تكونت بفضله الحضارات، فالدعوة الإسلامية في إطار العقيدة دعوة إلى نقاش حول منطلقات واحدة (تعالوا إلى كلمة سواء) ] آل عمران 64[ فهل كان يمكن للقرآن أن يخاطب الوثنية بمثل هذا المنطق؟
إن وحدة المصدر هذا مكنت لثقافتنا المشتركة غطاء متجانس المنطلقات، فالموقف الإسلامي من المسيحية لم يكن موقفاً سياسياً، إنما هو موقف في صميم بنية العقيدة، وعلينا أن نترك لكل زمن سياساته وإجراءاته.
فأحداث التاريخ تحتكم دائماً إلى أجوائها وظروفها، لكن إنجاز التاريخ هو الجدير بالتوظيف من أجل مستقبل حضاري جديد. إن هذه قضية تتعلق بصميم التراث، فحقائق التاريخ حينما تتكلم، فالأمر لا يتعلق بقضية اختيار.
فالحضارة الإسلامية واقع تاريخي لم يختره جيلنا المعاصر من المسلمين، لكننا حينما نرفضه جميعاً فإن البديل الأوحد اليوم ومن خلال نوعية الحضارة المعاصرة هو الفراغ والضياع معاً.
فالإسلام والمسيحية عمق واحد على رغم الإختلاف الجوهري في تصوير الرؤية الإيمانية لحقيقة الإله الواحد. وهذا الاختلاف مهما كان متبايناً ومهما عنف الخصام بين أنصار كل من الديانتين، فإنه خصام في الحلبة الواحدة. ولا بد في النهاية من أن يستريح المحاربون في أرض الحلبة. فقد سئل عمر بن العزيز الخليفة الأموي عن الصراع الذي نشب بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فأجاب الخليفة الذي اشتهر بالورع والتقى: «تلك أمور عصم الله منها سيوفنا، أفلا نعصم منها ألسنتنا؟» جواب سلفي ما أحرانا أن نتمثله اليوم ونحن نتحدث مع أولئك الذين وضعوا على طاولة مكدسات النصوص والكتب القديمة، فالحصيلة في كل ما تدافع من أحداث هي التي تمنح التاريخ حدود المجتمع ونمط محادثته.
فحين تضع حروب التناقضات أوزارها ينقشع الغبار عن آفاق الساحة وتضم الأرض بين جوانحها أشلاء هذه التناقضات خمائر تنبت في أعقابها وحدة المجتمع.
إن هذه الخمائر هي الثقافة الحية التي تفعل في ضعفها ما لا تفعله القوة في سلطانها.
ولنا أن نشهد التتار والمغول وسواهم من الشعوب كيف هضمتهم ثقافة الحضارة المغلوبة على أمرها وأضحت واقعاً يدخل في اللاشعور الشعبي ويحكم مبادرات الأفراد ويمنح سلوكهم نمطاً متجانساً فيه من العقوبة مالا يدرك تفسيره.

الثقافة واقع اجتماعي ومفاهيمي ولغوي
من هنا يبدأ الحديث عن قضية الثقافة كواقع اجتماعي ومفاهيمي ولغوي معاً. واللغة هي الجامع الأوفى، وحينما شاء المسيحيون اللبنانيون أن يجددوا في محيطهم فإن اليازجي والبساتنة والشدياق هؤلاء جميعاً جددوا اللغة العربية الجامعة.
وقد بدا جهد هؤلاء إنجاز الأمة على اختلافها، وقد لفتتني عفوية كاتب أزهري يتحدث عن أحد علماء الأزهر في العصر الحديث فقال إنه يكتب كاليازجي.
ففي المجتمع الواحد فإن وحدة الثقافة هي الحتمية الطبيعية لمكونات ذلك المجتمع.
فالحضارة تحوي في أحشائها ثقافة واحدة، وإذا اقتحمتها ثقافة أخرى فلا بدّ من أن تهضمها أو تنهضم بها، لأن الثقافة نمط الحضارة وأسلوبها الفاعل في التاريخ.
وإذا كنا نرغب في جواب حول ما إذا كان ثمة تعددية ثقافية أم لا، فإنه يكفي أن نضم آذاننا ونفتح عيوننا جيداً ونرى ببصيرتنا لا برغبتنا ذلك المشهد اليومي في نمط الحياة وأسلوبها العفوي في طرابلس أو بيروت، أو نركب طائرة هليوكوبتر فنراقب الضنية والزاوية وبشري وأسلوب تعامل القوم مع الطبيعة، أو نلحظ الراعي في أعالي الجرد يركض خلف أغنامه وماعزه يحمل العصا بيده ويمسك بطرف شرواله المتدلي إذا وثب من جل إلى جل، فيلتقي راعياً من الضنية على قمة الجبل، مع الراعي القادم من سفوح الأرز وبشري فيختلف معه على المرعى والماء أو يختلط به على حل سواء، فلا تميز شروالاً من شروال ولا كوفية عن كوفية. لكليهما لغة واحدة وتقاليد واحدة في الحلال الحميدة أو العادات الذميمة ولكليهما سلوك واحد تجاه المشكلات.
أليس هذا التشابه الذي يصل إلى حد التطابق هو الذي يمنحنا وحدة الموقف بل وحدة الثقافة إزاء المشكلات اليومية والحياتية؟
إن الفروق بين المسلمين والمسيحيين ليست فروقاً ثقافية، مهما حفلت قرى كسروان والمتن بالرفاهية والثراء واللكنة الفرنسية والحضارة الإستهلاكية.
فالمسيحي الشرقي ليس جزءاً من مكونات الثقافة الأوروبية، لكنه جزء من مكونات ثقافتنا الواحدة، ولنا بالإسلام والمسيحية تراث واحد، وغنى هذا التراث بالإسلام والمسيحية معاً.
وإذا كان من فروق تعددت بتأثير التعليم ومصادره الغربية فلعلها الفروق في حماسة النظارة الجالسين في قاعة واحدة يشهدون مسرح الأحداث العالمية.
فنحن جميعاً في التخلف شركاء، ومعركتنا كما قال قسطنطين زريق هي في المستقبل ، مع التطور والتنمية، لا مع الماضي الذي لا سعي لنا فيه.
والتحلل من ثقل المصاعب التي تطرحها الصهيونية والإمتداد الإستعماري ليس بهذه السهولة، فالصهيونية حركة لاقت رواجها في مفاهيم السيطرة التي هي جوهر وعمق الثقافة الرومانية التي عبر عنها بالسلام الروماني.
فالخطر ليس على المسلمين وحدهم بل على المسيحيين والمسلمين، وعلى إمكانات انبلاج حضارة جديدة تستمد مقوماتها من عمقنا الإجتماعي مسيحياً كان أم مسلماً.
إن حضارتنا ذات نمط رسولي ينشر الصلات الاجتماعية عبر القدوة التي عبر عنها الإنجيل «هلموا وتلمذوا جميع الأمم».
ونداء الوحدة ينطلق من تلك السلسلة التي تتابعت فيها الأديان منذ دين إبراهيم عليه السلام، وهو يجد أساسه في إرادة الإنسان، فالحضارة إرادة وروح.
المصدر: الحياة




الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي

بقلم عبد الجبار الرفاعي — يتبنى التصوفُ الفلسفي معرفياً رؤيةً توحيدية لا تتطابق ورؤية علم الكلام التوحيدية، إذ تبين هذه الرؤية كيفية مختلفة لخلق الحق للخلق، بوصف الخلق مظهراً من مظاهر وجود الحق. وكيف أن ذاتَ الحق من حيث هي ذات لا تكون علةً للخلق، بمعنى أن اللهَ لا يكون مبدأً وعلةً من حيث أحديته، إنما يكون مبدأً وعلةً من حيث هو خالق؛ أي في مرتبة تقع بعد الأحدية. ويشرح صدرُ الدين القونوي ذلك بقوله: “إن توجّه الحق لإيجاد الممكنات ليس من حيث أحديّة ذاته، فإن نسبة الاقتضاء الإيجادي إليها ونفيه عنها من هذا الوجه على السواء، إذ لا ارتباط للذات بشيء من هذا الوجه، ولا مناسبة تقتضي بالتأثير أو التأثّر، فإن الأحكام والاعتبارات مُستهلكةٌ في الأحدية، وإنما الموجب لإيجاد الأشياء هو حكم العلم الذاتي الأزلي، لحيطته وعموم حكمه وتعلّقه بذات الحق وأسمائه وصفاته ومعلوماته”.[1]

تهتم هذه الرؤيةُ ببيان حاجة الإنسان العميقة لصلةٍ مباشرةٍ بالله، يلتقي فيها الإنسان وجودياً بالحق، عبر رحلةِ صعودٍ من عالمه الأرضي إلى الحق، وعودتِه من الحق إلى الخلق.[2] ويتجلى الله روحانياً وأخلاقياً للرؤية التوحيدية في التصوف الفلسفي.

يدرس التصوفُ الفلسفي طبيعةَ الحياة الروحية، ويحلّل خبراتِ الروح وحالاتِها المتنوعة، ويعمل على التعرّف على هذه الخبرات والحالات، وبيانِ أنماطها وكيفياتها وحقيقتها، ويحاول الاستدلالَ عليها.

ظهرت النواةُ الجنينية للتصوف الفلسفي مبكراً في نصوص أبي يزيد البسطامي والحسين بن منصور الحلاج، ونضج بناءُ المنظومة المعرفية لهذا النمط من التصوف، واكتملت معالمُ أركانه النظرية في آثار محيي الدين بن عربي. وأسهم فيه شيخُ الإشراق شهابُ الدين السهرودي، وعبدُ الحق بن سبعين، وصدرُ الدين القونوي، وجلالُ الدين الرومي، وعبدُالكريم الجيلي، وعبدُالرحمن الجامي، وملا صدرا الشيرازي… وغيرهم.

ويصطلح بعضُ الدارسين على التصوف الفلسفي “التصوف المعرفي”، والشيعةُ المتأخرون يسمونه “العرفان النظري”، تمييزاً له عن “العرفان العملي” الذي هو التصوف العملي السلوكي.

يختلف التصوفُ الفلسفي عن “التصوف السني” الذي هو تصوف عملي ينشغل بالعبادة والزهد، ويلتزم في سلوكه بما تقرّره المدونةُ الفقهية، وهو تصوف انتهى عند بعض أتباعه أخيراً إلى ضرب من الرهبنة والغياب عن العالم، وحتى الشعوذة والدروشة البهلوانية.

المؤسفُ أن مآلاتِ التصوف الفلسفي أمست على الضدّ من بداياته، بعد أن فشل الأتباع في التقاط مغزاه الدقيق، وما يهدف إليه من بناء صلة حيوية للإنسان بالله، تحميه من اغترابه الوجودي.

الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوف الفلسفي تؤسّس لصلة عضوية متدفقة للإنسان بالله، ينبع منها فهمٌ مختلف للدين، وقراءةٌ روحانية وأخلاقية للنصوص الدينية، خلافاً للرؤية الكلامية التي تبتني على نفي هذا النوع من الصلة العضوية، وتفشل في صياغة هذا اللون من الفهم للدين، وتعجز عن تجاوز القراءات المغلقة للنصوص الدينية.

ويختزن هذا النمطُ من الاغتراب عنفَ الأديان، إذ كلّما تمادت الرؤيةُ التوحيدية في التجريدِ الذهني، وخلقِ هوةٍ لامتناهية بين الله والإنسان، تمادى الإنسان في العنف، لأن مثل هذه الرؤية لا تكون إلّا مجموعة من المقولات المحنطة والمفاهيم الساكنة، العاجزة عن إيقاظ الروح وإيقاد جذوة السفر إلى الله فيها. ذلك أن المقولات الاعتقادية المحنطة والمفاهيم الساكنة تنفي الإنسان في الظلام بعيداً عن الله، وتصيّر العقيدةَ ميكانيكية تقطع الصلةَ الوجودية بين الله والإنسان، وتمعن في تغييبِه عن ربه، ونبذه في محلّ موحش يتعذر عليه أن يلتقي الله فيه.

وذلك ما قاد ابنَ تيمية وغيرَه من الفقهاء في الإسلام لتسويغ العنف بمختلف أشكاله، لأنه تمادى في بناء علاقة سلبية بين الله والإنسان، فرسم صورةً لله مفارقة للإنسان وغريبة عنه تماماً، وعمل على اجتثاثِ أيّة صلة مباشرة للبشر بالله، وتبعاً له قطع محمد بنُ عبد الوهاب أيَّة وشيجة وجودية للإنسان بالله، حتى أضحتْ زيارةُ النبي الكريم “ص” في مفهومه ضرباً من الشرك، فضلاً عن زيارة غيره من الأولياء، وهي رؤية تُفسّر التوحيد تفسيراً حرفياً مبسطاً، إذ تضع اللهَ في مقام قصي وتهبط بالإنسان إلى أحقر مقام، لا يتحقق فيه للإنسان أيُّ لقاء بالله، أو حضور بحضرته، فيعيش الإنسان حياةَ تشرّد مريرة.

الرؤيةُ للعالم في التصوف الفلسفي تقدّم تفسيراً للدين ولنصوصه يعيد للإنسان مكانتَه

المهدورة في الرؤية الكلامية للعالم، ذلك أنها تسمو به لمقام الإنسان الكامل، وكأنها تعمل على استدناء الإله وتعالي الإنسان ليلتقيا معا. إنها تؤسس لاهوتياً للتنوع والتعدّدية في العالم الأرضي، بوصف ما في عالمنا تجلياً لعوالم الربوبية وتنوّع الأسماء والصفات الإلهية فيها، فكلُّ إنسان في الأرض يمكن أن يكون مرآة تنعكس عليها هذه الأسماء، وتتخلق بهذه الصفات، حسب ظرف وعائها وطبيعة استعدادها.

لاهوتُ المتصوف لا يدعوه للاعتقاد بأنه الوكيلُ الوحيد لله، والناطقُ الحصري باسمه في الحياة، وأنه هو فقط من له الحقُ بامتلاك الحقيقية دون سواه، وإنما يمنحه رؤيةً للعالَم تسمح له بقبول تعدّدية المعتقَد واحترام الآخَر المختلف، بوصف الآخَر، مهما اختلف عنه، مظهراً وجودياً لاسم من الأسماء الإلهية المتنوعة. وهكذا تكون التعدديةُ في الأرض انعكاساً لتعددية الأسماء في العالم الربوبي.

كلُّ أشكال الاستبداد يقلقها لاهوتُ التعددية، لذلك تعمل على تحطيم الأسس الميتافيزيقية للتعدّدية، لأن الاستبدادَ يراها أخطرَ عدو يعمل على تفتيت بنيته اللاهوتية، لذلك يشدّد على استبعاد كلّ ثقافة ومعتقد ومقولة تنشد بناءَ الأسس الميتافيزيقية للتعددية.

الاغترابُ الميتافيزيقي

تفرضُ رؤيةُ الكائنِ البشري للعالَم الذي يعيش فيه كيفيةَ صلته بالعالَم، وتتحدّد تبعاً لها كينونةُ هذا الكائن، ويتشكّل نمطُ وجودِهِ. وتمثّلُ هذه الرؤيةُ إطاراً مرجعياً موجّهاً لتفكيرِهِ ومواقفِهِ وسلوكِهِ في الحياة.

لقد صنع علمُ الكلام رؤيةَ معظم المسلمين للعالَم، بعد أنْ تسيّدت الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين مبكراً الحياةَ الدينيةَ في عالم الإسلام، واستولت بالتدريج على شعورِ المسلم ولا شعورِه، وصاغت أشكالَ علاقته بذاته والآخر، وتشكّلَ في سياقها منطقُ التفكير الديني في الإسلام، وظهرت بصمتُها في تدوينِ مُختلَف علومِ الدين ومعارفِهِ. وانتهت إلى ضربٍ من الاغترابِ الوجودي للمتدين عن عالَمِهِ الذي يعيشُ فيه.

ففي لاهوتِ المتكلمين يغتربُ الإنسان وجودياً عن الله، لأن ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكي علاقةَ السيد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقة مالك برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، ويمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرفَ بكل شيء في حياتهم. وقد وُلدت عقيدةُ الجبر في أفق هذه الرؤية مبكراً، وأصبحت منبعاً لشرعنة الأشكال المتنوعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. وحاولَ بعضُ الفقهاء تسويغَ استبدادِ الحاكم في أدبيات الأحكامِ السلطانية، وتفويضه بحقِّ الاستحواذِ على السلطةِ واحتكارِها، وبحقِّ ممارسةِ كل ما من شأنه تدبير الشأن العام وبسط الأمن مادام عادلاً. ولا أدري كيف يمكن أنْ يجتمعَ الضدان (الاستبداد/العدالة) في أفعالِ وأوامر شخصٍ واحد، على نحوٍ يكون عادلاً في استبدادِهِ، ومستبداً في عدالتِهِ، وهو ما تفنَّن بعض المتكلّمين في تسويغِهِ، عندما نحتوا صورةً لله تحاكي شخصيةَ المستبدّ الظالم في أوامرِهِ، لكنَّه العادلُ مع خلقِهِ في تلك الأوامر.

إن الصورةَ التي صاغها المتكلّمون لله في كتاباتهم لا يتجلى فيها شيءٌ من رحمته، بل تظهر قاسيةً شديدةً، حيث عمل المتكلمُ على رسم صورةِ الخالق بوصفه مُعاقِباً لخلقه عقاباً مريراً، ومعذِّباً لهم عذاباً مريعاً، ومتسلِّطاً عليهم، يراقب كلَّ زلّةٍ أو خروجٍ عمّا فرضته تلك الصورةُ من أوامر ونواهي تتسع لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلّبت صورةُ الالهِ المرعبِ وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمستْ ما يشي بمحبةِ اللهِ لخلقِه، ورحمتِه، وعفوِهِ وتوبتِهِ ومغفرتِهِ لهم. من هنا نشأ جدلٌ واسعٌ بين المتكلمين حولَ مصير فاعل الكبيرةِ، حتى قال بعضُهم بخلوده في النارِ.

ولم تشأ تلك الصورةُ قبولَ التنوّع والاختلاف الطبيعي بين البشر، ولم تكفل حقَّ تكرار الخطأ للكائن البشري، ولم تقبل إلّا النموذج الواحد الذي صاغه علمُ الكلام، وهو نموذج يجب أنْ يتماثلَ فيه كلُّ البشر الذين يعيشون في الأرض أمس واليوم وغداً.

وكان من نتائج صورة الله هذه، بناء علاقة عدائية بين الله والإنسان، لأن رسمَ صورة مرعبة لله تقود الإنسان للنفور منه، والإنسان بطبيعته ينفر من كل ما هو مرعب، ولا ينجذب إلّا لمن كان محبوباً جميلاً.

قادتْ تلك الصورةُ المكفهرةُ الإنسان للهروب من الله، أثر ما أثارته من ذعر، وكآبة، وربما غثيان. فإنه لا يمكن أن يحبَّ الإنسان عدوَّه، أو يظل محايداً حياله، بل عادةً ما يلجأ لمقاومته، فإن لم يستطعْ يلجأ للاحتماء بالاختباءِ والغيابِ عنه تماماً. وعندما يحتجب الإنسان عن الله يحتجب اللهُ عنه. عندئذٍ ينتهي الحالُ بالإنسان للسقوطِ في الاغترابِ الوجودي، أو “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي هو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن الاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي والأيديولوجي. إنه ضياع كينونة الكائن البشري وتشرّدها عن أصل وجودها.

الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالها لا يتحقق ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الوجودي “الإلهي”. وهو ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ هيغل الذي يرى أن الاغتراب ينشأ من وعي الإنسان بالهوة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية “الروح المطلقة” أو العالم المثالي؛ فالإنسان يكون مغترباً عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ فيورباخ الذي يرى أن خيالَ الإنسان هو من اخترع فكرةَ الإله، وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الإنسان مُستلَباً، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء بينما سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ ماركس الذي جعل سببَ الاغتراب استغلال الرأسمالي للعامل، واستلاب قيمة عمله الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي ككائن بشري، واغترابِه عن عملية الإنتاج، واغترابِ العمال بعضِهم عن البعضِ الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ فرويد، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجود الحضارة واستلابها لغرائز الإنسان، إثر ما يحدث من تعارض بين متطلبات بناء الحضارة، وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلبات مضادة.

الاغترابُ الميتافيزيقي أنطولوجي، تتهشم فيه كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلص منه الإنسان إلّا ببناءِ صلةٍ حيةٍ ديناميكيةٍ بالله، تتحقق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحول الوجود إلى مسكنٍ يقيم فيه. وحيث يسكن الإنسان الوجودَ لن يعود غريباً، ذلك أنه عندما يجد ذاته يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقته بإلهِهِ، فيتحول من عداءٍ إلى حب، بل قد يتسامى الحبُّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحبيبُ هو الأنا.

ولا يعني الخلاصُ من أنواع الاغترابِ الأخرى الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الوجودي، إذ بعد أن تنقطع صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويشعر أنه يفتقدها. وعندما يفتقد الإنسان ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظي، وربما يتردى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية.

ويمكن العثور على الجذور العميقة للعنف في الاغترابَ الميتافيزيقي، فقد كشفت الدراساتُ الأنثروبولوجية عن اقترانِ العنف بالمقدّس. وتشير الكتبُ المقدّسة كالتوراة والقرآن إلى أن أولَ عملية عنف دموي في الحياة البشرية، قتل فيها أحدُ أبناء آدم أخاه، كانت أثر نزاع على قربان إلهي.

ونشأ اغترابُ الإنسان الوجودي عن الله عن إسقاط المتكلمين لصورة المستبدّ على الله. فقد تورط المتكلمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة التوحيد وصفات الله وأفعاله، وكان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمط علاقةَ الله بالإنسان. ووُلدت نظريةُ التكليف في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق نظرية التكليف. وتبعاً لذلك أنتجت هذه الرؤيةُ التوحيدية، التي يغترب فيها الإنسان وجودياً عن الله، فقهاً عنيفاً.

الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي عالجت الاغترابَ عن الله، ببناء صلة وجودية بين الله والإنسان، إذ يسافرُ الإنسان في ضوء هذه الرؤية إلى الله حتى يصلَ إليه، ويحضرَ في حضرته، كذلك يقترب اللهُ من الإنسان، حتى يصيرَ الإنسان مرآةَ الله وأظهرَ تجلياته، كما يشرح ابنُ عربي ذلك في مفهوم الإنسان الكامل، وأسفارِ الإنسان في عوالم الأسماء والصفات الإلهية، وكيف يصعد الإنسان في سُلّم تلك العوالم، ويتسامى ليتصل وجودياً بالحق. في إطارِ هذه الرؤية تتلاشى المسافاتُ بين الإنسان ومقامِ الربوبية، ويتخلص الإنسان من اغترابه الوجودي عن الله، فيكفّ الدينُ عن أن يكونَ منبعاً للعنف.

عندما نتحدث عن التصوفِ الفلسفي، وكيفيةِ رسمه لوحةً ميتافيزيقية مختلفة تماماً عن لوحة المتكلمين، لوحة يتصل فيها الإنسان بالله وجودياً، فيحرّره من اغترابه الوجودي، وتبعاً لذلك يتحرّر المتدينُ من الحاجة للعنف، فإن البحث يتناول الموضوعَ من زاوية تنشد الكشفَ عن أثر الاغتراب الوجودي، بوصفه يشكل البنية العميقة لظهور العنف. ولسنا بصدد استبعاد الأسباب الثقافية والأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية المختلفة للعنف، والتي لا يمكن نفي الأثر المباشر لها في ظهور الأنواع المتنوعة للعنف وتطور أساليب ممارسته.

صلة أفقية لا عمودية

ترتسم خرائطُ الاعتقاد في ميتافيزيقا التصوف الفلسفي بصورة تتبدّل فيها كيفيةُ صلة الإنسان بالله، إذ تصبح الصلةُ في سياق هذه الرؤية أفقيةً لا عمودية، بمعنى أنها صلةٌ قريبة جداً “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”[3]، لا تقوم على الاستعباد “سيد/عبد”، بل تقوم على المحبة “محب/محبوب”. وأسمى ألوان العبادة ما كان منبعُها الحب. ما يفسد العبادةَ في سياق هذه الرؤية كراهيةُ الخلق، يقول ابن عربي: “فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات”[4]، مثلما تفسد العبادةُ لو اتخذ الإنسان المعبود صنماً، حتى لو كان هذا المعبود هو الله.

وبتعبير أوضح، إن العلاقةَ بالله لا تبتني هنا على نظرية التكليف بمفهومها الكلامي، التي يكون فيها موقفُ الإنسان منفعلاً سلبياً، بل إنها تبتني على نظرية يكون فيها موقفُ الإنسان متفاعلاً إيجابياً، ذلك أن جوهرَ الصلة بين الإنسان والله، من منظور هذه الرؤية التوحيدية، هو الحب المتبادل: “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”.[5] ففي تصنيفه للحب إلى ثلاثة أشكال يشرح ابنُ عربي معنى الحب الإلهي بقوله: “وحب إلهي: وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه. كما قال: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. ونهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهراً للحق”.[6]

وفي ضوء هذه الرؤية تتقدم الرحمةُ على العنف. الرحمةُ تؤنسن البشرَ، وتعبّر عن أسمى أنماط علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. المتصوف يرى أن ما تنجزه الرحمةُ في الحياة يعجز العنفُ عن إنجازه. وقد لخص ابنُ عربي ذلك بقوله: “اعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء وجوداً وحكماً، وأن وجود الغضب من رحمة الله بالغضب. فسبقت رحمته غضبه، أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه.. فكل من ذكرته الرحمة فقد سعد، وما ثم إلّا من ذكرته الرحمة. وذكر الرحمة الأشياء عين إيجادها إياها. فكل موجود مرحوم… والرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، وهي الموجبة للحكم، وهي الراحمة. والذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به، وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه، وهو الراحم، ولا يكون الراحم راحما الا بقيام الرحمة به. فثبت أنه عين الرحمة”.[7]

بخروج التصوفِ الفلسفي من قفصِ المتكلمين في تفسيرِ صلةِ الإنسان بالله، واجتراحِه لتفسيرٍ مختلف، أسّس لرؤية توحيدية كانت أثرى منبع لتكريس النزعة الإنسانية في الدين، إذ مادام الخالقُ يتجلى في مرآة الخلق، فلا سبيل يوصِلُ إلى الخالق خارجَ السبيل الذي يوصِلُ إلى الخلق، وان أقصر طرق مشاهدته هي مشاهدة مرآته.

ينشد هذا الفهمُ للدين الوصولَ إلى الله عبر الإنسان، لذلك تتغلب فيه المقاصدُ الإنسانيةُ في كلِّ فعلٍ على الفهمِ الحرفي الذي يتورط في الاستغراق في الشكل ويهدر المضمون. حتى إنه لا يكترث أحياناً بنصّ صريح، عندما يعتقد أن الالتزامَ به حرفياً يضيّع عليه إنقاذَ حياة إنسان؛ فهو مثلاً يقدّم إطعامَ الجائع على الحج، لأن ايمانه يدعوه لتغليب ما هو أخلاقي على كلّ أمر آخر، مهما كان، وإن كان منصوصاً عليه. يقول أبو يزيد البسطامي: “خرجتُ إلى الحج، فاستقبلني رجلٌ في بعض المتاهات، فقال: يا أبا يزيد إلى أين؟ فقلتُ: إلى الحج. فقال: كم معك من الدراهم؟ قلت: معي مئتا درهم. فقال: طُف حولي سبع مرات، وناولني المائتي درهم، فإن لي عيالاً، فطفتُ حوله، وناولته المائتي درهم”.[8]

ذلك بإيجاز شديد المدلولُ الاجتماعي الإنساني للاهوت التصوف الفلسفي، وكان هذا الفهمُ في كلّ الأديان على الضدّ من فهم الاستبداد للدين، فقد أدرك الاستبدادُ مفاعيلَ هذا النمط من الفهم الإنساني للدين وتأثيرَه في تهشيم مرتكزات تسلطه وسطوته على حياة الناس، فأصرَّ على نبذه ومطاردته.

المعيار الأخلاقي في التفكير الفقهي

يتحرك التفكيرُ الفقهي المنبثقُ من رؤيةٍ كلاميةٍ في أفق مفاهيم لا تتبصر ما هو أخلاقي، لتضعه معياراً حاكماً في فهم مدلول الآيات والروايات التي يوظفها في الاستنباط، وإنما يحرص هذا التفكير على مراعاة القوالب الراسخة لأصول الفقه والأدوات المتوارثة في عملية فهم الآيات والروايات، التي يتمسك بها الفقيه ليحدّد في ضوئها فتوى تقرّر موقفاً حيالَ واقعة حياتية. حتى الفقهاء الذين يذهبون إلى أن العقل أحد مصادر الاجتهاد، ورغم تسويغهم للاستناد إليه في الفتوى إلا أنهم يرون “كل ما يثبت بالدليل العقلي، فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة”[9].

ولو قرأ خبير كيفية تشكيل مدونة الفقه في الإسلام يجد اهتمام المجتهد يتركز في استنباط الفتوى على الوفاء لأدوات الاستنباط ومدى الدقة في استعمالها وتطبيقها، لذلك يقبل المجتهد على الدوام الفتوى الناتجة عن التطبيق الصحيح لهذه الأدوات في فهم الآيات والروايات، بغضّ النظر عن مضمونها الأخلاقي. وقد أفضى ذلك إلى أن بعض الآراء في مدونة الفقه الإسلامي كانت على الضدّ مع أحكامِ العقل العملي “الأخلاقي”، كما في باب الحيل الشرعية وغيرها.

ونتيجة لهيمنة الفقه على الحياة، واتخاذه مرجعية في التفكير والسلوك، اختلط معنى الأخلاق بالفقه في عالم الإسلام، بل تسيّد فهمٌ لدى المسلم يختصرُ كلَ ما هو أخلاقي بما هو فقهي، حيث اقترن في الوجدان الإسلامي الواجبُ بالمعنى الفقهي بمفهوم الحُسْن بالمعنى الأخلاقي، واقترن المحرّمُ بالمعنى الفقهي بمفهوم القُبح بالمعنى الأخلاقي، مع أن الحُسْنَ والقُبحَ من أحكام العقل العملي “الأخلاقي”، وأحكام هذا العقل لا تتطابق دائماً مع أحكامِ الواجب والمحرّم في مدونة الفقه الإسلامي.

لقد تصدّعت الأخلاقُ في مدونة الفقه الإسلامي، ولم تكترث هذه المدونةُ بالنزعة الإنسانية في الدين، بعد أن ربطت كل معنى أخلاقي وإنساني بالفقه، وشدّدت على الصلة العضوية بينهما، وكأنه لا أخلاقَ خارجَ المدوّنة الفقهية، حتى صارت هذه القضيةُ واحدةً من المسلّمات المضمرة في العقل الفقهي. وذلك ما ضيّع شيئاً من معاني الأخلاق.

الفقهُ معرفةٌ دنيويةٌ تخضع للإطار المرجعي للفقيه، لذلك قد يستنبط فتاوى لا تتطابق بالضرورة مع أحكام العقل الأخلاقي. فهمُ الفقيه للنصوص يلتبس بذاته كما تلتبس كل عملية تفسير وفهم بذات المفسّر، وتتحكم بهذا الفهم رؤيتُه للعالم. والكثيرُ من فقهاء الإسلام تنبثق رؤيتُهم للعالم في أفق الرؤية الكلامية، وتأسر آراءَهم مقولات المتكلمين، بوصفها مسلّمات مضمرة تتحكّم بتفكيرهم، وتحدّد كيفية استدلالهم، وتوجّه اختياراتِهم عند تعارض الروايات واختلافها.

إن غيابَ المرجعية الأخلاقية في الاستنباط الفقهي يقود إلى نتائج تنقض مقاصدَ الشريعة أحياناً. فمثلاً نرى بعضَ الفقهاء يجيزُ سرقةَ المال العام بعنوان انه مالٌ مجهول المالك، ونجد تسويغاً عند فقهاء آخرين لهجاء غير المسلم، بل نجد اليوم من يجيز التشفي بغير المسلم حين تصيبه الكوارثُ الطبيعية، وغيرها من المواقف المستهجَنة أخلاقياً، باعتبارها ليست قبيحةً من منظور العقل الفقهي، مادام يجري عليها تطبيق القوالب الموروثة في الاستنباط.

وأتذكر أني ناقشتُ أحدَ الأعضاء المعروفين في الجماعات الدينية، عندما كان يزوّر العملةَ العراقية في أحد البلدان، ويهرّبها بكميات كبيرة للعراق، سنوات الحصار في تسعينيات القرن الماضي. فقلت له: لماذا تفعل ذلك، أليست هذه جنايةً على شعبنا الجائع المنكوب؟

أجابني: لقد حصلتُ على فتوى بجواز ذلك من فلان فقيه.

فقلت له: أنا خبيرٌ بالفقه، وهذا فعلٌ تمقته كلُّ شرائع السماء والأرض. فأخذ يزايد ويتبجح قائلا: نحن نتمسك بفتاوى الفقهاء، ولا نفعل ذلك اعتباطاً، وتزوير النقود واحدة من الوسائل التي نقاوم فيها نظام صدام حسين.

قلت له: أنا لا أعبأ بفقه لاأخلاقي يدمّر الأوطان. أنت لا تقاوم نظام صدام بفعلك هذا. أنت تحارب أهلنا في العراق، وتعمل على الإجهاز على شعبنا الجريح، لأنك تدمّر اقتصادَه، عندما تغرق الأسواق بالعملة المزوّرة، وكأنك لا تدري أن التزوير يحرق العملة الوطنية.

ولو لم تلتزم المرأةُ المسلمةُ مثلاً ببعض تفاصيل الحجاب الجزئية المنصوصة في المدونة الفقهية، وأخرجت من تحت غطاء رأسها خصلةَ شعر، فإن ذلك يعدّ سلوكاً مستهجناً من منظور فقهي يخلّ بمكانتها، وإن كانت هذه المرأةُ تصلي وتؤدي العبادات، وإن كان لسانُها وقلبُها وعينُها وسلوكُها نقياً، وأوقفت كلَّ حياتها لفعل الخير والعمل من أجل إسعاد الناس.

لكن انتهاكَ مسلمة أخرى لأحكام العقل الأخلاقي، ربما لا يخلّ بمكانتها في نظر البعض، مادامت ملتزمةً حرفياً بحدودِ الحجاب في المدونة الفقهية، حتى لو كان ذلك الانتهاكُ محرّماً فقهياً أحياناً، كالاغتياب والكذب والبهتان، والتجاوز على حريات الناس وحقوقهم .

الرؤية الجمالية للعالَم في التصوف الفلسفي

حاجةُ الإنسان للجمال حاجةٌ أبدية، والمتعةُ الجمالية التي تحدث عند تذوق تجليات الجمال في العالم رافدٌ أساسي للسلامة النفسية والتربية الروحية. يرى المتصوفةُ تجلياتِ الجمال الإلهي في العالم، ويرون الإنسان مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال. ولكلّ شيء في نظرهم جمالٌ يشاكله. ويتسع الأفقُ الروحي للجمال في رؤيتهم ليكون أفقاً كونياً مشتركاً، لا تضيق فيه مضائقُ الزمان والمكان وطبائعُ العمران وأحوالُ الانسان.

جمالُ العالَم أحدُ أهم العناصر المُلهِمة في الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي، فهو يعمل على تحرير الإنسان من اغترابه الوجودي، ويدعوه للتفاعل الإيجابي مع كلّ ما حوله. كلُّ إنسان يرى العالَم جميلاً لا يشعر بالغربة، ذلك أنّ من يعيش في عالَم يتذوق تجلياتِ جماله يعيش سلاماً روحياً، وكلُّ من يعيش سلاماً روحياً يحيا الخلقُ بجواره في سلام.

لقد عالجتْ الرؤيةُ التوحيدية للتصوف الفلسفي؛ ذلك عندما جعلت الجمالَ أحدَ أركانها الأساسية، وهو ما تشرحه مدونتُه في موارد عديدة، فابنُ عربي مثلا يتحدث عن جمال العالَم بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلّا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلي إلّا العالَم… فأوجد الله العالَم في غاية الجمال والكمال خلقاً وإبداعاً، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلّا هو، فأحب نفسه، ثم أحب أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالَم على صورة جماله، ونظر إليه فأحبه حب من قيده النظر، ثم جعل عز وجل في الجمال المطلق الساري في العالم جمالاً عرضيا مقيداً، يفضل آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”.[10]

يقترن الوعي الجمالي عند ابن عربي وغيره من المتصوفة بالمحبة إثباتاً ونفياً، إذ يكون الجمالُ ضربا من المحبة والمحبةُ ضربا من الجمال. لا محبةَ مالم يكن المحبوبُ جميلاً. عندما يلتقي الإنسان بالجميل كأنه يلتقي نفسه، لأنه يرى صورتَه فيه.

بعض المتصوفة، كجماعة المولوية التي أسّسها جلالُ الدين الرومي، تقترن لديهم التربيةُ الروحية بالموسيقى والإنشاد والرقص الدوار. ولم تمنعهم من ذلك مواقفُ كثير من الفقهاء التي تحرّم اقتناء الآلات الموسيقية، وتحرّم العزف عليها، وتمنع استماعه.

ما يدعو الإنسان للنفور من العالَم والشعور بالغربة مما حوله هو رؤيةُ العالَم مشوّهاً قبيحاً. لذلك يهتم المتصوفةُ بالتعبير الجمالي عن الدين، بوصفه ضمانةً لإحياء رسالة الدين في كل عصر، خاصة عندما يتفشى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

التنوع والاختلاف

كان ومازال عالَمُ الإسلام محكوماً برؤية توحيدية كلامية، يشعر الإنسان فيها أنه موجودٌ في منفى لا يلتقي فيه مع الله، ولا يتذوق تجليات جمال العالَم. وهي رؤيةٌ سلبية إقصائية، غيرُ منفتحة على الفِرَق والمذاهب والأديان والثقافات، في سياقها تشكّلت المدونةُ الفقهية، وانبثق منها معظم ما يتحكّم في سلوك المسلم من ثقافة ومعايير في العلاقات الاجتماعية والشؤون المعيشية.

تجاهلتْ رؤيةُ المتكلمين التنوعَ في الحياة البشرية، ولم تعبأ بالحق في الاختلاف، لذلك لم تجد التعدديةُ الفضاءَ الملائم لولادتها في تربتها، بعد أن حصرت الحقيقةَ والحقَ والنجاةَ في الفرقة الناجية.

وتبتني رؤيةُ المتكلمين على مُسلّمات ومُصادرات معرفية مضمرة، تقول بنهائيةِ المعرفة الدينية وأبديتها، وبلوغِها مدياتِها القصوى لدى السلف، وبراعتِهم في اكتشاف الأصول والقواعد الكلية لكل ما تتطلبه معرفةُ الدين وقراءةُ نصوصه في زمانهم وكل زمان، ولعلّ أوضحَ ما يشي بذلك القولُ الشائع: “ما ترك الأوَّلُ للآخِر شيئاً”.

الرؤيةٌ التوحيدية التي تبناها التصوفُ الفلسفي رؤيةٌ إيجابية، منفتحةٌ على الفِرَق والمذاهب والأديان والثقافات، لكنها ظلتْ مُحاصَرةً في حدود نخبة ضيقة على الدوام، ولم تسمح لها السلطاتُ السياسية والدينية بالعبور من الهامش إلى المركز في حياة المسلم.

هذه الرؤيةُ تحرص على اكتشاف التنوّع في الحياة البشرية، وتعتقد بالحق في الاختلاف، لذلك وجدت التعدديةُ الفضاءَ الملائم لولادتها في تربتها، لأنها لم تحصر الحقَ والنجاةَ في الفرقة الناجية، وأدركت أن الطرقَ متنوعةٌ للوصول إلى الحقيقة، وأنها متعددةٌ بتعدّد وجوهِها.

وتبتني رؤيةُ التصوف الفلسفي على مُسلّمات ومُصادرات معرفية مضمرة، مضمونها لا نهائية المعرفة الدينية ولا أبديتها، وعدم بلوغ هذه المعرفة مدياتِها القصوى في أيّ زمان، وليس هناك أصولٌ وقواعد أبدية يمكن استعمالها لكلّ زمان في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، فكلُّ عصر ينتج أصولَ فهمه للدين وقواعدَ تفسيره لنصوصه، في سياق تطور علوم الإنسان ومعارفه. المعرفةُ الدينية حقلٌ من حقول المعرفة العامة، وهي محكومةٌ بمنطق الخطأ والصواب وتطور الوعي المحكومةِ به معارفُ وعلومُ الإنسان كلّها.

في ضوء هذه الرؤية “نستطيع أن نتعاطى مع المدونة التفسيرية والكلامية والفقهية الموروثة بوصفها معرفةً بشرية تنتمي إلى سياقات تلقي وقراءة النص الديني في مراحله المتنوعة. ما يعني أن كلَّ عصر ينتج مدونتَه الخاصة، وهي مدونة لا يتسع كلُّ ما فيها للعصور كافة، ولا تستوعب عناصرُ الفهم فيها الآفاقَ التاريخية المختلفة”.[11]

ما يبقى لنا من التصوف اليوم

اكتنفت نشأةَ التصوف وحضورَه في الحياة الإسلامية الكثيرُ من الملابسات والظروف المتغيرة، التي جعلت العديدَ من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين والساسة يناهضونه ويُحذّرون المسلمين من الانخراط فيه. معظمُ الخلفاء والسلاطين والإقطاعيين ينفرون من التصوف، بوصفه يقترن غالباً بالزهد والتقشف، وتبخيس الجسد، ورَفَضه كثيرٌ منهم بوصفه احتجاجاً صامتاً على سياسات استبداد الحكام، وترفهم وغرقهم في الملذات الحسية.

كما رفض فهمَ المتصوفة جماعةٌ من المحدّثين والمفسرين، بوصفه أُغرم بتفسير باطني إشاري للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأدان هذا الفهمَ الفقهاءُ والمتكلمون، وقالوا بضلاله وتكفيره وخروجه عن الملة. وقد كانت وما زالت المرجعيةُ الشرعية في الاجتماع الإسلامي يتوارثها الفقهاءُ والمتكلمون حتى اليوم. ولم تكن لأقطابِ التصوّف وأعلامِه مرجعيةٌ في الفتوى أو إصدارِ أحكام التكفير أو الضلال. إذ لم تخرج حرفةُ التكفير عن الفقهاء والمتكلمين في الاجتماع الإسلامي.

التصوفُ ضربٌ من الاحتجاج على ضيقِ مجالات الحرية التي صادرتها السلطة، وضيقِ مجالات التفكير التي صادرها علمُ الكلام، وضيقِ مجالات الحياة التي خنقها الفقه. وكانت ردودُ أفعال التصوف انسحابَ الأعمّ الأغلب من المتصوفة من الحياة، والتشديدَ على الخلاص الفردي، عبر الخروج من العالم، بل والخروج من الجسد، والغيابَ عن المجتمع، والذي أفضى لدى بعض الجماعات الصوفية إلى ألوانِ من التدجين على نبذ الدنيا، إلى الحد الذي “حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[12]، وانشغل بنبذِ الحاجات الأساسية للجسد، والتنكرِ للحاجات النفسية والعاطفية، كالحاجة للجمال والابتهاج، والتورط في ممارسات هي أقرب للشعوذة منها للتربية الروحية أو تكريس الصلة بالله، والتضحيةِ بالكرامة الإنسانية، وعدمِ العفافِ في العيش، كما يفعل ذلك الشحاذون من المتسكعين الدراويش. حتى انتهت مآلاتُ الكثير من الجماعات الصوفية إلى محاكاة شكلية زائفة للمشايخ، والترويض على العبوديةِ الطوعية، ونسيانِ الذات كلياً.

وكان المريدون ومازالوا يخلعون هالةً روحية على أقطاب ومشايخ المتصوفة تبلغ حدَّ التقديس، بل التوثين أحياناً. فمثلاً تفشت الصورُ المضادّة للاهوت التصوف الفلسفي الذي رسمه بأجمل الألوان جلالُ الدين الرومي في المثنوي وغيرُه من كبار رواد التصوف الفلسفي، عندما تحوّل هؤلاءُ إلى أصنام لدى أتباعهم، بنحو تغلبت معه المثيولوجيا على التاريخ، والمتخيلُ على الواقع، والشعوذةُ على الروح، والشكلُ الأجوف على الجمال، والتوثينُ على الإلهام، والخرافةُ على العقل. وهكذا بدا التصوفُ في صورة عبادة بشعة للأشخاص، حين أمسى جلالُ الدين الرومي وغيره صنماً. وكما هو معروف، فإن الصنمَ لا يختص بالحجر، بل حتى الله صيّره بعضُ البشر صنماً. سُئل أبو يزيد ‫البسطامي: “مالنا نعبد الله ولا نجد لذة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، ولو عبدتم الله لوجدتم لذة العبادة”.

ما يبقى لنا من التصوف اليوم هو شيءٌ من عناصر التصوف الفلسفي، الذي برع في اكتشاف منابع مهمة لإثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. وأحدث اختراقاً مهماً في فهمِ الدين، وقواعدِ قراءة النص الديني، بعد أن لبث هذا النصُّ مسجوناً في آفاق قراءات المفسرين والمحدّثين والمتكلمين والفقهاء، والتي سجنت معها حياةَ المسلمين في مدارات مسدودة، تتكرّر فيها المقولاتُ والأحكامُ والتفسيراتُ والشروحُ والفتاوى ذاتُها، منذ تأسيس هذه المعارف في عالَم الإسلام حتى اليوم.

ما يبقى لنا من التصوف الفلسفي اليوم هو مغزى الرؤية التوحيدية التي رسمها للعالَم الربوبي، وكشف فيها عن الصلة الوجودية الحية بين الله والإنسان. لكنّ الكثيرَ من الإسقاطات اللاهوتية في تفسيرات مفاهيم هذه الرؤية فرّغتها من محتواها المُلهِم. فقد تعرضت رؤيةُ التصوف الفلسفي لطبيعة الصلة الوجودية بين الله والإنسان لقراءات بعيدة عمّا ترمي إليه، ساقتها إلى الغلوّ بأهل البيت والصحابة والمشايخ الصوفية، حين تم توظيفُها، على الضدّ مما تنشده، كأساس معرفي للاهوت الغُلاة.

ولم يتنبه معظمُ المهتمين بالتصوف الفلسفي لمغزى رؤيته التوحيدية العميق، ذلك المغزى الذي أراد التصوفُ الفلسفي من خلاله أن يعيدَ بناءَ الصلة الوجودية بين الله والإنسان في إطار مختلف كلياً عن رؤية علم الكلام. إطار يتحرر ضمنه الإنسان من المنفى المسجون فيه، الذي تضيع فيه روحُه، ويحتجب فيه اللهُ عنه، والذي حبسته في متاهاته الرؤيةُ المهيمنةُ لعلم الكلام على التفكير الديني في الإسلام.

عالَم اليوم غير عالَم الأمس

عالَم اليوم غير عالَم الأمس، عقلانيةُ اليوم غيرُ عقلانية الأمس. عقلانيةُ المعتزلة الدينية وغيرهم كانت ترتكز على بداهات عقلانية الأمس ومصادراتها. وكلّها تحيل على بداهات ومصادرات المنطق الأرسطي والعقلانية اليونانية ورؤية العالم آنذاك، في حين تحيل عقلانيةُ اليوم على بداهات ومصادرات الفلسفة والمنطق الحديث وفلسفة العلم والمعارف الإنسانية ورؤية العالَم اليوم.

لا يمتلك التصوفُ الفلسفي خلطةً سحرية أو إكسيراً يعد بكل ما تتطلبه حياتنا الروحية اليوم، لأن متطلبات الحياة الروحية في عالَم اليوم لا تقتصر على متطلباتها في عالَم الأمس. فمثلما ينتج كلُّ عصر فهمَه للدين وقراءته للنص الديني، في ضوء تطورِ العلوم والمعارف، والأفقِ التاريخي للقارئ والمتلقي، ينبغي أن يعيدَ عصرُنا إنتاجَ روحانيته التي تداوي آلامَ الروح ومواجعَها وغربتَها اليوم، وقراءةَ القرآن والنصوص الدينية في سياق علومِ ومعارفِ اليوم، والأفقِ التاريخي لعصرنا، دون أن يتجاهلَ العناصرَ التي مازالت حيّةً في المدونة الموروثة الخصبة للتصوف الفلسفي.

وهكذا لم يعد مفهومُ السعادة بكلّ عناصره هو المفهوم الذي صاغته مدونةُ الأخلاق في تراثنا أمس، عندما استلهمت شيئاً من سلة مفاهيم السعادة في أثينا والإسكندرية وفارس. وليست كلُّ وسائل تحقيق السعادة اليوم هي وسائلها أمس. فقد تمحور اهتمامُ الباحثين عن السعادة اليوم حول معرفة منابع إلهام السعادة، وكيف يتمكن الإنسان من: إنتاجِ المعنى لحياته، والشغفِ بالأشياء والأفعال، والاستمتاعِ بها، بوصفها ضرورةً للخلاص من الشعور باللاجدوى والملل والألم.

ويخلص الباحثون في هذا الحقل إلى آرائهم في ضوء ما تؤشر اليه المؤشرات في الدراسات العلمية الجديدة عن السعادة، فمثلاً نجد مؤشراتِ السعادة اليوم تشير إلى أن بعضَ المجتمعات غير الإسلامية في أرقى لائحة الشعور بالسعادة، فيما تشير هذه المؤشرات إلى أن مجتمعات عالَم الإسلام في أسوأ مرتبة لائحة الشعور بالسعادة. وذلك يدعونا إلى إعادة النظر في تشريح مفهوم السعادة، والكشف عن منابع إلهامه اليوم، فليس بالضرورة أن يتمكن ما كان يسعد إنسان الأمس كلُّه من أن يسعد إنسان اليوم.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناء ضمير أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من انتهاك الكرامة وتضييع الحقوق وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ أليس يفتقر هذا التراثُ رغم سعته إلى مقاربة واقعية تتبصر طبيعةَ الكائن البشري بعمق؟

ما نعنيه بافتقارِه لمقاربة واقعية تتبصر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادة، وُلِدت في سياقات إسلامية متنوعة، تعود إلى مجتمعات إسلامية في أزمنة مختلفة، وتنحدر من ثقافات وإثنيات عديدة، وتحيل إلى مرجعيات ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره، وصياغةِ رؤية تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة توازن حيوي، يستجيب لاحتياجات مكوّنات كينونة الكائن البشري، ويشبعها في سياق أخلاقي، لا يقدّم الجسدَ قرباناً للروح، ولا يجعل العقلَ قرباناً للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

سيلبث الأبناءُ في متاهات مادامت التربيةُ الروحيةُ والأخلاقيةُ والجماليةُ والذوقيةُ غائبةً عن المقررات الدراسية. هناك ضرورة عاجلة لتبني مقررات دراسية حديثة في كافة مراحل التعليم الأساسي للناشئة في بلادنا، تستقي من الموروث الروحي والأخلاقي والجمالي لديننا وتراثنا، ومما هو مشترك إنساني عام في موروث الأديان والثقافات البشرية، وفلسفات الدين والأخلاق والجمال الحديثة والمعاصرة.

أضحت مجتمعاتُنا اليوم ضحيةَ رؤيةٍ ميتافيزيقةٍ للعالم لم تعد تصغي إليها، ينتجها علمُ كلامٍ قديمٍ لم يعد يتبصر قلقَها الوجودي، ولا يدرك منابعَ ضغائنها، وعاجز عن تشخيص أسباب أمراضها.

وعادة ما تمرض المجتمعاتُ عندما تمرض أديانُها، ولا خلاصَ لأيّ مجتمع إلّا بالخلاصِ من الأمراض التاريخية المزمنة لديانته. ولا تدّعي هذه الكلماتُ أنَ الشفاءَ من تلك الأمراض يتلخّص في تبني الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي، لأن ذلك فضلا عن أنه غيرُ ممكن، إذ لا يمكن استئناف عالَم مفاهيم عصر في عصر آخر كما هي، فهو أيضاً ضربٌ من الجهل بمتطلبات الحياة الروحية والأخلاقية في عالَم اليوم، والتي لم تعد الرؤيةُ التوحيدية للتصوف الفلسفي تستجيب لكلّ ما يشبعها.

من الضروري ألّا تقفَ الدراسات في حقل الإيمان والاعتقاد عند محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهما، وينبغي ألا نتعاطى مع آرائهم بوصفها حقائقَ نهائية متعالية على الزمان والمكان والمعرفة ومتغيرات الثقافة والحضارة في المجتمعات؛ ذلك أن رؤيتَهم تعبّر عن اجتهادٍ بشري في فهمِ الدين وقراءةِ النصّوص، وتحليلِ التجارب الدينية، وتفسيرِ خبرات الروح ومكاشفاتها، وأيُّ اجتهاد للبشر يتأثر بمعادلات المعرفة والثقافة والمال والسلطة في زمانه. وأن كيفيات توالد الأفكار البشرية وصيرورتها عبر الزمان لا يمكن أن تكرّر ما كان كما كان.

تركيا / قونيه 9 أغسطس “آب” 2017 – بغداد 19 أغسطس “آب” 2017

[1] صدر الدين القونوي. شرح الأربعين حديثاً. تحقيق: حسن كامل ييلمار. قم: انتشارات بيدار، 1372 ش = 1993 م، ص 30

[2] وهو ما يصطلح عليه: “الأسفار الأربعة”، ومنه جاءت تسمية كتاب ملا صدرا الشيرازي: “الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة”.

[3] سورة ق، 16.

[4] محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية (4 ج)، بيروت: دار صادر، جلد2، ص 113، الحب الإلهي.

[5] المائدة، 54.

[6] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مج). بيروت: دار صادر، مج 2: ص 111، مراتب الحب.

[7] محيي الدين بن عربي. فصوص الحكم، الفص الزكرياوي.

[8] أبو يزيد البسطامي. المجموعة الصوفية الكاملة. تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس. بيروت: دار المدى، 2006، ص 48.

[9]محمد باقر الصدر. الفتاوى الواضحة. بيروت: دار الكتاب اللبناني – القاهرة: دار الكتاب المصري، ط 3، 1977، ص 15.

[10] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص 269.

[11] عبد الجبار الرفاعي. “الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان”، في: موسوعة فلسفة الدين، ج4.

[12] الأعراف، 32.




المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير ودراسة القرآن

بقلم: ريتا فرج — قدم الاستشراق الكلاسيكي إسهامات بارزة في الدراسات الإسلامية والقرآنية. وعلى رغم سيطرة النزعة الإسقاطية والتلفيقية على العديد من مذاهبه، ليس من المفيد التغاضي عن الإنجازات المعرفية التي حققها. لقد نُظر إلى الإسلام لفترات طويلة من قبل الوعي الثقافي والسياسي الأوروبي، بأنه دين التعصب والعنف وبأنه «إلغاء للمسيحية»، وبأن محمداً «عدو المسيح»، وانعكس ذلك في الأدبيات والحوليات والوثائق الأوروبية، التي أتت في سياق الردّ اللاهوتي والعقائدي. وحتى القرون الوسطى بقيت الكتابات الأوروبية تستخدم مصطلحات مثل: «الإسماعيليون» أو «السراسنة» (Sarrasins) أو «الهاجريون»، حين كانت تتحدث عن المسلمين، ولم تستعمل عبارتي «مسلم» أو «إسلام» قبل القرن السادس عشر.
طغت على التفكير الأوروبي بدءاً من القرن الثاني عشر ميلادي، البحوث الهادفة للرد على القرآن والإسلام لمصلحة الدفاع عن العقائد المسيحية. يلاحظ الكاتب والأكاديمي رضوان السيد أن «تقسيم التعامل مع القرآن من جانب الأوروبيين حتى القرن الثامن عشر» أتى في مرحلتين كبريين: مرحلة العصور الوسطى المتأخرة (12-16م) ومرحلة عصر النهضة والأنوار؛ في المرحلة الأولى كانت المقاربات لاهوتية الطابع، وذات صبغة نقضية. وفي المرحلة الثانية صارت المقاربات شاملة تتعلق برؤية العالم، وعلاقات الشرق بالغرب والإسلام بأوروبا المسيحية. وفي القرن التاسع عشر، ما عاد هدف الاهتمامات بالقرآن عند كل من أبراهام غايغر وغوستاف فايل وشبرنغر وهرشفلد وموير الردّ على القرآن ونقضه، بل قراءته قراءة فيلولوجية تاريخانية، باعتبار ذلك المنهج السائد في سائر العلوم الإنسانية آنذاك». وللمنهج التاريخاني –كما يلفت السيد- «خاصتان بارزتان: أنه من نتاجات إنسانويات القرن الثامن عشر، وأنه مذهب وضعي. لكن فيه عرقاً معادياً للدين(…) وقد ساد في الدراسات الاستشراقية الحديثة اعتبار كتاب المستشرق الألماني البارز تيودور نولدكه «تاريخ القرآن» التأسيس العلمي الباقي للدراسات القرآنية في العصر الحديث» وسيطر «كتاب نولدكه على الدراسات القرآنية حتى مطلع الستينات، وقد أثر في الدارسين على الخصوص تقسيمه للسور المكية إلى ثلاث مراحل، وتحديد الخصائص الأسلوبية في كل مرحلة، وأثر في الدارسين ذهابه في أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم اتخذ من نبوته أنبياء بني إسرائيل أنموذجاً له. ولذلك ولأن العهدين لم يترجما إلى العربية قبل الإسلام، فقد جمع النبي معلوماته عنهما شفوياً، وفي كثير من الأحوال، عن المنحولات والتفاسير والمأثورات الشعبية اليهودية والمسيحية، ولذلك تكثر في القرآن الألفاظ والموضوعات السريانية والآرامية والإثيوبية والعبرية» (راجع: السيد، رضوان، جوانب من الدراسات القرآنية الحديثة والمعاصرة في الغرب، موقع رضوان السيد).
يُعد المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (1900-1973) من بين المستشرقين الذي تأثروا بمنهجية تيودور نولدكه (1836-1830) واتضح ذلك في ترجمته للقرآن الكريم إلى الفرنسية في كتابه الصادر عام 1949 والذي ضمنه مقدمة طويلة، ورتب القرآن الكريم في هذه الترجمة وفقاً لما اعتبره أنه ترتيب نزول السور والآيات (3 أجزاء)؛ وفي طبعة أخرى عامة (1957) عاد إلى الترتيب الأصلي الوارد في المصحف.
ولد بلاشير في ضاحية مونروج (باريس) وسافر مع أبويه إلى المغرب عام 1915، حيث كان أبوه موظفاً في متجر، ثم موظفاً صغيراً في الإدارة الفرنسية في مراكش التي أعلنت عليها الحماية الفرنسية قبل ذلك بثلاث سنوات. قضى دراسته الثانوية في مدرسة فرنسية في الدار البيضاء، وتخرج في جامعة الجزائر عام 1922 من كلية العلوم الإنسانية، وعُيِّن عام 1929 في «معهد الدراسات العليا المغربية» واستمر في عمله حتى عام 1935، وحصل على دكتوراه دولة عام 1936 من جامعة باريس برسالتين: الأولى عن «شاعر عربي من القرن الرابع هجري: أبو الطيب المتنبي» (يعتبر بلاشير أول من عرّف بالمتنبي في الثقافة العالمية)؛ والثانية ترجمة فرنسية لكتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي. عيَّن بعد ذلك أستاذاً للغة العربية الفصحى في «المدرسة الوطنية للغات الشرقية» (باريس)، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1950، حيث شغل كرسي اللغة والأدب العربيين في جامعة السوربون حتى تقاعده عام 1970 (راجع: بدوي، عبدالرحمن، موسوعة المستشرقين، طبعة جديدة منقحة ومزيدة، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1993، ص 127 ). وضع بلاشير مجموعة من الكتب بالفرنسية من بينها: «تاريخ الأدب العربي منذ البداية حتى نهاية القرن الخامس عشر» (ثلاثة أجزاء) (الجزء الأول: 1952، الجزءان الثاني والثالث: 1964 وقد توفي قبل أن يتممه) – نقل إلى العربية بترجمة إبراهيم الكيلاني (دار الفكر المعاصر بيروت، دار الفكر دمشق، 1998-؛ «مشكلة محمد» (1952) (لخص فيه أبحاث المستشرقين الذين كتبوا عن حياة النبي)، «على خطى محمد» (1956)، « مقاطع من الجغرافيا العربية في القرون الوسطى « (1958 بالاشتراك مع هنري دارمون) هذا إلى جانب إصداره قواميس وكتب أخرى في اللغة العربية وقواعدها منها: «قواعد اللغة العربية الكلاسيكية» بالاشتراك مع موريس غودفروي «عناصر اللغة العربية الكلاسيكية» (1958).
أعطى بلاشير اللغة العربية وآدابها الأولوية في أبحاثه، غير أن ترجمته للقرآن الكريم إلى الفرنسية (تمت أول ترجمة للقرآن في أوروبا بين عامي1141- 1143م إلى اللغة اللاتينية بتوجيه وطلب من الأب بيتروس فينيرا بيليس المعروف بـ «بطرس المبجل») والترتيب الذي اعتمده وشروحاته وتعليقاته في المقدمة، تركت صدى أوسع؛ ويرى كثيرون أن ترجمته تُعد الأفضل بين الترجمات الفرنسية. استند بلاشير إلى المنهج التاريخاني في دراساته للقرآن؛ وهذا المنهج يعتبر أن تفسير النص يجب أن يكون مرهوناً بتاريخه، فلا يمكن فصل أي نص عن تاريخه. «وقد عوّل المستشرقون كثيراً على هذا المنهج وإجراءاته في قراءة النصوص الأدبية والدينية، بغية القول إن النصوص بما فيها القرآن هي إنتاج منطقي وطبيعي للأفكار المنتشرة في تلك البيئة، كما نجد ذلك عند [المستشرق المجري] جولدتسيهر القائل إن «تبشير النبي العربي ليس إلاّ مزيج منتخب من معارف وآراء دينية عرفها واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثراً عميقاً» (بن عامر، محيي الدين، القراءة التاريخية ومقوماتها التأويلية عند المستشرق بلاشير لمقومات العقيدة الإسلامية في السور المكية، مؤمنون بلا حدود، 2016، ص6).
لجأ بلاشير في كتابه إلى الترتيب السور القرآنية وفق الأنموذج الذي وضعه نولدكه (السور المكية: سور الفترة المكية الأولى، سور الفترة المكية الثانية، سور الفترة المكية الثالثة؛ السور المدنية) مشككاً بصحة الروايات الإسلامية. في هذا السياق يقول: «تدل التجربة في ما يبدو على أن التقيد في المراحل الزمنية للترتيب الذي اقترحه نولدكه، وأخذ به بعض المترجمين، يجعل قراءة المصحف سهلة بل ممتعة» (المرجع السابق). اعتبر «بلاشير» أن قراءة القرآن الكريم قراءة خاطئة لا تنضبط للتسلسل الزمني لتواتر السور»، داعياً إلى ضرورة البحث عن ترتيب زمني للسور، طالما أن الترتيب الذي عليه القرآن حالياً ترتيب مصطنع يشي بالروح الفوضوية التي كان عليها العرب في ذلك الوقت، الأمر الذي استدعى هجر هذا الترتيب والبحث عن آخر، ينضبط للتسلسل التاريخي في النزول: «من أجل فهم الكتاب المقدس للمسلمين تاريخياً يمكن الرجوع إلى التسلسل الزمني(…) من أجل مساعدة القارئ». وقد قسم سور القرآن إلى أربع مراحل، فاصلاً بين كل مرحلة من هذه المراحل الأربع بما تتميز به كل مرحلة عن الأخرى من سمات (الصنهاجي، أنس، القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية الفرنسية مناولة بلاشير أنموذجاً، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية).
طرح بلاشير أفكاراً لا تختلف كثيراً عمّا طرحه بعض المستشرقين بخصوص مسألة التأثير، أي تأثر الرسول بالنصوص الدينية اليهودية والمسيحية «إذ اعتبر أن القصص القرآني يرجع إلى مصدر يهودي مسيحي، معتمداً في حكمه هذا على ما زعم من وجود علاقات مستمرة، كانت تربط مؤسس الإسلام بالفقراء المسيحيين في مكة». وفي حديثه عن تكوين المصحف رأى أنه «خلال المرحلة الأولى المشتملة على الأعوام العشرين من الدعوة الإسلامية التي قام بها محمد نفسه، لم تزل المنزلات بكاملها تودع الذاكرة، وتنقلها الألسن إلى الآذان، ولا شك في أن مفهوم النصّ المكتوب كان حاضراً في أذهان المهتدين المكيين الذين لم يتجاوز عددهم المئة إبان الهجرة سنة 622م. ويبدو أن فكرة تدوين مقاطع الوحي المهمة التي نزلت في السنوات السالفة على مواد خشنة من الجلود واللخاف، لم تنشأ إلا بعد إقامة محمد في المدينة» (بلاشير، ريجيس: القرآن نزوله وتدوينه وترجمته وتأثيره، ترجمة: رضا سعادة، دار الكتاب، بيروت، الطبعة الأولى، 1974، ص 29-27). خلص بلاشير إلى أن معظم نصوص الوحي كانت عند وفاة النبي محفوظة في الصدور، أما المكتوب فلا يتجاوز بعض نسخ جزئية دونت بطريقة بدائية، يصعب قراءتها إلا إذا كان القارئ يعي النص المكتوب في ذاكرته (راجع: الحلاق، ثائر، مناهج المستشرقين في دراسة الإسلام: دراسة وصفية تحليلية، جامعة دمشق، متوافر على شبكة الإنترنت).
إن خلاصات المستشرقين الكلاسيكيين تم التعامل معها من قبل الباحثين والأكاديميين العرب وفقاً لثلاثة ردود: الأول: هجومي كونها تناقض القراءات التراثية؛ والثاني، تقريظي إذا تواءمت معها؛ والثالث: علمي سعى إلى قراءة الأدبيات الاستشراقية برؤية نقدية هادئة والبناء عليها والإفادة من مناهجها.
ترك منهج بلاشير تأثيراً في الدراسات القرآنية لدى المتخصصين في علم الإسلاميات وفي مقدمتهم محمد أركون، وإن تجاوزه لاحقاً باتجاه «المنهجية التعددية». يسجل البعض عليه مغالطات عدة، لكن لا يمكن التقليل من جهوده في ترجمة القرآن ودراسة الشعر والنثر العربيين.

المصدر: الحياة




مؤتمر دولي حول بديع الزمان سعيد النورسي

بقلم: محمَّد حلمي عبدالوهَّاب — شاركتُ، على مدى ثلاثة أيام، 1-3 تشرين الأول (أكتوبر)، في فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر لبديع الزمان سعيد النورسي، الذي أقامته مؤسسة اسطنبول للثقافة والعلوم، والذي كان مقرراً عقده العام الماضي وأُجِّل بسبب محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) 2016. وقد عُقد المؤتمر تحت عنوان: «العمل الإيجابي البنَّاء في ضوء القرآن الكريم والسُنّة النبوية»، بمشاركة أكثر من 100 متحدث من مختلف بقاع العالم وباللغات التركية والعربية والإنكليزية. وكانت مشاركتي بعنوان: «مركزية التربية الروحية وفاعليتها في فكر بديع الزمان سعيد النورسي».
في الواقع، ليس من قبيل المصادفة أن يكون الدَّرس الأخير، الذي ألقاه النورسي قبيل وفاته على طلبة النُّور، بعنوان: «حول العمل الإيجابي البنّاء». فقد قضى صاحب الدَّرس حياته كلَّها في سبيل غاية كبرى تُعَدُّ، في رأيه، غاية الغايات، ألا وهي: «العمل الإيجابيُ البنَّاء»، في مقابل سَعْي الآخرين «للعمل السَّلبي الهدَّام»!، وكأنه بذلك يُشدِّد على «مركزية» هذا الـمسعى باعتباره «الكلمة الأخيرة»، بعد أن أتمَّ رسالته التَّربوية الرُّوحية التَّزكوية على أكمل وجه. وهو ما أكده في رسالته الأخيرة، وشدَّد عليه بالقول: «إن واجبنا القيام بأعمال إيجابية بنّاءة وليست تخريبية سلبية، بل القيام بوظيفة الإيمان ابتغاء مرضاة الله وحده لا غير ومن دون التدخل في أمور موكولة إليه تعالى. فنحن مكلّفون أن نصمد صابرين على كل الـمضايقات لأجل إحلال النظام واستتباب الأمن في ربوع البلاد».
وضمن هذا المسلك، تتوضَّح قواسم مُشتركة تُعدُّ بمثابة منظومةٍ للقيم العُليا التي يتعيَّن على «سالك النُّور» أن يبتغيها في نفسه وسلوكِه؛ امتثالًا لمبادئ الدُّستور القرآنيِّ من ناحية، وتأسِّياً بنهْج الشَّيخ/ الأستاذ في التَّربية الرُّوحيَّة من ناحية أخرى. فمن جهة أولى، هناك الثبات على المبادئ، والوقوف ضدَّ كلِّ مظاهر التَّحَكُّم والتَّسلُّط والاستبداد التي عايشها وعانى منها طلبة النور وأستاذهم النورسي. ومن جهة أخرى، هناك التَّخلُّق بفضائل العفو والرَّحمة والتَّسامُح، قياماً «بالخدمة الإيمانية ضمْن نِطاق الرِّضى الإلهيِّ» أولاً، وأخذاً بعين الاعتبار «أنَّ المسألة الأساسية في هذا الزَّمان إنَّما تتعلَّق بالـجهاد الـمعنويِّ، وإقامة السَّدِّ الـمنيع أمام التَّخريبات الـمعنوية، وإعانة الأمن الدَّاخلي بكلِّ ما نملكُ من قوَّةٍ، اتّباعاً لدستُور الآية الكريمة: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ» ثانياً.
ولا شك في أن الـحديث عن مفهوم «العمل الإيجابي البنَّاء» في رسائل النُّور، قد أوجب علينا أن نُقارب -من هذه الزَّاوية تحديداً- مسار ومسيرة النورسي في حياته العملية، بوصفها تجلِّياً أمْثَل لِتَعَيُّن وتَشَكُّل هذا الـمفهوم/ الـمبدأ في شخصه وسلوكه ومواقفه العملية، التي رسمتْ لجموع السَّالكين سُبُل «التَّخلِّي» عن ضرُوب الأنانية والطَّمع وحبِّ النَّفس، كما رسمتْ لهم أيضاً معالِمَ «التحلِّي» بأخلاق التَّضحية والتَّفاني والإخْلاص الحقيقيِّ للَّه عزَّ وجلَّ.
ومما لا شكَّ فيه أيضاً، أنَّ النُّورسي قد وجَّه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة «التَّربية الرُّوحية»، أو بالأحرى «التَّزكية»، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهْم لكلِّ عملية تربوية تبغي إخراج جيلٍ قرآنيٍّ ربانيٍّ يُساهم من خلال «العمل الإيجابيِّ البنَّاء» في خلافة الأرض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الـملْقاةِ على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها؟! فبفضل «التَّربية الرُّوحية» التي نالها في صغره وما تضمنتْهُ من مجاهداتٍ تشبَّع النُّورْسِي بالـحقائق الـمكنونة في القرآن والسنة، حتَّى أنه وصف كتابه «الكلمات» بأنّه كتابٌ «يبحثُ في علم الحقيقة؛ حقيقة الشَّريعة، حكمةِ القرآن الكريم»، الحكمة التي كانت بالنِّسبة إليه دليلاً ومرشداً، فأعلن على رؤوس الأشْهاد: «لأُبرْهِننَّ للعالم بأنَّ القرآن شمسٌ معنويةٌ لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاءُ نورها».
وانطلاقاً من القرآن الكريم، الذي حثَّ في آيات كثيرة على ضرورة التَّزكية، واتّساقاً مع تركيز النُّورسي على الجانب العمليِّ في التَّربية الرُّوحيَّة، أكدَّ بديع الزَّمان أنَّ الطَّرائق إلى الخالق عزَّ وجلَّ كثيرة ومتعدِّدة، لكنَّ مردَّها جميعاً إلى القرآن الكريم، ويُتابع قائلاً: «وقد استفدتُ من فيض القرآن الكريم طريقاً قصيراً وسبيلاً سوياً، هو: طريق العجْز، الفقْر، الشَّفقة، التَّفكُّر». ويدلّل النُّورسي على طريقه المختصر للسَّالكين بمنطق الثنائيات، فـ «العجزُ كالعشْق طريقٌ مُوصِّلٌ إلى الله، بل أقرب وأسلم، إذ هو يُوَصِّلُ إلى المحبوبية بطريق العبوديَّة. والفقر مثله يُوصِّل إلى اسم الله (الرَّحمن)، وكذلك الشَّفقة كالعشْق مُوصِّلَةٌ إلى الله، إلَّا أنَّها أنفذُ منه في السَّير وأوسعُ منه مدى، إذ هي تُوصِّلُ إلى اسم الله (الرَّحيم). والتَّفكُّر أيضاً كالعشْق، إلا أنَّه أغْنى منه وأسطع نوراً وأرحب سبيلاً، إذ هو يُوصِّل السَّالك إلى اسم الله (الحكيم)».
وتأكيداً على «مركزية التّزكية» في منهج الأستاذ النورسي التَّربويِّ العمليِّ، نراه يشدِّد -في أكثر من موضع- على ضرورة التَّزكية بوصفها تُمثِّل المنبع الأول للطَّريق الصُّوفي الصحيح. يقول في ذلك: «أمَّا منابع هذه الخطوات الأربع من القرآن الكريم، فهي: «فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ» التي تُشير إلى الخطوة الأولى (العجز). «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» التي تشير إلى الخطوة الثانية (الفقر). وقوله تعالى «ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ * وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ» التي تشير إلى الخطوة الثالثة (الشفقة). وقوله تعالى «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» التي تشير أخيراً إلى الخطوة الرابعة (التفكُّر).
ولعلَّ ذلك كان سبباً قوياً في اكتسابه تلك القُدرة الفريدة المتعلقة بتحويل «المحن» العديدة التي مرَّ بها إبَّان مختلف أطوار حياته، إلى «منحٍ» إلهيَّة، وصولاً إلى تحوُّله هو شخصياً من «سعيد القديم» إلى «سعيد الجديد»، وما رافق ذلك من منطق الثنائيات الحاكم لمسارِ حياته: فمنْ مهمَّة إنقاذ الخلافة إلى مهمَّة إنقاذ الإيمان، ومن مسْلك الزُّهْد إلى خدْمة القرآن، ومن الصَّحْوة الرُّوحية بعد الوقوع في الأسْر إلى انزوائه في تلِّ يُوشَعْ وتحوُّلِه إلى «سعيد الجديد» بانكشافٍ روحانِيٍّ وانقلابٍ قلبيٍّ وفكريٍّ، ومن مسلك التَّفكُّر والتَّأمُّل إلى ثلاثية: العجز والفقر والشَّفقة، ومن مخايل النُّبوغ في عهد الصِّبا وتلقُّبِه ببديع الزَّمان إلى حصول الانقلاب الفكريِّ واتِّهامه بالجنون وإيداعه مستشفى المجانين، ومن الاشتغال بالعلوم العقلية «الكسْبيَّة» إلى حصول المعرفة الإلهيَّة «الّلدُنِيَّة»، ومن الظَّلام الرُّوحي الناتج من الاشتغال بالفلسفة إلى تحقُّق الاستنارة عن طريق القرآن وإزالة العوائق عن طريق القلب، ورحلة النَّفس في البحث والتحرّي عن أذواقٍ معنويةٍ بدلاً ممَّا افتُتِنَتْ به من أذواقٍ.
ولهذا كله، يُمكننا اختصارُ مراحل السَّير والطَّلب نحو «سعيد الجديد» -فيما يتعلق بموضوعنا- في النِّقاط الأربع التالية: التَّخلُص من أسقام الاشتغال بالفلسفة، والإقرارُ بأنَّ القرآن هو الأستاذُ الحقيقيُّ، والاقتداءُ ببعض عظماء أهل الحقيقة انتهاءً بالجمع بين الطَّريقة والحقيقة ببركة فيض القرآن الكريم وإرشاده، والإيمانُ بفعالية دوره في الوعظ والإرشاد وخدمة الإيمان، وأنَّه «عالِمٌ دينيٌ، مكلَّفٌ شرعاً بإفادة الناس»، وقَطْعُ المقامات على طريقة الإمام الغزالي، وصولاً إلى خلاص نفسه من الوساوس والأوهام، وبِخَلَاصِهِ منها انقلَبَ «سعيدُ القديمُ» إلى «سعيدٍ الجديد». يقول النُّورسي مُعبِّراً عن حاله الجديد، وما لازمه فيه من ثلاثية: العناية الأزليَّة، والهداية القرآنيَّة، وغوث الرَّحمة الإلهيَّة: «إنِّي قد ساقني القدرُ الإلهيُّ إلى طريقٍ عجيب، صادفتُ في سيري فيه مهالِكَ ومصائِبَ وأعداءً هائلةً، فاضطربتُ، فالتجأتُ بعجزي إلى ربّي فأخذتِ العنايةُ الأزليَّة بيدي، وعلَّمني القرآنُ رُشدي، وأغاثتْني الرَّحْمةُ فخلَّصتْني من تلك المهالك».
وبالعودة إلى الحديث عن مفهوم «العمل الإيجابيِّ البنَّاء»، فإنَّنا نُلاحظ تأكيد النُّورسِي على هذا المنْحى، من خلال ربطه بشبكة «المفاهيم المِفْتاحيّة» الدَّالة على «مركزيَّة التَّربية الرُّوحيَّة» في فكره. وليس أدلّ على ذلك مما قاله عند تفسيره الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾: من أنَّ الشعور «الإيجابيّ ينْتعش بنمو الشَّفقة على بني الجنس التي تدفع إلى التَّعاون والتَّعارف. أمَّا السَّلبي فهو الذي ينشأ من الحرص الذي يُسبِّبُ التَّناكُر والتَّعانُد. والإسلامُ يرفضُ هذا الأخير».
كما يطلب من طلاب النور أن ينظروا إلى ألطاف آثار الرَّحمة الإلهية، ويَقْصِدُ بها كلًّا من: المحبَّة والشَّفقة والعشق، وكيف أن الهجران الأبديَّ لا يُعادِلُ المحبَّة ولا يُوازيها. ومن ثمَّ، فإنَّ رحمة الله تُعَدُّ بنظرِه أعظم وسيلة تتولَّدُ منها مظاهرُ شفقةِ الإنسان على بني جنسه، وأنَّ أبلغ مثال لها، وأفضل مَنْ يُمثِّلُها هو الذي سُمِّي في القرآن الكريم «رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ». وما بين دائرتيْ الرُّبوبيَّة والنُّبوة، يتحرَّك مقصدُ «التَّفكُّر الإيمانيّ» الموصِّل إلى معرفة الله تعالى، والذي امتزج فيه النُّورسي بقلبِه وعقلِه طيلةَ حياتِه، وصولاً إلى تجلِّي اسم «الحكيم» فيه روحاً وقلباً وعقلاً. وهكذا يقودُ العجزُ السَّالكَ إلى المحبوبيَّة بطريق العبوديَّة، ويقودُ الفقرُ المريدَ إلى اسم الله «الرَّحمن»، كما تُوصِّلُهُ الشَّفقةُ إلى اسم الله «الرَّحيم»، وأخيراً يصلُ بواسطة التَّفكُّر إلى اسم الله «الحكيم». وكلُّ ذلك ليس مقصوراً على السَّالك أو المريد في حدود نفسِه وحسب، وليس مُنفصِلاً عن الأبعاد الوظيفيةِ الاجتماعية التي تُرافق مسيرة التَّرقِّي الرُّوحي، وتكون ثماراً لها.

المصدر: الحياة




الشعائر الحسينية: منهج التطبيق

بقلم: الشيخ أ.د. محمد شقير * — 

 للشعائر الحسينية أهمية كبيرة في الوعي الديني والممارسة الاجتماعية للجماعات الإسلامية الشيعية في مختلف البلدان والمجتمعات، حيث تعبّر تلك الجماعات عن اعتقادها بتلك الشعائر من خلال إقامة مجالس العزاء، والمسيرات، والاحتفالات، والزيارات لأئمة أهل البيت(ع)، والعديد من الأعمال الفنية والمسرحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، التي تدخل تحت ذلك العنوان، أي إحياء الشعائر الحسينية، أو إحياء أمر أهل البيت(ع).

وعلى الرغم من وضوح مفهوم الشعائر، وإحيائها إلى حدٍ بعيد، ورغم الاتفاق على العديد من مصاديق تلك الشعائر وتطبيقاتها؛ مع ذلك، وقع الاختلاف والنقاش في العديد من المصاديق الأخرى[1]، أنها تعدّ تطبيقاً صحيحاً، ومصاديق صائبة لمفهوم الشعائر الحسينية وإحياء الأمر؟ أم أنها ليست كذلك؟

وهذا ما يستدعي منا البحث في منهج تطبيق الشعائر، لأن الإشكالية تكمن – أكثر ما تكمن – في عملية التطبيق تلك، وفي تشخيص المصاديق التي ينطبق عليها مفهوم الشعائر وإحياء الأمر، وفي تحديد الموارد التي تدخل في إطار إحياء تلك الشعائر الحسينية وإقامتها.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل يوجد منهج في تطبيق الشعائر الحسينية؟ وما هي ميزات أو سمات هذا المنهج، وما هي وظيفته؟ وما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على بلورة هذا المنهج وبنائه؟ وقبل كل ذلك، هل من المبرّر معرفياً طرح هذا السؤال حول ضرورة المنهج في تطبيق الشعائر، أم لا ضرورة لذلك؟ فضلاً عن مفهومنا للمنهج الذي سوف نعمل على صناعته، في إطار الشعائر الحسينية وتطبيقها.

إذاً، الهدف من هذا البحث هو محاولة اجتراح منهج، يهدي الى الصحيح في تطبيق الشعائر وإحيائها، ويساعد على صحة تشخيص مصاديقها، بما يمكن أن يؤدّي الى إيجاد قاعدة منهجية، تصلح للاعتماد عليها في معالجة اختلافات التطبيق في نماذج الإحياء الشعائري، وبما يساعد على تجنب التطبيقات الخاطئة، والمصاديق التي لا تصدق عليها مشخصات المنهج ومعاييره، وبما يسهم في تطوير الإحياء الشعائري بشكل منهجي وصحيح، ويؤدي الى إيجاد دينامية منهجية للتجديد الدائم فيه، وبما يؤسس لإمكانية استحداث نماذج إحيائية جديدة لم تكن من ذي قبل، لكنها قد تصلح لتكون من أهم مصاديق الإحياء الشعائري وموارده.

وعليه، بعد البحث في مفهوم الشعائر والمنهج، سوف نبحث في العناوين التالية:

الأدلة على الشعائر والمفاهيم المستقاة منها، ثم لنجيب على هذا السؤال:

 هل عنت أدلة الشعائر فقط بالمفاهيم والكبريات؟ أم أنها عنت أيضاً بالمصاديق والصغريات؟ ولماذا لم تُذكر جميع مصاديق الشعائر بشكل حصري في لسان الأدلة؟

 وما هي أهمية هذه البنية المنهجية (مفهوم/ مصداق)، (كبرى/ صغرى)؟ وما هي فلسفتها، وأهم النتائج التي قد تترتب عليها؟

 وكيف تحصل عملية تطبيق المفاهيم على مصاديقها؟ ومن الذي يقوم بعملية التطبيق تلك، أي تطبيق تلك المفاهيم على مصاديقها، والكبرى على صغراها؟ وما هي شروط التطبيق ومعاييره؟ وكيف تُمارس عملية التطبيق تلك؟

 وصولاً الى البحث في فلسفة إحياء الشعائر، ودلالات الممارسة الشعائرية، وضرورة تعزيز الشعور بالمسؤولية وخطرها فيما يتصل بتلك الشعائر، إلى خاتمة نحاول فيها عرض أبرز النتائج التي توصلنا إليها، وأهم التوصيات التي يمكن أن تقدم في هذا الشأن.

مفهوم الشعائر والمنهج:
الشعائر جمع شعيرة، وهي بمعنى العلامة، التي تدل على شيءٍ ما. فالشعائر هي العلامات التي تدل على شيءٍ ما ذي مكانة أو قدسية. بغض النظر عن طبيعة تلك المكانة، أو مضمون تلك العلامة[2].

أما الشعائر الحسينية، فهي تلك الأعمال والأمور، التي تدل على معاني ثورة الإمام الحسين(ع) ورسالته ومدرسته، وتؤدّي في حال إقامتها وممارستها الى إحياء تلك المعاني، بل الى إحياء تلك النفوس والمجتمعات بتلك المعاني، التي جاءت في رسالة الحسين(ع)، ومدرسته، وثورته. حيث يمكن لتلك الأعمال أو الممارسات أن تأخذ طابعاً اجتماعياً، كالاحتفالات والمسيرات ومجالس العزاء، أو إعلامياً من قبيل الكثير من النشاطات الإعلامية التي تقام في المناسبات العاشورائية، أو فكرياً وثقافياً من قبيل الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تقام في هذا السياق، أو فنياً من قبيل المسرحيات والأفلام التلفزيونية، وغيرهما مما يرتبط بهذا الجانب.

ولربما يأخذ التعبير الشعائري أبعاداً أخرى غير ما ذكرنا، لكن كل ذلك ينبغي أن يكون مما تصدق عليه المفاهيم الدينية، التي وردت في مدرسة أهل البيت(ع) حول قضية الشعائر الحسينية وإحيائها، وأن تنطبق عليه العناوين المستفادة من الأدلة الدينية والشرعية ذات الصلة.

وهذا ما يتطلب منا أن نعرض جملة تلك الأدلة الشرعية التي ترتبط بالشعائر الحسينية وإحيائها، حتى نكون على دراية بمنظومة المفاهيم التي أسست لتلك الممارسات الشعائرية، بل لتلك الظاهرة الفريدة في الشعائر الدينية وإقامتها.

أدلة الشعائر:
يمكن القول إن أدلة الشعائر الحسينية على قسمين: قسم منها يتضمن عنواناً عاماً ينطبق على مصاديق مختلفة من تلك الشعائر، وقسم آخر يتضمن عنواناً خاصاً بأحد مصاديق تلك الشعائر. وسوف نعرض هنا بشكل مجمل لكلا القسمين، لنسأل في العلاقة بين هذين القسمين، أي القسم الذي يتضمن عنواناً عاماً صالحاً للانطباق على مصاديق شعائرية مختلفة، والقسم الذي يتضمن عنواناً خاصاً بمصداق شعائري محدد.

أما تلك الأقسام من العناوين فهي ما يلي:

القسم الأول: لعلّ من أهم العناوين العامة ما ورد عن أئمة أهل البيت(ع) من روايات تدعو إلى إحياء أمرهم، من قبيل قول الإمام الباقر(ع): ” أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا “[3]، حيث إن مفهوم إحياء الأمر هو مفهوم عام يشتمل على مصاديق مختلفة، ويستوعب جميع مصاديق الشعائر الحسينية، مما ذكرتها الروايات، أو لم تذكرها.
القسم الثاني: وهو مما جاء في رواياتهم(ع) من تحديد لعناوين بعينها، ولمصاديق محدّدة من الشعائر الحسينية، من قبيل دعوتهم الى البكاء، والتباكي على الإمام الحسين(ع)، وإقامة المآتم، وإظهار الجزع عليه، وندبه، وزيارة مرقده، وجعل الأيام العشرة الأوائل من محرم أيام حزن ومصيبة وبكاء، إلى إنشاد الشعر وإنشائه في الحسين(ع)، وغيرها العديد من تلك المصاديق الجزئية، التي جاءت بها الأدلة، أو وقعت مورداً للنقاش العلمي في مشروعيتها، وكونها من مصاديق الشعائر أم لا[4].
أما عن العلاقة بين هذين القسمين، فسوف يظهر لنا لاحقاً بشكل أوضح أن هذه العلاقة هي علاقة بين مفهوم ( إحياء الأمر )، وبين مصاديق ( البكاء، الزيارة، المآتم ..). وبالتعبير المنطقي أيضاً هي علاقة بين كبرى ( إحياء الأمر ) وبين صغريات، وهي مجمل الموارد التي ذكرناها في القسم الثاني، وغيرها مما لم نذكره.  

وهذا ما يدعونا الى طرح العنوان التالي:

منظومة روايات الشعائر الحسينية وتصنيفها:
يُفهم مما تقدم أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) كانت على قسمين: قسم عُني بالمفهوم العام للشعائر، والقسم الآخر عُني بالمصاديق الخاصة لتلك الشعائر، حيث يُلحظ أن تلك المنظومة الروائية لم تقتصر فقط على المفهوم العام ( الكبرى ) للشعائر، وتدع التطبيقات والمصاديق بأسرها لتشخيص الاجتماع الديني.

 وفي المقابل لم تقتصر على المصاديق الخاصة ( الصغريات )، وتُعرض عن المفهوم وكبرى تلك الصغريات، وإنما ضمّت إليها مفهوماً عاماً ( كبرى)، ينطبق عليها كمصاديق شعائرية له، وصغريات لكبراه.

وعليه، يمكن القول إن هذه المنظومة الروائية هي منظومة ذات بعد ثنائي، أو هي بنية ثنائية، أي: مفهوم/ مصداق، أو: كبرى/ صغرى. فلم تأت هذه البنية مشتملة على المفهوم خالية ًمن المصداق، كما لم تأت مشتملة على المصداق خاليةً من المفهوم، وإنما اشتملت عليهما معاً، وأدرجتهما ( المفهوم والمصداق ) في بنيتها جنباً إلى جنب.

وهذا ما يطرح السؤال في فلسفة هذه الثنائية في المنظومة الروائية وغايتها.

لكن قبل ذلك لا بد من طرح السؤال التالي، الذي وإن كان يدخل ضمناً في السؤال السابق، لكن من المفيد منهجياً إفراده في البحث، وهو: لماذا لم تقتصر المنظومة الروائية الواردة عن أهل البيت(ع) على مصاديق الشعائر الحسينية، وتدع ما سواها من المفهوم والكبرى؟.

منظومة روايات الشعائر الحسينية وتجاوز المصاديق:
من الواضح أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) لم تقتصر على بيان المصاديق الشعائرية، ولعلّ الهدف من ذلك هو أن الاقتصار على ذكر تلك المصاديق فقط، كان من الممكن أن يؤسس لفهم توقيفية وحصرية جميع تلك المصاديق الشعائرية التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، وهو ما سوف يؤدي بدوره إلى عدم إمكانية اعتماد مصاديق جديدة، لم ترد في لسان تلك الروايات، وإلى عدم الأخذ بنماذج شعائرية مستحدثة، لم تأتِ في متن تلك النصوص، مع أن صناعة الشعائر تدخل في جانب منها في البعد الاجتماعي المتحرك. بمعنى أن المتغيرات الاجتماعية قد تفضي إلى إمكانية إنتاج مصاديق شعائرية جديدة، لم تكن موجودة من ذي قبل،  لكنها تحمل قيمة شعائرية كبرى. أما القول بحصرية المصاديق الشعائرية، فسوف يقفل الباب على إمكانية انتاج تلك المصاديق الشعائرية الجديدة، واعتمادها، والاستفادة منها.

ومن هنا لا بد من القول، بأن ذكر مجمل مصاديق الشعائر الحسينية في روايات أهل البيت(ع)، لا يراد منه حصرية تلك المصاديق، وإقفال الباب على إمكانية استحداث مصاديق جديدة، تنسجم مع شروط ومعايير الشعائر وصناعتها وأهدافها. وإنما يُراد منه القول بأن هذه المصاديق الشعائرية هي من أهم، بل أهم تلك المصاديق، التي استطاعت في التاريخ- وما زالت إلى الآن- أن تؤدي بشكل فاعل ومؤثر وظيفة إحياء أمر أهل البيت(ع)، واستمرار مدرستهم ونهجهم، مع فتح الباب لإمكانية استحداث مصاديق شعائرية جديدة.

البنية المنهجية لمنظومة روايات الشعائر الحسينية وفلسفتها:
      أصبح جلياً إلى الآن أن منظومة روايات الشعائر الحسينية تقوم على هذه البنية المنهجية، وهي: مفهوم/ مصداق، أو: كبرى/ صغرى، حيث إن بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع) تضمّنت بيان المفهوم أو الكبرى ( إحياء الأمر )، في حين أن روايات أخرى تضمّنت بيان جملة من المصاديق الشعائرية، مع إمكانية استحداث مصاديق جديدة.

والسؤال هنا هو في فلسفة هذه البنية المنهجية، أنها لماذا كانت على هذه الكيفية؟ وما الفوائد والنتائج التي قد تترتب على هذه البنية؟.

يمكن أن نتلمس هنا العديد من النتائج التي تترتب على تلك البنية المنهجية، وهي:

عدم الاقتصار على تلك المصاديق الشعائرية، التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، مع كونها من أهم المصاديق الشعائرية، التي قامت بدور استثنائي وكبير جداً في التاريخ – وما زالت – في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه. لكن هذه المصاديق وإن كانت ثابتة بتغير الزمان والمكان، لكنها ليست مصاديق حصرية.
تؤسس تلك البنية لدينامية مستديمة وخلاّقة في تطوير الشعائر الحسينية، بمعنى أنها تفتح الباب على إمكانية أن يُعمل على رؤية ذات شروط ومعايير منهجية، قادرة على تلقّف جميع المتغيرات والتطورات الاجتماعية وغيرها، بهدف اجتراح نماذج مستحدثة، وانتاج مصاديق شعائرية جديدة، تنسجم مع وظيفة الشعائر وشروط صناعتها، وتكون قادرة على القيام بأكثر من دور في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه.
إذاً، هذه البنية المنهجية هي بنية قادرة على استيلاد تلك المصاديق الشعائرية الجديدة التي يجب العمل على صناعتها واستحداثها تبعاً للتطورات والمتغيرات الاجتماعية، والعلمية، والاختلاف في ظروف العصر.

مراعاة الزمان والمكان في تطبيق الشعائر، بمعنى أن تطبيق الشعائر وإقامتها له بعد اجتماعي واضح لا يمكن نكرانه، يتصل بالعادات، والأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية… – طبعاً الحديث هنا ليس في تلك الشعائر الثابتة والمنصوصة، التي تتصل بالبعد الفطري الثابت، وإنما الكلام في تلك الشعائر المستحدثة، التي تدخل في مساحة التغيّر- ومن هنا يمكن لإحدى الشعائر الحسينية أن تؤدي دورها في الإحياء، وتقوم بجميع وظائفها في زمانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في زمانٍ آخر. ويمكن لإحدى الشعائر أن تؤدّي ذلك الدور، وتقوم بتلك الوظائف في مكانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في مكانٍ آخر.
 والسبب في ذلك  أن اختلاف الزمان والمكان، وما يعنيه ذلك من اختلافٍ في الأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية، وغير ذلك؛ قد يؤدّي إلى اختلاف النتائج والآثار التي تترتّب على هذه الشعيرة أو تلك، وإقامتها. فلربما تكون النتائج السلبية أكثر بكثير من النتائج الإيجابية، ولربما يكون العكس من ذلك. وذلك بحسب تلك الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية، واختلافها بين مكانٍ وآخر، أو بين زمانٍ وآخر. وهو ما يستدعي ملاحظتها بشكل دائم من أجل بحث وتقييم مجمل الإيجابيات والسلبيات، التي قد تترتب على هذا التطبيق الشعائري أو ذاك، فما غلبت ايجابياته سلبياته يُعمل به، وما غلبت سلبياته إيجابياته يُعرض عنه.

 وهذا ما يتطلب أن تؤخذ بشكلٍ واعٍ وهادفٍ شروط الزمان والمكان، دون حماسة مفرطة، قد تعطّل دور العقل والوعي، ولربما تسيء بشكل أو آخر إلى معاني الإحياء وأهدافه، هذا من جهة. ودون مغادرة ثقافة الاعتزاز، وقيم الانتماء إلى الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره، والتعبير عنها، وإقامتها بثقة عالية، وعزة كافية، من جهة أخرى.

شروط التطبيق الشعائري:
إن عملية التطبيق الشعائري ليست تلك العملية التي تتميّز ببساطتها، وإنما هي عملية تحتاج إلى مراعاة شروطها والالتزام بها، حتى يمكن لها أن تنتج تلك المصاديق الشعائرية، التي تؤدّي وظيفتها، وتحقّق مقاصدها، دون ترتّب تلك النتائج السلبيّة عليها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري هي ذات بعدين: بعد مفهومي، وبعد واقعي اجتماعي؛ فهذا يعني ضرورة وجود شروط منهجية لتلك العملية، تتماهى مع هذين البعدين.

أما أهم تلك الشروط المنهجية، التي ينبغي مراعاتها في عملية الاستحداث تلك، فهي:

فهم الشعائر وفلسفتها بشكل منهجي، ومعرفة قيمها ورسالتها، والدراية بتلك الأهداف التي تسعى إلى إنجازها على المستوى التربوي، والثقافي، والمعنوي، والديني، والإعلامي، والاجتماعي، وعلى مستوى صناعة الوعي وتنمية المجتمعات، وسوى ذلك.
فهم الواقع الاجتماعي الذي يراد استحداث المصداق الشعائري وإقامته فيه، ومعرفة عاداته، وأعرافه، وثقافته المجتمعية، وجميع العناصر الأخرى الدخيلة في ترتّب هذا النوع أو غيره من النتائج، على هذه الممارسة الشعائرية، أو تلك.
القدرة على الوصل الصحيح والهادف ما بين فهم الشعائر وأهدافها وقيمها من جهة، وما بين الواقع الاجتماعي وعاداته وأعرافه وثقافته من جهة أخرى، لأنه لا تكفي المعرفة بالمفهوم والواقع، من دون أن تكون هناك إمكانيات منهجية وعلمية وتخصصية (مجمل التخصصات والعلوم ذات الصلة ) كافية، تسهم في عملية الوصل المنهجي الصحيح ما بين المفهوم والواقع.
وهنا لا بدّ من القول، إن تحصيل هذه الشروط يعتبر أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف الشعائر، وصحة إقامتها، واستحداثها. وإن أي إخلال بأيٍّ من هذه الشروط، أو عدم تحصيلها بشكل كافٍ؛ سوف يؤدّي إلى وجود خللٍ ما، أو نقصٍ ما، في استحداث المصاديق الشعائرية الصحيحة، أو صحة إقامتها، أو صوابية ممارستها، مما قد يؤدّي إلى ترتّب بعض النتائج، التي لا تنسجم مع أهداف الشعائر ومقاصدها، ومجمل قيمها.

كيفية تطبيق الشعائر واستحداث مصاديقها:
وصلنا إلى هذه النتيجة أن منظومة الشعائر الحسينية تمتلك بنيتها التي تقوم على ثنائية: مفهوم/ مصداق. ( أو ركني: الكبرى والصغرى ).

المفهوم تمّ بيانه، وبيان مجمل ما يتصل به في النصوص الدينية ذات الصلة. كما بيّنت أيضاً في تلك النصوص العديد من المصاديق، وإن كان هناك إمكانية لاستحداث مصاديق شعائرية جديدة، ينطبق عليها ذلك المفهوم، وتصدق عليها تلك الكبرى.

وبناءً عليه، لا بد من الإضافة هنا – في مقام الجواب على سؤال كيفية التطبيق الشعائري – بأن عملية استحداث مصاديق جديدة ترتبط ببعدين اثنين: البعد المفهومي (مفهوم الشعائر)، والبعد الاجتماعي ( ظروف المجتمع وجميع اعتباراته)؛ وهذا يعني  أن عملية التطبيق يجب أن تتم على النحو التالي: يُنظر أولاً في مفهوم الشعائر لمعرفة رسالتها وأهدافها، وقيمها، وجميع أبعادها. ثم يُنظر في ذلك الواقع الاجتماعي الذي يُراد إقامة الشعائر فيه، ويُدرس في عاداته ،وأعرافه، وتقاليده، وثقافته، وجميع اعتباراته، وذلك بهدف معرفة أية ممارسة شعائرية تحقق أهداف الشعائر فيه، وجميع غاياتها الدينية والتربوية لديه، من دون أن يترتب عليها أيٌ من النتائج السلبية، التي تتنافى مع تلك الأهداف والغايات، من قبيل توهين الاسلام ومدرسة أهل البيت(ع)، أو الإساءة الى مكانتهما، أوالإضرار بصورتهما.

فإن كانت النتيجة أن استحداث هذه الممارسة الشعائرية، أو إقامتها في هذا الواقع بعينه، تترتب عليه مجمل أهداف الشعائر وقيمها، من دون أن تترتب عليه تلك النتائج السلبية، التي تفوق نتائجها الايجابية؛ فهذا يعني صوابية هذا الاستحداث، وصحة هذا الفعل، بل ومطلوبية إقامة هذه الشعائر المستحدثة في ذلك الواقع الاجتماعي.

أما إن كانت النتيجة خلاف ذلك، بأن كانت هذه الممارسة الشعائرية، أواستحداثها في هذا الواقع، لا تترتّب عليه تلك الأهداف والنتائج المفترضة، وإنما يترتّب عليه ما هو خلافها أو يفوقها؛ فهنا ينبغي الإعراض عن تلك الممارسة الشعائرية في هذا الواقع، وعدم إقامتها فيه، والبحث عن تلك الممارسات الشعائرية البديلة،  التي تحقق أهدافها وغاياتها فيه، وتنسجم مع ظروفه، وتتلاءم مع اعتباراته.

من يقوم بعملية التطبيق الشعائري؟
ليس المراد بهذا السؤال بعده الشخصي ( أي ليس السؤال عن أفراد بعينهم )، وإنما المراد به بعده المعرفي. أي إن السؤال هو  في الخصائص والمواصفات المعرفية والمنهجية التي يجب أن تتوفر فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق جديدة للشعائر الحسينية، وفيمن يشخّص صحة أو عدم صحة ممارسة هذه الشعيرة أو تلك، في هذه البيئة المجتمعية والثقافية، أو في غيرها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق مختلفة للشعائر، وتشخيص ممارستها، تقوم على بعدين: نظري- مفهومي، وواقعي- اجتماعي؛ فمعنى ذلك أنّ من ينبغي له أن يتولى تلك العملية يجب أن تتوفر فيه معرفياً تلك المعرفة، التي تتصل من جهة بالجانب الديني (منظومة الشعائر ولوازمها المعرفية)، والتي ترتبط من جهة أخرى بالجانب الاجتماعي ( مجمل العلوم ذات الصلة بهذا الجانب).

وبتعبير آخر يمكن القول، إن الذي يجب أن يتولى عملية استحداث مصاديق جديدة، أو دراسة صحة هذه الممارسة الشعائرية أو تلك؛ هو العقل، الذي يمتلك في صناعته المنهجية بعدين: بعدٌ ديني، يرتبط برسالة الدين، ووظيفة الشعائر وأهدافها؛ وبعدٌ معرفي علمي، يتصل بمجمل تلك العلوم والخبرات البشرية في مختلف المجالات الثقافية، والتربوية، والاعلامية، وفي حقول علوم النفس والاجتماع ذات العلاقة بهذا الجانب، فضلاً عن معرفته بمجمل تلك الشروط المنهجية الواجب معرفتها، ومراعاتها في عملية التطبيق، أو التشخيص تلك.

ومن هنا يمكن القول، إن هذه العملية ليست عملية دينية بحتة بالمعنى الخاص للدين، وليست صناعة فتوائية منفصلة عن الواقع الاجتماعي وبيئته. ولذلك لا يصحّ أن توكل هذه العملية إلى أيّة جهة دينية، إذا لم تكن على دراية تامة بمجمل العلوم والخبرات ذات الصلة، وإذا لم تكن على معرفة كافية ووافية بجميع الاعتبارات، والظروف الاجتماعية، والعادات، والتقاليد، والأعراف، التي تملكها تلك البيئة المجتمعية المراد ممارسة الشعائر فيها، واستحداثها لديها.

وفي المقابل لا يصح أن توكل هذه العملية إلى أية جهة، مهما كانت متقدمة في مجمل علوم الاجتماع، أو النفس، أو التربية، أو الاعلام، أو الفن.. أو كانت على دراية تامة بمجمل الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة المجتمعية أو تلك؛ ما لم تكن على معرفة كاملة بتلك المنظومة الشعائرية، ولوازمها المعرفية، وعلى وعي هادف لرسالة الشعائر، وقيمها، وأهدافها، وجميع مقاصدها.

ومن هنا إذا ما أردنا أن نجيب على هذا السؤال، أن هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية أو تلك، في هذه الظروف أو غيرها، هل تنسجم مع رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، أم لا؟؛ لن يكون من الصحيح عندها أن يُبادر إلى تقديم الجواب، ما لم يتم توظيف جميع العلوم والخبرات والتخصصات ذات الصلة، وما لم تتم الاستفادة من مجمل أهل الاختصاص والمعرفة بجميع تلك العلوم ذات العلاقة بهذا البحث. وقد يحتاج الأمر إلى القيام بدراسات علمية هادفة وشاملة، للوصول إلى اعتماد هذا الجواب أو ذاك.

أما أن يُصار إلى الشروع في اعتماد هذا الجواب أو ذاك، من دون إيفاء هذا السؤال حقّه في البحث والدراسة والعمل – وخصوصاً فيما يرتبط بالبعد الاجتماعي، والتشخيص المجتمعي والعلمي للمصاديق الشعائرية – ؛ فهذا لا يعبّر عن مستوى الاحترام الكافي، أو الاهتمام المطلوب بتلك الشعائر ووظيفتها، ذلك الاهتمام الذي يجب أن يكون في تجلياته بمستوى تلك الشعائر، وسموّ رسالتها، وأهمية أهدافها.

أما أن يكون الغالب هو الحماسة المفرطة، بعيداً عن التزام ضوابط وشروط الصناعة المنهجية والعلمية للشعائر وممارستها؛ أو في المقابل، أن يغلب علينا الخوف ممن يتعمد دائماً الاساءة  إلى الشعائر وأهلها، بعيداً عن الاعتزاز بهذه الشعائر وممارستها؟؛ فكلا الأمرين لا يساعد على الوصول إلى صناعة شعائرية تنسجم مع أهداف الشعائر، ومقاصدها.

 وبناءً على ما تقدّم، ليس من الصحيح أن تكون هذه الصناعة الشعائرية صناعة  شعبوية، وإنما يجب أن تكون صناعة توّفى حقّها في البحث، والدراسة، والعمل، من قبل أهل العلم والاختصاصات اللازمة، بعيداً عن أيّة شعبوية قد تفتقد إلى الوعي اللازم بالشعائر ورسالتها، أو المعرفة الكافية بالبيئة المجتمعية والثقافية، وظروفها، وجميع حيثياتها.

ومن هنا قد يكون من الضروري أن يكون هناك عمل مؤسّسي شامل، يُعنى بتلك الشعائر، ويتجاوز أي انشغال فردي أو فئوي عليها، ويشترك فيه جميع أهل العلم والمعرفة والاختصاص، ممن له علاقة بذلك المجال من علماء الدين، والاجتماع، والتربية، والنفس، والاعلام، والفن.. من أجل بحث ودراسة مجمل المصاديق الشعائرية، ونماذج الشعائر الحسينية، وذلك في الموارد التالية:

مدى صحة استحداث هذه المصاديق الشعائرية الجديدة، أو عدم ذلك.
تجاوز مصاديق استحدثت فيما سبق.
صحة اعتماد هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية والثقافية بعينها، أو عدم صحة ذلك.
بل قد يكون من أهم الوظائف الذي يُعنى به ذلك العمل المؤسسي، الذي يحتوي على إمكانياته العلمية والمعرفية الكافية، ما يلي:

العمل على انتاج مصاديق شعائرية جديدة، قد يكون لها تأثير أكبر، ودور أهم من مصاديق أخرى، في تحقيق أهداف الشعائر، وإنجاح رسالتها.
دراسة مجمل تلك الممارسات الشعائرية مورد الجدل بشكل علمي ومنهجي، بعيداً عن أي انفعال، أو شعبوية، أو حماسة أو.. من أجل الوصول إلى خلاصات، ونتائج، وتوصيات، تخدم رسالة الشعائر وقيمها، وأهدافها.

ذ) ما هي فلسفة إحياء الشعائر؟

تتضمن منظومة الشعائر الحسينية جملة من المعاني والقيم والدروس، التي ما وجدت لتبقى في إطارها النظري وبعدها المفهومي، وإنما ليُعمل على زرعها في النفوس، واسكانها في القلوب، والتربية عليها، والدعوة إليها، وتحويلها إلى وعي مجتمعي، وثقافة مجتمعية، تؤمن بها، وتعمل بها جميع تلك المجتمعات، التي تحيي تلك الشعائر، وتقيمها في ربوعها.

ومن هنا كان من الضروري العمل على تحويل تلك الشعائر الحسينية إلى ممارسات ذات بعد اجتماعي، أو جماعي، أواحتفالي عام، يؤدّي تلك المهمة، ويوصل إلى تلك الغاية، بطريقة مؤثرة، وفاعلة، ومعبّرة عن سمو تلك المعاني، ورفعة تلك القيم، مما يؤدي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وفهمها، والتفاعل معها، والإيمان بها، والعمل بمضمونها، وبلوغ جميع أهدافها، ومقاصدها.

 ومن هنا فإن أية ممارسة شعائرية يجب أن تتصف بالشروط التالية:

أولاً: أن تحمل تلك القيم، والمعاني، والعبر، والدروس، التي جاءت بها ثورة الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره.

ثانياً: أن تكون قادرة على إيصال تلك المعاني، والتعبير عن تلك القيم، بشكل فعّال، ومؤثّر، وهادف.

ثالثاً: أن تكون خالية من أية دلالات سلبية، قد تغطي على تلك المعاني، أو تشوّه تلك القيم، أو تسيء إلى رسالة الشعائر.

ولذلك، إن ما ينبغي الإلفات إليه، هو أن تلك الممارسات الشعائرية للشعائر الحسينية لا تهدف في فلسفتها إلى إثبات الوجود، أو إلى مجرد التعبير عن الهوية بأية طريقة كانت، حتى لو كان هذا التعبير تعبيراً يفتقد لشروطه العلمية المنهجية، أو مشوهاً للقيم، أو مسيئاً إلى رسالة الحسين(ع) ومعانيها؛ وإنما هي تهدف في فلسفتها، إلى إحياء النفوس بتلك المعاني، وإلى إيقاظ القلوب بتلك القيم، وتربية الأفراد على تلك الدروس، وبناء المجتمعات بتلك الثقافة، وذاك الوعي، الذي تحمله  الشعائر ويُقيم في رسالتها.

ومن هنا فإن تلك الممارسة الشعائرية ليست – في حقيقتها – استجابة لحاجة نفسية، اجتماعية، شعبوية فارغة من معناها؛ وإنما هي تعبير عن مشروع رسالي هادف، وفعل قيمي جادّ. إنها تحكي عن منظومة من المعاني والدروس والعِبر، التي يُراد بيانها وإظهارها من خلال التوسل بتلك الممارسات ذات البعد الاجتماعي والاحتفالي، الذي يصلح للحكاية عن تلك المعاني، والتعبير عن تلك القيم، وإظهار تلك الرسالة، والوصول إلى أهدافها.

ر) الممارسة الشعائرية ودلالتها:

إن أية مدرسة دينية، تفهم كظاهرة اجتماعية أكثر مما تفهم كظاهرة نصيّة، أو كمجرد رؤية فكرية. وذلك من خلال تجلّياتها الاجتماعية في ممارساتها، وثقافتها الاجتماعية، وسلوك مجتمعاتها، وأخلاقها في مختلف المجالات والميادين ذات الصلة بالاجتماع الإنساني.

ومن هنا تأتي أهمية تلك الممارسة الشعائرية، أو الظاهرة الشعائرية، أنها تقدم صورة اجتماعية حيّة عن تلك المدرسة الدينية أو الفكرية ومعانيها وقيمها. بمعنى أنه بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية ممارسة راقية ومعبّرة وسامية؛ بمقدار ما سيؤدي ذلك إلى تقديم صورة راقية وسامية ومعبّرة عن تلك المدرسة ومعانيها وقيمها.

وفي المقابل، بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية غير مكتملة الأوصاف، وتعاني من خللٍ أو آخر، بمقدار ما يؤدي ذلك إلى الإضرار بتلك المدرسة، والإساءة إلى معانيها، ولربما تشويه صورتها، وتوهين مكانتها.

 ومن هنا جاءت العديد من الفتاوى ذات الصلة بهذا الموضوع لتؤكد على هذا المعيار، وهو تجنّب ما يؤدي إلى توهين المذهب، أو توهين المقدسات، أو تضعيف التشيع، وغيرها من التعابير التي وردت في هذا الإطار، والتي تؤكد في مجملها على ذلك البعد الاجتماعي في الممارسة الشعائرية[5]، وهي تعبّر عن خوف حقيقي، وهاجس مجتمعي في هذا الإطار، يمكن لحاظه بوضوح في الكثير من الاستفتاءات والأسئلة، التي تطرح في هذا السياق، وهو ( أي ذاك الخوف أو الحذر) ما ينبغي أن يستثمر  في إنتاج  وعي علمي ومنهجي كافٍ في الممارسة الشعائرية وصناعتها.

 بالإضافة إلى أمر آخر لا ينبغي أن نتغافل عنه، وهو أن أية ممارسة شعائرية، إنما تعكس مستوى الوعي الاجتماعي والثقافة المجتمعية لأي مجتمع. أي أن الممارسة الشعائرية السامية، إنما تعبّرعن رقي الثقافة المجتمعية، وتقدّم الوعي المجتمعي لذاك المجتمع، الذي يعتمد تلك الممارسة، ويقوم بها.

في حين إن أية ممارسة شعائرية ذات طابع شعبوي فاقد للمواصفات اللازمة، إنما تعبّر في المقابل عن غلبة الثقافة الشعبوية في ذاك المجتمع، الذي يعتمد تلك الممارسة ويحترفها.

 كما نستطيع القول في المقابل إن المجتمعات التي تملك ثقافة مجتمعية راقية ومتقدمة، لا يمكن لها أن تنتج إلا مستوى راقٍ من تلك الممارسات الشعائرية، التي تعبّر بشكل ناجح، ومؤثر، وبشكل هادف وصادق عن جميع تلك المعاني، والقيم، والدروس، والعبر، التي تحملها ثورة الحسين(ع) وتؤديها رسالة الشعائر.

أما المجتمعات التي لا تمتلك ذلك المستوى نفسه من الثقافة المجتمعية، فقد لا يساعدها ذلك على إنتاج ذلك النوع من الممارسة الشعائرية في رقيّها ومستواها وتأثيرها، بالمقارنة مع غيرها من المجتمعات الأخرى، وإن كانت تشترك في التوجهات الشعائرية نفسها.

ز)  الشعائر وروح المسؤولية:

ما نعنيه بهذا العنوان هو التأكيد على خطورة المسؤولية في قضية الشعائر، وأن جملة الاعتبارات والدلالات التي ذكرناها آنفاً، يجب أن تدفع إلى اعتماد نمطٍ من التفكير، وطريقة في المعالجة، وأسلوب في إدارة تلك القضايا؛ يوصل إلى نتائج أفضل، وإلى مخرجات أكثر صحة، ويساعد على تحقيقٍ أحسن لمجمل أهداف منظومة الشعائر وقيمها.

إن تنمية حس المسؤولية تجاه الشعائر وصناعتها وممارستها، لهو المدخل الأهم إلى تطوير الوعي بتلك الشعائر، وتجنب أية عوامل ومؤثرات غير عقلانية، قد تؤدي إلى أخذ بعض تلك الممارسات إلى ما يتنافى مع فلسفة الشعائر وأهدافها. وخاصة عندما تكون تلك العوامل والمؤثرات ذات بعد شعبوي، يفتقد إلى مضمونه العلمي والمنهجي.

إن العمل على تنمية الشعور بالمسؤولية؛ يتأتّى من خلال إدراكنا لأمرين اثنين:

الأول: وهو الأهم. وهو أن تلك الممارسات الشعائرية، إنما تعبّر بالدرجة الأولى عن معاني الثورة الحسينية ورسالتها، بل عن مدرسة أهل البيت (ع) وقيمها. ومن هنا فإن هذه الممارسة ينبغي لها أن تُبرز سمو تلك المعاني، ومكانة تلك الرسالة، وحضاريّة تلك القيم. وأن تكون في مجمل تعابيرها وتجلياتها مستمدة من سموّ تلك المعاني، ومكانة تلك الرسالة، وحضاريّة القيم. وأن يكون ذاك التعبير بطريقة تؤدّي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وتسهم في الدعوة إليها، والإيمان بها، وتوصل إلى الحكاية عنها بأرقى الصور، وأجمل التعابير، وأسمى التجليات.

وعليه يمكن القول إنّ طريقة ممارسة الشعائر، إما أن تؤدّي إلى تحقيق تلك الأهداف والوصول إلى تلك النتائج، من احترام معاني عاشوراء، وتبجيل قيم الثورة الحسينية، بل أيضاً مدرسة أهل البيت(ع)، وتعاليمها؛ وإما أن تؤدّي – ولو في بعض تعابيرها – إلى خلاف ذلك، كأن يترتّب عليها شيءٌ من الإساءة إلى تلك المعاني العاشورائية، أو التوهين لقيم الثورة الحسينية، أو عدم التعبير بشكل صحيح وراقٍ عن تلك المعاني والقيم. ولربما تؤدّي أحياناً إلى الإضرار بمكانة مدرسة أهل البيت(ع)، وصورتها، وسموّ قيمها.

وهذا ما يتطلب أن يكون منطلق تفكيرنا في هذا الموضوع غير نابعٍ من أي منطلقٍ شخصي، أو جماعتي، أو شعبوي، أو استقطابي.. وإنما من منطلق يرتبط بما تعبّر عنه تلك الشعائر في أهدافها، وقيمها، ورسالتها.

 ولا شك أن الانطلاق بشكل صادق ومخلص وهادف من هذه المنطلقات، سوف يجعل المقاربة أكثر قدرة على تلمس ما هو صائب، والوصول إلى ما هو صحيح في تشخيص مصاديق الإحياء الشعائري، واجتراح نماذجه الأقدر على القيام بوظائف الشعائر، وتأدية رسالتها، وتحقيق جميع أهدافها.

الثاني: إن هذه الممارسات الشعائرية، إنما تعبّر أيضاً عن مستوى الثقافة المجتمعية والوعي المجتمعي لتلك المجتمعات، التي تعنى بتلك الممارسات. وبالتالي فهي تبرز من خلال تلك الممارسات وطريقتها مستواها الثقافي والحضاري والمدني.. ليس كمجتمعات مجردة عن مدرستها الفكرية والدينية، وإنما كمجتمعات ينبغي أن تكون قد بنت تلك الثقافة، وتلك الأبعاد الحضارية، من خلال تلك المدرسة، ومعانيها، وقيمها.

وعليه، فإن الارتقاء بتلك الممارسات الشعائرية إلى مستويات أعلى في التعبير والصناعة، سوف يؤدي حُكماً إلى تقديم أكثر من صورة مشرقة عن تلك المجتمعات، وثقافتها، ووعيها. ومن وراء ذلك عن تلك المدرسة الفكرية والدينية، التي تستمد منها تلك المجتمعات ذلك الوعي الذي تحمل، وتلك الثقافة التي تملك، وجميع تلك المعاني الحضارية التي تؤمن بها.

وفي المقابل، فإن الإخفاق في ذاك التعبير، أو الخلل في تلك الصناعة، سوف يؤدّي إلى الانتقاص من تلك المجتمعات ومكانتها. ومن وراء ذلك إلى الانتقاص من تلك المدرسة التي تعبّرعنها تلك المجتمعات، وتؤمن بها، وتعمل على الالتزام بها، وتحقيق معانيها.

وهذا أيضاً ما يعزّز الشعور بتلك المسؤولية، ويرفعها إلى مستويات أرقى. وإن أمكن القول أيضاً إن تعزيز هذا الشعور بالمسؤولية، وما يستولده من طاقة للعمل البحثي، والديني؛ لا يكفي لوحده في بلوغ تلك النتائج، لأنه يجب أن يُضاف إليه العمل على منهجة البحث والتفكير في هذه الموضوعات والإشكاليات، وأخذها إلى أبعاد أكثر علمية وموضوعية.

 وهنا، إذا استطعنا أن نعمل على تنمية الشعور بالمسؤولية، وأن نرتقي بمنهجية التفكير والبحث وعقلانيته وعلميته إلى مستويات أفضل..؛ يمكن في هذا الحال أن نرتقي في توظيف تلك المسؤولية والشعور بها إلى مستويات أفضل في الصناعة الشعائرية والتطبيق الشعائري، وأن نتوقع نتائج أكثر انسجاماً مع رسالة الشعائر وقيمها.

الخاتمة:

إن ما أردنا قوله في هذا البحث، هو أنه إذا كان لدينا من إشكالية في موضوع الشعائر وممارستها، فهذه الإشكالية ترتبط – أكثر من أي شيء آخر – بالمنهج والتطبيق. أي إن الإشكالية أكثر ما تكمن في تشخيص المصاديق الشعائرية، وفي المنهج الذي يُمكِّن من تشخيص تلك المصاديق بشكل صحيح، ينسجم مع أهداف الشعائر ورسالتها وقيمها. وإن كان هناك مساحة ما ترتبط بفهم منظومة النصوص الشعائرية، ومجمل ما يتصل بها.

وبما أن تطوير المنهج في تطبيق الشعائر، وصناعة مصاديقها، وكيفية ممارستها، هو المدخل الضروري لتحديد جملة من المعايير والضوابط، التي تساعدنا على تقييم أي مصداق شعائري إشكالي، أنه ينسجم مع أهداف الشعائر وقيمها، أم يتنافى معها؛ كان من المجدي في هذا المجال تحديد مفردات ذلك المنهج الشعائري، ومعاييره، والعمل على بنائه. ذلك المنهج الذي – ومن دون  أي شك – قد يساعد على فهم تلك المنظومة الشعائرية بشكل أفضل، ولو في بعض مواردها، وإن كان يستهدف في مقاصده وغاياته وضع أسس وضوابط منهجية، يمكن أن يستند إليها في تطوير التطبيق الشعائري، وفي تمييز تلك المصاديق الشعائرية الإشكالية بشكل منهجي، أنها تتماشى مع تلك المعايير والضوابط، أم لا، وفي توفير إمكانية منهجية تُوظّف في اجتراح مصاديق شعائرية، قد تكون أكثر قدرة على حمل رسالة الشعائر وبيان قيمها. ولربما تسهم أيضاً – بمستوى أو آخر – في معالجة بعض ذلك الاختلاف والجدل القائم حول مشروعية بعض المصاديق الشعائرية، أو مدى انسجامها مع منظومة الشعائر الحسينية من عدمه.

ونحن لا ندّعي هنا أنّ هذه المحاولة سوف تقضي على أي اختلاف قائم في هذا الإطار، وإنما قد تساهم في جعل ذلك الاختلاف وممارسته أكثر علمية، ومشدوداً أكثر إلى تلك الضوابط والمعايير المنهجية في منهج التطبيق، مما قد يؤدي إلى تقليص مساحة الاختلاف، أو بالحد الأدنى جعله أكثر منهجية وموضوعية، وإلى إيجاد قاعدة منهجية يمكن الانطلاق منها في ممارسة ذلك الاختلاف وحسن إدارته وتوظيفه.

وقد نكون استطعنا أن نحقق ما هدفنا إليه، أو شيئاً منه، لكنه من دون شك قد يساعد ما جاء في هذا البحث على الدفع بقوة نحو الأهداف، التي أريد العمل على بلوغها، والوصول إليها.

هذا وسوف نذكر هنا خلاصة ما توصلنا إليه، وأهم النتائج التي يمكن استخلاصها، فضلاً عن أهم التوصيات، أو المقترحات ذات الصلة.

الخلاصة:
الشعائر الحسينية هي ظاهرة دينية – اجتماعية أصيلة، تعود إلى بدايات التاريخ الإسلامي، حيث نجد أنّ أهل البيت(ع) قد أمروا بجملة من الأعمال والأمور، التي ترتبط بالإمام الحسين(ع)، وثورته، ورسالته، ومعاني تلك الرسالة، ودروسها، وقيمها. حيث إن الهدف من تلك الأعمال بيان تلك الدروس، وإظهار تلك القيم، والمحافظة عليها، وإحيائها، بل إحياء القلوب، والنفوس، والمجتمعات بها، وبمعانيها، ودلالاتها.

ثم تحولّت هذه التوجيهات من أهل البيت(ع) إلى ممارسات شعائرية، ثم تحولّت هذه الممارسات إلى ظاهرة تشمل الملايين، بل مئات الملايين من الناس قديماً وفي زماننا الحالي، وتسهم فيها الكثير من المجتمعات، وتكتب فيها الكثير من البحوث والدراسات.

وبما أنّ الإشكالية الأساس التي ترتبط بتلك الظاهرة الشعائرية هي إشكالية المنهج، الذي يجب أن يُعمد إلى بنائه وبلورته، ليُعمل بالتالي على توظيفه في هداية الصناعة الشعائرية وتطويرها، واجتراح مصاديق للشعائر الحسينية، تنسجم مع رسالة الشعائر، وتؤدي وظيفتها، وتبلغ مقاصدها؛ كان من الضروري العمل على تسطير هذا البحث، ليوصل تالياً إلى خلاصات منهجية، فيما يرتبط بذلك المنهج، وشروط تطبيقه.

هذا ويمكن لنا أن نلخّص موضوعات البحث في النقاط التالية:

تعني الشعائر الحسينية في مفهومها تلك الأعمال والأمور، التي ندب إليها وأمر بها أهل البيت(ع) فيما يتصل بالإمام الحسين(ع)، من حيث إحياء أمره، – بل أمر أهل البيت(ع) -، واستمرار قضيته، وبقاء رسالته قائمة، تؤدّي دورها من خلال تلك الأعمال والممارسات الشعائرية، سواء كانت ذات بعد اجتماعي، أو وجداني، أو معرفي، أو فكري، أو ثقافي، أو فني، أو إعلامي، أو تربوي، أو أدبي، أو إنساني.. إلى غيرها من تلك الأبعاد ذات الصلة.
إن مراجعة الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) في خصوص الشعائر ومصاديقها، توصل إلى هذه النتيجة، أنه يوجد قسمان من تلك الروايات: قسمٌ تضمّن عناوين عامة من قبيل الدعوة إلى إحياء أمر أهل البيت(ع)؛ وقسم آخرتضمّن عناوين خاصة، هي عبارة عن مصاديق شعائرية بعينها، من قبيل البكاء على الإمام الحسين(ع)، والجزع عليه، واتخاذ الأيام العشرة الأوائل من محرّم أيام حزن، وجعل اليوم العاشر منه يوم حزن ومصيبة، إلى زيارته، والدعاء عند ذكره، وإنشاد الشعر فيه، وغيرها مما ورد في الروايات التي جاءت عنهم(ع).
يلحظ مما تقدم في النقطة السابقة، أن هناك منظومة من روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع)، توزّعت على قسمين: قسم عني بالمفهوم، وقسم آخر عني بالمصداق. أو– بتعبير آخر- قسم عني بالكبرى، وقسم عني بالصغرى. فكانت هذه المنظومة ذات بنية ثنائية ( مفهوم- مصداق ). فهي لم تتطرق إلى المفهوم، وتهمل المصداق. كما في المقابل لم تتطرق إلى المصداق وتهمل المفهوم، بل هي شملتهما معاً.
إن ما ينبغي الإلفات إليه – بناء على ملاحظة تلك البنية الثنائية – هو إن منظومة روايات الشعائر لم تقتصر على بيان المفهوم فقط، وإلا لأدّى هذا الأمر ( أي اقتصارها على بيان المفهوم ) إلى إيجاد أساس لمساحة كبيرة من الاختلاف، أو عدم الوضوح في تحديد المصاديق؛ كما إنها لم تقتصر على بيان المصاديق فقط، وإلا لأدّى هذا الأمر( الاقتصار على بيان المصاديق فقط ) إلى التأسيس لفهم حصرية تلك المصاديق وتوقيفيتها، وبالتالي إغلاق الباب على أية مصاديق جديدة حتى لو كانت ذات جدوى شعائرية كبيرة.
في فلسفة تلك المنظومة الشعائرية وبنيتها المنهجية الثنائية، يمكن القول إن تلك الفلسفة تترتّب عليها النتائج التالية:
أولاً: فتح الباب أمام استحداث مصاديق شعائرية جديدة، وعدم الاقتصار على ما ورد بلفظه في روايات أهل البيت(ع)، ونُصّ عليه فيها.

ثانياً: تؤسس لدينامية خلاّقة ودائمة في تطوير الشعائر الحسينية، من خلال الاستفادة من مجمل التطورات العلمية والاجتماعية ذات الصلة، على أن يكون ذلك التطوير منسجماً مع جميع الشروط والمعايير المنهجية الواجب مراعاتها في منهج التطبيق الشعائري.

ثالثا: مراعاة ظروف الزمان والمكان في عملية التطبيق الشعائري، وممارسة مختلف الشعائر، بمعنى ضرورة معاينة البيئة المجتمعية بجميع حيثياتها لمعرفة إن كان من الممكن لتلك الشعائر وممارستها، أن تقوم بوظيفتها بلحاظ تلك الظروف والحيثيات، أم إنه لا يمكن ذلك.

تتوزع شروط التطبيق الشعائري على بعدي المفهوم والواقع المصداقي، حيث يمكن إجمال تلك الشروط فيما يلي:
أولاً: الدراية بالشعائر وقيمها، ورسالتها، وجميع أهدافها التربوية، والدينية، والإعلامية، والاجتماعية..

ثانياً: فهم الواقع المجتمعي الذي يراد إقامة المصداق الشعائري فيه، بجميع ظروفه وحيثياته.

ثالثاً: القدرة على الوصل العلمي والمنهجي الصحيح ما بين البعد النظري للشعائر ورسالتها، وقيمها، وما بين البعد الواقعي للمصداق الشعائري، وظروفه، وجميع اعتباراته.

في كيفية التطبيق الشعائري – سواء في استحداث مصاديق جديدة، أو ممارسة ما هو موجود منها – يُنظر أولاً في البعد المفهومي للشعائر لمعرفة معاني تلك الشعائر، وقيمها، ووظيفتها، وجميع أهدافها؛ ثم يُنظر في ذلك المصداق الشعائري وجميع ظروفه وحيثياته؛ ثم يلاحظ إن كان ذلك المصداق الشعائري يمكن له أن يحقق تلك الأهداف، ويقوم بتلك الوظيفة في هذه البيئة المجتمعية، أو تلك، أم لا يمكن له ذلك. فإن كانت النتيجة إنّ هذا المصداق يمكن له تحقيق تلك الأهداف في هذه البيئة؛ فهذا يعني مطلوبيته، وجدوائيته الشعائرية. وإلا، فهذا يعني عدم تلك الجدوائية، وانتفاء تلك المطلوبية.
فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، وبما إنّ هذه العملية هي ذات بعدين: بعد نظري – مفهومي، وبعد اجتماعي – واقعي؛ فهذا يعني أنّ من يقوم بعملية التطبيق الشعائري تلك، يجب أن تتوفر لديه تلك المعرفة، التي ترتبط بذلك البعد النظري والمفهومي، وأيضاً تلك المعرفة، التي ترتبط بذلك البعد الاجتماعي والواقعي. أما الاقتصار على توفّر أحد البعدين دون توفّر الآخر، فسوف يؤدّي الى اختلال الشروط المعرفية، فيمن يقوم بعملية التطبيق، وبالتالي في القدرة على القيام بتلك العملية وصوابيتها.
فيما يرتبط بفلسفة إحياء الشعائر، يمكن القول إن في مدرسة الإمام الحسين(ع)، ورسالته، وثورته جملة من القيم والدروس والعِبر، والتي يراد لها أن تبقى متوهّجة حاضرة، ليُعمل على إظهارها، وفهمها، ومعرفتها، والإيمان بها، والالتزام بمعانيها. ومن هنا كانت الممارسة الشعائرية هي الوسيلة الأمثل للتعبير عن تلك المعاني، والدعوة إلى تلك القيم، وحكاية تلك الدروس والعِبر، وذلك بهدف إحيائها، والحياة بها.
أما فيما يتصل بشروط الممارسة الشعائرية، فلا بدّ من القول إن أيّة ممارسة شعائرية ينبغي أن تتصف بالشروط التالية:
أولاً: أن تحمل في نفسها تلك القيم، والمعاني الحاضرة في ثورة الإمام الحسين(ع)، ومدرسته، ورسالته.

ثانياً: أن تكون قادرة على التعبير عن تلك القيم، والمعاني، بطريقة ناجحة، ومؤثرة، وصحيحة.

ثالثاً: أن تخلو من أيّة نتائج ودلالات سلبية، قد تطغى على إيجابيات النتائج، والدلالات، وتتفوّق عليها.

إن أيّة ممارسة شعائرية تملك نوعين من الدلالات، نوع يرتبط بتلك المدرسة الدينية، أو الفكرية، التي تنتمي إليها الشعائر، وتنبثق منها؛ ونوع يتصل بذاك المجتمع، الذي يمارس تلك الشعائر ويقيمها لديه. وهذا النوع قد يعود بشكلٍ أو بآخر إلى الأول.
وهنا بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية راقية في تعبيرها، وتمتلك جميع المواصفات اللازمة في أدائها؛ بمقدار ما تعبّر عن رقي تلك المدرسة الدينية، التي تنتمي إليها، وأيضاً عن رقي ذلك المجتمع الذي يمارسها في وعيه، وثقافته المجتمعية. وفي المقابل، بمقدار ما تكون تلك الممارسة خالية من تلك المواصفات، وفاقدة لتلك الشروط، بمقدار ما تعطي دلالاتها السلبية على تلك المدرسة، وذاك المجتمع الذي يقيمها.

12- إن ما تقدم في النقطة السابقة، يشير إلى طبيعة المسؤولية التي تترتّب على الممارسة الشعائرية وخطورتها، وأنها ترتبط بصورة المدرسة الفكرية التي تعبّر عنها تلك الشعائر ومكانتها، أي مدرسة أهل البيت(ع)، ورسالة الحسين(ع)، وثورته. حيث إن طبيعة الممارسة الشعائرية، قد تقدم تلك المدرسة بشكلٍ مشرقٍ، وصحيحٍ، وراقٍ، وهادف، وقد لا تنجح في ذلك.

ب)التوصيات:

توجد مجموعة من التوصيات التي ينبغي الإلفات إليها في هذا الشأن، وسوف نبدأ فيها من حيث انتهينا في البحث.

يجب أن ندرك حجم المسؤولية، وخطورتها في موضوع الشعائر وممارستها، وأن نعمل على تنمية حسّ المسؤولية والوعي بها، من حيث النتائج والدلالات، التي تترتب على تلك الشعائر وممارستها على أكثر من مستوى.
التجرّد عن الذاتية في الممارسة الشعائرية والتطبيق الشعائري، سواء كانت هذه الذاتية فردية، أم فئوية. لأنّ هذا التجرّد هو من أهم العوامل المساعدة على صوابية الممارسة والتطبيق.
إضافة إلى ما سبق، يمكن القول بضرورة عدم التعصب للرأي، لأنه من أخطر الآفات التي قد تقفل الباب على إمكانية الاهتداء إلى الصواب، وإدارة الاختلاف بشكل صحيح ومفيد. بل إن طريقة ممارسة الاختلاف تعبّر- فيما تعبّر عنه – عن وعي المختلفين ومستواهم الثقافي، ومدى التزامهم بالقيم الدينية التي يدعون إليها.
اعتماد الحوار، وأخلاقياته، وأساليبه في هذا الموضوع، لأنه المدخل الصحيح والضروري لتطوير الوعي الشعائري لدينا، وتنمية الثقافة الشعائرية في مجتمعاتنا، بطريقة تساعد على تحقيق أهداف الشعائر، وبلوغ مقاصدها.
حسن الظن بأهل العلم والدين والحكمة، وأصحاب التجربة والعقل. لأنه الشرط الأساس للإستفادة منهم، ومن آرائهم، وتجربتهم، في مجمل ما يرتبط بالشعائر وقضاياها.
تعزيز البعد المنهجي والعلمي في معالجة جميع الإشكاليات، والقضايا، التي تتصل بالمنظومة الشعائرية، وموضوعاتها.
متابعة البحث في المنهج ( منهج التطبيق الشعائري )، لأنه بمقدار ما يَغنى هذا البحث، بمقدار ما يسهم في منهجة الوعي والتفكير في مجمل قضايا الشعائر بشكل أفضل. وهو ما تترتّب عليه العديد من الفوائد والنتائج في مختلف الميادين.
إشباع الموضوعات والإشكاليات الشعائرية دراسة وبحثاً، بجميع أبعادها ذات الصلة، من اجتماعية، وتربوية، وإعلامية، وسيكولوجية، وثقافية… فضلاً عن بعدها الديني.
عدم التأثّر بالمزاج الشعبوي، أو بأيّة عوامل ومؤثرات أخرى غير موضوعية، من قبيل الحماسة المفرطة، وغيرها من العوامل، بعيداّ عن التزام الضوابط، والمعايير المنهجية في الصناعة الشعائرية، وممارسة الشعائر.
عدم التأثر في المقابل بأية عوامل أو مؤثرات، قد تدفع بعيداً عن حمل رسالة الشعائر، وتأديتها بثقة عالية، وعزّة كافية بالهوية، والولاء، وممارسته في الإطار الشعائري.
عدم التردد في مغادرة أيّة ممارسة شعائرية، يتبيّن بالدليل أنها لا تخدم رسالة الشعائر، ولا تنسجم مع قيمها، أو أنها يترتّب عليها من السلبيات ما يفوق إيجابيات تلك الممارسة.
العمل على تطوير جميع الآليات، والأدوات المنهجية، وغير المنهجية التي تؤسس لدينامية تطوير دائمة، وخلاّقة في الإطار الشعائري.
السعي الدائم إلى اجتراح واستحداث أعمال، ومصاديق شعائرية جديدة، ذات بُعد فني ( أفلام، مسلسلات..)، أو إعلامي، أو غير ذلك، قد تكون لديها قدرات تعبيرية كبيرة جداً واستثنائية، بالمقارنة مع غيرها من الأعمال والمصاديق.
رصد ومتابعة جميع المتغيرات أو التطورات العلمية، أو الاجتماعية، مما له دخل في التطوير الشعائري، بهدف الإفادة منها في هذا المجال.
الالتفات إلى أن أيّة ممارسة شعائرية – على مستوى دلالاتها وآثارها – لم تعد مغلقة على بيئتها المجتمعية الضيّقة، كما كان عليه الحال في الماضي.
أن يبقى الانشداد دائماً في أيّة معالجة، أو ممارسة شعائرية إلى رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، التي كانت من أجلها، وبهدف التعبيرعنها.
أن يكون الإخلاص أساس أي مشاركة أو إسهام في أي عمل شعائري، لأنه الشرط الأساس في سلامة العمل، وقدرته على بلوغ مقاصده.

المقترحات:
لتحقيق مجمل الأهداف والتوصيات ذات الصلة بالشعائر ووظائفها ومقاصدها، يمكن تقديم المقترحات التالية:

بناء آليات للتواصل الفعّال، والمنظّم، والهادف، بين مختلف الجهات التي تعنى بموضوع الشعائر، ومجالاتها، بهدف التفاعل الإيجابي والبنّاء لتنمية الوعي بالشعائر، وتطوير القدرة على حمل رسالتها، وتأدية جميع وظائفها.
المبادرة إلى إنشاء مؤسسة تعنى بالظاهرة الشعائرية وجميع ما يرتبط بها، تملك من الخبرات والإمكانيات ما يساعدها على العمل الجادّ لتنمية تلك الظاهرة وتطويرها، والقيام بمجمل المهام والوظائف التي تتصل بها وبقضاياها. وقد يضاف إلى الاهتمام بتلك الظاهرة الشعائرية جميع ما يرتبط بالخطاب العاشورائي وموضوعاته.
قد يكون من المجدي والمفيد في هذ الإطار العمل على تنظيم مؤتمر دولي يعالج جميع إشكاليات الشعائر وقضاياها. تحتشد فيه أهم الخبرات والطاقات العلمية ذات الصلة، وتسوده جميع أجواء التفاعل الإيجابي والبنّاء، بهدف تبادل الأفكار والخبرات، لتطوير الوعي الشعائري، وتنمية تلك الظاهرة الشعائرية بشكل مستديم، وصحيح، وفعّال.
 

[1] – المراد بهذه المصاديق في هذا البحث هو المصاديق غير المنصوصة، والتي لا دليل واضح وثابت عليها، وإنما وقعت مورداً للجدل والنقاش.

[2] – المعجم الوسيط، إستانبول، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط2،ص485.

[3] – الحر العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1414هـ ق، ط1، ج5، ص137.

[4] – لقد بادر سماحة العلامة السيد محمد حسن ترحيني إلى تأليف مصنّف خاص بالشعائر الحسينية المنصوصة. وقد طبع في سنة 2002م في بيروت بعنوان: الشعائر الحسينية المنصوصة (بيروت، دار الهادي).

[5] – انظر على سبيل المثال: السيد محمود الهاشمي، الصراط (أجوبة الاستفتاءات)، مركز أهل البيت(ع) للفقه والمعارف الإسلامية، 2014م، ط1، ص ص:407-410؛ كما يمكن مراجة تقرير محاضرات الشيخ محمد السند في هذا الموضوع، والتي طبعت بعنوان: الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد، قم، دار الغدير، 2003م، ط1، ص ص:178-186.

*أستاذ جامعي وباحث لبناني.




كيف أصبحت كربلاء ملحمة عبرت حدود الأديان والشعوب

بقلم: محمد يسري — في العاشر من شهر محرم عام 61هـ، وقعت مذبحة كربلاء، التي استشهد فيها الحسين بن علي حفيد الرسول الكريم، وبضع عشرات من أقربائه وأنصاره، على يد الجيش الأموي الذي قطع طريق رحلتهم إلى الكوفة.
كربلاء، التي ردد فيها الحسين جملته الخالدة “هيهات منا الذلة”، لم تكن مجرد موقعة حربية، مثل أي موقعة مشابهة في تاريخ المسلمين الطويل، بل إنها ومع مرور الوقت، قد استأثرت لنفسها بمكانة خاصة ومتميزة، فأضحت علامة فارقة في تاريخ الإسلام السياسي والمذهبي.

يتناول المقال بعض التجليات والتأثيرات التي أحدثتها الملحمة الكربلائية الحسينية، في مجالات الشعر والأدب والفن عند المسلمين.

الشعر الكربلائي: تخليد بطولة الحسين في ديوان العرب

لما كان الشعر هو ديوان العرب، وميدان تفاخرهم وتنافسهم مع بعضهم البعض، وطدت كربلاء لنفسها مكاناً هاماً في قصائد وأبيات الشعراء العرب منذ استشهاد الحسين في 61هـ وحتى اللحظة الراهنة.

وقد وجدت الكثير من الروايات التي أظهرت حرص الأئمة الشيعة على قرض وإنشاد الشعر في مصيبة كربلاء، ومن ذلك ما ورد في كتاب عيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي، عن الإمام جعفر الصادق، من قوله “ما قال فينا قائل بيت شعر، حتى يؤيد بروح القدس”، وقوله “ما من أحد قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى له، إلا أوجب الله له الجنة، وغفر له”.

وقد بقي إنشاد الشعر في كربلاء وبطلها ملمحاً فارقاً، يميز جميع الدول الشيعية التي قامت في التاريخ الإسلامي، حيث تؤكد المصادر التاريخية على تشجيع الحكام البويهيين والفاطميين والصفويين على تذكر مصاب الحسين وأهل بيته، وعلى إغداقهم الأموال على الشعراء المتخصصين في ذلك المجال.

الدعم المادي والمعنوي الذي لاقاه الشعراء، نتج عنه مع مرور الوقت، ما يُعرف باسم الشعر الكربلائي أو أدب الطف، وهو عبارة عن نوعية معينة من الشعر المعني بمظلومية الحسين وتبيان حقه المهضوم.

وفي كتابه المعنون بـ“المنتخب من الشعر الكربلائي”، يُحصي الباحث اللبناني حسن محمد نور الدين، أسماء ما يزيد عن 100 شاعر وضعوا قصائد متعلقة بالحسين وكربلاء.

المهم هنا، أن السياق المذهبي لم يستأثر وحده بمظلومية الحسين، والدليل على ذلك يتمثل في كون الكثير من هؤلاء الشعراء لم يكونوا من الشيعة، بل كان بعضهم من أهل السنة والجماعة، الذين هزت مأساة كربلاء وجدانهم وحركت عاطفتهم وأفئدتهم، ومن هؤلاء البوصيري صاحب قصيدة البردة الشهيرة، والشبراوي شيخ الأزهر الأسبق، وشاعر الهند محمد إقبال.
وفي العصر الحديث أيضاً، استطاعت كربلاء أن تفرض نفسها على المبدعين والشعراء، فنرى بعضاً منهم، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم الدينية والفكرية، يصدعون بتعاطفهم مع شهيد الطف وقضيته العادلة.
من هؤلاء الشاعر السوري الشهير نزار قباني، الذي لطالما عُرف بقائده الرومانسية الحالمة، حيث كان من أكثر الشعراء الذين تأثروا بمأساة الحسين في كربلاء، فنراه يستدعيها في كل حادثة أو موقف مهم يمر به.
ففي رثائه لجمال عبد الناصر في 1970م، قال مستحضراً المشهد الكربلائي الأليم:

قتلناكَ …

ليس جديداً علينا

اغتيال الصحابة والأولياء

فكم من رسول قتلنا…

وكم من إمام ذبحناه

وهو يصلي صلاة العشاء

فتاريخنا كله محنةٌ

وأيامنا كلها كربلاءُ

قتلناك.

وفي عام 1985م، أنشد قباني قصيدته الذائعة الصيت، والمعنونة بـ“جلودنا مختومة بختم كربلاء”، والتي أعلن فيها عن رأيه بأن كربلاء تمثل رمزياً كل مشكلات العالم العربي المعاصرة، وقد جاء في تلك القصيدة:

مواطنون دونما وطن

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دون أوراق… موتى دونما كفن…

مواطنون نحن في مدائن البكاء

قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء

حنطتنا معجونة بلحم كربلاء

طعامنا… شرابنا

عاداتنا… راياتنا

زهورنا… قبورنا

جلودنا مختومة بختم كربلاء.

ومن الشعراء المصريين المعاصرين الذين أنشدوا الشعر في الحسين، كل من أحمد عبد المعطي حجازي وفاروق جويدة وأحمد بخيت، وغيرهم كُثر.

وإن كان الشاعر المصري أمل دنقل قد اشتهر بقصائده القوية التي استحضرت حكايات الزير سالم وحرب البسوس، فإنه في الوقت ذاته لم يكن بقادر على أن يهمل مأساة الحسين بكل ما يحيط بها من ألم ومعاناة وشجن، فنراه في قصيدته (من أوراق أبي نواس)، يقول موضحاً دور المطامع المادية في المأساة الحسينية:

كنتُ في كربلاء..

قال لي الشيخُ: إنّ الحسين

ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءٍ

وتساءلتُ: كيف السيوفُ استباحت بني الأكرمين؟

فأجابَ الذي بصّرته السماء

إنه الذهب المتلألئ في كل عين

… ماتَ من أجلِ جرعةِ ماء.

من اللافت للنظر، أن ملحمة كربلاء قد استطاعت أن تخرج من الدائرتين الدينية والعرقية، واللتان تكونت فيهما أول ما ظهرت، وهو الأمر الذي صبغها بصبغة إنسانية عالمية، ووسع من مجال انتشار وتأثير أفكارها ومبادئها الرئيسة.

فهناك عدد من الأدباء المسيحيين العرب الذين دونوا بعض المؤلفات المرتبطة بواقعة الطف، منهم على سبيل المثال، الشاعر اللبناني بولس سلامة الذي كتب ملحمة الغدير، وعبد المسيح أنطاكي الذي كتب الملحمة العلوية، وريمون قسيس الذي كتب ملحمة الحسين، وجورجي زيدان الذي كتب غادة كربلاء.

كما أن أصداء كربلاء قد وصلت إلى عدد من البلاد الأوروبية والأسيوية والأفريقية، ودخلت في تشكيل الأدب الشعبي فيها، ففي القرن العاشر الهجري، ألف الشيخ حسين الكاشفي، كتابه “روضة الشهداء” باللغة الفارسية، واحتوى هذا الكتاب على قصة بطولة الحسين في كربلاء، وانتشر هذا الكتاب في أقاليم فارس بشكل واسع، مما دفع محمد بن سليمان فضولي البغدادي إلى ترجمته للغة التركية، وسماه “حديقة السعداء”، وقد ذاع هذا الكتاب بين الشعوب التي تتحدث باللغة التركية، وأثر كثيراً في تطور الأدب الشعبي التركي.

وفي ألبانيا، كتب الأديب الألباني المعروف نعيم فراشري، ملحمة كربلاء، في نهايات القرن التاسع عشر، واستطاعت تلك الملحمة، بما تحمله من مبادئ وقيم مستمدة من نهضة الحسين، أن تؤثر كثيراً في توحيد صف الشعب الألباني والتأكيد على الروح الوطنية، في الفترة التي أعقبت الانفصال عن السلطنة العثمانية، مما حدا بالنظام الشيوعي الحاكم وقتئذ لمصادرتها ووقف طباعتها.

وبحسب بعض المصادر الشيعية، فإن الملحمة الحسينية، قد وصلت تأثيراتها إلى الهند، حيث ظهرت بعض الجماعات التي تؤمن بأن أحد الرهبان الهنود، كان قد سافر إلى العراق، حيث التقى بالحسين، وشارك معه في معركته المصيرية، واستشهد أثناء الدفاع عنه.

ورغم المبالغة الواضحة في القصة، التي لا توجد لها أي شواهد علمية أو منطقية، إلا أنها تعبر بشكل واضح، عن مدى تأثير كربلاء في المخيلة الجمعية لبعض الشعوب البعيدة جغرافياً عن العراق، مثل الشعب الهندي.

أما في مصر، فقد ورد ذكر الحسين في بعض من كبار الأعمال الأدبية المؤثرة، ففي مسرحيته المشهورة، مجنون ليلى، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي، واصفاً شهيد كربلاء بقوله:

“كان الحسين بن علي كعبة القلوب والأبصار في جزيرة العرب بعد أن قُتل أبوه علي ومات أخوه الحسن. وكذلك ظلّ الحسين قائماً في نفوس الناس صورة مقدسة للإسلام تستمد أنضر ألوانها من صلته القريبة بجده رسول الله وبنوّته لرجل كان أشدّ الناس زهداً واستصغاراً لدنياه، وكذلك ظهرت بلاد العرب وقلبها يخفق باسم الحسين”.

ولم يقتصر الحضور الكربلائي في الأدب الشعبي المصري، على ما ورد في النص السابق، بل استمر هذا الحضور طاغياً، حيث تم استدعاء تلك الملحمة بكل ما تحمله من دلالات وإشارات عميقة المغزى، في بعض من أشد لحظات التاريخ المصري الحديث حرجاً وخطورة.

على سبيل المثال، كانت نكسة حزيران 1967م، وانكسار الجيش العربي أمام القوات الصهيونية، سبباً في كتابة عبد الرحمن الشرقاوي، لرائعتيه الحسين ثائراً والحسين شهيداً.

وكتب الشرقاوي في صفحة الإهداء، مفسراً لاختياره شخصية الحسين تحديداً، لبطولة أحداث روايته، دوناً عن باقي الشخصيات التي يزخر بها التاريخ الإسلامي الطويل:

“إلى ذكرى أمي أهدي مسرحيتي الحسين ثائراً والحسين شهيداً لقد حاولت من خلالهما أن أقدم للقارئ والمشاهد المسرحي فيه أروع بطولة عرفها التاريخ الإنساني كله دون أن أتورط في تسجيل التاريخ بشخوصه وتفاصيله التي لا أملك أن أقطع فيها بيقين، إلى ذكرى أمي التي علمتني منذ طفولتي أن أحب الحسين ذلك الحب الحزين الذي يخالطه أغلب الإعجاب والإكبار والشجن ويثير في النفس أسى غامضاً وحنيناً إلى العدل والحرية والإخاء وأحلام الإخلاص”.

كربلاء على الشاشة: حضور إيراني قوي وتواجد عربي هامشي

جرت العادة، في الأوساط الشيعية، أن يتم تمثيل مشاهد واقعة الطف، في يوم العاشر من محرم، حيث يتم استرجاع تلك اللحظات الأليمة بكل ما يحيط بها من قداسة ومهابة وإجلال.
وفي الوقت ذاته، فإنه قد تم إنتاج العديد من الأفلام والمسلسلات، التي تناولت أحداث كربلاء، إما بصورة مباشرة أو بشكل غير مباشر.
أغلب تلك الأعمال، تم انتاجها في إيران، وبعضاً منها أُنتج في بعض الدول العربية التي يمثل الشيعة بها أغلبية أو حضوراً عددياً كبيراً ومؤثراً. من أبرز تلك الأعمال، مسلسل مختار نامة، الذي أذيع على الشاشات الإيرانية في 2011م، ولاقى نجاحاً جماهيرياً كبيراً، داخل إيران وخارجها.

ويتناول المسلسل قصة انتقام المختار بن أبي عبيدة الثقفي من قتلة الحسين، حيث خصص المسلسل حيزاً كبيراً لعرض ما وقع في كربلاء، وذلك من خلال مشاهد مؤثرة تم اقتطاع بعضها ومُنع من العرض.
هناك أيضاً، فيلم يوم الواقعة، الذي تم انتاجه في عام 1994م، ويروي قصة شاب مسيحي يدعى عبد الله النصراني يسمع أثناء مراسم زواجه بثورة الإمام الحسين، فيقرر الالتحاق بركبه في كربلاء ولكنه يصل متأخراً ليشاهد الرأس الشريف للإمام مرفوعاً على أسنة الرماح.

وكذلك فيلم ضياء الفجر، الذي أُنتج في 2001م، ويتعرض لبعض جوانب معركة كربلاء.

وفيلم السفير، الذي يتناول المرحلة التاريخية التي سبقت استشهاد الحسين في كربلاء، والتي أرسل فيها بقيس بن مسهر إلى الكوفة للتأكد من نوايا أهلها، وعزمهم على الوقوف معه في ثورته.

ومن الأعمال التي أرخت لأحداث تلك الملحمة، ولم يتم عرضها حتى الأن، فيلم القربان أو رستاخيز، وهو فيلم إيراني تم انتاجه في عام 2014م، وشارك في بطولته نخبة من الممثلين الإيرانيين والعرب، وعُرض بشكل محدود في إيران والعراق، وإن لم يتم طرحه في دور العرض السينمائي بشكل موسع في باقي الدول العربية.

ومن الجدير بالذكر، أن هناك بعض المحاولات التي عملت على إنتاج عمل فني مصري يتناول فاجعة كربلاء، وكان أهمها على الإطلاق محاولة تجسيد مسرحية الحسين ثائراً وشهيداً، وهو الأمر الذي تعرض للرفض من جانب الرقابة المصرية، بدعوى عدم الموافقة على ظهور شخصيات أهل البيت والصحابة على الشاشة.

صورة المقالة عن معركة كربلاء من مقتنيات متحف بروكلين.

المصدر: رصيق 22




كربلاء.. معركة استعادة روح الإسلام

خاص موقع “شجون عربية” — بقلم البرفيسور عبد العزيز ساشدينا* — أصبح “روح الإسلام” في خطر. بدأ ذلك فقط بعد عقود عدة من رحيل الرسول الأعظم(ص) عن هذا العالم في 632 قبل الميلاد. عندما أصبح لدى المسلمين شعور بالرضا عن البعد الداخلي للالتزام بعقيدتهم وهو البعد الذي يتطلب يقظة مستمرة للحفاظ على مقدرتهم الروحية والأخلاقية، أي التقوى. مات ضمير المسلمين مع ظهور الازدهار والثراء الفاحش الذي جاء نتيجة للفتوحات والغزوات الإقليمية لمناطق ما بين نهري النيل وجيحون، كذلك وصل الخدر الأخلاقي إلى روح الإسلام- إلى الكتاب المقدس والقرآن وإلى الدعوة والسنة النبوية.
وقد لاحظ بعض أصحاب النبي الورعين الأزمة القادمة حتى أنهم قاموا بتحذير الحكام من تلك الكارثة الوشيكة التي من الممكن أن تطيح بروح الإسلام. لكن من الجدير بالذكر أن القرن الأول للهجرة كان فترة الانتصارات العالمية للأمة، إلا أنه كان لهذا النجاح الكبير في توسيع نطاق المكاسب الإقليمية على الأرض أثراً سلبياً على القادة السياسيين الأوائل للامبراطورية الإسلامية. ومع مرور الزمن، بدأ يقاس الإسلام بنسبة نجاحه الدنيوي على حساب جوهره. لاسيما وأنه كلما قام المسلمون بقياس الإسلام بنجاحه المادي قاموا بإضعاف أساسه الروحي والأخلاقي. إذ تم تلفيق عدد من الأحاديث النبوية وتم طرحها للتداول وذلك لتبرير هذا الميل تجاه مادية الجاهلية أي عصر الجهل والذي كان الهدف الرئيسي من البعثة النبوية في مكة والمدينة.
وبكل الأحوال كان ذلك القرن الأول هو الفترة التكوينية الأولى في التاريخ الإسلامي، إذ تم فيه تحديد صيغة التطورات اللاحقة في القانون والعلاقات الإنسانية. وليس من المبالغة القول بأنه تاريخياً كان مرحلة حرجة من الاختبارات الصعبة والتمحيص الدقيق وذلك من أجل التمييز بين شكل ومضمون الحياة كما علّمنا النبي(ص). ومما لا شك فيه أن “الشكل” هو مظهر الشيء من الخارج؛ أما “المضمون” فهو الحقيقة الداخلية غير المرئية. لذلك تحتاج الحقيقة اللامرئية للإسلام إلى قلب مخلص ومؤمن أي تحتاج إلى الضمير لكي يشهد على جوهره الخالص أي على روح الإسلام. ولهذا انتقد القرآن الكريم الناس لعدم استخدامهم لقلوبهم أي ما تمليه عليهم ضمائرهم من أجل فهم المعنى الحقيقي “للخضوع” لإرداة الله أي (للإسلام) حيث جاء في (سورة الحج الآية 46): {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. وبذلك يكشف القرآن الكريم عن خلل رئيسي في عموم الناس الذين لا يعون أن ما يرونه هو مجرد حجاب فوق الحقيقة فالكون ليس كما يبدو عليه. وفي هذ السياق، يتوجب على المرء تنمية رؤية بعيدة المدى لكي يدعو كما دعا النبي(ص) بقوله: “إلهي، أرني الأشياء كما هي!”، خاصةً وأن المسلمين عادةً ما يقومون بأداء الأعمال العبادية من دون التأمل في عواقبها الروحية والأخلاقية. وبالطبع مثل هكذا إهمال سيؤدي أيضاً إلى عدم الاكتراث بالمظالم السياسية والاجتماعية التي تحدث في المجتمع. واستمر ذلك إلى أن وصلت تلك التطورات المحبطة إلى ذروتها في سنة 61 للهجرة أي (680 للميلاد).

نشأة الحسين بن علي
نشأ حفيد الرسول الأعظم(ص)، الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في بيت النبوة، حيث الاهتمام على الشكل والمضمون معاً، أي شوهدت الأمور على حقيقتها، خاصةً وقد تحلّت العائلة النبوية المؤلفة من النبي الأعظم محمد والإمام علي وفاطمة الزهراء (سلام الله عليهم أجمعين) بجميع السمات البارزة التي يجب أن يتمتع بها قائد الأمة المستقبلي. إذ لطالما سجّل التاريخ الكثير من المظالم التي تعرّضوا لها من أجل ترسيخ الجوهر الداخلي للإيمان، أي روح الإسلام كما جاء به القرآن الكريم والرسالة النبوية الكاملة والسنة النبوية.
وفي أعقاب وفاة الرسول الأعظم، بدأت عملية تعريض روح الإسلام للخطر، لاسيّما وأن المجتمع آنذاك لم يولِ اهتماماً كبيراً للأمثلة الحية لأهل البيت الذين يمثلون الإسلام الحقيقي، إذ مع مرور السنين بدأت مرآة الضمير الحي للإسلام تُصاب بالصدأ.
الإمام الحسين(ع) قد تحلّى بتلك الرؤية الحساسة التي تحلّى بها أبوه الإمام علي(ع) وأخوه الإمام الحسن(ع)، والتي لاحظوا من خلالها الوضع الحرج آنذاك، لكنهم وُوجِهوا من قبل المجتمع في فترة ما بعد النبوة. لكن بحلول العام 60 للهجرة (679-80 م) كان الخطر قد وصل إلى مرحلة لا يمكن للإمام الحسين(ع) أن يتجاهلها بسهولة، وقد عبّر عن ذلك في واحدة من خطبه التي ألقاها أثناء رحلته إلى العراق وحتى آخر يوم من حياته وهو يوم عاشوراء. إذ علّق على الوضع الذي يواجهه الإسلام من خلال كلمته أمام جيش الحر بن يزيد الرياحي الذي جاء لاعتقال الإمام الحسين(ع) ومنعه من الوصول إلى الكوفة حيث عبّر بقوله:
“وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ من غير”(تاريخ الطبري، المجلد الخامس، الصفحة 229)
وذلك تحوّلت كربلاء إلى النموذج عن تلك المعركة التي من الممكن أن تخوضها بقصد إحياء ضمير المسلمين الذي أصبح بعيداً عن روح الإسلام. وبالفعل، وفي مثل هذه الأيام من سنة 61 للهجرة كان القرآن الكريم في خطر وتم التخلّي عن الرسالة النبوية بسبب العادات الجاهلية. لذلك لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن الإمام الحسين(ع) ضحى بنفسه من أجل الدفاع عن روح الإسلام في العام 61 ه، والآن جاء دورنا لنسير على نهجه لكي نحارب اللامبالاة تجاه الأهداف الروحية والأخلاقية للإسلام. فالإسلام يحيا مع كل إحياء لكربلاء.

*البروفيسور عبد العزيز ساشدينا أستاذ في جامعة جورج مايسون، ومؤلف لعدد من الكتب والدراسات أبرزها: “المسيانية في الإسلام: نظرية الإمام المهدي لدى الشيعة”، و”السلطان العادل”، و”الجذور الإسلامية للديموقراطية التعددية”.

نقل النص الى العربية: عبدالله شحادة




سبعة أمور لا تعرفونها عن واقعة كربلاء

hUSSEIN7

بقلم: محمد يسري* — في يوم الاثنين العاشر من شهر محرم سنة 61ه، الموافق 12 أكتوبر 680م، جرت حادثة كبرى في أرض كربلاء، التي تقع في العراق، وهي مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وجماعة من أهله وأصحابه على يد الجيش الأموي، الذي اعترض طريق الحسين ومن معه أثناء توجههم إلى الكوفة.
تُعتبر هذه الحادثة من أهم التحولات التي جرت في التاريخ الإسلامي كله، فمقتل الحسين حفيد الرسول، وابن ابنته فاطمة الزهراء بتلك الطريقة البشعة، مثّل صدمة كبرى للمسلمين. وبات المسلمون سنة وشيعة، يستذكرون مأساة أهل بيت نبيّهم، كلما حلّت بهم ذكرى عاشوراء. وعلى الرغم من شهرة تلك الحادثة، وتواتر أخبارها، فإن هناك أسئلة عدة مرتبطة بها، لا تزال مجهولة عند الكثير من المسلمين.
وفي ذكرى عاشوراء، حاول موقع “رصيف22” أن يقدم لقرائه إجابات عن سبعة أسئلة متصلة بتلك الحادثة الأليمة.

هل تنبأ الرسول بقتل الحسين في كربلاء حقاً؟
يعتقد عموم الشيعة الإمامية أن الرسول تنبأ بمقتل الإمام الحسين في كربلاء منذ صغره، كما يعتقدون أن الحسين كان يعرف مصيره قبل أن يتوجه إلى كربلاء. فالشيخ الشيعي محمود الشريفي ينقل في كتابه “كلمات الإمام الحسين”، أن الروايات الشيعية تتفق على أن الحسين حين وصل إلى كربلاء قال: “هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا”.
ولا تنحصر الروايات التي تنبأت بمقتل الحسين في كتب الشيعة فقط، بل الحقيقة أن الكتب السنية امتلأت أيضاً بالأحاديث النبوية التي تذكر قتل الحسين وموضع قتله. فيذكر ابن عساكر (571ه) في “تاريخ دمشق”، عن عائشة أم المؤمنين، أنها سمعت من الرسول، أنه “يُقتل الحسين في أرض بابل”. كما أن عدداً من كتب الحديث السنية مثل “مسند أحمد بن حنبل”، و”المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري”، تذكر أن جبريل أتى الرسول، وأخبره بمقتل الحسين في أرض الطف، الأمر الذي أبكى الرسول وأحزنه.
وما يؤكد تلك الأحاديث السابقة، أن عدداً كبيراً من الشيوخ وعلماء الحديث السنة المعاصرين صححوها ووثقوها مثل العلامة أحمد شاكر والشيخ الألباني.

hUSSEIN2

ما هو موقف الصحابة من خروج الحسين لكربلاء؟
قد يكون المعتقد السائد لدى الجزء الأكبر من المسلمين، أن الصحابة وقفوا مع الحسين في محنته، ولم يتخلوا عنه أو يتركوه وحيداً لمصيره المفجع، ولكن الحقيقة التاريخية تختلف كثيراً عن ذلك المعتقد المثالي.
عام 61ه، كان الكثير من الصحابة قضوا نحبهم، إما في الغزوات والفتوحات الإسلامية، وإما في الحروب الأهلية التي جرت عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وإما لانقضاء أجلهم ووفاتهم بشكل طبيعي.

أدى ذلك إلى ظهور جيل جديد من الصحابة، وشارك في الأحداث السياسية بقوة. وأهم زعماء هذا الجيل هم العبادلة الثلاثة، عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن العباس، ومعهم الحسين بن علي.
وتراوح موقف كل منهم تجاه خروج الحسين بحسب مبادئه واعتقاده ومصلحته الشخصية. فعبد الله بن عمر لم يثبت عنه في كتب التاريخ أنه نصح الحسين أو نهاه عن الخروج. فكان ابن عمر يرى ضرورة طاعة الحاكم لا الخروج عليه أو الثورة ضده.
أما إبن الزبير فتتفق الكتب التاريخية، ومنها تاريخ الطبري والكامل لإبن الأثير ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، على كونه قد شجّع الحسين على الخروج إلى العراق والثورة على يزيد بن معاوية، فكان مما قاله له: “فما يحبسك، فوالله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شيء”.
وكان غرض إبن الزبير أن يخرج الحسين من مكة، فيتفق المكيون عليه هو إن أعلن الثورة في ما بعد، الأمر الذي حدث فعلاً بعد مقتل الحسين.
أما عبد الله بن العباس، فقد حاول أن يمنع الحسين من الخروج بكل طريقة ممكنة، حتى ورد في “مقاتل الطالبيين”، أن إبن العباس قال للحسين: “والله لو أعلم أني إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك، وأدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليّ وعليك، كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن إعلم أن الله بالغ أمره”.

hUSSEIN3

من هو قائد الجيش الأموي في كربلاء؟

من المعلومات التي يجهلها الكثير من المسلمين، أن قائد الجيش الأموي الذي اعترض الحسين وقتله، هو عمر بن سعد بن أبي وقاص، وسعد بن أبي وقاص هو واحد من كبار الصحابة، والسابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بحسب روايات أهل السنّة. كما أن له دوراً كبيراً في فتوحات المسلمين في العراق، إذ كان قائداً لجيش المسلمين في معركة القادسية.
ولعل السؤال الذي يدور في ذهن القارئ حول السبب الذي يجعل من إبن هذا الصحابي، قائداً للجيش المكلف بقتل حفيد الرسول(ص).
الإجابة ببساطة هي المصالح الدنيوية، فالعديد من الكتب التاريخية تتحدث عن رغبة عمر بن سعد العارمة في تولي منصب أمير الري، الأمر الذي استغله الأمويون وواليهم على الكوفة “عبيد الله بن زياد”.
يذكر إبن العمراني في كتابه “الإنباء في تاريخ الخلفاء” أن إبن زياد قال: “من أتاني برأس الحسين فله الري، فتقدم إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص وقال له: أيها الأمير إكتب لي عهد الري حتى أفعل ما تأمر”. وبالفعل، صدق والي الكوفة بوعده، وعيّن عمر بن سعد في منصب حاكم الري بعد مقتل الحسين.

hUSSEIN4

من هو قاتل الحسين؟
تختلف المصادر التاريخية بشكل كبير في تحديد اسم قاتل الحسين، لأن جماعة من الجيش الأموي اشتركت في قتله. لكن مع ذلك يبقى “شمر بن ذي الجوشن”، هو الإسم الذي تذكره معظم الروايات على أنه الشخص الذي أجهز تماماً على الحسين وقطع رأسه وفصله عن جسده. وكل ما نعرفه عن شمر هو أنه كان مصاباً بالبرص ودميم الخلقة، وأنه سارع إلى والي الكوفة مطالباً بالجوائز والذهب والفضة بعد قطعه رأس الحسين. وقد أضحى شمر نموذجاً ومثالاً للشر الكامل في العقلية الشيعية، حتى صار عذابه يوم القيامة مضرب الأمثال، فيقال “فلان أشد عذاباً من شمر”.

من قُتل مع الحسين في كربلاء؟
استشهد مع الإمام الحسين الكثير من أنصاره وأهل بيته وأقاربه، ويقول “ابن كثير” إن عددهم 23 رجلاً. وكان أول من قُتل منهم هو “مسلم بن عقيل بن أبي طالب”، الذي أرسله الحسين إلى الكوفة لمقابلة أنصاره وحشدهم في انتظار قدومه عليهم، لكن والي الكوفة تنبه إلى قدومه فقبض عليه وقتله.
أما في المعركة نفسها، فقُتل العديد من أبناء الحسين وإخوته. وأشهرهم أخوه “العباس بن علي”، الذي كان يُعرف بقمر بني هاشم. وتناول أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “مقاتل الطالبيين”، قصة مقتله أثناء إحضاره للماء لسقاية الحسين، حين أحاط به جمع من الأمويين فقطعوا يده اليمنى ثم اليسرى، ثم أجهزوا عليه تماماً ومنعوه من توصيل الماء لمعسكر الحسين.
ويحتل العباس موقعاً متميزاً في المذهب الشيعي، ويزور ضريحه في كربلاء الكثير من الشيعة، وتُنسب له الكرامات والخوارق، كما اشتهر بلقب “ساقي العطاشى”.
ويعتبر “عبد الله” الرضيع إبن الحسين واحداً من أبرز ضحايا مذبحة كربلاء. يذكر أبو الفرج الأصفهاني أن أحد أفراد الجيش الأموي يُدعى حرملة رماه بسهم وهو بين يدي والده فقتله.
ومن أنصار الحسين الذين قتلوا في كربلاء، “زهير بن القين”، الذي يذكر المجلسي في كتابه “بحار الأنوار” شجاعته وبأسه في قتال الأمويين، وأنه لم يُقتل حتى قتل 120 رجلاً وحده. كذلك “الحر بن يزيد الرياحي”، الذي يذكر الطبري في تاريخه، أنه كان أحد قادة الجيش الأموي، فلما عرف نية عمر بن سعد في قتل الحسين وتأكد منها، انضم إلى الحسين وقاتل معه حتى قتل.

hUSSEIN6

من هم الناجون من مذبحة كربلاء؟
استطاع عدد قليل من أهل بيت الحسين النجاة، من هؤلاء “زينب بنت علي بن أبي طالب” و”سكينة بنت الحسين”. كما أن “علي بن الحسين”، زين العابدين أو السجاد، كان الوحيد من أبناء الحسين الذي ظل حياً بعد كربلاء. والسبب في ذلك، بحسب ما يرويه “الذهبي” في كتابه “سير أعلام النبلاء”، أن علي بن الحسين كان مريضاً وقت المعركة فاعتزل القتال، وبقي مع النساء والأطفال، فلما هجم الأمويون على معسكر الحسين قبضوا عليه وأسروه، وأرسلوه مع الباقين إلى الكوفة.
وقد تعرض الناجون من تلك المذبحة إلى المهانة والذل على يد “عبيد الله بن زياد” والي الكوفة، فدخلوا إلى المدينة مكبلين بالحديد والأصفاد، واقتيدوا كما يقتاد الأسرى والعبيد إلى قصر الوالي. وهناك جرت مناظرة رائعة بين زينب وابن أخيها علي من جهة وابن زياد من جهة أخرى.
وبعد ذلك بقليل، تم نقلهم إلى الشام مع رأس الحسين إلى قصر يزيد، وعومل نساء أهل البيت في الطريق كسبايا. وبعد الإفراج عنهم عادوا إلى المدينة المنورة، حيث أقاموا، وبقي فيها علي بن الحسين، لم يخرج منها. وعرف عنه حبه للعلم وانقطاعه للعبادة وبعده عن أمور السياسة والحكم، حتى عُرف باسم “زين العابدين” واشتهر بلقب “السجاد”.
ونلاحظ أن هناك أهمية كبرى لنجاة علي بن الحسين من القتل في معركة كربلاء، بالنسبة لأصحاب المذهب الشيعي. إذ يعتبر الشيعة الإمامية أن علي بن الحسين هو الإمام الرابع في سلسلة أئمتهم الإثني عشر، وقد انتقلت إليه علوم آل البيت بُعيد استشهاد أبيه الحسين في كربلاء.
أين دفن الحسين؟
يتفق الكثير من المؤرخين، مثل الطبري والمسعودي وأبي الفرج الأصفهاني، على أن جسد الإمام الحسين تم دفنه في كربلاء، في ساحة المعركة التي شهدت مقتله. يذكر الداوداري في كتابه “كنز الدرر وجامع الغرر”: “ووجد في الحسين صلوات الله عليه ثلاثة وثلاثين جرحاً، ودفنه أهل الغاضرية من بني أسد، ودفنوا جميع أصحابه بعد قتلهم بيوم واحد بكربلاء”.
أما رأس الحسين، الذي حمله الأمويون معهم إلى الكوفة، فبعث به الوالي إلى الخليفة يزيد بن معاوية في الشام.
وهناك اختلاف وتضارب كبير في الأقوال والروايات حول مصير الرأس بعد وصوله دمشق. يذكر “ابن كثير” الآراء المختلفة بشأن ذلك في كتابه “البداية والنهاية”. فيقول إن الرأي الأول هو أن يزيد بعث برأس الحسين إلى المدينة حيث تم دفنه في البقيع. الرأي الثاني يقول إنه تم الاحتفاظ بالرأس في إحدى الخزائن الأموية، حتى توفي يزيد، فأُخذ الرأس ودفن في دمشق.
أما الرأي الثالث، فهو رأي للمؤرخ المصري تقي الدين المقريزي، الذي ذكر في كتابه “الخطط المقريزية”، أن رأس الحسين دفن في مدينة دمشق ثم تم استخراجه وأعيد دفنه في مدينة عسقلان، وبقي بها حتى بدأت الحروب الصليبية على بلاد الشام، فخاف الفاطميون من استيلاء الصليبيين عليه، فنقلوه إلى مصر ودفنوه في الموضع الذي يوجد في جواره الآن مسجد الحسين المعروف في القاهرة.

*محمد يسري باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية.
المصدر: رصيف 22

الرسوم خاصة لموقع “شجون عربية” وهي للفنان اللبناني أحمد عبدالله.




آمنتُ بالحُسين

بقلم الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري —

فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ تَنَوَّرَ بالأبلَج الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ رَوحاً ، ومن مِسكِها أضوع
ورَعياً ليومِكَ يومِ ” الطُفوف” وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَع
وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ على نهجِكَ النَّيِّرِالمَهْيَع
وصَوتاً لمجدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ بما أنت تأباهُ مِن مُبّدع
فيا ايُّها الوِتْرُ في الخالِدينَ فذّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَع
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ للاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
تعاليتَ مِن مُفْزِعِ للحتُوفِ وبُورك قبرُكَ مِن مَفْزَع
تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد على جانبيه . ومِنْ رُكَّع
شَممتُ ثراكَ فهبَّ النسيمُ نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
وعفَّرتُ خدي بحيثُ استراحَ خدٌّ تفرَّى ولمْ يَضرَع
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُغاةِ جالتْ عليهِ ولم يَخشع
وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ بروحي إلى عالمٍ أرفَع
وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ بصومعةِ المُلْهِمِ المُبْدع
كأنَّ يداً من وراءِ الضريحِ حمراءَ ” مَبتُورَةَ الإِصْبَع ”
تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنوعِ والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَع
تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع
لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير بآخَرَ مُعَشوشِبٍ مُمرِع
وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغارَ خوفاً إلى حَرَمٍ أمنَع
تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي فانْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ وقد حرَّقَتَهُ ولمْ تَزرع
ولم تُخلِ أبراجَها في السماء ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
ولم تَقْطَعِ الشّرَّ مِن جِذْمهِ وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
تعاليتَ من ” فَلَكِ ” قُطْرهُ يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيابنَ ” البتولِ ” وحَسْبي بها ضَماناً على كلْ ما أدَّعي
وبابنَ التي لم يَضَعْ مِثُلها كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويابن البطينِ بلا بِطنةٍ ويابن الفتى الحاسرِ الأنْزَع
ويا غُصْنَ ” هاشِمَ ” لم ينفَتِحْ بأزهرَ منكَ ولم يُفْرِع
ويا واصِلاً مِن نشيدِ ” الخُلود” خِتامَ القصيدةِ بالمطلع
يَسيرُ الورى بركاب الزمانِ مِن مستقيمٍ ومن اظلع
وأنتَ تُسيِّرُ ركْبَ الخلود ما تستَجِدّ له يَتْبَع
تَمثَّلتُ ” يَومكَ ” في خاطري وردَّدت ” صوتَكِ ” في مَسمعي
ومَحَّصتُ أمرَكَ لم ” أرتَهبْ ” بنقلِ ” الرُّواة ” ولم أُخدَع
وقلتُ : لعلَّ دويَّ السنين بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
وما رتَّلَ المخلِصونَ الدُّعاةُ مِن ” مرسِلينَ ” ومن ” سُجَّع ”
ومِنْ ” ناثراتٍ ” عليكَ المساءَ والصُبْحَ بالشَعْرِ والأدمُع
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ على لاصِقٍ بكَ أو مُدَّعي
وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
لعلَّ لِذاكَ و ” كونِ ” الشَّجيِّ وَلُوعاً بكلِّ شَجٍ مُولع
يَداً في اصطباغِ حديثِ ” الحُسين ” بلونٍ أُريدَ لهُ ممتِع
وكانتْ ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةً يدُ الواثقِ المُلْجَأ الألمعى
صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً وكيفَ ومهماً تُرِدْ تَصنع
ولمَّا أزَحْتُ طِلاءَ ” القُرونِ ” وسِتْر الخِداع عنِ المخْدع
أُريدُ ” الحقيقةَ ” في ذاتِها بغيرِ الطبيعة لم تُطْبَع
وجدتكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ بأعظمَ منها ولا أرْوَع
وماذا ! أأروعُ مِنْ أن يكونَ لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
وأنْ تَتَّقي – دُون ما ترتائي – ضميرَكَ بالأسَلِ الشُرَّع
وإنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ ” الأكهلينَ ” إلى الرُّضَّع
وخيرَ بني ” الأمِّ ” مِن هاشمٍ وخيرَ بني ” الأب ” مِن تُبَّع
وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدورِ كانوا وِقاءكَ ، والأذْرع
وقدَّسْتُ ” ذكراكَ” لم أنتحِلْ ثِيابَ التُقاةِ ولم أدَّع
تَقَحَمْتَ صدري وريبُ ” الشكوكِ ” يَضِجُّ بجدرانِه ” الأرْبَع ”
ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب عليَّ من القَلَقِ المُفزع
وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات و ” الطيبينَ “ولم يُقْشَع
إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ تأبَّى وعادَ إلى مَوضع
وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ ” الجدودِ ” إلى الشكِّ فيما معي
إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ من ” مَبدأ” بدمٍ مُشْبَع
فأسلَمَ طَوعاً إليكِ القِياد وأعطاكَ إذعانهََ المُهْطِع
فنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي وقِّوْمتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى سِوى ( العقل) في الشكِّ مِن مَرْجع
بأن ( الإِباء ) ، ووحيَ السماء وفيضَ النبوَّةِ ، مِن مَنْبع
تجمَّعُ في ( جوهرٍ ) خالصٍ تَنَّزهَ عن (عَرَضِ ) المَطْمَع